الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - تعريف المسند إليه:
وإنما هو تعريف المسند إليه على تنكيره، لأن التعريف فيه هو الأصل، والتنكير هو الفرع والأصل مقدم على الفرع.
وإنما كان التعريف في المسند إليه هو الأصل، لأنه - كما قالوا - محكوم عليه، والحكم على المجهول ليس مفيدا.
وقدموا تعريف المسند إليه بالإضمار على تعريفه بسائر أنواع المعارف لأن الضمير عند النحويين هو أعرف المعارف.
ودلالة الضمير على التكلم؛ أو الخطاب؛ أو الغيبة بحث نحوي - وليس بحثا بلاغيا.
ولكن الذي يهم البلاغيين منه: هو أن تخرج الضمائر عن معانيها الحقيقية إلى معان أخرى مجازية؛ لأنها هي التي يراعيها البلغاء في كلامهم.
ولهذا فإننا سوف نثبتها هنا لنتبين بعد ذلك - على هدي من معرفة حقائق معانيها - كيفية خروج الأساليب عن معانيها الحقيقية؛ إلى معانيها المجازية.
وذلك لأن النظم البلاغي - وإن كان هو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم - إلا أن ذلك التتبع مشروط بكونه على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام - كما يقول عبد القاهر الجرجاني.
يكون المسند إليه ضميراً إذا كان المقام للتكلم؛ أو للخطاب؛ أو للغيبة.
فإذا كان المتكلم يتحدث عن نفسه فإنه ينبغي أن يأتي بضمير المتكلم
وهو، (أنا) وذلك كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم "أنا انبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
…
وأسمعت كلماتي من به صمم
يصف شعره بالشهرة والذيوع، إلى درجة نفذ معها إلى بصيرة الأعمى، وسريرة الأصم.
وإذا كان المتكلم يخاطب إنساناً أمامه، فإنه ينبغي أن يأتي بضمير المخاطب (أنت)، وذلك كما في قول أمامة الخنعمية تخاطب عبد الله ابن الدمينة.
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني
…
وأشمت بي من كان فيك يلوم
وإذا كان المتكلم يتحدث عن غائب جاء ذكره في كلامه، أو كان في حكم المذكور، لقرينة فإنه ينبغي أن يأتي بضمير الغائب (هو) كما في قول أبي الطيب يمدح سيف الدولة (1):
لكل امرئ من دهره ما تعودا
…
وعادات سيف الدولة الضرب في العدا
وأن يكذب الأرجاف عنه بضده
…
ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا
ورب مريد ضره ضر نفسه
…
وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى
ومستكبر لم يعرف الله ساعة
…
رأى سيفه في كفه فتشهدا
(1))) ديوان المتنبي جـ 1 صـ 281؛ صـ 282
هو البحر غص فيه إذا كان راكداً
…
على الدر، واحذره إذا كان مزبداً
يقول: إن كل إنسان له في حياته ما تعود عليه من عادات، وعادات سيف الدولة هي ضرب أعدائه وأن يكذب الأعداء فيما يرجفون به من قصوره عنهم، بهزيمته لهم، ويبيت سعيداً بتحرشهم به، لأنه يبيت ظافراً بهم.
ورب قاصد ضره عاد الضر عليه، ورب قائد جيش هدى الجيش إليه، فأسلمه إلى حتفه، فصار غنيمة له، ومتكبر عن الإيمان بالله رأى سيفه في كفه فآمن وأتى بالشهادتين.
فأته مسالما، ولا تأته محارباً، فإنه كالبحر، يسلم الغائص فيه على الدر إذا كان ساكناً، ويحذره إذا كان هائجا مزبداً.
والشاهد في الأبيات قوله (هو البحر) حيث أتى بالمسند إليه ضمير غيبة لأن المقام له لتقدم ذكره في قوله: (وعادات سيف الدولة الضرب في العدا)
ومثال ما هو في حكم المذكر لقرينة: قول الله تعالى: "وإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ" فمرجع الضمير في الآية هو: الرجوع بقرينة قوله: "فارجعوا".
ومنه قول الله تعالى: "ولأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ"، فمرجع الضمير في قوله «مما ترك» هو الميت، لأن قرينة الحال دلت عليه لأن الكلام مسوق لبيان الإرث.
ومما يتصل ببحثنا هذا، قولهم:"وأصل الخطاب أن يكون لمعين، وقد يترك إلى غير معين ليعم الخطاب كل مخاطب".
وتلك - لعمري - شهادة ضمنية منهم بأن أصل وضع الضمير - سواء أكان للخطاب، أو للتكلم، أو للغيبة - إنما هو حقيقة لا يتم الكلام بدونا، وأن الخروج عن هذه الحقيقة هو الذي ينبغي أن يبحثه البلاغي.
فأصل الخطاب أن يكون لمعين - كما قالوا -، فإذا قلت لشخص أمامك: إن أكرمتني أكرمتك كان خطابك موجها إليه وحده لا يتعداه إلى غيره.
ولكنك قد تعدل عن هذا التعيين في الخطاب إلى العموم فيه، فلا توجه خطابك إلى مخاطب معين، ولكن توجهه إلى كل من يتأتى منه الخطاب، كأن تقول:"فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك" فلا تريد مخاطباً معيناً، ولكنك تقصد: أنه إن أكرمه أي إنسان أهانه، وإن أحسن إليه أي إنسان أساء إليه ومعنى ذلك: أن سوء معاملته لا يختص بشخص دون آخر.
وهذا الخروج عن التعيين إلى العموم في الخطاب قد يكون الغرض منه هو التشهير بمن تتحدث عنه، لأنك تريد أن يفتضح أمره أمام الناس جميعا.
ومن شواهد البلاغين في هذا: قول الله تعالى: "ولَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ (1) ".
فالخطاب في الآية الكريمة لم يوجه إلى مخاطب معين، وإنما هو خطاب عام شامل لكل من تتأتى منه الرؤية.
والمقصود بذلك هو: تفظيع حالهم، وتهويل ما وصلت إليه من الشناعة، وأنها قد تناهت في الظهور والافتضاح أمام أهل المحشر إلى درجة يمتنع معها خفاؤها، فلا تختص بها رؤية راء دون راء، ومن ثم فإن هذا الخطاب لا يختص به مخاطب دون مخاطب، بل إن كل من تتأتى منه الرؤية له مدخل في هذا الخطاب (2).
(1))) السجدة: 12
(2)
)) شروح التلخيص حـ 1 صـ 291
ومن ذلك قول جرير في بني تيم (1):
ويقضى الأمر حين تغيب "تيم"
…
ولا يستأذنون وهم شهود
فإنك لو رأيت عبيد "تيم"
…
و"تيماً" قلت: أيهم العبيد؟ !
فالشاعر يهجو قبيلة "تيم" بأنهم قوم محتقرون، وليس لهممن الأمر شيء، فلا هم ينتظرون لأمر، وهم غائبون، ولا هم يستأذنون فيه وهم حاضرون، فشأنهم شأن العبيد، فلو رأيتهم وعبيدهم لما استطعت أن تفرق بينهم لحقارتهم جميعاً.
وقد رأيت أنه لم يوجه خطابه - في البيت الثاني - إلى مخاطب معين بقوله: (رأيت) وقوله: (قلت) وإنما جعله خطابا عاماً، يشمل كل من تتأتى منه الرؤية، وكل من يتأتى منه القول، ليشهر بهم، ويفضح أمرهم بين الناس.
ويكثر هذا الأسلوب - أعني خروج الخطاب عن التعيين إلى العموم - في الحكم والنصائح وذلك لتكون الفائدة عامة شاملة، لا تقتصر على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم ولا على جيل دون جيل.
ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي (2):
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
…
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
…
مضر كوضع السيف في موضع الندى
والشاهد هو البيت الأول، فهو حكمة سائرة كما ترى - ولهذا فإنه لم يوجه الخطاب فيه إلى معين، ليظل حكمة تتوارثها الأجيال.
(1))) العمدة حـ 2 صـ 173
(2)
)) ديوان أبي الطيب حـ 1 صـ 288
ومنه قول بشار بن برد:
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
…
ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه؟ !
فليس المراد منه مخاطبا معينا، بل أرسله الشاعر حكمة سائرة.
ومنه في النصح والإرشاد قول الشاعر:
الجد في الجد، والحرمان في الكسل
…
فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
فالشاعر لم يوجه نصحه في قوله (فانصب) إلى مخاطب معين، وإنما جعل الخطاب فيه عاماً ليعم نصحه كل فرد، ويشمل كل عصر.
ومنه قول أمير الشعراء، من قصيدته في رثاء مصطفى كامل:
المجد والشرف الرفيع صحيفة
…
جعلت لها الأخلاق كالعنوان
وأحب من طول الحياة بذلة
…
قصر يريك تقاصر الأقران
دقات قلب المرء قائلة له
…
إن الحياة دقائق، وثوان!
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها
…
فالذكر للإنسان عمر ثان! !
وتلك حكم أوردها أمير الشعراء، شفعها بنصيحة في البيت الرابع، مخاطبا بها كل من يتأتى منه الخطاب، بأن يعمل لنفسه قبل الموت ما يرتفع
به شأنها من أعمال الخير التي تذكر بها بعد الموت فالذكرى الطيبة للإنسان بعد موته هي بمثابة عمر ثان له.
ومن خروج الخطاب عن التعيين إلى العموم، لكي تشمل الفائدة وتعم: قول مصنفي الكتب:
"علمت أن الأمر كذا وكذا، فاعلم - هداك الله - أنه كذا وكذا" فالخطاب هنا لم يوجه إلى فرد معين، وإنما هو شامل لكل من يقرأ الكتاب.
وأما تعريف المسند إليه بإيراده علماً: فإن ذلك يكون لأغراض، منها: إحضاره في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به: وذلك كقولك: "محمد سافر" و"علي حضر".
لأنك إذا قلت "محمد" فإن السامع يتصوره في ذهنه، ويتعين لديه وكأنه حاضر أمامه، لأن اسمه الخاص به قد أحضره في ذهنه، فإذا قلت:(سافر) فأسندت إليه السفر، علم السامع ذلك دون تردد منه في شخص من تسند السفر إليه.
وهذا الغرض يلحق بما أسلفنا الحديث عنه في التعريف بالضمير، من أنه لا بحث للبلاغيين فيه، لأن دلالة الألفاظ على معانيها الحقيقية بحث لغوي، وليس بحثا بلاغيا فلا شأن للبلاغيين به.
ويمثلون لهذا الغرض بقول الله تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ".
ويمثلون له - أيضاً - بقول الحارث بن هشام بن المغيرة، شقيق أبي جهل وهو شاعر مخضرم شهد غزوة بدر مع المشركين، وفر عن أخيه أبي جهل فعيره بذلك حسان بن ثابت في قصيدة يقول فيها - مخاطباً نفسه - (1)
(1))) ديوان الحماسة حـ 1 ص 64
إن كنت تاركة الذي حدثتني
…
فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة، أن يقاتل دونهم
…
ونجا برأس طمرة، ولجام
فأجابه الحارث بن هشام - وهو مشرك يومئذ - كما يقولون - بهذه الأبيات:
الله يعلم ما تركت قتالهم
…
حتى علو فرسي بأشقر مزبد
وشممت ريح الموت من تلقائهم
…
في مأزق، والخيل لم تتبدد
وعلمت أني إن أقاتل واحداً
…
أقتل، ولا يضرر عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم
…
طمعاً لهم بعقاب يوم مرصد
الله يعلم: لفظه لفظ الخبر، وقصد به القسم واليمين، وأراد بالأشقر المزبد: الدم، وجعله مزبداً، لأنه إذا بدر من الطعنة أزبد، أي علاه زبد، وشممت ريح الموت: أي غلب على ظني أنني إن أقاتل منفرداً سأقتل وواحدا أي منفردا وصددت: أعرضت، وأراد بالأحبة - كما قالوا - أبا جهل ورهطه من آل مكة.
فالشاعر يعتذر في الأبيات عن فراره يوم بدر، فيقسم بالله أنه لم يترك قتالهم حتى جرح فرسه وسالت منه الدماء، وغلب على ظنه أنه إن قاتلهم منفرداً مات ولن يضر عدوه حضوره، فرجع عنهم وفيهم أحبته طمعا في أن يأتي يوم يكون فيه العقاب.
والشاهد في الأبيات: أنه عبر عن المسند إليه في قوله: (الله يعلم) بصيغة العلم قصدا إلى احضار مدلوله باسمه الخاص به، حتى لا يلتبس بغيره.
ويغلب على ظني أن هذه الأبيات قد قالها الحارث بن هشام بعد إسلامه وذلك لأن عبارة: (الله يعلم) عبارة إسلامية لم نعهدها في عبارات المشركين لأنهم لم يكونوا يقسمون بالله تعالى، وإنما كانوا يقسمون باللات والعزى وغيرهما مما كانوا يعبدونه من أصنام، ولأن الضمائر في البيت الأخير لا مرجع لها في الأبيات إلا إلى المسلمين، أي أنه قد ترك قتالهم وأحبته من المسلمين فيهم - طمعاً في أن يجدوا في هذا اليوم الذي كانوا يترقبونه فرصة لعقاب المشركين.
ويمثلون لهذا الغرض بقول المتنخل يرثي أخاه عويمرا (1):
لعمرك ما إن أبو مالك
…
بواه ولا بضعيف قواه
ولا بألد له نازع
…
يعادي أخاه إذا ما نهاه
ولكنه هين لين
…
كعالية الرمح عرد نساه
إذا سدته سدت مطواعة
…
ومهما وكلت إليه كفاه
ألا من ينادي أبا مالك
…
أفي أمرنا هو أم في سواه؟
أبو مالك قاصر فقره
…
على نفسه ومشيع غناه
فقد وصف الشاعر أخاه بالقوة في غير تهور، وباللين في غير ضعف، وبالسماحة لإخوانه إذا أوكلوا إليه أمراً قام به، ثم وصفه بكرم الطبع
(1))) ديوان الحماسة حـ 1 صـ 65
وأصالته، لأنه إذا افتقر حبس فقره على نفسه، فلا يجعل أحدا يشعر بحاله ولكنه إذا اغتنى أشرك أصحابه في ماله.
والشاهد في الأبيات: أنه عبر عن المسند إليه في قوله: "أبو مالك" في أول الأبيات وآخرها بصيغة العلم قاصداً بهذا إحضار مدلوله بشخصه باسمه الخاص حتى لا يلتبس بغيره.
وقد يكون الغرض من التعريف بالعلمية: تعظيم المسند إليه أو إهانته أو تعظيم غيره أو إهانته، وذلك كما في الألقاب والكني التي تدل على معان محمودة أو مذمومة.
فإذا ما أردت تعظيم المسند إليه قلت: أقبل علينا عز الدين - مثلا - وأقبلت نور الهدى.
وكأن تقول: حضر أبو الفضل، وجاءت أم السعد.
وإذا ما أردت تحقيره قلت: رحل عنا أنف الناقة: وغادرنا صخر، وكأن تقول: جادلنا أبو جهل واستمعنا إلى أم الدواهي.
فقد أتيت بالمسند إليه - في الأمثلة السابقة، قاصداً تعظيمه في المثل الأولى، وقاصداً إهانته في المثل الثانية.
فإذا ما أردت تعظيم غير المسند إليه، قلت "أبو الفضل رفيقك" وإذا ما أردت إهانته قلت:"أبو لهب صديقك".
فالتعظيم والإهانة - في العبارتين - لغير المسند إليه - كما ترى.
وقد تقصد التفاؤل بالمسند إليه أو التطير منه - إذا كان في معناه قبل التسمية به - ما يتفاءل به، أو يتطير منه.
فالتعظيم والإهانة - في العبارتين - لغير المسند إليه - كما ترى.
وذلك كقولك - إذا أردت تفاؤلا -: "أتاكم سرور" و"جاءكم بشرى".
وكقولك - إذا أردت تطيرا -: "أتاكم حرب" وجاءتكم "البسوس".
وقد تقصد التبرك بذكر اسمه أو التلذذ به، وذلك إذا كان المسند إليه مما يتبرك بذكر اسمه أو مما يتلذذ به.
فإذا ما أردت التبرك بذكر اسمه قلت: "الله قصدي" و"محمد سندي".
وإذا ما أردت التلذذ بذكر اسمه قلت - على لسان قيس بن الملوح -:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا
…
ليلاي منكن أم ليلى من البشر؟ !
والشاهد قوله: "أم ليلى من البشر"، وكان سياق الحديث أن يقول: أم هي من البشر، بالضمير لأنه قد تقدم مرجعه، ولكنه أراد أن يتلذذ بذكر اسم محبوبته، فأتى بالمسند إليه علماً لهذا الغرض.
ومما يؤيد ذلك: أن الشعراء قد يوردون ذكر الأعلام تلذذاً بذكرها، كما في قول أبي الطيب المتنبي، يمدح عضد الدولة أبا شجاع فناخسروا (1).
وقد رأيت الملوك قاطبة
…
وسرت حتى رأيت مولاها
ومن مناياهم براحته
…
يأمرهم فيها، وينهاها
أبا شجاع، بفارس، عضد
…
الدولة فناخسروا شهنشاها
أسامياً لم تزده معرفة
…
وإنما لذة ذكرناها!
(1))) ديوان أبي الطيب جـ 4 صـ 274، 275
يقول أبو الفتح ابن جنى: وهذا البيت، على أنه قصير الوزن، قد جمع فيه: كنية الممدوح وبلده، واسمه، ونعته، وسماه بملك الملوك شهنشاه، وهو من أحسن الجمع والمدح.
فالشاعر يقول: إنه رأى الملوك قاطبة، وسار في الأرض حتى وجد سيدها الذي بيده مناياهم أبا شجاع، عضد الدولة، فناخسروا، شهنشاها.
وهذه الأسماء التي أوردها، لم يذكرها أبو الطيب ليعرف بها الممدوح، فهو أشهر من أن يعرف به، ولكنه ذكر تلك الأسماء للتلذذ بذكرها.
وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه بالعلمية: أن يقصد التسجيل على السامع حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار: وذلك كأن يقول القاضي للشاهد: هل أقر علي بأن عليه لعمر وكذا؟ ، فيقول: نعم "أقر علي بكذا"، فيعرف المسند إليه بالعملية ليسجل عليه فلا يستطيع الإنكار.
وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه هو: أن تريد الكناية به عن معنى.
وذلك إذا كان المسند إليه كناية عن معنى يصلح له قبل جعله علماً.
وذلك كأن تقول: "مر بنا أبو لهب" كناية عن كونه جهنميا، وكأن تقول:"قابلني أبو جهل": كناية عن كونه غبيا.
وأما تعريف المسند إليه بإيراده اسم موصول، فإنه يكون لأغراض، منها:
ألا يكون المخاطب عنده علم بالأحوال المختصة به سوى الصلة، والصلة - كما يقرر النحاة - يجب أن تكون معروفة للمخاطب، لأنها وسيلة تعريف، فلابد من أن تكون معروفة له، وذلك كقولك: الذي كان معنا أمس رجل عالم، وذلك إذا لم يكن لمخاطبك عهد به قبل لقائه.
ويكاد هذا الغرض أن يلحق بما أسلفنا الحديث عنه، من أنه لا بحث للبلاغة فيه، ولا شأن للبلاغيين به، لأنه من دلالة اللفظ على أصل المعنى وحقيقته.
وقد يكون التصريح باسم المسند إليه مستهجناً مستقبحاً، فيعدل عن التصريح به إلى التعبير بالموصول، وذلك كقول الفقهاء:"الذي يخرج من السبيلين ناقض للوضوء".
ومنه قول حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه يخاطب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ويبرئ نفسه مما نسب إليه في حديث الإفك:
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتوا
…
فلا رفعت سوطي إلى أناملي
وقوله - أيضاً -:
فإن الذي قد قيل ليس بلائط
…
ولكنه قول امرئ بي ماحل
ومعنى قوله: بلائط: ليس بلازم ولا لاحق، وما حل: ساع بالنميمة.
فقد رأيت أن حسان بن ثابت رضي الله عنه قد استهجن ما نسب إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من حديث الإفك، فلم يصرح به، وإنما قال:"الذي قد زعمتوا" وقال في البيت الثاني: "الذي قد قيل" فعبر عنه بالموصول في الموضعين - كما رأيت -.
كما أنك قد رأيت - أيضاً - أن التعبير بالموصول في البيتين قد مكنه من الإشارة إلى ما يريد في كل موضع منهما، فقد مكنه التعبير بالموصول في البيت الأول إلى أن يشير إلى أن هذا القول باطل، لأنه زعم لا صدق فيه، وذلك ما يوحي به قول حسان:"الذي قد زعمتوا".
وقد مكنه التعبير بالموصول في البيت الثاني إلى أن يشير إلى أن هذا القول ساقط غير منسوب إلى عاقل يستحق أن يذكر، ولهذا عبر عنه بالبناء للمجهول في لفظة "قيل"، وذلك ما يوحي به قوله:"الذي قد قيل"(1).
وقد يكون التعبير بالموصول سبيلا إلى تقرير الغرض المسوق له الكلام وذلك كما تقول لصديق لك: (خانك الذي ائتمنته على أسرارك)، وذلك لأن الغرض المسوق له الكلام هو بيان مدى خيانة هذا الإنسان، فإذا كان قد اؤتمن على الأسرار، ووضعت فيه الثقة في عدم إذاعتها، ثم أفضى بها، كان بذلك قد وصل إلى منتهى الخيانة.
ومن هذا القبيل قول الله تعالى: "ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ"، وذلك لأن الغرض المسوق له الكلام هو: تقرير نزاهة يوسف عليه السلام، والتعبير بالموصول أدل على هذا الغرض مما لو قال: وراودته امرأة العزيز، أو زليخا، لأنه إذا كان في بيتها وقد واتته فرصة التمكن من نيل ما طلبت منه، ولكنه - مع ذلك - عف وامتنع، كان ذلك غاية في نزاهته عليه السلام.
ومما تلحظه من نكتة التعبير بالموصول هنا: أنه لو قال: وراودته امرأة العزيز. لما كان هذا نصاً في المرأة التي راودته، لجواز أن يكون للعزيز نساء أخريات.
ولو قال: وراودته زليخا، لاحتمل الكلام مسمى آخر بهذا الاسم غير امرأة العزيز.
وقد يكون تعريف المسند إليه بالموصول سبيلا إلى ذكر معان ذات
(1))) خصائص التراكيب صـ 148
أهمية في سياق الكلام، وذلك كما في قول كعب بن زهير، لما جاء عائذاً برسول الله صلى الله عليه وسلم (1):
نبئت أن رسول الله أوعدني
…
والعفو عند رسول الله مأمول
فقد أتيت رسول الله معتذراً
…
والعذر عند رسول الله مقبول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة
…
القرآن فيها مواعظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
…
أذنب ولو كثرت في الأقاويل
والشاهد في قوله: "هداك الذي أعطاك" فلم يقل: هداك ربك، أو هداك الله، ليقول في الصلة ما يناسب حاله، وقد عبر بالصلة عن عطاء الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذا تنويه بمكانته عند الله، واعتراف صريح بنبوته، وإشارة إلى ما في القرآن الكريم من مواعظ تدعو إلى العفو والصفح وقبول الإسلام ممن جاء عائذاً.
وكما في قول عمر بن أبي ربيعة (2):
أشارت إلينا بالبنان تحية
…
فرد عليها مثل ذاك بنان
فقالت، وأهل الخيف قد حان منهم
…
خفوف وما يبدي المقال لسان
نوى غربة قد كنت أيقنت أنها
…
- وجدك - فيها عن نواك شطان
تعال فزرنا زورة قبل بيننا
…
فقد غاب عنا من نخاف جبان
فقلت لها: خير اللقاء ببلدة
…
من الأرض لا يخشى بها الحدثان
(1))) المنتخب من أدب العرب جـ 4 ص 88
(2)
)) ديوان عمر بن أبي ربيعه ص 208
نكذب من قد ظن أنا سنلتقي
…
ونأمن من في صدره شنآن
والشاهد في الأبيات قوله: (فقد غاب عنا من نخاف) حيث عبر عن المسند إليه بالموصول، ولم يصرح باسمه، فلم يقل الواشي، وإنما قال: من نخاف، لأن الخوف من الواشي هو حال المحب الذي يريد وصال حبيبته، ووصفه بالجبن للإشارة غلى أنه وإن كنا نخاف لسانه إلا أنه جبان عند اللقاء.
وقد يكون في الموصول تفخيم للمسند إليه وتهويل لأمره، وذلكما تراه في قول الله تعالى:"فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ" أي: أنهم قد غمرهم ماء غزير لا يحيط به وصف ولا يدركه وهم.
وكأن تقول: إن فلانا قد عراه من الهم ما عراه، أي أنه قد لحقه من الحزن ما لا يدرك كنهه لخطورة أمره.
ومنه قول الشاعر:
مضى بها ما مضى من عقل شاربها
…
وفي الزجاجة باق يطلب الباقي
يصف الشاعر الخمر فيقول: لقد ذهب بسبب شربها قدر عظيم من عقل شاربها، ولم يبقى في الكأس إلا ثمالة تطلب البقية الباقية من عقله.
والشاهد هنا قوله: (مضى بها ما مضى) حيث أتى بالمسند إليه اسم موصول لقصد تفخيم ما ذهب من عقل شارب الخمر وأنه أكبر من أن يوصف.
وقد يكون في مدلول الصلة ما يشير إلى خطأ وقع من المخاطب أو غيره، فيؤتى بالموصول تنبيهاً له إلى هذا الخطأ.
وذلك مثل قول عبدة بن الطبيب يعظ بنيه لما أسن ورابه بصره (1):
لا تأمنوا قوما يشب صبيهم
…
بين القوابل بالعداوة ينشع
فضلت عداوتهم على أحلامهم
…
وأبت ضباب صدورهم لا تنزع
قوم إذا دمس الظلام عليهم
…
حدجوا قنافذ بالنميمة تمزع
أمثال زيد حين أفسد رهطه
…
حتى تشتت أمرهم فتصدعوا
إن الذين ترونهم إخوانكم
…
يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
القوابل: جمع قابلة، وهي التي تستقبل المولود، ينشع: من النشوع بفتح النون وهو الوجود بفتح الواو يوجر به الصبي أو المريض، وفضلت: زادت. ودمس: ألبس واشتدت ظلمته، حدجوا: وضعوا الحدج على البعير، والحدج بكسر فسكون: مركب من مراكب النساء: تمزع: تمر مراً سريعاً، وزيد: هو ابن مالك الأصغر بن حنظلة بن مالك الأكبر.
والشاعر يحذر بنيه من أن يأمنوا قوماً تربوا على العداوة وتأصلت في طبائعهم، وزادت على عقولهم، وأبت أن تنزع من صدورهم، ولهذا فإنهم يسيرون بالنميمة والاحتيال في الشر كما تسهر القنافذ، ومنهم زيد بن مالك الذي أفسد قومه بالسعي بينهم بالنميمة حتى تشتت شملهم، فإن أمرهم بين القبائل، وضعفت شوكتهم بين الناس.
(1))) المفضليات للضبي صـ 147
ثم ينبه بنيه إلى أن هؤلاء القوم الذين يظنونهم أصدقاء لهم ويثقون فيهم، إنما هم على غير ما ظنوا، فهم يودون إيذاءهم وإيقاع الشر بهم.
والشاهد في الأبيات قوله: "إن الذين ترونهم إخوانكم" حيث عبر عن المسند إليه بالموصول لتنبيه المخاطبين إلى خطئهم، ولو قال: إن قوم فلان يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا، لما كان فيه تنبيها إلى الخطأ.
ومما فيه تنبيه "إلى خطأ غير المخاطب قول عروة بن أذينة متغزلا"(1):
إن التي زعمت فؤادك ملها
…
خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها
…
بلباقة فأدقها، وأجلها
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي
…
ما كان أكثرها لنا وأقلها
وإذا وجدت لها وساوس سلوة
…
شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
يقول الشاعر - مخاطباً نفسه - إن الفتاة التي ظنت أنك مللتها مخطئة في ظنها، فقد خلقت لحبك كما أنك قد خلقت لحبها، فهي حسناء تربت في النعيم، فصاغها النعيم بلباقة وحكمة، فأدق منها ما يستحب دقيقه، وأجل منها ما يستحب جليله، ولما منعت تحيتها عني دلالا قلت لصاحبي: ما كان أكثرها لنا حيث كانت مواصلة بالعطف والميل، وما أقلها لنا الساعة إذ قد زهدت فنيا.
(1))) ديوان الحماسة لأبي تمام جـ 2 صـ 63، صـ 64
فإذا ما حدثتني نفسي بالسلو عنها كان ضميري شفيعا إلى إخراج وساوس السلو من قلبي.
فجو الأبيات يوحي برابطة الحب القوية التي لا يمكن انفصامها بين هذين الحبيبين، فقد خلقا من أجل هذا الحب، ولا مفر من الاكتواء بناره؛ وقد صاغها النعيم صياغة تجعل السلو عنها مستحيلا، فحجبها تحيتها ليس صدا أو بعداً؛ وإنما هو دلال وزيادة محبة؛ فحبها في قلبه لا يمكن للوساوس أن تنال منه.
والشاهد في البيت الأول حيث قال: (إن التي زعملت فؤادك ملها) فعبر عن المسند إليه بالموصول تنبيها إلى خطأ صاحبته في زعمها أن قلبه قد زهد فيها، وتحول منها إلى غيرها.
ولعلك لاحظت أثر هذه النكتة البلاغية فيما تبعها من أبيات؛ فقد جعلت البيت الأول منها بيت القصيد - كما يقولون - لأن البيت الثاني قد جاء تعليلا لحبهما الأزلي في البيت الأول، والثاني أثر من آثار هذا الحب إذ حجبت تحيتها عنه لتزيده شوقا وحنينا وصبوة، والرابع تأكيد لتمكن هذا الحب من قلبه؛ إذ يشفع الضمير إلى الفؤاد لإبعاد وساوس السلو عنه.
وقد يكون في مدلول الصلة ما يومئ إلى نوع الخبر، فيؤتى بالمسند إليه موصولا للإيماءة إلى هذا الخبر.
وذلك كما في قول الله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً".
فمدلول الصلة هو "الإيمان" والعمل الصالح، يشير إلى أن الخبر من نوع الإثابة وحسن الجزاء.
وكما في قوله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ"(1) فمدلول الصلة وهو "الاستكبار" يشير إلى أن الخبر من نوع العذاب وسوء الجزاء.
وهذا الأسلوب - أعني إيماء الصلة إلى نوع الخبر - كثير في كتاب الله تعالى:
اقرأ قوله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ"(2).
وقوله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلَاّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"(3).
وقوله تعالى: "والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ"(4).
ولعلك قد لاحظت أن هذا الأسلوب مما يدل فيه أوله على آخره، حتى لتكاد تنطق بالخبر قبل أن ينطق به المتكلم؛ ولعمري: أنه لفن من فنون القول دقيق لا يهتدي إليه إلا ذوو الأذواق السليمة والأحاسيس الرقيقة، والمشاعر المرهفة.
غير أن الإيماء إلى نوع الخبر قد لا يكون غرضا للمتكلم، وإنما يكون وسيلة إلى غرض آخر هو التعريض بتعظيم شأن الخبر أو التعريض بتحقيره.
(1))) غافر: 60
(2)
)) الأنبياء: 101
(3)
)) فصلت: 30
(4)
)) النور: 11
واستمع إلى قول الفرزدق يفاخر جريراً، ويعرض بتعظيم شأن بيته (1):
إن الذي سمك السماء بنى لنا
…
بيتاً دعائمه أعز وأطول
بيتاً بناه لنا المليك وما بنى
…
حكم السماء، فإنه لا ينقل
بيتاً زرارة محتب بفنائه
…
ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
يلجون بيت مجاشع وإذا احتبوا
…
برزوا كأنهم الجبال المثل
لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم
…
أبداً إذا هد الفعال الأفضل
من عزهم حجرت كليب بيتها
…
زربا كأنهم لديه القمل
ضربت عليك العنكبوت بنسجها
…
وقضى عليك به الكتاب المنزل
سمك: رفع. الدعائم: جمع دعامة وهي عمود البيت، أعز: أقوى، المليك: الله جل جلاله، لا ينقل: لا يزول، زرارة ومجاشع ونهشل: أولاد دارم جد عشيرة الفرزدق.
الفعال: الفعل الحسن، كليب: قوم جرير، حجرت: دخلت، الزرب: حفيرة تتخذ لحبس الجداء.
فالفرزدق يفاخر جريراً - كما رأيت - بأن بيته أرفع من بيت جرير وأشرف؛ لأن الذي بناه هو الذي رفع السماء؛ ولهذا فإنه لن يتحول عنه؛ وهو بيت يضم أمثال زرارة، ومجاشع ونهشل، ممن إذا احتبوا بفنائه ظهروا أمامه كأنهم الجبال الهوائل.
ولكن بيت جرير لا يضم مثلهم إذا ما عدت المآثر وحسبت المناقب،
(1))) المنتخب من أدب العرب جـ 4 صـ 132
فلقد توارت قبيلة جرير أمام عزهم خجلا وضعة، ودخلت في جحر كأن أفرادها أمامه حشرات قذرة؛ فبيت جرير - في الوهن والذل - كبيت العنكبوت، وقد قال تعالى:"وإنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ".
والشاهد في البيت الأول من هذه الأبيات؛ حيث عبر عن المسند إليه بالموصول؛ لأن فيه إيماء إلى أن الخبر المترتب عليه من نوع البناء الرفيع؛ ولكن ذلك ليس هو غرض الشاعر، وإنما غرضه أن يتوسل بهذا الإيماء إلى التعريض بتعظيم شأن بيته وتفخيمه، لأنه من صنع من رفع السماء.
وقد رأيت أن هذه النكتة البلاغية التي لحظها الشاعر قد جعلت منطلقاً إلى المعاني التي تناولتها الأبيات الأخرى.
وقد أنهى الفرزدق قصيدته ببيت فيه شاهد آخر لتلك النكتة البلاغية - أعني جعل الإيماء إلى نوع الخبر وسيلة إلى التعريض بتعظيم شأن الخبر - فقال عن قصيدته هذه:
إن التي فقئت بها أبصاركم
…
- وهي التي دمغت أباك - الفيصل!
فالتعبير عن قصيدته تلك بالموصول الذي تضمنت صلته أنها فقأت أبصارهم، ودمغت أباه فيه إيماء إلى نوع الخبر لأنها إذا كانت قد فقأت أبصارهم ودمغت أباه، فلابد أن لها أثراً قوياً، ولكن الشاعر يقصد من وراء هذا الإيماء إلى تعظيم شأن الخبر، وهو أن هذه القصيدة فاصلة، لا أثر يبلغ مبلغ أثرها في الفضل بين عز الفرزدق وذلة جرير.
ولهذا سميت هذه القصيدة باسم: الفيصل.
ومما فيه تعريض بالتهوين من شأن الخبر قولك: إن الذي لا يعرف
الفقه قد صنف فيه، وإن الذي لا يحسن قرض الشعر قد أنشأ قصيدة.
وقد يجعل الإيماء إلى نوع الخبر ذريعة إلى تعظيم غير الخبر، وذلك كما في قول الله تعالى:"الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ" فالصلة، وهي تكذيبهم شعيباً، قد أومأت إلى نوع الخبر، وهو الخسران، ولكنه لم يقصد إلى هذا، وإنما قصد من وراء هذا الإيماء إلى تعظيم شعيب عليه السلام:
وقد يجعل ذريعة إلى تحقيره، كما في قولك: إن الذي يتبع الشيطان خاسر.
فالصلة - وهي إتباع الشيطان - قد أومأت إلى نوع الخبر، وهو الخسران، ولكنك لم تقصد إلى هذا، وإنما قصدت تحقير الشيطان نفسه.
وقد يجعل الإيماء إلى نوع الخبر ذريعة إلى تحقيقه - كما يرى السكاكي -، وذلك كما في قول عبدة بن الطبيب - وقد يئس من صاحبته خولة بعد مهاجرتها وحلولها بالكوفة مجاورة أهل المدائن (1) -:
هل حبل خولة بعد الهجر موصول؟
…
أم أنت عنها بعيد الدار مشغول؟
حلت خويلة في دار، مجاورة
…
أهل المدائن فيها الديك والفيل
(1))) الأصمعيات صـ 135
إلى أن قال:
وللأحبة أيام تذكرها
…
وللنوى قبل يوم البين تأويل
فعد عنها، ولا تشغلك عن عمل
…
إن الصبابة بعد الشيب تضليل
فالشاعر يخاطب نفسه قائلا: هل ستصل حبل ودك بصاحبتك خولة بعد انقطاعه؟ أن بعد الدار، وانشغالك بأمور الحياة سوف يلهيانك عنها، وينسيانك ذكراها؟
لقد أقامت خويلة بالكوفة داراً نائية المزار، مجاورة فيها أهل المدائن، وما دامت قد اتخذت من الكوفة محل إقامة، ودار هجرة، فلابد أنها قد أنهت ما بينكما من علاقة، وأودت بما كان بينكما من الود، فعليك أن تنساها، وألا تشغل نفسك بها، فقد مضى زمن الصبا، وأدركك المشيب، ومن الضلالة ذكر الصبابة في زمن المشيب!
والشاهد في الأبيات قوله: "إن التي ضربت بيتاً مهاجرة .. " ففي هذه الصلة إيماء إلى أن الخبر من نوع زوال المحبة، وانقطاع حبل المودة؛ لأنها لو كانت باقية على حبه لما هاجرت عنه، ولما بنت بيتاً في دار هجرتها لتقيم فيه إقامة دائمة.
ومع ما في الصلة من هذه الإشارة، فإن فيها دليلا على ثبوت الجفاء وتحققه، وإلا فكيف استساغت فراق "عبدة" واتخذت من ذلك البلد الثاني موطن إقامة دائمة؟ !
ولكن الدكتور محمد أبو موسى لم يرتض هذا القول؛ ولم يسلم بأن في هذا البيت إيماء إلى نوع الخبر وزعم أن الخطيب قال والمسند إليه في
البيت ليس فيه إيماء إلاوجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون إيماء إلى بناء نقيضه عليه، بمعنى أن الحرمان من الحبيب أذكى لجذوة الحب إن كانت صادقة (1) وتابعه في هذا وهذا كلام - لعمري - صحيح، إذا كانت صاحبة الشاعر صادقة الود!
ولكنها ليست كذلك، لأنها آثرت البعد عن الشاعر، وفضلت الهجرة، والإقامة الدائمة الغائبة عنه.
ولهذا فإنه قد يئس من وصل ما انقطع من حبل المودة بينهما، فقال محاولا نسيانها، وطرد هواجس التذكار التي عاودت خاطره:
فعد عنها، ولا تشغلك عن عمل
…
إن الصبابة بعد الشيب تضليل
ولست مع الدكتور محمد أبو موسى في أن الشاعر لم يكن صادق الحب حتى يكون شاهداً في هذا الباب.
وذلك لأن الشاعر لو لم يكن صادق الحب لما هاجر لمهاجرة صاحبته - كما يقول الطبري (2) - ولما عاودته ذكراها في قصيدته هذه.
وأما أنه قد حاول نسيانها إذ قال: "فعد عنها ولا تشغلك عن عمل .. " فتلك محاولة منه لا نظن أنه قد أفلح فيها، فقد حاول المجنون نسيان ليلى - وهو امام المحبين - ولكنه لم يفلح في محاولته، إذ قال؟ :
فيارب: إذ صيرت ليلى هي المنى
…
فزني بعينيها كما زنتها ليا
وإلا فبغضها إلي وأهلها
…
فإني بليلى قد لقيت الدواهيا!
(1))) خصائص التراكيب ص 150، 151
(2)
)) المفضليات للضبي ص 135
ولئن كان عبدة بن الطبيب قد رأى في البعد حلا لمعضلته في الحب؛ فقد رأى المجنون أن البين أجدى من القرب إذا كنت في القرب مروعاً بقدر من تحب (1):
علام نخاف البين، والبين نافع
…
إذا كان قرب الدار ليس بنافع
إذا لم تزل ممن تحب مروعاً
…
بغدر؛ فإن البين ليس برائع
ولاحظ عبارته: "والبين نافع" وقوله: "ليس برائع" أي ليس بمخيف.
وعلى أية حال: فإن محاولة الشاعر نسيان صاحبته خولة، ليست دليلا على عدم صدقه في الحب؛ لأنها لا تعدو أن تكون محاولة لصرف النفس عن لواعج التذكار؛ ولكن نار الحب تظل كامنة بالقلب وقد حاول قيس ابن الملوح نسيان ليلى؛ فدعا الله أن يبغضها إليه؛ فهل أفلح في محاولته؟ .
وصحيح أن البعد لا يشفي من الحب، ولكن القرب - أيضاً - لا يشفي منه، إذا كانت الصاحبة ليست بذات ود.
يقول قيس بن الملوح من قصيدة له، وقد رويت الأبيات نفسها - في حماسة أبي تمام - لابن الدمينة:
وقد زعموا أن المحب إذا دنا
…
يمل وأن النأى يشفي من الوجد
بكل تداوينا، فلم يشف ما بنا
…
على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع
…
إذا كان من تهواه ليس بذي ود!
(1))) ديوان مجنون ليلى ص 47
على أن صاحبة عبدة ليست صادقة الود - كما أسلفنا - فكيف يجعل بعدها دليلا على تأجج حبها؟ ! إن بعد خولة لا يعد دليلا على تأجج حبها إلا إذا كانت قد أرغمت على المهاجرة إرغاماً، أما وقد هاجرت بنفسها طائعة مختارة، وأقامت بيتاً في دار هجرتها لتقيم فيه إقامة دائمة، فإن ذلك يعد دليلا قوياً على أنها ليست صادقة في حبها، وأنها قد أنهت ما بينهما من الود.
ولو أن الشاعر قال: "إن التي أرغمت على المهاجرة" لكان في هذه الصلة إيماء إلى بناء نقيض الخبر، ولكان عليه أن يقول في الخبر:"قد زاد حبها اشتعالا" - إذا ساعده الوزن، وواتته القافية، ولكن الشاعر قال:"وإن التي ضربت بيتاً مهاجرة بكوفة الجند"، فكان عليه أن يقول في الخبر:"غالت ودها غول".
ولهذا فإنه كان على الدكتور محمد أبو موسى أن يقول: ويبدو أن صاحبة الشاعر لم تكن صادقة الود، ولهذا فإن ضربها بيتاً في دار هجرتها بالكوفة دليل على أن ودها قد اغتالته - حقاً - غول! ويكون ملحظ السكاكي ملحظاً ذكياً حقاً!
على أن عبارة الخطيب القزويني، لا يفهم منها ما فهمه الدكتور أبو موسى، فعبارته هي: "قال السكاكي: وربما جعل (أي الإيماء إلى وجه بناء الخبر) ذريعة إلى تحقيق الخبر، كقوله:
إن التي ضربت بيتاً مهاجرة
…
بكوفة الجند غالت ودها غول
وربما جعل ذريعة إلى التنبه للمخاطب على خطأ، كقوله:
إن الذين ترونهم إخوانكم
…
يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
وفيه نظر: إذ لا يظهر بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيق الخبر
فرق، فكيف يجعل الأول ذريعة إلى الثاني؟ والمسند إليه في البيت الثاني ليس فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون فيه إيماء إلى بناء نقيضه عليه (1).
وتأمل عبارة الخطيب: "والمسند إليه في البيت الثاني" والبيت الثاني هو قول الشاعر:
إن الذين ترونهم إخوانكم
…
يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
ولهذا فإن العلامة السبكي قد علق على اعتراض الخطيب بقوله: "وهو اعتراض فاسد، فإن السكاكي إنما استشهد به على ما قصد فيه التنبيه على الخطأ، ولم يجعل الأول ذريعة للثاني، بل هما كلامان منفصلان، ثم إن قوله: لا يبعد أن يكون فيه إيماء عجيب. فإن فيه التصريح بذلك قطعاً"(2).
والتصريح ببناء النقيض، الذي يقصده السبكي هو: قول الشاعر: "يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا" فإن هذا الخبر نقيض الصلة التي هي: "ترونهم إخوانكم".
هذا: وقد يقصد بالموصول - كما يقول سعد الدين التفتازاني - الحث على التعظيم، أو التحقير أو الترحم، أو نحو ذلك، كقولنا: جاءك الذي أكرمك، أو أهانك، أو الذي سبى أولاده ونهب أمواله: وقد يكون للتهكم كما في "يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون".
ثم قال: "ولطائف هذا الباب لا تكاد تضبط"(3).
(1))) الإيضاح (طبعة صبيح) ص 25
(2)
)) عروس الأفراح للسبكي جـ 1 ص 312 (شروح التلخيص)
(3)
)) المطول ص 77