المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌4 - تنكير المسند إليه: - النظم البلاغي بين النظرية والتطبيق

[حسن إسماعيل عبد الرازق]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌1 - البلاغة:

- ‌(أ) جهود العلماء في محاولة تحديد معنى البلاغة:

- ‌(ب) مراحل البحث البلاغي:

- ‌2 - النقد الأدبي

- ‌وللنقد الأدبي ثلاثة مناهج رئيسية:

- ‌إحداها: المنهج الفني:

- ‌وثانيها: المنهج النفسي:

- ‌وثالثها: هو المنهج التاريخي:

- ‌مكان البلاغة من النقد

- ‌الباب الأولالنظم البلاغي

- ‌الفصل الأولمنابع فكرة النظم

- ‌الفصل الثانينظرية النظم عند عبد القاهر

- ‌الباب الثانيتطبيق النظم البلاغي على النص الأدبي

- ‌الفصل الأول‌‌الفصاحة والبلاغة

- ‌الفصاحة والبلاغة

- ‌فأما فصاحة الكلمة:

- ‌الكلمة على أقسام:

- ‌والتعقيد معناه: ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد؛ وله سببان:

- ‌السبب الأول: لفظي

- ‌والسبب الثاني من أسباب التعقيد: معنوي:

- ‌علم المعاني(معاني النحو فيما بين الكلم)

- ‌الفصل الثانيأحوال الإسناد الخبري

- ‌تمهيد:

- ‌(1) أغراض الخبر:

- ‌(ب) أضرب الخبر:

- ‌(جـ) المجاز في الإسناد:

- ‌ علاقات المجاز العقلي

- ‌1 - الفاعلية:

- ‌2 - المفعولية:

- ‌3 - المصدرية:

- ‌4 - الزمانية:

- ‌5 - المكانية:

- ‌6 - السببية:

- ‌الفرق بين المجاز العقلي والمجاز اللغوي:

- ‌تقسيم المجاز العقلي باعتبار طرفيه:

- ‌إن أسرار بلاغة المجاز العقلي - كما تصورها الإمام عبد القاهر - تتمثل فيما يلي:

- ‌1 - سعة الخيال:

- ‌2 - المبالغة:

- ‌3 - تفخم العبارة:

- ‌4 - تأكيد العلاقة بين الفاعل المجازي والفاعل الحقيقي

- ‌5 - التركيز في اختيار العلاقة

- ‌6 - الإيجاز:

- ‌7 - إثبات الفعل بدليله

- ‌الفصل الثالثأحوال المسند إليه

- ‌(1) حذف المسند إليه:

- ‌2 - ذكر المسند إليه:

- ‌(ب) تكرير المسند إليه:

- ‌3 - تعريف المسند إليه:

- ‌التعريف باسم الإشارة:

- ‌التعريف بأل:

- ‌التعريف بالإضافة:

- ‌4 - تنكير المسند إليه:

- ‌إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر

- ‌أولاً: وضع المضمر موضع المظهر وعكسه:

- ‌ثانياً: وضع المظهر موضع المضمر:

- ‌7 - الالتفات

- ‌قيمته البلاغية:

- ‌وإليك صور الالتفات كما تصورها جمهور البلاغيين:

- ‌الصورة الأولى:الالتفات من التكلم إلى الخطاب

- ‌الصورة الثانية:الالتفات من التكلم إلى الغيبة

- ‌الصورة الثالثة:الالتفات من الخطاب إلى التكلم:

- ‌الصورة الرابعة:الالتفات من الخطاب إلى الغيبة:

- ‌الصورة الخامسة:الالتفات من الغيبة إلى التكلم

- ‌الصورة السادسة: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب:

- ‌(8) أسلوب الحكيم

- ‌9 - القلب

- ‌التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وعكسه

- ‌الفصل الرابعأحوال المسند

- ‌1 - حذف المسند:

- ‌(2) ذكر المسند

- ‌أولاً: ذكر المسند:

- ‌ثانياً: تكرار المسند:

- ‌ثالثاً: إيراد المسند فعلا أو اسما:

- ‌(3) تعريف المسند

- ‌فرق عبد القاهر الجرجانى بين تعريف المسند وتنكيره بأمرين:

- ‌(4) تقديم المسند

- ‌(5) تقييد المسند بالشرط

- ‌الفصل الخامسأحوال متعلقات الفعل

- ‌أولا: حذف المفعول:

- ‌والفعل المعتدي إذا اسند إلى الفاعل ولم يذكر له مفعول، كان الغرض من ذلك هو أحد أمرين:

- ‌تقديم المفعول على الفعل

- ‌تقديم بعض المعمولات على بعض

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌4 - تنكير المسند إليه:

ومن ذلك قول الله تعالى: "لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا ولا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ"(1)، فإنه لما نهى المرأة عن المضارة، أضاف الولد إليها، استعطافاً لها، وحثاً على عدم المضارة، ومثله الإضافة في قوله:"بولده".

‌4 - تنكير المسند إليه:

النكرة - في أصل وضعها - تدل على الإفراد والنوعية.

فإذا قلت: جاءني رجل، كانت النكرة - هنا - صالحة لأن تقصد بها الإفراد: أي أن يكون قد جاءك رجل واحد لا رجلان، وصالحة - أيضاً - لأن تقصد بها: النوعية، أي: أن يكون قد جاءك رجل لا امرأة.

والذي يمحض النكرة لواحد من الأمرين: - الإفراد أو النوعية - هو: الوصف، أو دلالة الحال.

فمثال ما تمحضت النكرة للإفراد بالوصف: قول الله تعالى: "لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ"(2).

يقول جار الله الزمخشري: "الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما، والذي يساق له الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به: ألا نرى أنك لو قلت: "إنما هو إله" - ولم تؤكد - لم يحسن؟ وخيل أنك تثبت الألوهية لا الوحدانية؟ !

(1) البقرة: 233.

(2)

النحل: 51.

ص: 268

فالتنكير في "إلهين" للأفراد، أي لفرد مما يصدق عليه اسم المثنى، لأنه وصف باثنين، وفي (إله) للإفراد - أيضاً - لأنه وصف بواحد.

ومثال ما تمحضت النكرة فيه للإفراد بدلالة الحال: قول الله تعالى: "وجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى"(1).

فقد أتى بالمسند إليه نكرة لأن الغرض هو إثبات المجيء لرجل واحد من أفراد الرجال.

ومثال ما تمحضت النكرة فيه النوعية بالوصف: قول الله تعالى: "ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ (2) " فقوله (دابة) صالح لأن يراد به الإفراد أو النوعية، فجاء قوله تعالى:"في الأرض" وصفاً مبيناً أن القصد هو الجنس لا الإفراد.

وكذلك قوله تعالى: (طائر) صالح لأن يراد به الإفراد أو النوعية، أي: طائر واحد، أو جنس الطائر، فجاء قوله تعالى:"يطير بجناحيه" مبيناً أن القصد - هنا - هو جنس الطائر لا فرد من أفراده.

ومثال ما تمحضت النكرة فيه النوعية بدلالة الحال: قول الله تعالى: "وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ"(3).

فقد نكر المسند إليه لأن القصد فيه إلى نوع خاص من أنواع الأغشية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن الحق. أي الإعراض عن آيات الله تعالى.

(1) القصص: 20.

(2)

الأنعام: 38.

(3)

البقرة: 6.

ص: 269

فالمعنى الحقيقي للنكرة هو: الإفراد أو النوعية - كما رأيت مما أسلفنا لك من أمثلة.

ولكنها قد تخرج إلى معان أخرى مجازية تفهم من سياق الكلام، كالتعظيم، والتحقير، والتكثير، والتقليل، والنص الأدبي - شعراً كان أو نثراً - زاخر بما يورده الشعراء أو الأدباء من نكرات قصدوا بها معاني تدل عليها سياقات الكلام، ودلالات الأحوال:

اقرأ - إن شئت - قول الله تعالى: "ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ" نجد أنه قد نكر المسند إليه لتعظيمه، أي: ولكم في القصاص حياة عظيمة، لأنهم كانوا - في الجاهلية - لا يكتفون بقتل القاتل. بل كانوا يشفعونه بقتل جماعة من عشيرته تشفياً، فيبعثون بذلك ثارات أخرى تقوم من أجلها حروب بين العشيرتين وقد تنضم إلى هؤلاء وأولئك قبائل أخرى تبعث ثارات جديدة، فتكثر القتلى، ويزداد سفك الدماء فكان في القصاص حقن لدماء هؤلاء جميعاً.

ولهذا كانت الحياة النابعة من القصاص حياة عظيمة، وأي حياة أعظم من حياة كهذه؟ !

ثم اقرأ قول الله تعالى: "ولَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ (1) " نجد أنه قد نكر المسند إليه - وهو نفحة - لتحقيره، أي نفحة قليلة ضئيلة.

واقرأ قول الله تعالى: "إن نَّظُنُّ إلَاّ ظَناً" تجده قد نكر غير المسند إليه لتحقيره، أي ما نظن بالساعة إلا ظناً ضعيفاً هزيلاً.

وهكذا تجد التنكير تارة يفيد تعظيم المسند إليه، وتارة يفيد تحقيره.

(1) الأنبياء: 46.

ص: 270

فإذا ما استمعت إلى قولهم: " (إن له لا بلا، وإن له لغنما) وجدت تنكير المسند إليه في هذا القول قد أفاد تكثيره، أي، أن له لإبلاء كثيرة، وإن له لغنماً كثيرة.

وإذا ما استمعت إلى قولهم: (كلم تتضمن حكماً خير من سفر ينضج هراء) وجدت تنكيره في هذا القول قد أفاد تقليله، أي: عدد قليل من الكلمات.

وهكذا - أيضاً - تجد التنكير: تارة يفيد تكثير المسند إليه، وتارة يفيد تقليله:

فإذا ما تلوت قول الله تعالى: "وإن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ" وجدت التعظيم والتكثير قد اجتمعا في تنكير المسند إليه - وهو (رسل) - أي: رسل كثيرون، ذوو شأن عظيم.

وهذا أبو السمط - وهو مروان بن أبي حفصة - يقول مادحاً:

فتى لا يبالي المدلجون بغاره

إلى بابه أن لا تضيء الكواكب

أصم عن الفحشاء حتى كأنه

- إذا ذكرت في مجلس القوم - غائب

له حاجب عن كل أمر يشينه

وليس له - عن طالب العرف - حجب

فيصف ممدوحه بالكرم، وبالبعد عن كل ما يدنس النفس أو يشينها، ولهذا فإن القادمين إليه ليلاً لا يبالون بأن تضيء الكواكب أو لا تضيء، لأن نيران القرى التي يوقدها ليلاً تهديهم إلى بابه، وإذا ما ذكرت الفحشاء في مجلس القوم، أصم أذنيه عن سماعها، حتى كأنه ليس حاضراً مجلسهم،

ص: 271

فله حاجب يحفظه من كل ما يشين النفس أو يدنسها، ولكنه ليس له حاجب يحجبه عن طالب معروفه فكلمة (حاجب) في شطري البيت الأخير: مسند إليه نكرة، ولكن تنكيرها في الشطر الأول كان لتعظيم المسند إليه، وتنكيرها في الشطر الثاني لتحقيره، وذلك لأنك - بعد أن عرفت غرض الشاعر وهو المدح - تكون قد عرفت - أيضاً: أن الحاجب الذي يحجبه عن كل ما يدنس نفسه أو يشينها، ينبغي أن يكون حاجباً عظيماً، وأن الحاجب المنفي عن طالب معروفه ينبغي أن يكون ضئيلاً رقيقاً، إذ ليس له حاجب ما.

وهكذا تجد الشاعر قد جمع - في بيت واحد - بين تعظيم المسند إليه، تحقيره بالتنكير.

وقد رأيت كيف تلاعب الشاعر بالألفاظ، فجعل الحاجب تارة مثبتاً، وتارة منفياً لممدوح واحد، مما أثار انتباه المتذوق لشعره، ولكنه بعد أن علم أن الحاجب نوعان: نوع يحجب الصغائر والدنايا؛ ونوع يحجب طالبي العرف، وأنه قد أثبت الأول لممدوحه قوياً متيناً، ونفى الثاني عنه ولو كان ضئيلاً هزيلاً، اطمأن قلبه لهذا التفسير اللطيف، وانبسطت أساريره لهذه المتعة البلاغية.

وهذا أبو دؤاد الإيادي - أحد نعات الخيل كما يقول الأصمعي - يصف فرسه فيقول:

ولقد اعتدى، يدافع عني

أحوذي - ذو ميعة، إضريج

سلهب، شرجب، كأن رماحا

حملته، وفي السرأة دموج

الأحوذي: الحاذق المشمر للأمور، والسريع فما أخذ به، والميعة: أول الشيء، وميعة الفرس: أول جريه، والإضريح: الفرس الشديد

ص: 272

العدو السلهب من الخيل: ما عظم وطالت عظامه؛ والشرجب، الطويل والفرس الكريم. والسرأة: الظهر. والدموج: الاستحكام.

فالشاعر يصف فرسه بالقوة والنشاط والسرعة وطول العظام، واستحكام الظهر.

والشاهد - هنا - قوله: (كأن رماحاً) فقد نكر المسند إليه لتعظيمه؛ أي: كأن رماحاً طويلة قوية متينة قد حملت فرسه لطول قوائمه وعلو متنه.

وأنظر إلى قول إبراهيم بن العباس الصولي - وقد كان عاملاً على الأهواز في وزارة محمد بن عبد الملك الزيات واعتقل وأوذى فظن أن هذا الوزير سوف يسامحه لصداقته قبل الوزارة:

فلو إذ نبادهر، وأنكر صاحب

وسلط أعداء، وغاب نصير

تكون عن الأهواز دارى بنجوة

ولكن مقادير جرت وأمور

وإني لأرجو بعد هذا محمدا

لأفضل ما يرجى أخ ووزير

تجد أن الشاعر قد نكر الدهر؛ لأنه أراد به دهراً ذميماً، لا كذلك الدهر الذي عاشه أيام سعادته. ونكر الصاحب - أيضاً - لأنه أراد به صاحباً حقيراً لا يستحق صحبته، ولم يقل وأنكرت صاحباً، لأنه لا يريد أن يسند إليه نفسه نكران الصاحب، ونكر الأعداء: لتحقيرهم، وفي (سلط) دليل على أنهم مسلطون، وأنهم أدوات حقيرة في أيدي غيرهم، وبنى الفعل للمجهول: لأنه لا يريد ذكر من سلطهم إهمالاً له لحقارته؛ ونكر

(18 - النظم البلاغي)

ص: 273

النصير، لأنه يقصد نصيراً كان يأمله لمثل هذه المحنة؛ فهو النصير القوي الوفي وفي تنكيره (مقادير) و (أمور) ما يدل على أنها مقادير قوية لا يستطيع ردها، وأمور جسام لا يستطيع احتمالها.

فقد رأيت أن الشاعر قد جمع - في البيتين الأولين - بين التنكير التحقير، والتنكير التعظيم، والتنكير للنوعية.

ثم قرأ - إن شئت - قول السمو آل بن عادياء مفتخراً (1):

تعيرنا أنا قليل عديدنا

فقلت لها: إن الكرام قليل

وما قل من كانت بقاياه مثلنا

شباب تسامي العلا وكهول

وما ضرنا أن قليل وجارنا

عزيز؛ وجار الأكثرين ذليل

لنا جبل يحتله من نجيره

منيع، يرد الطرف وهو كليل

رسا أصله تحت الثرى وسما به

إلى النجم فرع لا ينال طويلا

تجد أن الشاعر قد نكر المسند إليه في قوله (شباب، وكهول) لأنه يريد شباباً عظيماً متطلعاً إلى المعالي، وكهولاً عظيمة سبقتهم إليها، وسنت لهم سبيلها، ومهدت لهم الطريق إليها.

ونكر المسند إليه - أيضاً - في قوله (لنا جبل) لأنه يقصد جبلاً هائلاً عظيماً يحمي من يجيره وفي قوله (فرع) لأنها أراد فرعاً طويلاً عظيماً، لا يناله من يحاول السمو إليه.

(1) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج 1، ص 37.

ص: 274

فتنكير المسند إليه في تلك الأبيات للتعظيم - كما ترى -.

وقد يمنع من التعريف مانع فينكر المسند إليه؛ وذلك كما في قول الشاعر:

إذا سئمت مهنده يمين

لطول العهد بدله شمالا

فقد نكر اليمين، لأنه لو قال (يمينه) لأسند السآمة - صراحة - إلى يمين ممدوحه، وذلك مما ينافي غرض المدح، وهذا اعتبار لطيف.

وقد لا يمنع من التعريف مانع، ولكنه قد يوقف الشاعر عن مواصلة غرضه من وصف المسند إليه، بما شاء من الأوصاف، ولهذا فإنه يجيء به منكراً:

استمع إلى قول الشاعر:

تناس طلاب العامرية إذا نات

يا سجح مر قال الضحى قلى الضفر

إذا ما أحسته الأفاعي تحيزت

شواة الأفاعي من مثلمة سمر

تجوب له الظلماء عين؛ كأنها

زجاجة شرب غير ملآى ولا صفر

الأسجج من الإبل: الرقيق المشفر، ومر قال الضحى، أي مسرع السير فيه وهو وقت الحر. والضفر: الحزام، وقلقه من الضمور، وتحورت الحية: تقلبت. والشواة: الجلود. والمثلمة السمر: الأخفاف، وثلمها يكون من السير على الحجارة، أي: إذا مشى ليلاً والأفاعي خارجة من جحورها وأحست به انقبضت جلودها عن طريقه خوفاً من أخفافها.

يريد الشاعر أن جمله يهتدي بنور عينيه في ظلمات الليل، ويمكنه بها أن يخرق حجاب الظلمات ويمضي فيها.

ص: 275

[سقطت من المصور]

ص: 276

ولهذا فإنك تجد السكاكي يتقدم الركب المتأخرين في محاولة بيان أسرار العناية بتقديم المسند إليه ولكنهم قلما وجدوا شيئاً لم يذكره عبد القاهر.

فقد ذكروا من أسباب تقديم المسند إليه أسباباً ليست كافية - في رأينا - لبيان أسرار تقديم المسند إليه.

وذلك لأن منها ما لا صلة له ببلاغة التركيب، لدلالة الكلام فيه على أصل المعنى، كهذا الذي يقولون عنه، إن تقديمه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل، ومنها: ما تكفلت بذكرها أسباب أخرى لذكر المسند إليه، أو لتعريفه، كتعجيل المسرة للتفاؤل، أو المساءة للتطير، وكإيهام أنه لا يغيب عن الخاطر لأنه يستلذ، أو يتبرك به.

والأهم من هذا كله - في هذا الباب - هو الحديث عن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي:

وقد توضح عبد القاهر أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي مفيد لأمرين:

أولهما: تقوية الحكم وتقريره في ذهن السامع كما هو مقرر في ذهن المتكلم.

وثانيهما: تخصيص الفعل بالمسند إليه.

وإنما كان تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي مفيداً لتقوية الحكم، لأن مثل هذا التركيب يتكرر فيه الإسناد، لأن المبتدأ - كما هو معروف - يطلب الخبر، فإذا جاء الفعل بعده صرفه إلى نفسه، فثبت له، فإذا كان الفعل متضمناً لضميره، صرفه ذلك الضمير إليه ثانياً، فثبت له مرة أخرى، وبذلك يتكرر الإسناد، فيكتسي الحكم قوة.

فقولك: "محمد يعطي الجزيل" مفيد لتقوي الحكم، لأن الفعل فيه قد

ص: 277

أسند مرتين: مرة إلى المسند إليه الظاهر - وهو: محمد - ومرة أخرى إلى ضميره المستتر في الفعل، فكأنك قلت: يعطي محمد الجزيل، يعطي محمد الجزيل، ويتكرر الإسناد بتقوى الحكم ويتقرر في ذهن السامع.

هذا ما عليه المتأخرون من البلاغيين، يتقدم ركبهم السكاكي (1) - كما أسلفنا -.

وهي علة نحوية - كما نرى - ولا غبار عليها.

ولكن عبد القاهر الجرجاني - وهو إمام من أئمة النحو، كما هو إمام البلاغة بلا منازع - لم يذكر هذه العلة - وإن كانت نصب عينيه - ولكنه قد ذكر علة ذوقية أدبية، هي أحرى بالنظر إليها، والاهتمام بتذوقها، لأنها تعتمد رقة الإحساس، وسلامة الذوق، وذكاء البصر بمعرفة أنماط الأساليب في النص الأدبي، معياراً أمثل لبيان أسرار بلاغة التراكيب والعلة الذي ذكرها عبد القاهر سبباً لتقوي الحكم في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي هي: أنك إذا ذكرت المسند إليه - هكذا - عارياً من العوامل، تنبه السامع إليه، وتطلع لما سوف تسنده إليه، لأنك لا تذكر الاسم هكذا، إلا إذا كنت قد نويت إسناد شيء إليه. فإذا أسندت الخبر إليه، قبله السامع قبول المتهيئ لسماعه، فاطمأنت نفسه. وتمكن قلبه وعقله فضل تمكن.

يقول عبد القاهر: "فإن قلت: فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل آكد لإثبات ذلك الفعل له؟ وأن يكون (هما يلبسان المجد) في جعلهما يلبسانه من أن يقال: (يلبسان المجد)؟ فإن ذلك من

(1) مفتاح العلوم، ص 106، والإيضاح، ص 35، وشروح التلخيص، ج 1، ص 401.

ص: 278

أجل إنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث قد نوى إسناده إليه، وإذا كان كذلك فإذا قلت: عبد الله، فقد أشعرت قلبه بذلك، أنك قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت، مثلاً -: قام، أو قلت: خرج أو قلت: قدم، فقد علم ما حثت به، وقد وطأت له وقدمت الإعلام فيه، فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقبله قبول المتهيئ له المطمئن إليه، وذلك - لا محالة - أشد لثبوته، وأنفى الشبهة، وأمنع الشك، وأدخل في التحقيق (1).

وجملة الأمر: أنه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلاً، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والأحكام".

ولم ينس عبد القاهر أن ينبه إلى أن الذي نبهه إلى تلك العلة الذوقية، هو سيبويه - في الكتاب - فقال: وهذا الذي قد ذكرت من أن تقديم ذكر المحدث عنه يفيد التنبيه له، قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قدم فرفع بالابتداء، وبنى الفعل الذي كان ناصباً له عليه، وعدى إلى ضميره فشغل به، كقولنا: في "ضربت عبد الله": عبد الله ضربته، وإنما قلت: عبد الله، فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل، ورفعته بالابتداء (2).

وقد كانت هذه العلة النقدية الأدبية بين يدي السكاكي - وهو يختصر ما قاله عبد القاهر في هذا الموضوع - في دلائل الإعجاز - ولكنه أعرض صفحاً عنها، وتعلق بتلك العلة النحوية - كما رأيت -، لأنه كان ينظر إلى البلاغة بمنظار العقل والمتعقل، بينما كان الإمام عبد القاهر ينظر إليها بمنظار الذوق البلاغي السليم، والحس الأدبي المرهف.

(1) دلائل الإعجاز، ص 88.

(2)

نفس المصدر.

ص: 279

وقد ذكر عبد القاهر: أنه مما يؤيد القول بأن هذا الأسلوب - أعنى تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - مفيد لتقوية الحكم: إننا إذا تأملنا، وجدنا هذا الضرب من القول، يجيء في كل مقام يحتاج إلى تأكيد الخبر وتقويته، ومنه:

(أ) ما سبق فيه إنكار منكر، كأن يقول الرجل: ليس لي علم بالذي تقول، فتقول له: أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، ولكنك تميل إلى خصمي. وكقول الناس. (هو يعلم ذاك وإن أنكر) و (هو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه).

وكقوله تعالى: "ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ" وذلك لأن الكاذب - ولاسيما في الدين - لا يعترف بأنه كاذب.

(ب) ما اعترض فيه شك، كأن يقول الرجل: كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك، فتقول:(أنا أعلم ولكني أداريه).

(ج) في تكذيب مدع، كما في قوله تعالى:"وإذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ".

وذلك لأن قولهم: آمنا، دعوى منهم بأنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالمقام مقام تكذيب.

(د) فيما القياس في مثله ألا يكون، كما في قوله تعالى:"واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُونَ"، وذلك لأن عبادتهم لها تقتضي ألا تكون مخلوقة.

(هـ) فيما يستغرب من الأمر. وذلك كأن تقول (ألا تعجب من فلان يدعى العظيم، وهو يعيا باليسير؟ ! يزعم أنه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء)؟ !

ص: 280

(و) في الوعد والضمان: كقولك: (أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر)، وذلك لأن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه الشك في تمام الوعد والوفاء به، فهو أحوج إلى التأكيد.

(ي) في المدح كقولك: (أنت تعطي الجزيل)(أنت تقرى في المحل)(أنت تجود حين لا يجود أحد).

(ز) في الفخر، كما في قوله طرفة بن العبد:

نحن في المشتاة ندعو الجفلى

لا ترى الأدب منها ينتقر

والجفلى، الدعوة العامة إلى الطعام، والنقرى: الدعوة الخاصة إليه، والآداب: الداعي إلى الطفام من أدب يأدب مأدبة، والمشتاة: مكان الشتاء وزمانه، أي الذين يأدبون المآدب منالا لا ينتقون الضيوف، وإنما عون إليها دعوة عامة.

كما يشهد لعبد القاهر - أيضاً - أنه إذا كان إذا كان النعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال، فإنه لا يكاد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج - مثلاً - عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة، قلت:(قد خرج) ولم تحتج إلى أن تقول: (هو قد خرج) وذلك لأنه ليس مما يشك فيه السامع فتحتاج إلى أن تحققه، وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه وكذلك إذا علم السامع من حا الرجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع - ولم يشك في أنه يركب، كان خبرك فيه أن تقوم:(قد ركب).

وإليك نماذج من فصيح القول، تبين لك قيمة هذا الأسلوب في تقوية الحكم:

اقرأ قول الأخنس بن شهاب - مفتخراً بفواس قبيلته (1)

(1) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج 1، ص 304.

ص: 281

فوارسها من تغلب بنة وائل

حماة كماة، ليس فيهم أشائب

هم يضربون الكبش يبرق بيضه

على وجهه من الدماء سبائب

وإن قصرت أسيافنا كان وصلها

خطانا إلى أعدائنا فتضارب

فلله قوم مثل قومي عصابة

إذا اجتمعت عند الملوك العصائب

أرى كل قوم قاربو قيد فحلهم

ونحن خلعنا قيده فهو سارب

الكماة: الفوارس. الأشائب: الأخلاط. الكبش: رئيس القوم. يبرق بيضه: يقصد أنه عليه درع لامعة. والسبائب: الطرق. قاربوا قيد فحلهم: قصروه. السارب: الذاهب في الأرض.

فالشاعر يصف قومه بالقوة والمنعة وعزة الجانب، ففرسان خيلهم من أبناء القبيلة، ليس فيهم غرباء لأنهم لا يحتاجون إلى غيرهم، وهم أدرى الناس بضرب الأعداء، فهم لا يضربون إلا الرئيس المدجج بسلاحه فيسيلون دماءه على وجهه أنهاراً.

وإذا ما قصرت سيوفهم عن نيل أعدائهم وصلوها بخطواتهم فقاتلوهم وهم قوم إذا ما اجتمعوا مع غيرهم عند الملوك تميزوا عليهم وفاقوهم في مناقبهم ومفاخرهم.

وهم - لعزهم وهيبتهم - لا يقيدون فحل إبلهم، ولكنهم يتركونه يرعى حيثما شاء، لأنه لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه خوفاً منهم وإجلالاً لهم، ولكن غيرهم من الناس يقيدون فحل إبلهم خوفاً من الأعداء، وعلماً عن المغيرين.

ص: 282

فالمقام - كما ترى - مقام افتخار بالقوة والمنعة وعزة الجانب، ولهذا كان من المناسب تقوية الأحكام التي أراد الشاعر إثباتها لقومه، وبخاصة ما يتصل منها بتلك الصفات، ولهذا قال:(هم يضربون الكبش) مؤكداً هذا الحكم الذي يتصل بقوة قومه وشجاعتهم، بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي.

وجاء قوله: (ونحن خلعنا قيده) مؤكداً هذا الحكم - أيضاً - بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي قضاء لحق الفخر، لأن هذا الحكم مما يتصل بمنعة قومه وهيبتهم.

ولعلك قد لاحظت أنه قد عبر عن المسند في قوله: (يبرق بيضه) بالفعل استحضاراً للصورة التي يكون عليها رئيس الأعداء وهم يضربونه، أي: والحال أنه قام السلاح، مستعد للحرب، ومع ذلك فإن قومه يضربونه فيسيلون دماءه على وجهه طرائق مختلفة، وذلك دليل شجاعتهم، وبرهان تفوقهم على أعدائهم.

ولكنه عبر عن المسند في قوله، (فهو سارب) باسم الفاعل للدلالة على استمرار هذه الحال من فحلهم، أي أن ذلك دأب فحلهم أبداً منذ وجدوا على أرضهم، فهم أعزة أقوياء منذ كانوا، وليس ذلك بجديد عليهم.

وهذا أبو الغول الطهوي، يفتخر بفوارس قومه فيقول (1):

فدت نفسي وما ملكت يميني

فوارس صدقت فيهم ظنوني

فوارس لا يملون المنايا

إذا دارت رحا الحرب الزبون

ولا تبلى بسالتهم وإن هم

سلموا بالحرب حيناً بعد حين

(1) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج 1، ص 17.

ص: 283

هم منعوا حمى الوقبى بضرب

يؤلف بين أشتات المنون

الزبون في الأصل: الفاقة التي تزبن أي تدفع حالبها، الوقبى: اسم ماء لبني مازن.

الشاعر معجب بفوارس قومه، مملوء غبطة بهم، فهو يفديهم بنفسه وما ملكت يمينه، لأنهم قد صدقوا ظنه فيهم فهم لا يهابون المنايا، ولا يملون لقاءها - وإن اشتدت رحا الحرب الضروس - ولا يضعفون عنها وإن تكررت عليهم أزماناً بعد أزمان.

وهم قد حموا ماء الوقبى بضرب قد ألف أشتات المنايا على قوم جاءوا من أماكن شتى.

والشاهد قوله: (وإن هم صلوا بالحرب) وقوله: (هم منعوا حمى الوقبى).

فالشاعر عندما أراد أن يثبت لقومه دوام البسالة ولو اصطلوا بنيران الحرب في كل حين، لم يقل: وإن صلوا بالحرب، وإنما قال:(وإن هم صلوا) ليؤكد اصطلاءهم بنارها ومباشرتهم لوطيسها.

وعندما أراد أن يثبت لهم بطريق آكدوا قوى، أنهم حموا حمى الوقبى لم يقل: منعوا حمى الوقبى، وإنما قال: هم منعوا حمى الوقبى، فقدم المسند إليه على الخبر الفعلي، ليفيد بذلك أنهم قد باشروا هذا العمل العظيم، ولكن بصورة قوية ومؤكدة.

ومثله قول بعض بني بولان من طيء (1):

نحن حبسنا بني جديلة في

نار من الحرب جحمة الضرم

(1) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج 1، ص 54.

ص: 284

نستوقد النبل بالحضيض ونصطا

د نفوساً بنت على الكرم

فالشاعر يفتخر بما فعله قومه ببني جديلة يوم أن ظفروا بهم، فقد حبسوهم في جحيم من نيران الحرب التي أوقدها بنبالهم. وقوله: نستوقد النبل، من الكلام الفصيح الموجز - ما يقول التبريزي - وقوله: نصطاد نفوساً بنت - أي بنيت في لغة طيء - على الكرم، معناه: أنهم لا يصطادون إلا رؤوس الأقوام وأما جدهم - على حد قول الأخنس: "همو يضربون الكبش يبرق بيضه"، وعلى حد قول حسان بن ثابت:"الضاربين الكبش يبرق بيضه".

والشاهد في البيتين قوله: (نحن حبسنا بني جديلة) حيث قدم المسند إليه على الخبر الفعلي ليفيد إثبات هذا الحكم للمسند إليه على طريق التأكيد والتقوية، لأن المقام مقام فخر، ويحتاج إلى إثبات هذا الحكم لقومه - وهو: أنهم قد حبسوا بني جديلة في جحيم من نار الحرب - بصورة مؤكدة، وطريقة قوية.

وهذا جريبة بن الأشيم الفقعسي يفتخر بفرسان قومه، فيقول (1):

فدى لفوارسي المعلمين

تحت العجاجة، خالي وعم

هم كشفوا عيبة العائبين

من العار أوجههم كالحمم

فالشاعر يفدي فوارس قومه المعروفين بالشجاعة تحت العجاج في غمار الحرب، بخاله وعمه، لأنهم قد أدركوا ثأر من قتل منهم، وكشفوا سواة أعدائهم، وأظهروا مخازيهم وألبسوهم عاراً تسود منه الوجوه حتى كأنها الفحم.

والشاهد قوله: (هموا كشفوا عيبة العائبين) فقد قدم المسند إليه على الخبر الفعلي لتأكيد هذا الحكم، وهو: أنهم قد كشفوا مخازي أعدائهم، وأظهروا سوءاتهم، لأن المقام مقام فخر وهو يقتضي هذا التأكيد.

(1) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج 1، ص 329.

ص: 285

ومقام المدح مثل مقام الفخر في حاجته إلى تأكيد الصفات التي يخلعها الشاعر على ممدوحه، ولهذا فإنك ترى الشعراء - في مدحهم - يعمدون إلى هذا الأسلوب - أعني تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - لتأكيد إثبات الصفات التي يمدحون بها.

استمع إلى قول المعذل بن عبد الله الليثي يمدح النهس بن ربيعة العتكي وكان النهس يكفل عنه ما يلزمه من المال، فوقع المعذل يوماً، وقبض عليه فأدركه النهس وحمله على فرس وأمره أن ينجو بنفسه وأسلم نفسه مكانه، فلما نجا قال له المعذل: أخيرك بين أن أمدحك، أو أمدح قومك، فاختار مدح قومه، فقال (1):

جزى الله فتيان العتيك وإن فات

بي الدار عنهم خير ما كان جازيا

هموا خلطوني بالنفوس وأكرموا

الصحابة لما حم ما كنت لاقيا

هموا يفرشون اللبد كل طمرة

وأجرد سباح يبذ المغالبا

طعامهم فوضى قضا في رحالهم

ولا يحسنون السر إلا تناديا

كأن دنانيراً على قسماتهم

إذا الموت للأبطال كان تحاسبا

فالشاعر يطلب لهؤلاء القوم من الله الجزاء الأوفى، لأنهم أحسنوا إكرامه، وأكرموا صحبته حين ألم به الضرر، ولقى منهم الأمر العظيم، فهم خلطوه بأنفسهم، أي أنزلوه منهم منزلة أنفسهم، وهم فرسان يقتعدون صهوات الخيل الكريمة، ولا يستأثر بعضهم على بعض فيما يأكلون ولا يفعلون قبيحاً، وإذا ما شرب الأبطال كؤوس الموت قليلاً، وجدتهم يقدمون عليه إقدام المسرور به الذي تهلهل وجهه للقائه فرحاً وبشراً.

(1) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج 2، ص 334.

ص: 286

والشاهد في الأبيات قوله: (هم خلطوني بالنفوس) وقوله: (هم يفرشون اللبد) فقد قدم المسند إليه في كلا الموضعين - على الخبر الفعلي الذي أراد إثباته لهم - وهو أنهم خلطوه بأنفسهم، وأنزلوا منهم منزلة أنفسهم، وأنهم يعتقدون صهوات الخيل الأصيلة - لتأكيد هذا الحكم وتقويته، قضاء لحق المدح لقوم أكرموه إكراماً لا مزيد عليه.

وهذه عمرة الخثعمية، ترثي ابنيها، وتعدد محاسنهما في حياتهما، فتقول (1):

لقد زعموا أني جزعت عليهما

وهل جزع أن قلت: وابأباهما؟ !

هما أخوا في الحرب من لا أخاله

إذا خاف يوماً نبوة فدعاهما

هما يلبسان المجد أحسن لبسة

شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما

شهابان منا أوقدا ثم أخمدا

وكان سنا للمدلجين سناهما

تقول الشاعر: لقد زعم الناس أنني جزعت على ولدي حق الجزع، وهل يجزع على ولديه حق الجزع من يقول: وابأباهما؟ ! أي بأبي وأمي أفديهما؟ !

لقد كانا غوث من لا غوث له، إذا خاف ضعفاً أو ظلماً دعاهما، فيحسبانه وينصرانه، ولقد كان المجد لباسهما يستأثران به على غيرهما،

(1) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج 2، ص 456.

ص: 287

فهما شهابان منا، ظهرا قليلاً ثم غابا، وكان ضياؤهما هداية للذين يخترقون حجاب الليل.

والشاهد في الأبيات قولها: (هما يلبسان المجد) فقد قدمت المسند إليه - وهو ضمير المثنى: (هما) تقصد ولديها - على الخبر الفعل - وهو يلبسان المجد - لتقوية هذا الخبر وتأكيده، قضاء لحق المدح لولديها اللذين قد فجعت فيهما معاً.

والأمر الثاني الذي يفيده تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي: هو تخصيص الفعل بالمسند إليه، يعني أن الفعل خاص به لا يتعداه إلى غيره، وذلك إذا دلت قرينة الحال على ذلك:

ومثال ذلك أن تقول: أنا كتبت في معنى فلان، وأنا شفعت عنده تريد أن تدعي الإنفراد بذلك، وترد على من زعم أن ذلك قد كان من غيرك أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت، وشفع عنده كما شفعت.

ومما هو بين في إفادة التخصيص: قول الله تعالى: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ"(1)، أي: لم ينشئكم منها إلا الله تعالى. قوله تعالى: "اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ"(2)، أي: لا يبسط الرزق إلى الله تعالى.

وقوله تعالى: "ومِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ"(3).

ومن المبين - أيضاً - في هذا من فصيح الشعر: قول عبد الرحمن بن الحكم

(1) هود: 61.

(2)

العنكبوت: 62.

(3)

التوبة: 101.

ص: 288

ابن هشام، يلوم قومه على مبايعتهم عمر بن عبد العزيز، لما أخذ في رد المظالم، وقسا في ذلك على أهل بيته خاصة:

فقل لهشام، والذين تجمعوا

بدابق: موتوا، لا سلمتم مدى الدهر

فأنتم أخذتم حتفكم بأكفكم

كباحثة عن مدية وهي لا تدري!

عشية بايعتم إماماً مخالفاً

له شجن بين المدينة والحجر!

فقد قدم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: (فأنتم أخذتم حتفكم بأكفكم) ليفيد بذلك التقديم أنهم هو الذين جنوا على أنفسهم بأيديهم حين بايعوا عمر بن عبد العزيز - في زعمه - وليس عمر بن عبد العزيز هو الذي جنى عليهم برده المظالم. لأن السياق يدل على إفادة التقديم هذا التخصيص، وذلك لأنهم لما أنكروا قسوة عمر بن عبد العزيز في رده المظالم من أهل بيته، أراد الشاعر أن يقول لهم: لا تلوموا هذا الإمام على ما فعل، ولوموا أنفسكم، إذ بايعتموه، فهو لم يظلمكم بما فعل، وإنما أنتم الذين ظلمتم أنفسكم بمبايعته.

وقد رد أحد بني مروان على ابن الحكم بن هشام فقاله:

لئن كان ما يدعو إليه هو الردى

فما أنت فيه ذا غناء ولا وفر

فأنت من الريش الذنابي ولم تكن

من الجزلة الأولى، ولا وسط الشعر

ونحن كفيناك الأمور، كما كفى

أبونا أباك الأمر في سالف الدهر

(19 - النظم البلاغي)

ص: 289

فقدم هو الآخر المستند إليه على الخبر الفعلي - أيضاً - في قوله: (ونحن نفيناك الأمور) ليفيد بذلك أنهم هم الذين كفوهم هذه الأمور، لا أحد غيرهم، يريد أن يقول: أنكم عاجزون عن كفاية أموركم بأنفسكم، فكيف تعينونا على أمر الخلافة؟ !

وهذا الذي أسلفنا، من أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي تارة يفيد تقوي الحكم، وتارة أخرى يفيد تخصيص الفعل بالمسند إليه، إنما هو خاص بالجملة التي لم يتقدم فيها على المسند إليه نفي.

أما إذا تقدم على المسند إليه نفي فإن عبد القاهر وجمهور البلاغيين يرون أن التقديم في هذه الحالة يفيد التخصيص قطعاً.

فإذا قلت: (ما أنا قلت هذا) كنت قد نفيت عنك قولاً ثبت أنه مقول أي تنفي أن تكون أنت القائل له، وإن كان مقولاً لغيرك.

وإذا قلت (ما أنا ضربت زيداً) كنت قد نفيت عنك ضرباً قد حدث فعلاً، أي تنفي أن تكون أنت الضارب، وإن كان الضرب قد حدث من غيرك.

ولهذا لا يصح أن تقول: (ما أنا قلت هذا ولا أحد غيري) لأن قولك: (ما أنا قلت) يفيد وقوع القول من غيرك، وقولك (ولا أحد غيري) ينفيه عن غيرك، وهذا تناقض.

كما أنه لا يصح أن تقول (ما أنا ضربت زيداً ولا ضربه أحد غيري)، لأن قولك (ما أنا ضربت زيداً) يفيد أن الضرب قد وقع من غيرك فإذا قلت (ولا ضربه أحد غيري) كان هذا تناقضاً وذلك واضح.

وإليك من فصيح الشعر ما يوضح لك هذا النمط من القول:

لما استبطأ سيف الدولة مدح أبي الطيب المتنبي، تنكر له فقال (1):

(1) ديوان أبي الطيب، ج 2، ص 94.

ص: 290

أرى ذلك القرب صار أزورارا

وصار طويل السلام اختصاراً

تركتني اليوم في خجلة

أموت مراراً، وأحيا مراراً

أسارقك الحظ مستحييا

وأزجر في الخيل مهري سراراً

وأعلم أني إذا ما اعتذرت

إليك أراد اعتذاري اعتذاراً

ولكن حمى الشعر إلا القليل

هم حمى النوم إلا غراراً

كفرت مكارمك الباهرات

إن كان ذلك مني اختصاراً

وما أنا أسقمت جسمي به

وما أنا أضرمت في القلب ناراً

فالشاعر يعتذر لممدوحه عن قلة الشعر بما لزمه من الهم الذي أسقم جسمه، وأضرم في قلبه النار، ثم يقول: لست أنا الذي أسقمت جسمي ولست أنا الذي أضرمت في قلبي النار ..

فالسقم موجود، ولكنه ينفي أن يكون هو الذي قد جره إلى نفسه، وإضرام النار في قلبه موجود، ولكنه ينفي أن يكون هو الذي أضرمها.

وقد أخذ أبو الطيب هذا المعنى من قول العطوي (1):

(1) ديوان أبي الطيب، ج 2، ص 94.

ص: 291

أتراني أنا وفرت من الهم نصيبي؟ !

أنا أعطيت العيون النجل أسلاب القلوب؟ !

لو إلي الأمر ما أقذيت عيناً برقيب؟ !

يتساءل الشاعر عما إذا كان له نصيب في جلب الهم إلى نفسه، وأنه قد أعطى العيون النجل قلبه سلبا؟

ثم ينفي أن يكون ذلك قد حدث منه، لأنه لو كان الأمر بيديه لما أقذى عينه بالرقياء.

وبعد: فقد رأيت مما سردنا لك من أمثلة أو شواهد، أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي قد أفاد التخصيص في كل مثال أو شاهد تقدم المسند إليه فيه نفي.

وهذا هو رأي الإمام عبد القاهر في مثل هذا الأسلوب.

ويبدو أن الأمر ليس على إطلاقه - كما يقول الدكتور أبو موسى - وإنما هو أمر غالب لا لازم، فقد جاء هذا التركيب (1)، في القرآن الكريم من غير أن يكون دالاً على التخصيص، وذلك كما في قوله تعالى:"لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وجُوهِهِمُ النَّارَ ولا عَن ظُهُورِهِمْ ولا هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا ولا هُمْ يُنظَرُونَ"(2)، فقوله:"ولا هم ينصرون"، "ولا هم ينظرون" قدم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي - وهو مسبوق بحرف النفي - ومع هذا فإنه يفيد التقوية فقط لأن التخصيص هنا يعني أن غيرهم ينصر من عذاب الله، وينظر حتى تأتيه الساعة، وذلك لا يكون.

(1) خصائص التراكيب، ص 179.

(2)

الأنبياء: 39، 49.

ص: 292

وخلاصة رأي عبد القاهر في تحديد دلالة هذا النمط من القول - أعني تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - هو أنه يدور غالباً حول أداة النفي: فإن كانت سابقة على المسند إليه - أياً كانت حاله - أفاد الكلام التخصيص قطعاً. وإن لم تسبقه أداة نفي - بأن لم يوجد لها في الكلام شبح أصلاً، أو كانت متأخرة عنه، وكان المسند إليه معرفة - ظاهراً، أو ضميراً - احتمل الكلام التخصيص والتقوى، حسبما يقتضيه المقام، وإن كان نكرة، أفاد التخصيص قطعاً، سواء وقعت، بعد نفي أو لا.

أما رأي السكاكي: فإنه لا ينظر فيه إلى نفي تقدم أو تأخر، وجد أم لم يوجد، وإنما المعولي عليه عنده: - في إفادة التخصيص - أن يتحقق شرطان:

الأول: أن يصح تأخير المسند إليه، وتغير العبارة قمت أنا، ويكون المسند إليه حينئذ فاعلاً في المعنى لا في اللفظ، لأن الفاعل في اللفظ هو: التاء في قمت.

والثاني: أن يقدر أن أصل العبارة هو التأخير، أي أن يعتبر المتكلم أن أصل العبارة: قمت أنا، ثم يقدم المسند إليه، فيقول: أنا قمت.

وهذا الاشتراط عنده خاص بالمسند إليه إذا كان معرفة، أما إذا كان نكرة مثل: رجل جاءني فإنه يفيد عنده التخصيص قطعاً، لأن النكرة إذا تقدمت على الخبر الفعلي لابد أن تكون دالة على التخصيص وإلا لم يصلح وقوعها مبتدأ - هكذا قال السكاكي -.

وبعد ذلك الاشتراط تعسفاً من السكاكي، لا يتمشى مع الفطر السليمة التي تعودت فهم الأساليب العربية الفصيحة دون جهد أو عناء.

وعلى أية حال فإن صفوة القول في هذا الموضوع هو: أن قولك:

ص: 293

(محمد قام) يفيد التقوية وصالح لأن يفيد التخصيص عند غير السكاكي.

وأما قولك: (أنا كتبت) فإنه يفيد التقوية وصالح لأن يفيد التخصيص عند الجميع.

وأما قولك: (ما أنا كتبت) فإنه يفيد التخصيص عند غير السكاكي قطعاً، وعنده احتمالاً.

وأما قولك: (أنا ما كتبت) فإنه مثل: (أنا كتبت) عند الجميع. لأن النفي لا يعتبر إلا إذا سبق المسند إليه.

وأما قولك: (رجل جاءني) فإنه يفيد التخصيص قطعاً عند الجميع.

وثمة كلمتان تقدمان - أبداً - في الأساليب العربية الفصيحة، وهما، "مثل"، و"غير"، وذلك إذا استعملتا كغايتين عما أضيفتا إليه، كما في قولهم:(مثلك يرعى الود) و (غيرك لا يحفظ العهد) على معنى: أنت ترعى الود وأنت تحفظ العهد. من غير أن يقصدوا التعريض بأحد، فهم لا يريدون بمثل، أو غير، غير ما أضيفتا إليه، ولهذا قال أبو الطيب لممدوحه:

ولم أقل مثلك أعني به

سواك، يا فرداً بلا مشابه

وإنما يقصدون: إثبات رعاية الود للمخاطب في المثال الأول، وإثبات حفظ العهد له في المثال الثاني عن طريق الكناية.

وذلك لأنك إذا قلت: (مثلك يرعى الود) كنت قد أثبت رعاية الود لكل من يماثل المخاطب في صفاته، وإذا ثبتت رعاية الود لكل من يماثله في صفاته، ثبتت له بطريق أولى، لأنه أصل هذه الصفات، وغيره مماثل له فيها.

وإذا قلت: (غيرك لا يحفظ العهد) كنت قد نفيت حفظ العهد عن

ص: 294

كل ما عدا المخاطب، وإذا نفيت هذه الصفة عن كل ما عداه، لزم ثبوتها له.

ومن شواهدهم على استعمال "مثل" مراداً بها الكناية عما أضيفت إليه، قول أبي الطيب المتنبي يعزي أبا شجاع عضد الدولة في عمته (1):

مثلك يثني الحزن عن صوبه

ويسترد الدمع عن غربه

أيما لإبقاء على فضله

أيما لتسليم إلى ربه

ولم أقل مثلك أعني به

سواك، يا فرداً بلا مشبه

صوب لحزن: نزوله. وغربه: مجراه. أيما: بمعنى: إما.

يريد أن يقول: إنك قادر على صد تيار الحزن بصبرك وثباتك ورباطة جأشك، وقوة إيمانك، وقادر - أيضاً - على أن تكفكف دمعك وترده عن جريانه إبقاء على فضلك وتسليماً بقضاء ربك.

وما قلت مثلك قاصداً سواك، لأنك قد تفردت بصفات الكمال بين أهل زمانك.

وقول القبعثري الحجاج بن يوسف الثقفي - على سبيل المغالطة -: "مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"، أي الفرس الأدهم والفرس الأشهب. لما قاله له الحجاج متوعداً:"لأحملنك على الأدهم" يقصد القيد الحديد.

فقوله: "مثل الأمير" يقصد به الأمير نفسه، ولم يقصد التعريض بغيره.

(1) ديوان أبي الطيب، ج 1، ص 216.

ص: 295

ومن شواهدهم على استعمال "غير" هذا الاستعمال، قول أبي الطيب يمدح سيف الدولة ويعرض بأصحابه الذين خذلوه وجبنوا في إحدى غزواته (1):

غيري بأكثر هذا الناس ينخدع

إن قاتلوا جبنوا، أو حدثوا شجعوا

أهل الحفيظة إلا أن تجربهم

وفي التجارب بعد الغي ما يزع

يقول: أنا لا أنخدع بهؤلاء الناس؛ لأنهم إن قاتلوا جبنوا وانهزموا، وإذا حدثوا أظهروا الشجاعة، فشجاعتهم قول لا فعل، ووهم كاذب، وهم أهل حفيظة غير مجربين فإذا جربتهم لم ترهم كذلك، وفي تجربتهم ما يكفك عن مخالطتهم.

فالشاعر يقصد أنه لا ينخدع بالناس، دون أن يعرض بآخر ينخدع بهم.

ومثله قول أبي تمام:

وغيري بأكل المعروف سحتاً

وتشحب عنده بيض الأيادي

يريد: أنه لا يجحد الصنيعة، ولا يتنكر للمعروف، دون أن يعرض بآخر يفعل ذلك.

وإنما كانت الكناية أبلغ، لأنها كدعوى الشيء ببينة - كما يقول عبد القاهر - لأن قولك: "فلان كثير الرماد، معناه: فلان جواد، لأنه كثير الرماد.

(1) ديوان أبي الطيب، ج 2، ص 221 ..

ص: 296

وكذلك قولك: (مثلك يرعى الود) معناه: أنت ترعى الود، لأن من كان على صفاتك يرعاه.

وقولك: (غيرك لا يحفظ العهد) معناه: أنت تحفظ العهد، لأن غير لا يحفظه.

ولما كان الغرض من التعبير الكنائي في "مثل"، و"غير" هو إثبات الحكم من طريق أبلغ، وكأن تقديمها مما يعين على تحقيق هذا الغرض - لما علمت من أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد تقوية الحكم وتقريره في نفس السامع - كان لهما الصدارة في الكلام أبداً.

ولهذا فإنهما لم يردا في استعمالاتهم إلا مقدمين، بل إن عبد القاهر يرى أن استعمالهما مقدمين شيء مركوز في الطباع، وجار في عادة كل قوم، لأنك لو تصفحت الكلام - على حد تعبيره - لوجدت هذين الاسمين يقدمان أبداً على الفعل - إذا نحى بهما هذا النحو الذي عرفت - وترى المعنى لا يستقيم معهما إذا لم يقدما (1).

ويلحقون بهذا الباب: تقديم لفظ العموم على النفي، إذ يفيد عموم النفي "وتأخيره عنه"، فيفيد نفي العموم فمثال الأول: قولك (كل ما كتبته لم أقرأه)، ومثال الثاني:(لم أقرأ كل ما كتبته).

فقد أفاد التركيب الأول: عموم النفي، أي أنك لم تقرأ شيئاً مما كتب، وأفاد التركيب الثاني: نفي العموم، أي أنك لم تقرأ كل ما كتب، ولكنك قد قرأت بعضه.

(1) دلائل الإعجاز، ص 93.

ص: 297

ومن شواهد التركيب الأول قول إبراهيم بن كنيف النبهاني يعزي بعض قومه (1):

تعز فإن الصبر بالحر أحمل

وليس على ريب الزمان معول

فلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً

لحادثة، أو كان يغني التذلل

لكان التعزي عند كل مصيبة

ونائبة بالحر أولى وأجمل

فكيف وكل ليس يعدو حمامه

وما لامرئ عما قضى الله مزحل؟ !

يقول: تصبر - يا أخي - فإن الصبر أجمل بالحر وأليق به، ولا تعول على أحداث الزمان، فلو كان الجزع عند الحوادث يغني، أو كان التخشع يجدي، لمكان الصبر أجدر بالحر وأولى، فكيف يجزع الإنسان وهو يعلم أن كل واحد من الناس لن يعدو حمامه؟ ! وما لامرئ تحول عما قضى الله؟ !

والشاهد في الأبيات قوله: (وكل ليس يعدو حمامه) حيث خرجت كل عن حيز النفي، فأفادت عموم النفي ومثله قول دعبل:

فو الله ما أدرى بأي سهامها

رمتني، وكل عندنا ليس بالمكدي

أبا لجيد، أم مجرى الوشاح، وإنني

لأنهم عينيها مع الفاحم الجعد

المكدي: الذي يحفر ولا يجد ماء، يريد أن كل سهامها لا يخطئ المرمى.

ومن البين في هذا: ما جاء - في حديث ذي اليدين - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي،

(1) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج 1، ص 95.

ص: 298

في الحضر وسلم بعد ركعتين، فقام ذو اليدين وقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن" فقال ذو اليدين بعض ذلك قد كان".

فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن" أفاد عموم النفي، لأن لفظ كل قد خرج عن حيز النفي، فالمعنى: لم يكن شيء منهما: لا القصر ولا النسيان، ولو قال: لم يكن كل ذلك لكان المعنى أنه قد كان بعضه.

على أن لفظ (كل) قد يقع قبل النفي، ولكنه معمول الفعل الواقع بعد النفي وذلك كأن تقول:(كل الدراهم لم أنفق، وكل الشعر لم أحفظ) بنصب كل، لأنه مفعول به للفعل بعده، فلا يتعدى نفس المعنى الذي يفيده قولك: لم أنفق كل الدراهم، ولم أحفظ كل الشعر.

أما إذا رفعت كلا وأخرجتها عن حيز الفعل بعدها، أفاد التركيب عموم النفي.

ولهذا جاء قول أبي النجم العجلي:

قد أصبحت أم الخيار تدعي

على ذنبا كله لم أصنع

برفع كل، لأنه أراد أن يبرئ نفسه من كل ما ادعته عليه، ولو نصب لكانت كل داخلة في حيز النفي، وأفادت نفي العموم.

ومن شواهد التركيب الثاني - وهو ما يفيد نفي العموم -: قول أبي الطيب المتنبي يمدح كافوراً الإخشيدي من قصيدة أولها:

بم التعلل؟ لا أهل ولا وطن

ولا نديم، ولا كاس، ولا سكن! !

أريد من زمني ذا أن يبلغني

ما ليس يبلغه من نفسه الزمن! !

ص: 299

ثم يقول:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

والمعنى: أن المرء لا يدرك كل ما يتمناه، وإنما يدرك بعضه فحسب.

وقول أبي العتاهية:

ما كل رأى الفتى يدعو إلى رشد

فإن بدا لك رأي مشكل فقف

يعني: ليس كل رأي الفتى يدعو إلى الرشد، وإنما بعضه هو الذي يدعو إليه.

ومنه قول البحتري يمدح يعقوب بن أحمد:

وأعلم ما كل الرجال مشيع

وما كل أسياف الرجال حسام

والمشيع: هو الشجاع المتهور الذي كأنه يشيع قلبه.

فقوله: (ما كل الرجال مشيع) يعني به: أنه ليس كل الرجال شجعاناً، وهذا يفيد أن بعضهم شجاع.

وقوله: (وما كل أسياف الرجال حسام) يعني به أنه ليست كل السيوف قواطع، وهذا يفيد أن بعضها قاطع.

ومن هذا القبيل قول العارف بالله عبد الرحيم البرعي - في التشوق إلى أحبابه (1):

دعتني أضاليل المنى غير مرة

فما كدت بعد الظاعنين أجيب

(1) ديوان البرعي، ص 126.

ص: 300

وأطعمني حكم الهوى أن يعيد لي

طلوع شموس لم يشبه غروب

فما عاضني بالأبلق الفرد عائض

ولا شاقني بعد الكثيب كثيب

وهيهات! ، ما كل المنازل رامة

ولا كل بيضاء الجبين عروب

وكم من سمي ليس مثل سميه

وإن كان يدعى باسمه فيجيب

الظاعنون: الراحلون. الأبلق الفرد: قصر السموءل بن عادياء اليهودي بأرض تيماء، قال الأعشى:

بالأبلق الفرد من تيماء منزله

حصن حسين وجار غير ختار

والكثيب من الرمل: المجتمع منه، ورامة: اسم موضع بالبادية، والعروب من النساء بوزن عروس: المتحببة إلى زوجها.

يقول الشاعر: نادتني الأماني الكاذبة مراراً بعد رحيل أحبابي فلم أجبها، وأطمعني سلطان الهوى أن يطلع لي شموساً تضيء حياتي بعد رحيل أحبتي، فما عوضني عن منزلهم مغزل، ولا شاقني بعد موطنهم موطن؛ وهيهات أن يعوضني منهم شيء، فما كل المنازل رامة، ولا كل جميلة محببة إلى زوجها - وهذا بيت أرسله مثلاً لفقدان ما لا يعوض - وكم من سمي لا يكون مثل سميه في خلقه وخلقه، وإن كنت تدعوه باسم سميه فيجيبك؛ - وهذا - أيضاً - مثل.

والشاهد في الأبيات قوله: (ما كل المنازل رامة) وقوله: (ولا كل بيضاء الجبين عروب).

ص: 301

فقد أدخل الشاعر كلا في حيز؟ ؟ ص 302 - في شطري البيت - فأفاد التركيب ففي العموم، وهذا يعني أن بعض المنازل؟ ؟ ص 302، وأن بعض بيضاوات الجبين حروب، وهذا واضح.

وهذا التركيب الذي قد رأيت أنه قد أفاد نفي العموم، ليس على إطلاقه، فقد استدرك العلامة سعد الدين التفتازاني على عبد القاهر شواهد من فصيح الكلام تقدم فيها النفي على لفظ العموم، ومع ذلك فإنها لم تفد نفي العموم، وإنما أفادت عموم النفي:

ومن هذه الشواهد قول الله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (1)، وقوله تعالى:{وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (2) وقوله تعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} (3).

فهي - إذن - قاعدة أغلبية، وإلا لزم عليها أن الله تعالى يحب بعض المختالين، ويحب بعض الكفار وألزم عليها، الأمر بإطاعة بعض الحلافين المهانين، وذلك ما لا يشك في بطلانه.

ومما شذ عن هذه القاعدة - أيضاً - قول بعض الأعراب:

فما كل كلب نابح يستفزني

ولا كل ما طن الذباب أراع

إذ المعنى: أنه لا يستفزه نباح الكلب، ولا يراع من طنين الذباب.

(1) الحديد: 23.

(2)

البقرة: 276.

(3)

القلم: 10.

ص: 302