الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد رأيت الشاعر قد أجرى الحديث على خطاب زوجته في الأبيات الخمسة الأولى؛ ولكنه التفت في البيت السادس فأجرى الحديث على طريق التكلم.
وذلك لأنه في الحالة الأولى كان يصف ما صنعه من مناداته لربة البيت، بأن تضم إليها رحال القوم وقربهم، ومشاورتها كيف يكرم القوم النازلين، والخطاب أنسب بهذه الحال.
ولكنه في الحالة الأخرى جعل يفتخر بما صنعه ليلة نزولهم ضيفاناً عليه والحديث عن النفس أنسب بحال الفخر.
الصورة الرابعة:
الالتفات من الخطاب إلى الغيبة:
ويمثلون له بقول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} (1)؛ ففي الآية الكريمة التفات من الخطاب في "كنتم" إلى الغيبة في "بهم"، وكان مقتضى الظاهر أن يقال:"وجرين بكم".
وذلك لأن المخاطبين هم الذين إذا أنجاهم الله من الغرق يبغون في الأرض بغير الحق، فناسب أن ينقل الحديث إلى الغيبة إعراضاً عنهم، وتشهيراً لهم، ودعوة لغيرهم أن يأخذوا من قصتهم عظة وعبرة: ولأنهم لما كانوا "في الفلك" كانوا في مقام الشهود والوجود، فناسب المقام خطابهم، فلما جرت بهم الريع، وذهبوا بعيداً عن مقام الخطاب ناسب حالهم طريق الغيبة.
(1) يونس: 22.
ومنه قول عبد الله بن عتمة الضبي (1) - في مقتل بسطام بن قيس وقد قتله عاصم بن خليفة الضبي، وكان بن عتمة مجاوراً في بني شبيان فخاف على نفسه منهم فرثاه بأبيات منها:
لك المرباع منها والصفايا
…
وحكمك والنشيطة والفضول
أفاتته بنو زيد بن عمرو
…
ولا يوفى ببسطام قتيل
وخر على الألاءة، لم يوسد
…
كان جبينه سيف صقيل
المرباع: ربع الغنيمة؛ وكان يأخذه رئيس القوم من الغنائم - وهذه عادتهم في الجاهلية، والصفايا: ما يختاره الرئيس لنفسه من خيار الغنيمة، والنشيطة: ما أصابه الجيش وهو في الطريق، والفضول: ما فضل من الغنيمة فلم ينقسم، الألاءة: شجرة معروفة عندهم.
والمعنى: أن هذا المفقود قد كانت له إمارة تامة على أصحابه، وكان ممتازاً بينهم بما ذكر، وأن بني زيد قد أضاعوا دمه - وهو الذي لا يكافئ دمه دم قتيل ما - وأن من إضاعتهم إياه: أن تركوه حتى سقط على شجرة الألاءة، فلم يوسدوا رأسه وجيشه بعد أن قتل، كأنه السيف الصقيل إضاءة، وذلك من سمات الشجعان.
وقد رأيت أن الشاعر كان يخاطبه بقوله: ولك المرباع منها، "وحكمك" ثم التفت عن مخاطبته إلى الحديث عنه على طريق الغيبة؛ فقال:"أفاتته بنو زيد بن عمرو" الخ.
وذلك لأن الحديث - أولاً - كان عن حياة بسطام حيث كانت إمارته على أصحابه وتميزه عليهم فنزله منزلة المخاطب إجلالاً له وتعظيماً، لأن
(1) ديوان الحماسة لأبي تمام 1/ 428.