الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مطلب في الأكل المسنون وذم الشبع وبعض وصايا الله لعباده فيه:
قال تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا» مما أحل لكم من أنواع الطعام وأجناسه والشراب وأصنافه، قال الكلبي كانت بنو عامر في ايام حجهم لا تأكل دسما تعظيما، فقال المسلمون نحن أحق بتعظيم الله وبيته منهم يا رسول الله فأولى أن لا نأكل، فأنزل الله هذه الآية. فلما أباح الله لهم ذلك نهاهم عما من شأنه أن يكون منهم فقال:«وَلا تُسْرِفُوا» فيما أحله الله لكم من طيبات الأطعمة والأشربة بأن تتجاوزوا حدّ الشبع وتفرطوا في تعدد أوقاته وأنواعه، فإن الأكل في اليوم مرتين من الإسراف المذموم المنهي عنه شرعا، ومن الإسراف بل والشره أن يأكل كلما يشتهي، اخرج ابو نعيم عن عمر بن الخطاب قال إياكم والبطنة من الطعام والشراب فأنهما مفسدة للجسد مورثة للسقم مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فانه أصلح للجسد وابعد من السرف وان الله يبغض الحبر السمين (لأنه لو كان يتعظ فيما علم لأضعفه الخوف من الله) ولهذا قالوا ان القاضي إذا سمن بعد توليه القضاء فهو دليل على عدم اهتمامه بأمور الناس، وان الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه ومن وصايا أطباء اليابان لا تأكل اللحم إلا مرة في اليوم ولا تشرب مسكرا ولا تدخن واكتف بقليل من القهوة والشاي واستحم يوميا بالماء الساخن وارتد الصوف الخفيف صيفا وشتاء ونم باكرا وأفق باكرا لتنعش بالهواء الطلق ودع غرفتك مفتوحة ليلا واجتنب المؤثرات العقلية واحرص على الراحة يوما في الأسبوع وتزوج البكر وخالط العلماء. وأخرج ابن ماجه والبيهقي عن أنس قال قال صلى الله عليه وسلم ان من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت. واخرج البيهقي عن عائشة قالت رآني صلى الله عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين، فقال يا عائشة أما تحبين ان يكون لك شغل إلا في جوفك، الأكل في اليوم مرتين من الإسراف. وعليه فيكون الأكل الشرعي مرة في الصباح ومرة في المساء، قال تعالى: من حق اهل الجنة (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الآية 62 من سورة مريم الآتية فإذا أكل نهارا مرتين وأكل مساء اخرى كان مسرفا، ولا شك ان الاكل يختلف
باختلاف الأشخاص والأمكنة. واخرج ابن ابي شيبة عن ابن عباس انه قال: كل ما شئت والبس ما شئت ما اخطأتك خصلتان سرف ومخيله. وهذا لا ينافي ما ذكره الثعلبي وغيره من الآدباء بأنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي ويلبس ما تشتهيه الناس وهو عندي مطلوب لأن ما يأكله لا يطلع عليه أحد وما يلبسه يظهر للناس وهو من الاقتصاد بمكان. ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني فقال يوما لعلي بن واقد: أليس في كتابكم من علم الطب شىء والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان؟ فقال له جمع الله الطب كله في نصف آية، قال ما هي؟ قال قال تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) فقال وهل يؤثر عن رسولكم شيء في الطب؟ فقال قد جمع الطب كله في ألفاظ يسيرة، قال وما هي؟ قال قال (المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وأعط كل بدن ما عودته.) فقال:
النصراني: والله ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. - من الكشاف- قال ومن النصائح الطبية ما قاله الحارث بن كلدة من حكماء العرب الأقدمين: لا تتزوج من النساء إلا شابة، ولا تأكل الفاكهة إلا في أوان نضجها، ولا يتعالج المريض ما احتمل بدنه الداء. هذا وقال تعالى «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ 31» في الأكل والشرب واللبس وغيره، والذي لا يحبه الله يبغضه فعلينا ان نجتنب ما يكرهه ربنا. واعلم ان هذه الآية والتي قبلها لا تتعارضان مع الآية 6 من سورة التكاثر المارة لأنه ليس كل شيء يسأل عنه المرء يوم القيمة يعاقب عليه فضلا عن تلك وردت عامة وهاتين جاءتا بمعرض الرد على الكفار الذين يحللون ويحرمون من تلقاء أنفسهم. الا فلينتبه العاقل ويجتنب الإسراف المنافي لرضاء الله والويل كل الويل لمن لا يرضي الله. ويا سيد الرسل «قُلْ» لهؤلاء المتعجرفين عما أحل الله لهم من الطيبات الزاعمين تحريمها او كراهتها في بعض الأوقات والأمكنة والأحوال «مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ» من الأرض وأنزلها من السماء لنفعهم من حيوان ونبات ومعدن وما يعمل ويحصل منها «وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» الذي يستلذ به الإنسان، وفي هذه الآية دليل على ان جميع المطعومات والمشروبات
والملبوسات حلال طيب، تؤيدها الآية 29 من البقرة وهي جملة (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) لان الأصل في جميع الأشياء الحل والإباحة الا ان الشارع خصص هذا العام والتحليل والتحريم من خصائص الله ورسوله ليس لأحد من البشر مهما علت رتبته في العلم والمعرفة وما سمت فطنته في الحذق والفهم وما رفعت مكانته في الإمارة والسلطة ان يحل شيئا مما حرم الله ورسوله او يحرم شيئا مما أحلاه، والآية تتناول جميع اصناف الزينة ولولا ورود النص بالذهب والفضة والحرير بحديث رسول الله والخنزير والميتة والدم والخمر والميتة في كتاب الله، لدخلت في هذه الآية لعموم نصّها المؤيد بقوله جل قوله «قُلْ» يا محمد لأمتك كل ما يستلذّ ويشتهى عدا ما ورد النهي فيه هو من الطيبات التي «هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» غير خالصة لهم وحدهم لأن الكفار والفساق يشاركونهم فيها جميعها ويزيدون عليهم ولكنها «خالِصَةً لهم» أي للمؤمنين وحدهم «يَوْمَ الْقِيامَةِ» في جنة الله لا يشاركهم فيها أحد من أولئك الكفرة وهي لهم خالية من الكدر والتنغيص والأذى بخلاف شهوات الدنيا فمحشوة بذلك مملوءة من الأكدار، وإيجاد هذه الطيبات في الأصل للمؤمنين في الدنيا ايضا وصارت للكافرين بالتبعية ولكنها لم تصف للمؤمنين وفيه قيل:
جبلت على كدر وأنت تريدها
…
صفوا من الأقذاء والأكدار
وخالصة بالرفع على انها خبر لمبتدأ محذوف وقرأت بالنصب على انها حال من الضمير الذي في الظرف الذي هو الخبر أي هي ثابتة الذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها يوم القيمة والأول أوجه من حيث الإعراب والقراءة بالمصاحف على النصب لذلك كان اولى من الرفع قال تعالى «كَذلِكَ» أي مثل هذا التفصيل البديع «نُفَصِّلُ الْآياتِ» ونوضّحها ونبيّنها «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 32» حقائقها وخصائصها ويعتقدون ان الله وحده المحلل والمحرم لا غيره «قُلْ» يا حبيبي لهؤلاء الكفار «إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ» كل ما تزايد قبحه فهو فاحش «ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ» سرها وجهرها «وَالْإِثْمَ» من كل ما يؤثم الإنسان فعله