المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب العاشر الناسخ والمنسوخ والقراءات ومعنى انزل القرآن على سبعة أحرف - بيان المعاني - جـ ١

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الأول]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌[المقدمة]

- ‌المطلب الاوّل في بيان مبادئ في التفسير

- ‌المطلب الثاني فيما يحتاج إليه المفسر

- ‌المطلب الثالث في الحاجة الى التفسير

- ‌المطلب الرابع في أحوال المفسرين به ومأخذ هذا التفسير

- ‌مطلب الأصول المتبعة في التفسير

- ‌المطلب الخامس في التفسير والتأويل والنهي عن القول في الرأي

- ‌المطلب السادس في فضل القرآن وحفظه وتهديد من ينساه والسفر به

- ‌المطلب السابع في التشريع في نهج القرآن ومفاصده ومميزات مكيه ومدنيه

- ‌المطلب الثامن في النزول وكيفيته وترتيب سوره وآياته

- ‌المطلب التاسع في جمع القرآن ونسخه وترتيبه وكونه توقيفيا وبيان ناسخه

- ‌المطلب العاشر الناسخ والمنسوخ والقراءات ومعنى انزل القرآن على سبعة أحرف

- ‌مطلب حكاية واقعة:

- ‌مطلب في الصوفية ومعنى سبعة أحرف:

- ‌المطلب الحادي عشر في خلق القرآن وعدمه ونسبته للكتب الأخرى وصدق النبوة

- ‌المطلب الثاني عشر في الوحى وكيفية نزوله ومعناه وأوله والرؤيا الصادقة ومعناها

- ‌الخاتمة نسأل الله حسنها

- ‌مطلب الفرق بين الحمد والشكر وفضلهما ومتى يطلبان

- ‌مطلب إعاذة الله فى إصلاح الكون

- ‌مطلب ولادة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌تفسير سورة العلق وتسمى سورة التعليم و (اقرأ) أيضا

- ‌مطلب معنى العلق وفضل الإنسان

- ‌تفسير سورة القلم عدد 2- 68 وتسمى سورة نون

- ‌مطلب معنى الساق:

- ‌مطلب النسخ لا يدخل الأخبار والوعد والوعيد:

- ‌مطلب معنى الكيد والمكر والآيات المدنيات الأخر:

- ‌تفسير سورة المزمل عدد 3- 72 أو قيام الليل

- ‌مطلب تخفيف قيام الليل ونقل الكسب والصدقة:

- ‌تفسير سورة المدّثر عدد 4- 74

- ‌مطلب أول سورة نزلت وفترة الوحي وسببها

- ‌مطلب ما نزل في الوليد بن المغيرة ثم في خبث أبي جهل

- ‌مطلب الحواس الباطنة والظاهرة والأخبار بالغيب

- ‌مطلب الشفاعة والمحروم منها:

- ‌تفسير سورة الفاتحة عدد 5- 1

- ‌تفسير سورة المسد عدد 6- 111

- ‌تفسير سورة التكوير عدد 7- 81 وتسمى كورت

- ‌مطلب أول من سنّ الوأد ومن منعه:

- ‌مطلب الاستمناء باليد والعلاج لمنع الحمل:

- ‌مطلب علامات الساعة:

- ‌تفسير سورة الأعلى عدد 8- 87

- ‌مطلب عصمة النبي من النسيان:

- ‌مطلب ما في صحف ابراهيم وموسى والحكم الشرعي في العيد:

- ‌تفسير سورة الليل عدد 9 و 92

- ‌مطلب في أنواع الخلق:

- ‌مطلب في أبي بكر رضي الله عنه وأمية غضب الله عليه:

- ‌تفسير سورة الفجر عدد 10 و 89

- ‌تفسير سورة الضحى عدد 11- 93

- ‌مطلب عدم رد السائل واللطف باليتيم:

- ‌مطلب الشكر لله ولخلقه:

- ‌تفسير سورة الانشراح عدد 12- 94

- ‌تفسير سورة العصر عدد 13- 103

- ‌تفسير سورة العاديات 14- 100

- ‌تفسير سورة الكوثر عدد 15- 108

- ‌تفسير سورة التكاثر عدد 16- 102

- ‌تفسير سورة الماعون عدد 17 و 107

- ‌تفسير سورة الكافرون عدد 18- 109

- ‌تفسير سورة الفيل عدد 19- 105

- ‌مطلب رمي الجمار بمنى:

- ‌تفسير سورة الفلق عدد 20- 113

- ‌مطلب في الحسد والتعاويذ:

- ‌تفسير سورة الناس عدد 21- 114

- ‌تفسير سورة الإخلاص عدد 22- 112

- ‌تفسير سورة والنجم عدد 23- 52

- ‌مطلب مقر جبريل ومعنى قاب قوسين:

- ‌مطلب زمن الإسراء والمعراج والرؤية:

- ‌مطلب الآية المدنية ومعنى الكبائر والصغائر:

- ‌مطلب في الغيب وأنه قسمان:

- ‌مطلب الكرامة ومصدرها والشعرى ومن يعبدها:

- ‌مطلب في السجود وقصة الغرانيق:

- ‌تفسير سورة عبس عدد 24- 80

- ‌تفسير سورة القدر عدد 25- 97

- ‌تفسير سورة والشمس 26- 91

- ‌تفسير سورة البروج عدد 27- 85

- ‌مطلب قصة أصحاب الأخدود:

- ‌تفسير سورة التين عدد 28- 95

- ‌تفسير سورة قريش عدد 29- 109

- ‌تفسير سورة القارعة عدد 30- 101

- ‌تفسير سورة القيامة عدد 31- 77

- ‌مطلب رؤية الله في الآخرة:

- ‌تفسير سورة الهمزة عد 32- 104

- ‌تفسير سورة المرسلات عدد 33- 77

- ‌مطلب مواقف يوم القيامة:

- ‌تفسير سورة ق عدد 34- 50

- ‌مطلب الآية المدنية في هذه السورة وخلق السموات والأرض والتسبيح:

- ‌تفسير سورة البلد عدد 35- 90

- ‌مطلب الحكمة الشرعية من الصدقات:

- ‌تفسير سورة الطارق عدد 36- 86

- ‌تفسير سورة القمر عدد 37- 54

- ‌مطلب في أربعاء صفر وعيادة المريض

- ‌مطلب الآيات المدنية وحكم ما تأخر حكمه عن نزوله:

- ‌مطلب في القدر وما يتعلق به:

- ‌تفسير سورة ص عدد 38- 38

- ‌مطلب قصة داود وسجود ابو بكر:

- ‌مطلب الحكم الشرعي في الأحكام:

- ‌مطلب في رد الشمس لسيدنا محمد وغيره:

- ‌مطلب قصة سليمان عليه السلام:

- ‌مطلب التخفيف وكفارة اليمين بحيلة في محله الملائم:

- ‌تفسير سورة الأعراف عدد 39- 7

- ‌مطلب وزن الأحمال وحادث البطاقة:

- ‌مطلب مقاييس إبليس:

- ‌مطلب مناظرة إبليس وقول سيف الدولة:

- ‌مطلب الحكم الشرعي في كشف العورة وزلة آدم:

- ‌مطلب تواصي الله لخلقه والتزين للصلاة وغيرها:

- ‌مطلب في الأكل المسنون وذم الشبع وبعض وصايا الله لعباده فيه:

- ‌مطلب معنى الإثم والبغي:

- ‌مطلب الرضى بالمعصية معصية

الفصل: ‌المطلب العاشر الناسخ والمنسوخ والقراءات ومعنى انزل القرآن على سبعة أحرف

فلو كان يوجد شيء من ذلك، لدونه وأثبته فيه حين نسخه ولم يعط مجالا لذلك البتة، وعليه فلا يجوز أن يبقى في ذهن مؤمن سقوط شيء من القرآن، وكل ما نقل أو ورد من الأخبار والآثار والأحاديث بأن شيئا من القرآن لم يدون في المصحف لا صحة له ولا حجة به لقائله ولا برهان له عليه سواء كانت أخبار آحاد أو جماعات، لأنها كلها مكذوبة ومختلقة ومتناقلة إفكا فلا يتمسك بها إلا زنديق مارق مفارق للجماعة، منكر لصراحة القرآن الذي صرح بحفظه من كل شيء منزله بقوله جل قوله (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) الآية 42 من سورة فصلت في ج 2، راجع تفسيرها والآية السابقة من سورة الحجر تجد ما يتعلق في هذا مفصلا، واعلم بأن الذي يحفظه الله لا يقدر أن يضيعه البشر، وعليه فإن القرآن الموجود الآن بين الدفتين هو تمام كلام الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، لم يبدل ولم يغير، ولم ينقص منه أو يزد فيه حرف واحد البتة، بإجماع صحابة رسول الله، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا منافق كافر لا حظ له في الإسلام، والموفق من طهر قلبه من ذلك.

‌المطلب العاشر الناسخ والمنسوخ والقراءات ومعنى انزل القرآن على سبعة أحرف

اعلم حماك الله وبصرك بطرق رضاه ان بحث النسخ لم يقع له صدى بين الأصحاب الذين كانوا زمن نزول القرآن والذين من بعدهم من الذين لم يبلغوا الحلم زمنه، ولو كان لتردد صداه، ولا اختلف فيه المسلمون بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وان شيئا من ذلك لم يقع، مما يدل على أن القرآن الذي تركه لنا المنزل عليه، هو الذي أمره ربه بتبليغه لنا بلا زيادة ولا نقص، وما قيل بأن شيئا من ذلك كان في حياة الرسول لا نصيب له من الصحة، لأن الأصحاب لم يختلفوا بعده بشيء من أسس الدين، ولم يتمسكوا بناسخ أو منسوخ ولم يقل أحد منهم بذلك، وعلى هذا فاعلم أن النسخ:

ت (3)

ص: 33

إما ابطال الحكم المستفاد من نفي سابق بنص لاحق مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) ، فالأول بطلب الكف، والثاني بالإتيان على الإباحة بحل التحريم.

وإما لرفع عموم النص السابق أو تقييده كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) الآية 228 من البقرة في ج 3 ثم قال في سورة الأحزاب النازلة بعدها في الآية 49 (إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ) في ج 3 أيضا، وكذلك الأمر في عدة الوفاة فإنها قيدت بأربعة أشهر وعشرة أيام في الآية 134 من البقرة أيضا، ثم قيدت عدة الحامل بوضع الحمل في الآية 4 من سورة الطلاق النازلة بعدها، فالأول عام للمدخول بها وغيرها، والثاني أعطى غير المدخول بها حكما خاصا، وكذلك قوله تعالى:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) الآية 4 من سورة النور ج 3، ثم قوله بعدها فيها (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ) فالأول عام في كل قاذف، والثاني خاص بالزوج لجعله الأيمان الخمسة قائمة مقام الشهادات الأربع. هذا مثال التخصيص.

ومثال التقييد قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) الآية 4 من المائدة في ج 3 مع قوله في سورة الأنعام النازلة قبلها: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً) الآية 15 في ج 2 فالدم الوارد في سورة المائدة مطلق والوارد في سورة الأنعام مقيد بالسفح فحمل المقيد على المطلق، وبهذا نعلم أن العام والمطلق لم ينلهما ابطال لأن التخصيص والتقيد بمثابة الاستثناء في الحكم.

والقاعدة ما من عام إلا وقد خصص، وما من مطلق إلا وقد قيد في بعض الأحوال، فيستوي فيه اللاحق المتصل بسابقه والمتراخي عنه والمقدم والمؤخر، فمن سمى المتقدم أو المتأخر ناسخا (ولا يكون المتقدم ناسخا للمتأخر البتة) كان بمقتضى التقييد والتخصيص ليس إلا كآية الأنعام بالنزول على آية المائدة، فمن يسميه ناسخا كان كمن يسميه مقيدا أو مخصصا.

ص: 34

مطلب ابطال النص في الحكم أو انتهائه:

واما ابطال النص في الحكم السابق أو انتهاء زمن حكمه وبقاؤه بصفة ذكر يتلى فقط فهو على أحد أمرين:

الأول- أن ينص اللاحق بنسخ السابق.

الثاني- أن يناقض أحدهما الآخر بحيث لا يمكن الجمع أو التخصيص أو التقييد، ولا يوجد من الأول شيء في القرآن إلا قول البعض في ثلاثة مواضع:

الأول: في قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) الآية 65 من سورة الأنفال في ج 3، وقوله بعدها فيها:(الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) فهذان خبران أريد منهما الإنشاء، لان الله تعالى قال في الآية 44 من هذه السورة:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) وهو أمر بالثبات، ووجوبه في كل الأحوال، فأراد جل جلاله أن يحدد هذا الأمر فحدده في الآية الأولى بعشرة أمثال المؤمنين المجاهدين في عدوهم، إلا أنه تعالت قدرته لم يقل اثبتوا في هذه الحالة لأن المراد بعث الحمية في نفوسهم، والهاب الغيرة في قلوبهم، ولما اظهر لعباده ما هو معلوم في مكنون غيبه قبلا من ضعفهم عن المقاومة بهذه النسبة اقتضت رحمته الكبرى بهم التخفيف عنهم، فأنزل الآية الثانية لئلا يتيقنوا وجوب الأخذ بالأولى حتما فيلقوا بأنفسهم إلى التهلكة أو يمرنوا أنفسهم على المخالفة فيستحقوا عقابه فحدده بهذه الآية بمثلى المجاهدين، ومن سياقها يعلم أن نسبة الآية الثانية للأولى بنسبة النص المخفف لعارض مع بقاء حكم النص الأول عند زوال العارض وهو الضعف، فكان حكم الآيتين حكم العزيمة مع الرخصة فإذا لم يكن بتلك الفئة المجاهدة التي هي بمقدار عشر العدو المحارب ضعف، ورأت في نفسها قدرة على المقاومة إما لقوة إيمانها وشدة جلدها وعزم حزمها، أو لقوة في عددها أو لوهن في عدوها وعدده، فعليها أن تثبت أمام عدوها مهما بلغ عدده أخذا بالعزيمة لأن الله وصفها بالصبر فمتى وجد الصبر ثبت الحكم الأول.

ص: 35

مطلب متى يجوز للقلة أن تقاوم الكثرة ومن لوازم الصبر المتقدمة عليه القوة المادية، والقوة القلبية المعنوية، فكثيرا ما نرى ونسمع، أن رجلا واحدا قاوم جماعة عشرة فما فوقها وغلبها، لا تزاره بالصبر، وتسلحه بقوة الجنان، وتمسكه بخالص الإيمان، واستعذابه الموت في سبيل الواجب، واستملائه الشهادة في إعلاء كلمة الله، فعلى هذا لا نسخ بالمعنى المراد من النسخ.

ومن قال إن الثانية عامة في جميع الأحوال، قال بنسخ الأولى بالثانية، وهو بعيد جدا، وقد اتضح لك بعده.

الموضع الثاني: ما يقرب من هاتين الآيتين قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) وقوله بآخر هذه السورة الآتية:

(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) فالأولى صريحة الطلب بقيام جزء من الليل قريب من نصفه، والثانية: تدل على أن الرسول كان قائما في هذا التكليف هو وطائفة من الصحابة، إلا أن فيها سببا يقتضي التخفيف وهو علمه جل علمه، بأن يكون في الأصناف الثلاثة المذكورة في الآية الثانية (مرض أو سفر أو جهاد) فكان التكليف فيها مقصورا على ما تيسر من القرآن المنبئة عن فعل ما تيسر من القيام بقراءة جزء يسير من القرآن، دون صلاة أو في صلاة ما، من النفل لقوله بآخر الآية الثانية (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فإذا كان كذلك لم يكن نسخا وحكمه باق بالنسبة للرسول وللآخرين المعذورين، وهذا رأي ابن عباس، وقد اخترته لموافقته للواقع، ومن قال إن الأولى عامة والتخفيف عام أراد النسخ وهو بعيد أيضا.

الموضع الثالث: قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) الآية 12 من سورة المجادلة في ج 3، وقوله بعدها:(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) فالأولى تحتم تقديم الصدقة بين يدي النجوى،

ص: 36

والثانية ترفع ذلك التحتيم من غير تصريح بالواقع، هذا ما يمكن تطبيقه على الأولى، وهو إعلام النص اللاحق بإلغاء النص السابق، وهذه النصوص الثلاثة كلها لا تعين إفادة النسخ بالمعنى المراد منه، إذ أنه يجوز في الآيات الثلاث فعل الحالتين المثبتتين فيها، ولو كان المراد نسخ الأولى بالثانية لما جاز فعل الأولى، بل تحتم فعل الثانية فقط وليس كذلك.

أما الطريق الثاني: وهو الالتجاء إلى نصين متناقضين لا مجال لتأويلهما أو أحدهما، فمن العسر جدا، بل من المحال أن تجد شيئا منه في كتاب الله، وهو المبرأ من كل عيب، ولله در أحمد محرم إذ يقول:

دستور حق في يمين محمد

يحمي الضعيف وبنصف المظلوما

لولا بلاغته وروعة نظمه

جهل الرجال اللؤلؤ المنظوما

كنز البيان فمن تطلب للفتى

كنزا سواء قضى الحياة عديما

فضّت علوم الدهر منه جانبا

وغدا نقضي الجانب المختوما

متجدد في كل عصر يبتغى

مما تجيء جديدة وفهوما

وناهيك في هذا قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) الآية 88 من سورة الإسراء الآتية:

مطلب القائلين بعد النسخ:

هذا وقد منع أبو مسلم الأصفهاني المفسر الكبير وجود النسخ في القرآن العظيم، وقد قال الإمام الرازي في تفسيره المشار إليه، وكذلك الشيخ محي الدين العربي في تفسيره، ومن عرف مرامي التشريع الإسلامي، ووقف على لباب التنزيل، وعرف حكمة التدريج في التشريع الذي مر ذكره في المطلب السابع، وأمعن النظر في قوله تعالى:(كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) الآية 1 من سورة هود، أيقن أن لا نسخ في كلام الله بالمعنى القائلين به، من أبطال المعنى الأول بالكلية، وهذا من جملة ما عناه سيدنا علي كرم الله وجهه، بإرادته ترتيب سوره وآياته على حسب

ص: 37

النزول، حينما عقد الشورة الأصحاب في كيفية جمعه وترتيبه على حده، وحينما أرادوا نسخه على الصحف، لأنهم كلهم يعلمون أن ترتيب نزوله غير ترتيب جمعه، وإذ ذاك قال محمد بن سيرين لعلي من القوة كما انزل: الأول فالأول، وما يدريك ما رأيه عليه السلام؟ ومرماه:

مرام سطّ مرمى العقل فيه

ودون مداه بيد لا تبيد

ومن هنا يعرف القارئ الذكي، أن ما تعالى به علماء النسخ والمنسوخ عبارة عن الآيات المقيدة والمخصصة بالنسبة للآيات المطلقة والعامة، ولعدم مراعاة هذين الأصلين، وعدم الاعتناء بتاريخ النزول، وأسبابه للتيقن من المقدم والمؤخر، وعدم أخذهم بما أجمع عليه الجمهور، بأن المقدم لا ينسخ المؤخر، وعدم مراعاتهم حكمة التشريع الالهي بحسب التدريج، أوصلوا الآيات المنسوخة الى مائتين، كما هو بين في تفسير الشيخ محمد الجزّي، على أن القرآن العظيم ناسخ لما تقدم من الكتب والصحف لا منسوخ البتة، وأطالوا البحث فيه، كما أطالوه في المتعة الآتي بحثها في أول سورة النساء، في ج 3، وسيأتي بحث النسخ في الآية (106) من سورة البقرة، ما يوسع من هذا إن شاء الله، نعم يوجد فيه بعض آيات عجز طوق البشر عن تأويلها، فقال بعضهم بنسخها، إلا أن تحاشي القول بالنسخ أصوب وأحمي للعقيدة، فقد روى البخاري عن ابن الزبير، قال قلت لعثمان (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً) الآية 240 من البقرة في ج 3، وقد نسختها الآية الأخرى، (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) عدد 4 من سورة الطلاق في ج 3 أيضا (المار ذكرها آنفا) فلم نكتبها وندعها، قال عثمان: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه، وذلك لان الآية الأولى غير منسوخة بالثانية، كما فصلناه، راجع تفسيرهما في محلهما.

ومن المعلوم أن آياته منها ما وقع تفسيرها زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنها ما وقع زمن أصحابه من بعده، ومنها ما وقع بعدهم، ومنها لم يقع حتى الآن، والليالي حبالى، وسيلدن الأمر العجيب مما سيظهر فيها من معجزاته الغامضة، ولا تحديد لكلمات الله، وسترى إن شاء الله، ما بشرح صدرك أيها القارئ، وتقر عينك، من تقييد المعاني،

ص: 38

وما تستعذبه من تبيين المباني، فيما يتعلق بالآيات التي ظاهر لفظها، يشم منه رائحة النسخ، والآيات التي تدل على معجزاته، فالله أسأل وبنبيه أتوسل أن يعينني على ذلك، ويقدرني عليه، انه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

مطلب في القراءات وحيث تقدم أني قلت، إني اتبعت في هذا التفسير قراءة عاصم، ورواية حفص لا طعنا في غيرهما، بل لأنهما أشهر من غيرهما، لأنها المتعارفة في محيطنا، والمنسوخة في القرآن الذي بين أيدينا، وإن القراءات الست الاخرى بأوجهها جائزة لمن أتقنها، وانها تختلف مع بعضها من حيث الترقيق والتفخيم، والجهد والصمت، والمد والقصر، والإمالة والرفع، والإدغام والإظهار، والتثنية والافراد والجمع، والتحريك والإسكان، والقطع والوصل، والنقل والوقف، والتضعيف والفك، وغيرها في الحروف والكلمات، بلا زيادة ولا نقص في أصل الكلمة، وما يزاد في أحد القراءات من الواحد في مثل عليهم، وعليهم و، لا يعد زيادة لأنه عبارة عن إشباع الفتحة لا غير، ولهذا تجد بعض رسم الكلمات فيه متغاير صورة لا معنى مثل (خَسِرَ الدُّنْيا) في الآية 7 من سورة الحج في ج 3، تقرأ على أنها فعل ماض، ولا تنافى المعنى المراد منها، عند من بقرأها مصدرا أو اسم فاعل، وهكذا كما ستطلع عليه عند تفسيرها، وما يشاكلها إن شاء الله. وقد ذكرنا في مطلب جمع القرآن المار، أن ما جاء من وجود بعض الكلمات في قرائين بعض الأصحاب، هو كناية عن كلمات تفسيرية كتبوها في مصاحفهم، فظنها من لا مسكة له بالقرآن قرآنا وتمسك بها بعض الجهلة، ومن لا خلاق له في الآخرة يماري بها ويجادل، (وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) الآية (46) من المائدة، فراجعها وراجع الآية (83) من سورة النساء في ج 3، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرأنيها رسول الله فكدت أساوره (أواثبه وأقاتله) في الصلاة فتربصت (تثبت) حتى سلم فلببته بردائه (أخذته مما يلي عنقه منه) فقلت: من أقرأك هذه

ص: 39

السورة التي سمعتك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: كذبت فإن رسول الله قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال صلى الله عليه وسلم: أرسله، اقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها فقال صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت، ثم قال اقرأ يا عمر فقرأت بقراءتي التي أقرأني فقال صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت، ثم قال إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه، وما جاء في روايتها عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرأني جبريل على حرف فزادني فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف، وما رواه مسلم عن أبيّ بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي يقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله فقرأ فحسّن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية (أي وسوس لي الشيطان تكذيبا للنبوة أشد ما كنت عليه في الجاهلية) فلما رأى رسول الله ما غشيني ضرب في صدري فتصببت عرقا وكأني أنظر إلى الله عز وجل فرقا (أي خشية من الخوف والهيبة حين ضربه صلى الله عليه وسلم نشبيتا له بما أزال عنه ذلك الخاطر المذموم) فقال: يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ على حرف واحد فرددت عليه أن هون على أمتي، فردّ إليّ الثانية أن اقرأ على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فرد اليّ الثالثة أن اقرأ على سبعة أحرف ولك بكل ردّة رددتها مسألة تسألنيها، فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم ترغب إليّ الناس كلهم حتى ابراهيم وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم حيث أطلعه الله على ما حاك في صدر أبيّ من الشك وإزالته منه في تلك الضرية، ورواية البغوي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ان القرآن نزل على سبعة أحرف لكل آية منه. ويروى: لكل حرف منه. ظهر وبطن، ولكل حد ومطلع وما قيل في معناه، إن الظهر لفظ القرآن أو التلاوة باللسان كما أنزل، والبطن تأويله، أو النور أو الفهم والتذكر فيه.

ص: 40