الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير سورة القلم عدد 2- 68 وتسمى سورة نون
نزلت بمكة بعد سورة العلق عدا الآيات من 17 الى 33 و 48 الى 50 فإنها نزلت بالمدينة، وهي اثنتان وخمسون آية وثلاثمائة كلمة، والف ومائتان وستة وخمسون حرفا.
ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءة بما بدأت به. لا ناسخ ولا منسوخ فيها. ومثلها في عدد الآي (الحاقة)(وابراهيم) فقط.
بسم الله الرحمن الرحيم «ن» هو حرف من حروف الهجاء المعجمة والله أعلم بمراده فيه وقد ذكرنا ما يتعلق فيه في بحث الإرهاص في المطلب الثاني عشر المار وسنبحث في المراد منه على ما يتوصل إليه عقل البشر في سورة ق الآتية إذ لا يوجد في القرآن غير هاتين السورتين سورة بدئت بحرف معجم واسم للحوت الذي بلع سيدنا يونس عليه السلام ولهذا سمي ذا النون، ويأتي بمعنى الدواة قال الشاعر:
إذا ما الشوق برّح بي إليهم
…
الفت النون بالدمع السجام
وقال ابن عباس هو حرف من حروف الرحمن وأول أسماء الله نافع وناصر ونصير واسم للسورة. ويوقف عليه بالقراءة ومع السكون ويجوز إدغامها بواو.
مطلب في القلم وما جرى به وأحاديث قيمة «وَالْقَلَمِ» الذي كتب الذكر في اللوح المحفوظ والله أعلم بصفته ولا داعي لبيانه. قيل أول ما خلق الله القلم فنظر اليه فانشق لهيبته نصفين ثم قال له اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى بذلك على اللوح. والناس يجرون على أمر قد فرغ منه.
وروي عن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال يا غلام إني أعلمك كلمات (وفي رواية مسلم زيادة ينفعك الله بهن) : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم ان الأمة لو اجتمعت
على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف. وفي رواية: احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله بالرخاء يعرفك بالشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا. ولهذا البحث صلة في الآية 17 من سورة الأنعام ج 2.
وفي الآية 41 من سورة الرعد ج 3. فراجعها. وبعد أن ابتدأ جل ثناؤه في هذه السورة بهذا الحرف الذي هو رمز بينه وبين حبيبه أقسم فقال «وَالْقَلَمِ» الجاري بما كان وما يكون «وَما» وأقسم ايضا بالذي «يَسْطُرُونَ 1» أي تسطره، حفظته من أعمال الخلق ويدونونه بكتبهم، أو باللوح الذي سطرت عليه أعمالهم إذا كان الضمير عائدا إلى القلم وجمع الضمير تعظيما لشأنه وعبر عنه بضمير العقلاء لقيامه مقامهم ولذا جعله فاعلا «ما أنت» يا أكمل الرسل «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ» التي منّ بها عليك وهي النبوة والرسالة «بِمَجْنُونٍ 2» بطائش كما يزعم جهلة قومك فاشكر هذه النعمة ولا تكدر جنانك بما يقولون وعاملهم بما أنت عليه، وهذه الجملة جواب القسم وفيها تنبيه على كذب قومه فيما رموه به من الجنّة لأنهم لا يعقلون ان من أكرمه الله بالنبوة لا يكون إلا كاملا في جميع الأوصاف فكيف يكون مجنونا «وَإِنَّ لَكَ» عندنا «لأجرا» عظيما لا يقدر البشر قدره «غَيْرَ مَمْنُونٍ 3» به عليك والمنة لا تكدره كامل غير منقوص دائم غير مقطوع وقد زيدت اللام في (لأجرا) تأكيدا بتحققه كما زيدت الباء في (بمجنون) تأكيدا للنفي أي فاستمر على تحمل أذاهم وجفاهم واصبر على طعنهم وتحقيرهم واجر على الحق الذي أنت عليه ولا يمنعك ما يفترون به عليك من جراء تبليغ الرسالة لأنه كذب محض وافتراء ومنشؤه الحسد على ما منّ به عليك ربك دونهم «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ 4» لا أعظم منه بدليل التنكير والوصف يسع جهلهم وغيرهم وهو خير ما أوتي الرجل، لأن حسن الخلق جامع لمحاسن الأفعال، قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: ما كان
أحد أحسن خلقا من رسول الله، ما دعاه أحد إلا قال لبيك فأنزل الله عليه هذه الآية وكان متحليا بأحمد الأخلاق وأرضى الأفعال وأكمل الآداب.
مطلب أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم كيف لا وقد تأدب بتأديب الله عز وجل المبين بقوله الكريم (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) الآية 198 من الأعراف الآتية ولهذا فإنه كان متحليا بكثير من صفاته تعالى كالحلم والعفو والرأفة والرحمة والكرم والعلم وغيرها جاء في حديث مسلم وأبي داود والنسائي والإمام أحمد وغيرهم عن سعد بن هشام قال: قلت لعائشة يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله قالت ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى. قالت: فإن خلق نبي الله كان القرآن. وفي رواية ابن المنذر وغيره عن أبي الدرداء أنه سألها عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه. قال العارف بالله المرصفي أرادت تخلقه بأخلاق الله لكنها لم تصرح تأدبا. وروى البخاري ومسلم عن البراء قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل ولا بالقصير. ورويا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال ان رسول الله لم يكن فاحشا ولا متفحشا وكان يقول خياركم أحاسنكم أخلاقا. ورويا عن أنس قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين والله ما قال لي أف قط ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا زاد الترمذي وكان صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا وما مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله، ولا شمت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى مسلم عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله عن البر والإثم فقال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس. ولقد قالوا الإثم خراز القلوب لأن الإنسان إذا فعل شيئا غير مشروع لا بد وأن يتردد ذلك في صدره المرة بعد الأخرى حتى يعرف ماهيته، فاذا منّ الله عليه رجع عما فعل واستغفر الله، وإذا أراد أن يستدرجه والعياذ بالله سلط على قلبه الشيطان فحسنه له فطبع على قلبه. حفظنا
الله وأجارنا من ذلك. وروى البخاري عن أنس قال: ان كانت الأمة لنأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت أي ليقضي لها ما تريده في الحوائج، فاذا كان مع الأمة هكذا فكيف هو مع الغير؟ وفقنا الله لاتباعه وطبعنا بطباعه، كيف لا وقد قال تعالى (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) الآية 195 من آل عمران في ج 3. وفي رواية زيادة:
ويجيب إذا دعي. وعنه قال. كان رسول الله إذا استقبله الرجل فخافه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس. أخرجه الترمذي. وروى مسلم عن الأسود قال: سألت عائشة ما كان رسول الله يفعل في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة (خدمة) ، أهله فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة. ورويا عن أنس قال كنت أمشي مع رسول الله وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جبذة (جذبه جذبة) شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت اليه وضحك وأمر له بعطاء ورويا عنه قال: كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ووجها وكان لي أخ يقال له أبو عمير وكان فطيما كان إذا جاءنا قال يا أبا عمير ما فعل النغير لنغير كان يلعب به (طائر صغير يشبه العصفور إلا أن منقاره أحمر) ورويا عن عائشة قالت ما خيّر رسول الله بين أمرين قط الا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فان كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه من شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله.
(أي لله) زاد مسلم: وما ضرب رسول الله شيئا بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله. وفي متن الشمائل للحافظ الترمذي
…
عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله شيء
…
. وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال. وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. أخرجه أبو داود. وعنها قالت قال صلى الله عليه وسلم ان من أكمل الناس إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله. أخرجه الترمذي. وعن أبي الدرداء أن رسول
الله قال ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيمة من خلق حسن، وان الله تعالى يبغض الفاحش البذيء. أخرجه الترمذي أيضا. وله عن جابر أن رسول الله قال ان من أحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا يوم القيمة أحاسنكم أخلاقا. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا أمر أمر بمعروف وإذا نهى نهى بمعروف راجع قوله تعالى (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) إلى آخر الآيات في سورة النحل في ج 2. تجد ما يتعلق في هذا البحث وبه كفاية والا لو كتبت لآخر حياتي عن أخلاقه ما وفيت بها قال تعالى «فَسَتُبْصِرُ» يا محمد ظهورك ونصرتك عليهم «وَيُبْصِرُونَ 5» أي يرى مكذبوك خذلانهم وإنزال العذاب بهم وإذ ذاك يعلمون «بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ 6» المجنون الطائش هم أم أنت وهذا من الأخبار بالغيب الذي حققه الله له فيهم في واقعة بدر، وكانوا لوثوقهم بصدقه فيما بينهم إذا سمعوا منه شيئا يرسخ في قلوبهم ويخافون عاقبته فاذا أوعدهم أو وعدهم لا يزالون يرتقبون وقوعه ولكن عنادهم وحسدهم وتعاظمهم عليه حال دون طاعتهم له «إِنَّ رَبَّكَ» يا حبيبي «هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» المستقيم الحق من كفار مكة واضرابهم الضالين «وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ 7» من خلقه أنت وأمثالك وأتباعك «فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ 8» لك الذين يدعون إلى دين آبائهم الفاسد. نزلت هذه الآية حينما كلفه كفار مكة عبادة أصنامهم ليكفوا عن أذاه فقال له ربه «وَدُّوا» هؤلاء الكفار «لَوْ تُدْهِنُ» تلين لهم في قولك وفعلك وتوافقهم على طلبهم من داهن الرجل في دينه وأمره إذا خان فأظهر خلاف ما يبطن كالمنأفق «فَيُدْهِنُونَ 9» يلينون لك ويصيرون معك فيصافونك ويتقربون إليك، فإياك إياك يا حبيبي احذرهم.
مطلب في الأوصاف الذميمة والنميمة.
«وَلا تُطِعْ» منهم (كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ 10» حقير ذليل كذاب ولا تطع الآخرين أمثالهم أيضا لأنهم لا يريدون لك مثل ما تريد لهم من الخير، والمهانة تعتري الإنسان من قلة الرأي والتمييز وكثرة الكذب وعدم المبالاة بما يقع منه
وعليه، والمراد به والله أعلم الوليد بن المغيرة لقول ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه مثل ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة. يريد ما وصفه الله به في هذه الآية، وقيل هو الأسود ابن يغوت أو الأخنس بن شريق والأول أولى وكلهم يستحق ذلك
«همّاز» عياب طعان يغمز على إخوانه في المجلس وسيأتي تفسير هذه اللفظة بأوسع مما هنا في تفسير سورة الهمزة الآتية «مشّاء» كثير المشي «بِنَمِيمٍ 11» أي نقّال للحديث السّيء، راجع الآية/ 11/ من سورة الحجرات في ج 3، تجد ما يتعلق بهذا البحث. تراه دائما يسعى بالنميمة ليفسد بين الناس ويبلغهم طعن الغير بهم ويعيبهم ليفسد بينهم وهو مع هذا كله «منّاع» كثير المنع «للخير» لا يفعله ولا يترك الغير يفعله «معتد» على الناس مجاوز في الظلم حده «أثيم 12» كثير الإثم عظيم الوزر فاجر باغ طاغ عات بخيل، يمنع نفسه وولده وعشيرته من أفعال الخير، ومن الإسلام والإيمان، ويهددهم ان دخلوا فيهما، ويندد لهم بعدم لفظه، وبأن ما يخبرهم به الرسول من الحشر والنشر لا حقيقة له. قاتله الله، وأطلقوا لفظ الإثم على الخمر بعد الإسلام لما فيه من الضرر، قال ابن الفارض:
وقالوا شربت الإثم كلا وإنما
…
شربت التي في تركها عندي الإثم
إلا أن هذا الإطلاق لم يعرف قبل الإسلام البتة فلا يستدل، على أنه في معانيها أو من سماتها كما نوضحه في تفسير الآية 32 من الأعراف الآتية «عتل» غليظ جاف فاحش سيىء الخلق، شديد الخصومة في الكفر وهو «بعد ذلك» الذي وصف به من المثالب والمعايب «زَنِيمٍ 13» دعيّ ملصق في قريش إذ ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من عمره وكانت له زنمة «قطعة لحم زائدة معلقة» في عنقه، وتطلق هذه اللفظة على ابن الزنا، قال حسان رضي الله:
زنيم تداعته الرجال زيادة
…
كما زيد في عرض الأديم الأكارع
وقال عكرمه:
زنيم ليس يعرف من أبوه
…
بغي الأم ذو حسب لئيم
وهذا الخبيث إنما حدا به ذلك بسبب «أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ 14» غرورا منه فأعرض يا حبيبي عنه ولا تركن اليه، فإن كثرة ماله وولده لا تغني عنه من الله شيئا، وان الله كافيك شره وولده ومغنيك عن ماله ونسبه، ولهذا تراه «إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا» المنزلة عليك «قال» هي «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ 15» خرافاتهم وأقاويلهم وانا «سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ 16» الأنف منه وهذا أعيب ما يكون عند العرب حتى انهم إذا هددوا رجلا يقولون:(لنقطعن أنفك) وقد نهى عنه صلى الله عليه وسلم في الحيوانات ولعن فاعله فكيف بالإنسان وبأكرم موضع منه لأنه تمام الحسن وقيل فيه:
وحسن الفتى في الأنف والأنف عاطل
…
فكيف إذا ما الخال كان له حليا
وهو مكان العزة والأنفة قال جرير:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي
…
وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
ويقولون فلان شامخ الأنف عالي العرنين، وفي الذليل جدع أنفه رغم أنفه، والوسم الكي بالنار إذ لا يذهب أثره على مر السنين، وهذا أول الآيات المدنيات من 17 الى 33 كما حكاه السخاوي في جمال القراء وهي عبارة عن قصة قصها الله على رسوله عظة لقومه قال تعالى «إِنَّا بَلَوْناهُمْ» أي أهل مكة اختبرناهم بالقحط والجوع امتحانا لهم علّهم يؤمنون حتى أكلوا الجيف والجلود وذلك بسبب دعائك عليهم إذ قال، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، وذلك بعد أن أنعم عليهم بكثرة الأموال والأولاد وجمع كلمتهم بوجوده فيهم وعزّز نعمهم بإرساله إليهم وهي أكبر نعمة لو قدروها كما سيأتي في تفسير الآية 28 من سورة ابراهيم في ج 2 فبدل أن يشكروا ذلك كفروا وتمادوا بالكفر والأذى لحضرته فكأنه قال تعالى لقد كان ابتلاؤنا لهم «كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ» أي كامتحاننا واختبارنا أهل البستان المسمى القروان دون صنعاء بفرسخين وهم جماعة مصلّون قيل انهم من ثقيف وقيل من بني إسرائيل بعد رفع المسيح ت (6)
عليه السلام، وكانت هذه القصة معروفة عندهم يتناقلها الخلف عن السلف بدليل التعريف فيها المعهود ذهنا، وكانت لأبيهم وكان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي على الفقراء فلما انتقلت إليهم بعد موته قالوا إن فعلنا مثل أبينا ضاق علينا الأمر لأنا أولو عيال، فحكى الله عنهم ما تذاكروا به بينهم بقوله جل قوله:
«إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها» يقطعون ثمرها «مُصْبِحِينَ 17» قبل خروج الناس من بيوتهم حتى لا يراهم أحد يستعطيهم منها «وَلا يَسْتَثْنُونَ» أي لم يقولوا إن شاء الله أيضا «فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ» أي طرأ عليها طارئ ليلا لأن الطائف كالطارق لا يكون إلا ليلا، وهذا الطائف لا يرد لأنه «مِنْ رَبِّكَ» يا رسولي ولا رادّ لما أريده، وذلك بأن أرسل عليها نارا أحاطت بها فأحرقتها كلها «وَهُمْ نائِمُونَ 19» قبل أن يفيقوا ويأتوا إليها «فَأَصْبَحَتْ» تلك البستان الغزيرة بالأشجار والثمار «كَالصَّرِيمِ 2» أي كالرماد الأسود على لغة خزيمة ومن كثرة الدخان كالليل المظلم، والصريم كناية عن البستان الذي صرمت أي فطعت أثماره كلها بحيث لم يبق فيها شيء. ورملة باليمن معروفة لا تنبت شيئا أي كأنها لم يكن فيها شيء من نبات ما، قال تعالى واصفا حالهم فيما جاؤوا إليها
«فَتَنادَوْا» نادى بعضهم بعضا بعد أن أفاقوا من نومهم «مُصْبِحِينَ 21» صبحة الليلة التي تحالفوا فيها قائلين لبعضهم «أَنِ اغْدُوا» اخرجوا غدوة «عَلى حَرْثِكُمْ» جنتكم لقطع ثمارها وقسمتها بينكم «إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ 22» عازمين على ما تقاولتم عليه من قصد قطف ثماركم قبل أن يحضركم أحد «فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ 23» يتسارون همسا لئلا يحس بهم أحد قائلين بعضهم لبعض امضوا أو اجزموا على «أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) 24» أبدا فيسألكم منها كما كان الحال زمن أبيكم فيأخذوا ما يفضل عن قوت سنتكم «وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ 25» بزعمهم على ما صمموا عليه من القصد والمنع على اجرائه وان لا يحول بينهم حائل عنه ولم بزالوا سائرين حتى قاربوها «فَلَمَّا رَأَوْها» أرضا سوداء رمداء لا شجر
ولا نبات فيها ولا ماء «قالوا» بعضهم لبعض «إِنَّا لَضَالُّونَ 26» طريقها مخطئونه فليست هي هنا فلما تحققوا قالوا لا بل هي نفسها «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ 27» ثمرها وخيرها ونفعها لتصميمنا على منع المساكين ما كانوا يأخذونه زمن أبينا ولعدم استثنائنا في حلفنا أي لم نقل إن شاء الله متصلا بكلامنا ذاك ولما رأوا ان سقط في أيديهم «قال أوسطهم» أعقلهم وأفضلهم واعدلهم لأن الأوسط خيار في كل شيء «ألم أقل لكم» يا اخوتي هلا «لَوْلا تُسَبِّحُونَ 28» أي تستثنون في حلفكم وقد سمى الاستثناء تسبيحا لأنه تعظيم للإله واقرار بأن أحدا لا يقدر أن يفعل شيئا دون مشيئنه «قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ 29» أنفسنا بمنعنا حق الفقراء وعدم سلوكنا ما كان يسلكه أبونا من القناعة بمؤنة السنة وانفاق الباقي لوجهه «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ 30» على ما وقع منهم نادمين على فعلهم
ثم دعوا على أنفسهم «قالُوا يا وَيْلَنا» يا هلاكنا «إِنَّا كُنَّا طاغِينَ 31» في ذلك القصد السيء ومخالفتنا عمل أبينا الحسن وحرماننا من جنتنا لتصميمنا على حرمان الفقراء منها. ثم تراجعوا إلى أنفسهم بعد أن عنف بعضهم بعضا وسألوا الله تعالى بقولهم «عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ 32» طالبون الخير منه راجعون لعفوه، قال مجاهد تابوا فأبدلوا خيرا منها، وقال ابن مسعود بلغني أن القوم أخلصوا لله فأعطوا جنة تسمى الحيوان فيها عنب يحمل البغل عنقودا واحدا منه، قال تعالى «كَذلِكَ الْعَذابُ» الذي نفعله بمن تعدى حدودنا وخالف أمرنا بمن تقدم من الأمم نفعله بكم يا أمة محمد إذا لم ترجعوا عن غيكم فإنا نحرمكم من النعم في الدنيا «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ» الموعودون به «أَكْبَرُ» من هذا لأنه فان منقطع وذاك باق دائم «لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ 33» ما هو لأنه فوق ما تتصوره عقولهم. هذا آخر الآيات المدنيات وقد نزلت بالمدينة بمناسبة ذكر قريش وما كانوا يفعلونه بالرسول الأعظم، واعلم على سبيل الفرض والتقدير بأنك إذا طويتها وقرأت ما بعدها متصلا بما قبلها لاستقام النظم لأن هذه
القصة كالمعترض التي يؤتى بها استطرادا بين كلامين غير أنه لا يجوز طي حرف واحد من القرآن أبدا، وهكذا كل الآيات المدنيات في السور المكية كالآيات المكيات في السور المدنية، فتدبر هذا الكتاب العظيم وانظر مغزى قوله تعالى:
(وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) الآية 82 من سورة النساء في ج 3. وسبب نزولها أن أبا جهل قال يوم بدر لأصحابه خذوا أصحاب محمد فاربطوهم بالحبال ولا تقتلوا منهم أحدا يقول الله تعالى ان ما صوره من قدرتهم عليهم كما صور أهل الجنة اقتدارهم على قطف ثمارها توبيخا لهم قال تعالى «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ 34» جزاء عملهم بالدنيا. ولما سمع المشركون هذه الآية قالوا سنعطى في الآخرة إن كان هناك آخرة أفضل مما يعطى أصحاب محمد فكذبهم الله بقوله «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ 35» استفهام انكاري أي لا نفعل ذلك لأن التسوية بينهم غير جائزة فكيف يعطون أفضل وكيف نحيف بالحكم ونحن أعدل الحاكمين ونأمر عبادنا بالعدل. ثم قال استنكارا واستبعادا لحكمهم المعوج «ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 36» وهذا استفهام آخر بمعنى التعجب من قولهم الناشئ عن فساد رأيهم وضلال فكرهم لأن حكمهم هذا لا يصدر عن عاقل قال تعالى «أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ 37» تقرءون فتعلمون منه «إِنَّ لَكُمْ فِيهِ» أي الكتاب «لَما تَخَيَّرُونَ 38» من مأربكم وتشتهونه من آمالكم «أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ» موثقة بالعهود ومؤكدة بالحلف عاهدناكم بها على ان نعطيكم ما ذكرتم فاستوثقتم بها «إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» لا تقطع أبدا «إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ 39» لأنفسكم في هذا الميثاق من الخير والكرامة ثم خاطب نبيه بقوله «سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ 40» كفيل بأن لهم ما للمسلمين في الآخرة
«أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ» يشاركونهم في هذا القول ويذهبون مذهبهم منه أم لهم شهداء يشهدون بصدق دعواهم هذه فاذا كان لديهم شيء من ذلك «فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ» الذين يزعمون أن لهم تلك القدرة على ما يقولونه