الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما وعى الأوائل إلا قليلا من كثير، ولنا أن نأخذ من القرآن والحديث دون تأويل أو تفسير، إذ نحن رجال وهم رجال، وقد آن لنا أن نترك التقليد.
وينسبون إليهم الإفراط إذا أطالوا الباع في حلبة التفسير للآيات، والتفريط إذا اقتصروا على الغايات، والجهل إذا أغفلوا شيئا ظاهر التأويل، والعناد إذا جالوا في فلسفة أسباب التنزيل، ان أتيتهم بآية قالوا مؤله، وهم يأخذون بظاهر الآيات، أو بحديث قالوا لم يثبت عند الثقات، وأين هم من معرفة التأويل والسند، وهيهات ان يميزوا بين الغث والسمين وهيهات، ويحهم جهال ويزعمون أنهم علماء، وضلال ويظنون انهم أتقياء، ومجانين ويحسبون انهم عقلاء، يناقضون أقوالهم بأفعالهم، وهي أفعى لهم، وأفعالهم بأقوالهم، وليست بأقوى لهم، أرشدنا الله وإياهم إلى الحق وهدانا إلى الرشد، ووفقنا إلى الصدق. عكفت عليه، ولولا السائق الإلهي لما وفقت اليه، إذ قد يكل مثلي عن تفسير سورة من قصار المفصّل، بل عن تأويل آية منها وأقل، ولكن ألطاف رحمانيته رغبتني، وهبات لدنية غمرتني، ونظرات محمدية أعانتني على هذا السفر العجيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل وهو الحسيب.
المطلب الخامس في التفسير والتأويل والنهي عن القول في الرأي
اعلم رعاك الله، ان التفسير هو كشف ما غطي لأنه مأخوذ من الفسر، وهو الكشف وبيان المعاني المعقولة من الألفاظ، فكما أن الطبيب ينظر في تفسيرته أي دليله ليكشف عن علة المريض بعد فحصه ومعرفة الداء ليصف له الدواء، كذلك المفسر ينظر في معاني الألفاظ بعد تمحيصها، ليكشف عن غوامضها ويعلم معناها وشأنها وقصتها، وهو يتوقف على النقل المسموع في معاني الألفاظ، ويلحق به الحديث الشريف، أما في غيرهما فلا يتوقف على ذلك، بل له أن يقدح فكرته لاستخراج معاني الكتب الأخرى.
أما التأويل فهو الرجوع إلى الأصل وردّ الشيء إلى الغاية فيه والمراد منه، وهذا يتوقف على الفهم الصحيح، لأن المراد منه غايته القصوى وبيان المعاني والوجوه المستنبطة الموافقة للفظ الآية، ويحتاج للوقوف على العلوم العربية ولا يتقيد بالمسموع، لهذا منع القول بالرأي في القرآن لأنه منزل من الله تعالى الذي حدّد شأن البشر فيه بقوله جل قوله (ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) الآية 7 من آل عمران ج 3، لهذا لا يجوز لأي كان تأويله ما لم يكن متضلعا بالعلوم العربية، والأحاديث النبوية كالسلف الصالح من التابعين، لأن العارفين والربانيين أيضا لا يعلمون جميع حقائقه، تأمل في قوله تعالى بعد ذلك (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) وسيأتي في تفسير هذه الآية ما به كفاية، لتعذر وقوفهم على المعنى المراد فيه، راجع ما بيناه آنفا من الأحاديث في المطلب الثاني هذا.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه حينما سئل عن القرآن، قال أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إن أنا قلت في القرآن (أي برأي) وقد رخص لأهل العلم بالتفسير والتأويل بما لا يخالف السنة والكتاب، لأن الصحابة رضوان الله عليهم، فسروا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من حضرة الرسول، بل اجتهدوا فيه على قدر فهمهم، وقد دعا صلى الله عليه وسلم لابن عباس فقال اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين، فكان أكثر ما نقل عنه في التفسير.
هذا وان المرء مهما سمت رتبته في المعارف، وعلت درجته في الذكاء، لا يبلغ مبلغ ابن عباس، أو عمر رضي الله عنهما، إذا فلا يجوز أن يجرؤ أحد على الحوض في آيات الله إلا عن سماع وتوقيف متواترين، أما بعض أهل هذا الزمن المتزعمون فإنهم يهرفون بما لا يعرفون ويقولون ما لا يفعلون.
هذا وإن من المفسرين من إذا اطلعت على تفسيره شمت منه القصد بإظهار فضله واقتداره حيث أدخل فيه من الكلام ما يحتاج إلى تفسير على أن الأفاضل ليسوا بحاجة إلى إظهار فضلهم وإذا كان الغير لا يستفيد من تفسيرهم فيكونوا قد فسروا لأنفسهم عفا الله عنهم ووقانا شر أنفسنا.