الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 71 الى 76]
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (74) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (76)
اللغة:
(خَرْجاً) : أجرا وخراجا ويغلب في الخرج أن يكون مال العنق وفي الخراج مال العقار ونقيض الدخل وقيل الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه، والوجه أن الخرج أخص من الخراج، ومعنى الآية: أم تسألهم عن هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.
(ناكبون) عادلون وزائفون ومائلون وكل من لا يؤمن بالآخرة فهو عن القصد ناكب.
(لجوا) : اللجاج وهو التمادي في العناد، وفي المصباح: لجّ في الأمر لججا من باب تعب ولجاجا ولجاجة فهو لجوج ولجوجة مبالغة إذا لازم الشيء وواظبه ومن باب ضرب لغة.
(يَعْمَهُونَ) : في المصباح: «عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردّد متحيرا، وتعامه مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة فهو عمه وأعمه.
(اسْتَكانُوا) : يقال: استكان أي انتقل من كون الى كون كاستحال إذا انتقل من حال الى حال وأصله استكون نقلت حركة الواو الى ما قبلها ثم قلبت ألفا، هذا ما قاله علماء اللغة ولكن اعترض بعضهم على هذا التنظير وحجته أن استكان على تأويله أحد أقسام استفعل الذي معناه التحول كقولهم استحجر الطين واستنوق الجمل، وأما استحال فثلاثيه حال إذا انتقل من حال الى حال وإذا كان الثلاثي يفيد التحول لم يبق لصيغة استفعل فيها أثر فليس استحال من استفعل للتحول ولكنه من استفعل بمعنى فعل وهو أحد أقسامه إذا لم يزد السداسي فيه على الثلاثي معنى.
ثم نعود الى تأويله فنقول: المعنى عليه فما انتقلوا من كون التكبر والتجبر والاعتياض الى كون الخضوع والضراعة الى الله تعالى، ولقائل أن يقول: استكان يفيد على التأويل المذكور الانتقال من كون الى كون فليس حمله على أنه انتقال عن التكبر الى الخضوع بأولى، وترى هذه الصيغة لا تفهم إلا أحد الانتقالين، فلو كانت مشتقة من مطلق الكون لكانت مجملة محتملة للانتقالين جميعا والجواب أن أصلها كذلك على الإطلاق ولكن غلب العرف على استعمالها في الانتقال الخاص كما غلب في غيرها.
ولما دخل أحمد بن فارس اللغوي الوزير بغداد في زمن الامام الناصر جمع له جميع علماء بغداد وعقد بهم محفلا للمناظرة فانجر
الكلام الى هذه الآية فقال: الأصل اللغوي هو مشتق من قول العرب:
كنت لك إذا خضعت، وهي لغة هذلية فاستحسن ابن فارس ذلك منه، وعلى هذا يكون من استفعل بمعنى فعل كقولهم استقر واستعلى وحال واستحال على ما مر وانما لم يجعل من استفعل المبني للمبالغة مثل استحسر واستعصم من حسر وعصم لأن المعنى يأباه وذلك أنها جاءت في النفي والمقصود منها ذم هؤلاء بالجفوة والقسوة وعدم الخضوع مع ما يوجب نهاية الضراعة من أخذهم بالعذاب، فلو جعلت للمبالغة أفادت نقص المبالغة لأن نفي الأبلغ أدنى من نفي الأدنى وكأنهم على ذلك ذموا بنفي الخضوع الكثير وأنهم ما بلغوا في الضراعة نهايتها وليس الواقع فانهم ما اتسموا بالضراعة ولا بلحظة منها فكيف تنفى عنهم النهاية الموهمة لحصول البداية؟
ووزن استفعل على ضربين متعد وغير متعد فالمتعدي قولهم استحقه واستقبحه وغير المتعدي استقدم واستأخر ويكون فعل منه متعديا وغير متعد فالمتعدي نحو علم واستعلم وفهم واستفهم وغير المتعدي نحو قبح واستقبح وحسن واستحسن، وله معان أحدها الطلب والاستدعاء كقولك استعطيت أي طلبت العطية واستعتبته أي طلبت اليه العتبى ومنه استفهمت واستخبرت، والثاني أن يكون للاصابة كقولك استجدته واستكرمته أي وجدته جيدا وكريما، وقد يكون بمعنى الانتقال والتحول من حال الى حال نحو قولهم استنوق الجمل إذا صار على خلق الناقة واستتيست الشاة إذا أشبهت التيس ومنه استحجر الطين إذا تحول الى طبع الحجر في الصلابة، وقد يكون بمعنى تفعل لتكلف الشيء وتعاطيه نحو استعظم بمعنى تعظم واستكبر بمعنى تكبر كقولهم تشجّع وتجلّد وربا عاقب فعل قالوا: قرّ في المكان واستقرّ وعلا