الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على السعة، وقد اختلف في المراد بهذه البيوت والصحيح أنها عامة لأنه لا دليل على التخصيص، فسلموا الفاء رابطة وسلموا فعل أمر وفاعل وعلى أنفسكم متعلقان بسلموا وتحية منصوب على المصدر من معنى فسلموا فهو مرادفه كقعدت جلوسا وفرحت جزلا ومن عند الله صفة لتحية أو بنفس التحية ومباركة صفة وطيبة صفة أيضا أي يرجى بها زيادة الخير وتطيب بها نفس المستمع. (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) الكاف نعت لمصدر محذوف ويبين الله فعل مضارع وفاعل ولكم متعلقان بيبين والآيات مفعول به ولعل واسمها وجملة تعقلون خبر لعل.
البلاغة:
1-
عكس الظاهر:
في قوله تعالى: «غير متبرجات بزينة» فن يطلق عليه بعض علماء البيان اسم عكس الظاهر وبعضهم يسميه نفي الشيء بايجابه وقد سبقت الاشارة اليه في كتابنا وهو من محاسن الكلام فإذا تأملته وجدت باطنه نفيا وظاهره إيجابا، أو أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا ومن أهم أبياته قول امرئ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره
…
إذا سافه العود النباطي جرجرا
فاللاحب هو الطريق الواضح والمنار هو العلامة توضع على الطريق للهداية وفي الحديث «إن للدين صوى ومنارا كمنار الطريق»
وسافه شمه والعود المسن من الإبل والنباطي: الضخم وجرجر رغا وضج وأخرج جرته فقوله «لا يهتدى بمناره» لم يرد أن له منارا لا يهتدى به ولكن أراد أنه لا منار له فيهتدى بذلك المنار.
وكذلك المراد هنا والقواعد من النساء اللاتي لا زينة لهن فيتبرجن بها لأن الكلام فيمن هي بهذه المثابة، وكأن الغرض من ذلك أن هؤلاء استعفافهن عن وضع الثياب خير لهن فما ظنك بذوات الزينة من الثياب، وأبلغ ما في ذلك أنه جعل عدم وضع الثياب في حق القواعد من الاستعفاف إيذانا بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة، هذا في القواعد فكيف بالكواعب؟!.
2-
الإيضاح:
وفي قوله «ولا على أنفسكم الآية» فن الإيضاح وهو أن يذكر المتكلم كلاما في ظاهره لبس ثم يوضحه في بقية كلامه، والإشكال الذي يحله الإيضاح يكون في معاني البديع من الألفاظ وفي اعرابها ومعاني النفس دون الفنون، وقد سبق ذكره في هذا الكتاب، وهنا في هذه الآية ترد على ظاهرها أسئلة أولها: ما الفائدة في الاخبار برفع الجناح عمن أكل من بيته؟ وكيف يظن أن على من أكل من بيته جناحا؟
وثانيها: لم يذكر بيوت الأولاد كما ذكر بيوت غيرهم من الأقارب القريبة؟
وثالثها: ما فائدة قوله «أو ما ملكتم مفاتحه» وظاهر الحال أن هذا داخل في قوله «من بيوتكم» ؟
ورابعها: كيف وقعت التسوية بين الصديق وبين هؤلاء الأقارب؟
والأجوبة التي تتضح بها هذه الإشكالات الأربعة هي:
الجواب الأول:
أما فائدة الإخبار برفع الجناح عمن أكل من بيته فإنما ذكر ذلك توطئة ليبني عليه ما يعطفه على جملته من البيوت التي قصد إباحة الأكل منها، فإنه إذا علم أن الإنسان لا جناح عليه أن يأكل من بيته فكذلك لا جناح عليه أن يأكل من هذه البيوت ليشير الى أن أموال هذه القرابة كمال الإنسان، وإذا تساوت هذه الأموال سرى ذلك التساوي الى الأزواج، فيكون سبحانه قد أدمج في ذلك الحض على صلة الأرحام ومعاملتهم معاملة الإنسان نفسه.
الجواب الثاني:
وأما عدم ذكر بيوت الأولاد فإنما ذكر من الأموال ما يظن بأن الأكل منه محظور فاحتاج الى بيان الإباحة، وأما أموال الأولاد فتصرف الوالدين فيها كتصرفهم في أموالهم أنفسهم، لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه، ألا ترى أن الشرع يوجب على الولد نفقة الوالدين إذا كانا محتاجين؟ وفي الحديث:«إن طيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه» .
الجواب الثالث:
وأما زعم القائل بأن الكلام فيه تداخل لأن قوله «أو ما ملكتم مفاتحه» هو ما في بيوتهم فإنه يحتمل أن يراد بما في البيوت المال التليد
العتيد وما ملك الإنسان مفاتحه: المال الطريف المكتسب الذي يتسبّب الإنسان في تحصيله ويتعب في اكتسابه.
الجواب الرابع:
وأما سر التسوية بين الصديق وبين هؤلاء الأقارب فهو تعريف حق الصديق الذي ساوى باطنه ظاهره في اخلاص المودة، ولا يسمى صديقا حتى يكون كذلك، فإن اشتقاق اسمه من صدق المحبة وصفاء المودة وهو الذي أشار اليه سبحانه بقوله «ولا صديق حميم» فإذا كان الصديق بهذه المثابة وعلى هذه الصفة ساوى هذه القرابة القريبة فليس على الإنسان جناح إذا تصرف في ماله تصرفه في مال نفسه.
فنون أخرى في الآية الكريمة:
هذا وقد اشتملت هذه الآية الكريمة بعض إيضاح هذه الإشكالات على تسعة أضرب من فنون البديع ندرجها فيما يلي مع التلخيص والاختصار:
آ- صحة التقسيم: وذلك لاستيعاب الكلام جميع أقسام الأقارب القريبة بحيث لم يغادر منها شيئا.
ب- التهذيب: وذلك في انتقال الكلام على مقتضى البلاغة في هذا المكان، فإن مقتضى البلاغة تقديم الأقرب فالأقرب كما جاء فيها.
ج- حسن النسق: وذلك في اختياره «أو» لعطف الجمل وهي تدل على الإباحة.
د- الكناية: فقد كنى سبحانه عن الأموال بالبيوت التي هي حرز الأموال ومقرها من باب تسمية الشيء بما جاوره، كقولهم: سال الميزاب وجرى النهر.