المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظةً وشفاءً - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٦

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظةً وشفاءً

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظةً وشفاءً لما في الصدور، وجعله منهلًا عذبًا للورود والصدور، جمع فيه علوم الأولين والآخرين، فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، والصلاة والسلام على من أوحي إليه ذلك القرآن، من لوح الوجوب والأمر والشأن، سيدنا محمد الذي فسر الآيات في الأنفس والآفاق، على مراد الله الملك الخلاق، وعلى آله وصحبه المقتبسين من مشكاة أنواره، المغترفين من بحار أسراره، ومن تبعهم ممن تخلّق بالقرآن في كل زمان، ما تطاول المدى وطلع المرزمان.

أما بعد: فإني لما فرغت من تفسير الجزء الرابع عشر من القرآن بعون الله وتوفيقه .. أردت الشّروع في تفسير الجزء الخامس عشر منه، مستمدًا منه التيسير والتوفيق؛ لأقوم الطريق فقلت.

‌سورة الإسراء

سورة الإسراء - وتسمى سورة بني إسرائيل، وسورة سبحان -: مكية، إلّا ثماني آيات، من قوله سبحانه:{وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ} إلى قوله: {سُلْطانًا نَصِيرًا} فتلك الآيات الثمانية مدنية. وهذا (1) قول قتادة. وقال مقاتل: فيها من المدني قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} الآية، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} ، وقوله:{إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ} ، وقوله:{وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ} ، وقوله:{وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ} والتي تليها.

(1) الخازن.

ص: 5

وعدد آياتها: مئة وعشر آيات، وقيل: وإحدى عشرة آية وكلماتها ألف وخمس مئة وثلاث وثلاثون كلمة، وعدد حروفها ستة آلاف، وأربع مئة وستون حرفًا:

فضلها: ومما ورد في فضلها: ما روي (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ سورة بني إسرائيل فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين، كان له قنطار في الجنة» والقنطار: ألف أوقية، ومئتا أوقية.

وأخرج أحمد (2)، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن عائشة، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم (كان يقرأ كل ليلة سورة بني إسرائيل والزمر).

وأخرج البخاري، وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال في هذه السورة، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأول، وهن من تلادي.

الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى - وجملة المنسوخ في سورة بني إسرائيل ثلاث آيات:

أولاهن: قوله تعالى: {وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما} إلى قوله: {كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا} الآية نسخ بعض حكمها، وبقي البعض على ظاهره، فهو في أهل التوحيد محكم، وبعض حكمها في أهل الشرك منسوخ بقوله تعالى:{ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} الآية.

الآية الثانية: قوله تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} نسختا بآية السيف.

الآية الثالثة: قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ} إلى قوله: {فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى} ، الآية نسخت بالآية التي في سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً

} الآية.

(1) البيضاوي.

(2)

المراغي.

ص: 6

المناسبة: ووجه (1) مناسبة هذه السورة لسورة النحل، وذكرها بعدها في أمور:

1 -

أنه سبحانه وتعالى ذكر في سورة النحل اختلاف اليهود في السبت، وهنا ذكر شريعة أهل السبت التي شرعها لهم في التوراة، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال:(إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل).

2 -

أنه لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر، ونهاه عن الحزن، وضيق الصدر من مكرهم في السُّورة السالفة .. ذكر هنا شرفه، وعلوّ منزلته عند ربه.

3 -

أنه لما ذكر في السورة السالفة نعمًا كثيرة حتى سميت لأجلها سورة النعم .. ذكر هنا أيضًا نعمًا خاصةً وعامّةً.

4 -

ذكر هناك أن النحل {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ} وهنا ذكر {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} .

5 -

أنه في تلك أمر بإيتاء ذي القربى، وكذلك هنا مع زيادة إيتاء المساكين، وابن السبيل.

والله أعلم

* * *

(1) المراغي.

ص: 7

بسم الله الرحمن الرحيم

{سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (12) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} .

المناسبة

مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها (1): أنّه تعالى لما أمر نبيّه بالصبر، ونهاه عن الحزن عليهم، وأن يضيق صدره من مكرهم، وكان من مكرهم نسبته إلى الكذب، والسحر، والشعر، وغير ذلك مما رموه به .. أعقب تعالى ذلك بذكر شرفه، وفضله، وعلو منزلته عنده تعالى.

(1) البحر المحيط.

ص: 8

قوله تعالى: {وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (1): أنّ الله سبحانه وتعالى لما ذكر في الآية الأولى: أنه أكرم عبده، ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالإسراء من مكة إلى بيت المقدس .. أردف ذلك بذكر ما أكرم به موسى عليه السلام قبله من إعطائه التوراة، وجعله هدى لبني إسرائيل ليخرجهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور العلم والهدى، ثمّ قفّى على ذلك ببيان أنّهم ما عملوا بهديها بل أفسدوا في الأرض، فسلّط الله عليهم البابليين، أثخنوا فيهم، وقصدوهم بالقتل، والنهب، والسلب، ثم أزال عنهم هذه المحنة، وأعاد لهم الدولة، وأمدهم بالأموال، والبنين، وجعلهم أكثر عددا مما كانوا، ثم عادوا إلى عصيانهم، وقتلوا ذكريا، ويحيى عليهما السلام فَسَلَّط الله عليهم من أدال دولتهم مرة أخرى، فأعمل فيهم السيف، وسلب، ونهب، وجاس خلال ديارهم، فدخل بيت المقدس مرّة أخرى بالقهر والغلبة والإذلال، وأهلك ما أهلك، مما قد جمعوه وكنزوه، ثم أوعدهم على عصيانهم بالعقاب في الآخرة بنار جهنم، وبئس السجن هي لمن عصى الله وخالف أوامر دينه تعالى.

قوله تعالى: {إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر ما أكرم به من اصطفاه من النبيين والمرسلين، فأكرم محمدا صلى الله عليه وسلم بالإسراء، وأكرم موسى بالتوراة، وجعلها هدى لبني إسرائيل، ثم بيّن أنهم لم يعملوا بها، فحل بهم عذاب الدنيا والآخرة .. قفّى على ذلك بالثناء على القرآن الكريم، وبيان أنه يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبشر المؤمنين بالأجر والثواب العظيم، وينذر الكافرين بالعذاب الأليم، ثم أردف ذلك بذكر طبيعة الإنسان، وأنه خلق عجولا قد يدعو على نفسه بالشر، أي: بالموت، والهلاك، والدمار، واللعنة كما يدعو لنفسه بالخير.

وعبارة أبي حيان هنا: لما ذكر (2) تعالى من اختصه بالإسراء، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ومن آتاه التوراة، وهو موسى عليه السلام، وأنها هدًى لبني إسرائيل،

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

ص: 9

وذكر ما قَضَى عليهم فيها من التسليط عليهم بذنوبهم، كان - ذلك رادعًا لمن عقل عن معاصي الله، فذكر ما شرف الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم من القرآن الناسخ لحكم التوراة، وكل كتاب إلهي، وأنه يهدي للطريقة أو الحالة التي هي أقوم -.

قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه وتعالى لما ذكر الهداية، والإرشاد بالقرآن الكريم .. قفّى على ذلك بالاستدلال بالآيات، والدلائل التي في الآفاق، وهي برهان نيّر لا ريب فيه، وطريق بيّن لا يضل من ينتحيه.

قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (1): أنّ الله سبحانه وتعالى لمّا بين فيما سلف حال كتابه الذي يحوي النافع والضارّ من الأعمال، مما يكون به سعادة الإنسان، وشقاؤه في دينه ودنياه .. قفى على ذلك بذكر حال كتاب المرء، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله إلّا أحصاها، وأن حسنها وقبحها تابع لأخذه بما في الكتاب الأول، أو تركه لذاك، فمن أخذ به اهتدى، ومنفعة ذلك عائدة إليه، ومن أعرض عنه ضل وغوى، ووبال ذلك راجع عليه، ثم أكد عنايته بعباده، وأنه لا يعاقب أحدًا منهم إلا إذا أرسل الرسل يبلِّغون رسالات ربهم رحمة بهم، ورأفة عليهم.

أسباب النزول

قوله تعالى: {سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا

} الآية، قال أبو القاسم سليمان الأنصاري (2): لما وصل محمد صلى الله عليه وسلم إلى الدرجات العالية، والمراتب الرفيعة، في المعارج أوحى الله إليه يا محمد، بم شرفك الله سبحانه وتعالى؟ قال:«يا رب بنسبتي إليك بالعبودية» فأنزل الله فيه {سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ

} الآية انتهى.

قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى

} الآية، سبب نزولها: ما

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

ص: 10