المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

روي: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٦

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: روي: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا

روي: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا نضرة حلوة، والله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون» وقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا» قيل: وما زهرة الدنيا؟ قال: «بركات الأرض» . وروى البخاري أنّ عمر كان يقول: اللهم إنا لا نستطيع إلّا أن نفرح بما زيّنته لنا، اللهم إني أسألك أن ننفقه في حقه.

‌8

- {وَإِنَّا لَجاعِلُونَ} فيما سيأتي عند تناهي عمر الدنيا، {ما عَلَيْها} أي: ما على الأرض من المخلوقات قاطبة {صَعِيدًا} ، أي: ترابا {جُرُزًا} ؛ أي: لا نبات فيه، وسنةٌ جرزٌ لا مطر فيها؛ أي: وإن الأرض وما عليها بائد فان، وإن المرجع إلى الله، فلا تأسى، ولا تحزن لما تسمع وترى، ونحو الآية {كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (26)} وقوله:{فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (106) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (107)} .

وإجمال المعنى: أنّ ما على الأرض سيصير ترابًا ساذجًا بعد ما كان يتعجّب من بهجته النظارة، وتسر برؤيته العيون، فلا تحزن لما عاينت من تكذيب هؤلاء، لما أنزل عليك من الكتاب، فإنا جعلنا ما على الأرض من مختلف الأشياء زينة لها لنختبر أعمال أهلها، فنجازيهم بحسب ما هم أهل له، وإنا لمفنون ذلك بعد حين، وفي هذا تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، وكأنه قيل: لا تحزن فإنّا ننتقم لك منهم.

وخلاصة النظم: لا تحزن يا محمد ممّا وقع من هؤلاء من التكذيب، فإنّا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم، وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا، فمجازوهم إن خيرًا .. فخيرٌ، وإن شرًا .. فشرٌ.

ملخص قصة أهل الكهف كما أثر عن العرب

روي أنّ النّصارى عظمت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم، حتى عبدوا الأصنام، وأكرهوا النّاس على عبادتها، وأصدر الملك دقيانوس الأوامر المشددة في ذلك، ومعاقبة من يخالفه، وأراد أن يلزم فتيةٌ من أشراف قومه عبادتها، وتوعّدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على دينهم، فنزع ثيابهم، وحليّهم، ولكنّه رحم شبابهم، فأمهلهم لعلهم يتوبون إلى رشدهم، وهكذا ذهب الملك إلى مدن أخرى، ليحث أهلها على عبادتها، وإلا قتلوا.

ص: 289

أمّا الفتية: فإنهم انطلقوا إلى كهف قريب من مدينتهم، أفسوس أو طرسوس، في جبل يدعى نيخايوس، وأخذوا يعبدون الله فيه حتى إذا هجم عليهم دقيانوس وقتلهم ماتوا طائعين، وقد كانوا سبعة، فلما مرّوا في الطريق إلى الكهف، تبعهم راع ومعه كلبه فجلسوا هناك يعبدون الله، وكان من بينهم امرؤ يدعى تمليخا يبتاع لهم طعامهم، وشرابهم، يبلغهم أخبار دقيانوس الذي لا يزال مجدًا في طلبهم، حتى إذا عاد من مطافه، ووصل إلى مدينتهم، بحث عن هؤلاء العباد والنساك ليذبحهم، أو يسجدوا للأصنام، فسمع بذلك تمليخا بينما كان يشتري لهم الطعام خفيةً، فأخبرهم، فبكوا ثمّ ضرب الله على آذانهم، فناموا، وتذكرهم دقيانوس، فهدد آباءهم، إن لم يحضروهم، فدلوه عليهم، وقالوا: إنّهم في الكهف، فتوجه إليهم، وسده عليهم ليموتوا هناك، وينتهي الأمر على ذلك.

وقد كان في حاشية الملك رجلان يكتمان إيمانهما، وهما: بيدروس، وروناس فكتبا قصة هؤلاء الفتية سرا في لوحين من حجر، وجعلاهما في تابوت من نحاس، وجعلا التّابوت في البنيان، ليكون ذلك عظة واعتبارًا، وذكرى لمن سيجيىء من بعد.

ثم مضت قرون يتلو بعضها بعضًا، ولم يبق لـ: دقيانوس ذكرٌ ولا أثر، وبعدئذٍ ملك البلاد ملك صالح يسمى بيدروس، دام ملكه (68) سنة، وانقسم الناس في شأن البعث والقيامة فرقتين، فرقة مؤمنة به، وأخرى كافرة، فحزن الملك لذلك حزنًا شديدًا، وضرع إلى الله أن يري الناس آية يرشدهم بها إلى أن الساعة آتية لا ريب فيها، وقد خطر إذ ذاك ببال راع يسمى أولياس، أن يهدم باب الكهف، ويبني به حظيرة لغنمه، فلما هدمه استيقظوا جميعًا، فجلسوا مستبشرين، وقاموا يصلون، ثم قال بعضهم لبعض: كم لبثتم نيامًا؟ قال بعضهم: لبثنا يومًا أو بعض يوم، وقال آخرون:{رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} الورق الفضة {هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا} وليحضر لنا جانبًا منه، فذهب تمليخا، كما اعتاد من قبل ليشتري لهم الطعام، وهو متلطف

ص: 290

في السؤال مختف حذرًا من دقيانوس.

وبينما هو ماش سمع اسم المسيح ينادى به في كل مكان، فحدّث نفسه، وقال: عجبا لم لم يذبح دقيانوس هؤلاء المؤمنين، وبقي حائرًا دهشًا، وقال: ربما أكون في حلم، أو لعل هذه ليست مدينتنا، فسأل رجلًا ما اسم هذه المدينة؟ قال: أفسوس، وفي آخر مطافه تقدم إلى رجل، فأعطاه ورقًا ليشتري به طعامه، فدهش الرجل من نوع هذا النقد، الذي لم يره من قبل، وأخذ يقلبه ويعطيه إلى جبرته، وهم يعجبون منه، ويقولون له: أهذا من كنز عثرت عليه؟ فإنّ هذه الدّراهم من عهد دقيانوس، وقد مضت عليه حقبة طويلة، ثمّ أخذوه، وقادوه إلى حاكمي المدينة، فظنّ في بادىء الأمر أنهم ساقوه إلى دقيانوس، ولكن لما عرف أنه لم يؤت به إليه، زال عنه الكرب، وجفت مدامعه، ثمّ سأله حاكما المدينة - وهما: أريوس، وطنطيوس - أين الكنز الذي وجدت يا فتى؟ وبعد حوار بينه وبينهما، ذكر لهما خبر الفتية، ودقيانوس، وأنّ حديثهما كان أمس وإن كان لديكما ريب من أمري فها هو ذا الكهف، فاذهبا معي لتريا صدق ما أقول، فسارا معه حتّى وصلا إلى باب الكهف، وتقدّمهما تمليخا فأخبرهما بالحديث كله، فداخلهما العجب حين علما أنهم ناموا تسعا وثلاث مئة سنة، وأنّهم أفاقوا ليكونوا آية للناس.

ثم دخل أريوس فرأى تابوتًا من نحاس مختومًا بخاتم، وبداخله لوحان مكتوبٌ عليهما قصّة هؤلاء الفتية، وكيف هربوا من دقيانوس حرصًا على عقيدتهم، ودينهم، فسد عليهم بالحجارة، ولما رأى أريوس، ومن معه هذا القصص، خروا لله سجدًا، وأرسلوا بريدًا إلى ملكهم أن عجل واحضر لترى آية الله في أمر فتية بعثوا بعد أن ناموا تسعًا وثلاث مئة سنة، ثمّ سار الملك، ومعه ركب من حاشيته وأهل مدينته حتى أتوا مدينة أفنوس، وكان يوما مشهودًا، وحين رأى الفتية خر ساجدًا لله تعالى، ثمّ اعتنقهم، وبكى، وهم لا يزالون يسبحون ثمّ قال الفتية له: أيّها الملك، نستودعك الله، ونعيذك من شر الإنس والجن، ثمّ رجعوا إلى مضاجعهم، وقبضت أرواحهم، فأمر الملك أن يجعل كل منهم في

ص: 291