المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الغرق {فِي الْبَحْرِ ضَلَّ}، وذهب، وغاب عن أوهامكم وخواطركم {مَنْ - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٦

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الغرق {فِي الْبَحْرِ ضَلَّ}، وذهب، وغاب عن أوهامكم وخواطركم {مَنْ

الغرق {فِي الْبَحْرِ ضَلَّ} ، وذهب، وغاب عن أوهامكم وخواطركم {مَنْ تَدْعُونَ}؛ أي: كلّ من تدعون، وتستغيثون به من حوادثكم، من الأصنام وغيرها. {إِلَّا إِيَّاهُ}؛ أي: إلا الله تعالى، وحده، فإنّكم لا تذكرون سواه، ولا يخطر ببالكم غيره؛ لأنه القادر على إغاثتكم ونجاتكم.

وقرأ مجاهد، وأبو المتوكل (1):{ضل من يدعون} بالياء، والمعنى؛ أي: وإذا نالتكم شدّة جهد في البحر، ذهب عن خواطركم كل من تدعونه، وترجون نفعه من صنم، أو جن، أو ملك، أو بشر، أو حجر، فلا تذكرون إلا الله، ولا يخطر على بالكم سواه، لكشف ما حل بكم.

وخلاصة ذلك: أنكم مسّكم الضر دعوتم الله منيبين إليه، مخلصين له الدين {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ}؛ أي: أجاب دعاءكم، وأنجاكم من هول البحر وشدته، وأخرجكم {إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ}؛ أي: عن الإيمان والإخلاص، والطاعة، ورجعتم إلى عبادة الأوثان، وكفرتم النّعمة وهو قوله تعالى:{وَكانَ الْإِنْسانُ} ؛ أي: جنس الإنسان {كَفُورًا} ؛ أي: كثير الكفران للنعمة، ولم يقل (2): وكنتم كفورا ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة، والمعنى: أي (3) ومن عجيب أمركم أنكم حين دعوتموه، وأغاثكم، وأجاب دعاءكم، ونجّاكم من هول ما كنتم فيه في البحر، أعرضتم عن الإخلاص، ورجعتم إلى الإشراك به كفرا منكم بنعمته، ثمّ علل هذا الإعراض بقوله:{وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا} ؛ أي: وكانت سجية الإنسان وطبيعته أن ينسى النّعم ويجحدها إلا من عصمه الله تعالى.

وخلاصة ما سلف: أنكم حين الشدائد تجأرون طالبين رحمته، وحين الرخاء تعرضون عنه،

‌68

- ثمّ حذر من كفران نعمته فقال: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ} و {الهمزة} فيه للاستفهام الإنكاري. و {الفاء} عاطفة على محذوف، والخطاب فيه للسابق ذكرهم، والتّقدير: أنجوتم فأمنتم أيها الناجون المعرضون

(1) زاد المسير.

(2)

روح البيان.

(3)

المراغي.

ص: 164

عن صنع الله الذي نجاكم من أن يخسف الله سبحانه وتعالى ويقلب جانب البر وناحيته الذي كنتم عليه حالة كون ذلك الجانب مصحوبا بكم، فيحصل بخسفه إهلاككم، و {بِكُمْ} حال من جانب البر، وهو مفعول به لخسف، والمعنى: إنّ الجهات كلّها له، وفي قدرته برًّا كان أو بحرًا، بل إن كان الغرق في البحر ففي جانب البر ما هو مثله، وهو الخسف لأنه يغيّب تحت الثرى كما أنّ الغرق يغيّب تحت الماء .. اهـ خازن.

قال الزمخشري (1): و {الفاء} للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم انتهى، وتقدم لنا الكلام معه في دعواه أنّ {الفاء} و {الواو} في مثل هذا التركيب للعطف على محذوفٍ بين الهمزة وحرف العطف، وأنّ مذهب الجماعة أن لّا محذوف هناك، وأنّ الفاء والواو للعطف على ما قبلها، وأنه اعتني بهمزة الاستفهام، لكونها لها صدر الكلام، فقدمت، والنية التأخير، وأن التقدير: أفأمنتم، وقد رجع الزمخشري إلى مذهب الجماعة. {أَوْ} أمنتم {أن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ} من فوقكم {حاصِبًا}؛ أي: ريحًا ترمي الحصباء، وهي الحصى الصغار، يرجمكم بها فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر، وقيل: أي أو يمطر عليكم حصباء كما أرسلها على قوم لوط، وأصحاب الفيل، {ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا}؛ أي: حفظيا يحفظكم من ذلك، وناصرا يصرفه عنكم، فإنه لا رادّ لأمره الغالب.

والمعنى: أي أفحسبتم (2) أنكم بخروجكم إلى البر أمنتم من انتقام الله وعذابه، فهو إن شاء .. خسف بكم جانب البر وغيّبه في أعماق الأرض، وأنتم عليها، وإن شاء .. أمطر عليكم حجارةً من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط، ثمّ لا تجدون من تكلون إليه أموركم، فيحفظكم من ذلك أو يصرفه عنكم غيره جل وعلا.

وخلاصة ذلك: إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم من

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

ص: 165