المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الأربعة المذكورة في الآية الأخيرة أمورا غامضة لا بد فيها - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٩

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الأربعة المذكورة في الآية الأخيرة أمورا غامضة لا بد فيها

الأربعة المذكورة في الآية الأخيرة أمورا غامضة لا بد فيها من الاجتهاد في الفكر حتى يقف على موضع الاعتدال .. ختمت بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} . وجملة ما ذكر في هاتين الآيتين من المحرمات تسعة أشياء: خمسة بصيغ النهي، وأربعة بصيغ الأمر، وتؤول الأوامر بالنهي؛ لأجل التناسب، وهذه الأحكام لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار.

وقرأ حفص وحمزة والكسائي (1): {تذكّرون} حيث وقع بتخفيف الذال حذف التاء؛ إذ أصله: تتذكرون، وفي المحذوف خلاف، أهي تاء المضارعة أو تاء تفعل؟ وقرأ باقي السبعة:{تذّكرون} - بتشديد الذال - أدغم تاء تفعّل في الذال.

‌153

- والعاشر: ما ذكره بقوله: {وَأَنَّ هذا} الذي (2) وصيتكم به وأمرتكم به في هاتين الآيتين هو. {صِراطِي} ؛ أي: طريقي وديني الذي ارتضيته لعبادي حالة كونه {مُسْتَقِيمًا} ؛ أي: قويما مستويا لا اعوجاج فيه {فَاتَّبِعُوهُ} ؛ أي: فاسلكوه واعملوا بمقتضاه من تحريم وتحليل، وأمر ونهي وإباحة {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}؛ أي: ولا تسلكوا الطرق المختلفة، والأهواء المضلة، والبدع الرديئة. وقيل: السبل المختلفة مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل والأديان المخالفة لدين الإسلام {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} ؛ أي: فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة {عَنْ سَبِيلِهِ} ؛ أي: عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده.

وقرأ الجمهور: {فَتَفَرَّقَ} بتاء خفيفة، وقرأ البزي {فتّفرّق}: بتشديدها. فمن خفف حذف إحدى التائين، ومن شدد أدغم وقيل: معنى الآية؛ أي: وإن (3) هذا القرآن الذي أدعوكم إليه، وأدعوكم به إلى ما يحييكم هو صراطي ومنهاجي الذي أسلكه إلى مرضاة الله، ونيل سعادة الدنيا والآخرة حال كونه مستقيما لا يضل سالكه، ولا يهتدي تاركه؛ فاتبعوه وحده؛ ولا تتبعوا السبل الأخرى التي تخالفه - وهي كثيرة - فتتفرق بكم عن سبيله بحيث يذهب كل منهم في سبيل

(1) البحر المحيط.

(2)

الخازن.

(3)

المراغي.

ص: 140

ضلالة ينتهي بها إلى الهلكة، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال.

والخلاصة: أن هذا صراطي مستقيما لا عوج فيه؛ فعليكم أن تتبعوه إن كنتم تؤثرون الاستقامة على الاعوجاج، وترجحون الهدى على الضلال.

وقيل (1): إن الله تعالى لما بين في الآيتين المتقدمتين ما وصاه به مفصّلا .. أجمله في هذه الآية إجمالا يقتضي دخول جميع ما تقدم ذكره فيه، ويدخل فيه أيضا جميع أحكام الشريعة، وكل ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام؛ وهو المنهج القويم والصراط المستقيم والدين الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين، وأمرهم باتباع جملته وتفصيله.

وأخرج أحمد والنسائي وأبو الشيخ والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال:«هذا سبيل الله مستقيما» ، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال:«وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه» ، ثم قرأ:{وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} .

وإنما جعل الصراط المستقيم واحدا (2)، والسبل المخالفة متعددة؛ لأن الحق واحد، والباطل وهو ما خالفه كثير، فيشمل الأديان الباطلة سواء أكانت وضعية أو سماوية، محرفة أو منسوخة. ونهى عن التفرق في صراط الحق، وسبيله؛ لأن التفرق في الدين الواحد، وجعله مذاهب يتشيع لكل منها شيعة وحزب ينصرونه، ويتعصبون له ويخطّئون من خالفه، ويرمون أتباعه بالجهل والضلال سبب لإضاعته؛ إذ كل شيعة تنظر فيما يؤيد مذهبها ويظهرها على مخالفيه، ولا يهمها إثبات الحق وفهم النصوص، والحق لا يكون وقفا على عالم معين، ولا على أتباعه، بل كل باحث يخطئ ويصيب، وذلك ما دل عليه العقل، وأثبته الكتاب والسنة والإجماع. ولما كان اتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق

(1) الخازن.

(2)

المراغي.

ص: 141

فيه يجمع الكلمة ويعز أهل الحق .. كان التفرق فيه سبب ضعف المتفرقين وذلهم وضياع حقهم.

روى ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات.

وقرأ حمزة والكسائي: {وإن هذا} - بكسر الهمزة على الاستئناف - والتقدير: وإن الذي ذكر في هذه الآيات صِراطِي {فَاتَّبِعُوهُ} جملة معطوفة على الجملة المستأنفة. وقرأ ابن عامر ويعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق بالفتح والتخفيف على أنها مخففة، واسمها ضمير الشأن. وقرأ الباقون بالفتح مشددة بتقدير اللام على أنه علة مقدمة لقوله:{فَاتَّبِعُوهُ} . وقرأ ابن عامر: {صراطي} - بفتح الياء -. وقرأ الأعمش: {وهذا صراطي} : وفي مصحف عبد الله بن مسعود: {وهذا صراط ربكم} وفي مصحف أبي: {وهذا صراط ربك} .

{ذلِكُمْ} الاتباع للصراط المستقيم {وَصَّاكُمْ بِهِ} ؛ أي: أمركم ربكم في الكتاب {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ؛ أي: لكي تتقوا وتجتنبوا الطرق المختلفة والسبل المضلة. والتقوى: (1) اسم لكل ما يتقى به من الضرر العام والخاص مهما يكن نوعه، وقد ذكرت في القرآن في سياق الأوامر والنواهي المختلفة من عبادات ومعاملات وآداب وعشرة وزواج، وتفسر في كل موضع بما يناسبه. والمعنى: ذلكم الاتباع لصراط الحق المستقيم، والاجتناب عن سبل الضلالات والأباطيل وصاكم ربكم به؛ ليهيئكم لاتقاء كل ما يشقي ويردي في الدنيا والآخرة، ويوصلكم إلى السعادة العظمى والحياة الصالحة.

وقال الرازي (2): ختمت الآية الأولى بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} والثانية بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك، وقتل الأولاد، وقربان الزنا، وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها، فنهاهم

(1) المراغي.

(2)

الفخر الرازي.

ص: 142

سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها، وأما حفظ أموال اليتامى عليهم، وإيفاء الكيل والميزان، والعدل في القول، والوفاء بالعهد؛ فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به، فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان.

وقال أبو حيان (1) ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وقد مر سبحانه باتباعه ونهى عن اتباع غيره من الطرق. ختم الآية الثالثة بالتقوى لتي هي اتقاء النار؛ إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية، وحصل على السعادة السرمدية.

فصل

وقد وردت أحاديث كثيرة بشأن هذه الوصايا نقلها الحفاظ الثقات:

منها: ما أخرجه الترمذي وحسنه، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه .. فليقرأ هؤلاء الآيات: {قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى قوله: {تَتَّقُونَ} .

ومنها: ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟» ثم تلا: «{قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى ثلاث آيات ثم قال: «فمن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه» .

ومنها: ما أخرجه عبد بن حميد وأبو عبيد وابن المنذر عن منذر الثوري قال: قال الربيع بن خيثم: أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد صلى الله عليه وسلم بخاتمه؟ قلت: نعم، فقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة الأنعام: {قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ

} إلى آخر الآيات.

(1) البحر المحيط.

ص: 143

الإعراب

{قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} .

{قُلْ} فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ} إلى قوله:{فَإِنَّ رَبَّكَ} مقول محكي، وإن شئت قلت:{لا} نافية. {أَجِدُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول لـ {قُلْ}. {فِي ما}: جار ومجرور متعلق بـ {أَجِدُ} . {أُوحِيَ} : فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على {ما} ، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها. {إِلَيَّ}: جار ومجرور متعلق به. {مُحَرَّمًا} : مفعول به لـ {أَجِدُ} ؛ لأنه يتعدى إلى واحد؛ لأنه من وجد الضالة. {عَلى طاعِمٍ} : متعلق بـ {مُحَرَّمًا} . {يَطْعَمُهُ} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {طاعِمٍ} ، والجملة في محل الجر صفة لـ {طاعِمٍ}. {إِلَّا}: أداة استثناء. {أَنْ يَكُونَ} : ناصب ومنصوب. {مَيْتَةً} : بالنصب خبر {يَكُونَ} ، واسمها ضمير يعود على الشيء المحرم، والجملة في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء تقدير: إلا كونه ميتة، والمصدر المؤول ليس مقصود في المعنى، والمعنى: لا أجد فيما أوحي إليّ محرما على طاعم إلا ميتة. {أَوْ دَمًا} : معطوف على {مَيْتَةً} . {مَسْفُوحًا} : صفة له. {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} : معطوف على {دَمًا} . {فَإِنَّهُ} : {الفاء} : تعليلية، {إنّ}: حرف نصب، و {الهاء} اسمها. {رِجْسٌ}: خبرها، والجملة الاسمية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بمعلول محذوف تقديره: وإنما حرم ذلك المذكور لكونه رجسا ونجسا. {أَوْ فِسْقًا} : معطوف على {لَحْمَ خِنزِيرٍ} . {أُهِلَّ} : فعل ماض مغير الصيغة. {لِغَيْرِ اللَّهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {أُهِلَّ} . {بِهِ} : جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ {أُهِلَّ} ، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ {فِسْقًا} تقديره: أو فسقا مهلا به لغير الله.

{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)} .

{فَمَنِ اضْطُرَّ} : {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط

ص: 144

مقدر تقديره: إذا عرفت حرمة هذه المذكورات، وأردت بيان حكم ما إذا اضطر إليها .. فأقول لك، {من اضطر}:{من} : اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. {اضْطُرَّ}: فعل ماض مغيّر الصيغة في محل الجزم بـ {من} الشرطية، ونائب فاعله ضمير يعود على {من}. {غَيْرَ}: منصوب على الحالية من ضمير {اضْطُرَّ} . {باغٍ} : مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة. {وَلا عادٍ} : معطوف على {باغٍ} مجرور بكسرة مقدرة، وجواب الشرط محذوف تقديره: فمن اضطر إلى أكل شيء مما ذكر، فأكل منه .. فلا مؤاخذة عليه. {فَإِنَّ} {الفاء}: تعليلية، {إن}: حرف نصب. {رَبَّكَ} : اسمها. {غَفُورٌ} : خبر أول لها. {رَحِيمٌ} خبر ثان، وجملة {إن} في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلة، والتقدير: فلا مؤاخذة عليه؛ لأن ربك غفور له رحيم به.

{وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما} .

{وَعَلَى الَّذِينَ} : جار ومجرور متعلق بـ {حَرَّمْنا} : الآتي. {هادُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. {حَرَّمْنا}: فعل وفاعل. {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} : مفعول به ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ}: متعلق بـ {حَرَّمْنا} الآتي. {حَرَّمْنا} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {حَرَّمْنا} الأولى. {عَلَيْهِمْ}: متعلق بـ {حَرَّمْنا} . {شُحُومَهُما} : مفعول به ومضاف إليه.

{إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ} .

{إِلَّا} : أداة استثناء. {ما} : موصولة، أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء. {حَمَلَتْ ظُهُورُهُما}: فعل وفاعل صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إلا ما حملته ظهورهما. {أَوِ الْحَوايا} : معطوف على {ظُهُورُهُما} : مرفوع على الفاعلية بضمة مقدرة تقديره: {أو} ما حملته الحوايا. {أَوِ} : حرف عطف بمعنى الواو كسابقتها. {ما} : موصولة، أو

ص: 145

موصوفة في محل النصب على الاستثناء معطوف على {ما حَمَلَتْ} . {اخْتَلَطَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {ما} ، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها. {بِعَظْمٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {اخْتَلَطَ} . {ذلِكَ} : اسم إشارة في محل الرفع مبتدأ. {جَزَيْناهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والعائد محذوف تقديره: جزيناهم به. {بِبَغْيِهِمْ} {الباء} : حرف جر وسبب، {بغيهم}: مجرور ومضاف إليه متعلق بـ {جزينا} ، والجملة الاسمية مستأنفة. {وَإِنَّا}:{إن} : حرف نصب، و {نا} اسمها. {لَصادِقُونَ}: خبرها، وجملة {إن} معطوفة على جملة قوله:{ذلِكَ جَزَيْناهُمْ} على كونها مستأنفة.

{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)} .

{فَإِنْ} {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا أخبرتهم تحريم ما ذكر، وأردت بيان حكم ما إذا كذبوك .. فأقول لك، {إن كذبوك} {إن}: حرف شرط جازم. {كَذَّبُوكَ} : فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ {إن} . فَقُلْ: {الفاء} : رابطة لجواب {إن} الشرطية وجوبا، {قل}: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ} إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قل} وإن شئت قلت:{رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ} مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول {قل}. {واسِعَةٍ}: صفة لـ {رَحْمَةٍ} . {وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ} : فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. {عَنِ الْقَوْمِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يُرَدُّ} . {الْمُجْرِمِينَ} : صفة لـ {الْقَوْمِ} .

{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ} .

{سَيَقُولُ الَّذِينَ} : فعل وفاعل والجملة مستأنفة. {أَشْرَكُوا} فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. {لَوْ شاءَ} إلى آخره مقول محكي لقالوا، وإن شئت

ص: 146

قلت: {لَوْ} : حرف شرط غير جازم. {شاءَ اللَّهُ} : فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ {لَوْ}. {ما}: نافية. {أَشْرَكْنا} : فعل وفاعل، والجملة جواب {لَوْ} ، وجملة {لَوْ} في محل النصب مقول قالوا. {وَلا} {الواو}: عاطفة. {لا} : نافية. {آباؤُنا} : معطوف على {نا} ، وجاز العطف لوجود الفصل بـ {لا}. {وَلا حَرَّمْنا}: معطوف على {أَشْرَكْنا} . {مِنْ شَيْءٍ} : {مِنْ} : زائدة في المفعول {شَيْءٍ} ؛ أي: ولا حرمنا شيئا.

{كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} .

{كَذلِكَ} : جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. {كَذَّبَ الَّذِينَ} : فعل وفاعل. {مِنْ قَبْلِهِمْ} : جار ومجرور صلة الموصول، والتقدير: كذب الذين من قبلهم تكذيبا مثل ذلك التكذيب لك في أن الله منع من الشرك، ولم يحرم ما حرموه المدلول عليه بقولهم: {لَوْ شاءَ اللَّهُ

} الخ، والجملة الفعلية مستأنفة. {حَتَّى}: حرف جر وغاية. {ذاقُوا بَأْسَنا} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة في تأويل مصدر مجرور بحتى تقديره: إلى ذوقهم بأسنا، الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: واستمروا على التكذيب إلى ذوقهم بأسنا. {قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {هَلْ عِنْدَكُمْ} إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت:{هَلْ} : حرف للاستفهام الإنكاري. {عِنْدَكُمْ} : ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. {مِنْ} : زائدة. {عِلْمٍ} : مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ {قُلْ}. {فَتُخْرِجُوهُ}:{الفاء} : عاطفة سببية، {تخرجوه}: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام. {لَنا} : متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: هل ثبوت علم عندكم فإخراجكم إياه لنا؟. {إِنْ} : نافية. {تَتَّبِعُونَ} : فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ {الظَّنَّ} : مفعول به. {وَإِنْ} :

ص: 147

{الواو} : عاطفة. {إِنْ} : نافية. {أَنْتُمْ} مبتدأ {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ، وجملة {تَخْرُصُونَ} في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على كونها مقولا لـ {قُلْ} .

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} .

{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ} إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت {الفاء}: استئنافية أو رابطة لجواب شرط مقدر تقديره: إن لم تكن لكم حجة فلله الحجة، {لله}: جار ومجرور خبر مقدم. {الْحُجَّةُ} : مبتدأ مؤخر. {الْبالِغَةُ} : صفة لـ {الْحُجَّةُ} ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل الجزم بإن المقدرة على كونها جوابا لها.

{فَلَوْ} : {الفاء} : حرف عطف وتفريع، {لو}: حرف شرط. {شاءَ} : فعل ماض، وفاعله يعود على {الله} ، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: هدايتكم. {لَهَداكُمْ} : {اللام} : رابطة لجواب {لو} ، {هداكم}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {الله}. {أَجْمَعِينَ}: توكيد لضمير المفعول، والجملة جواب {لو} ، وجملة {لو} الشرطية معطوفة مفرعة على جملة إن المقدرة على كونها مقولا لـ {قُلْ} .

{قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)} .

{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ} إلى قوله:{فَإِنْ شَهِدُوا} مقول محكي، وإن شئت قلت:{هَلُمَّ} اسم فعل أمر بمعنى أحضروا مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنتم. {شُهَداءَكُمُ} : مفعول به ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول {قُلْ}. {الَّذِينَ}: في محل النصب صفة للشهداء، وجملة {يَشْهَدُونَ} صلة الموصول. {أَنَّ} حرف نصب. {اللَّهَ}: اسمها. {حَرَّمَ هذا} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهَ} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {أَنَّ} ،

ص: 148

وجملة {أَنَّ} في تأويل مصدر ساد مسد مفعول شهد تقديره: الذين يشهدون تحريم الله هذا. {فَإِنْ شَهِدُوا} {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قلت لك، وأردت بيان حكم ما إذا شهدوا .. فأقول لك:{إن شهدوا} : {إن} حرف شرط. {شَهِدُوا} : فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونه فعل شرط لها. {فَلا} : {الفاء} : رابطة لجواب {إن} الشرطية وجوبا، {لا}: ناهية جازمة. {تَشْهَدْ} : مجزوم بـ {لا} ، وفاعله ضمير يعود على محمد. {مَعَهُمْ}: ظرف ومضاف إليه متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {وَلا}:{الواو} : عاطفة. {لا} : ناهية. {تَتَّبِعْ} : فعل مضارع مجزوم بـ {لا} الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة {فَلا تَشْهَدْ} على كونها جوابا لـ {إن} الشرطية. {أَهْواءَ الَّذِينَ}: مفعول به ومضاف إليه. {كَذَّبُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. {بِآياتِنا}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {كَذَّبُوا} . {وَالَّذِينَ} : معطوف على الموصول الأول. {لا يُؤْمِنُونَ} : فعل وفاعل. {بِالْآخِرَةِ} : متعلق به، والجملة صلة الموصول. {وَهُمْ}: مبتدأ. {بِرَبِّهِمْ} : متعلق بـ {يَعْدِلُونَ} . وجملة {يَعْدِلُونَ} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة {لا يُؤْمِنُونَ} على كونها صلة الموصول الثاني.

{قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} .

{قُلْ} فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {تَعالَوْا} فعل وفاعل مبني على حذف النون، والجملة في محل النصب مقول لـ {قُلْ}. {أَتْلُ}: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الواو، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول القول. {ما} موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول {أَتْلُ}. {حَرَّمَ رَبُّكُمْ}: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط

ص: 149

محذوف تقديره: ما حرمه ربكم. {عَلَيْكُمْ} : متعلق بـ {حَرَّمَ} لسبقه على مذهب البصريين، أو بـ {أَتْلُ} لقربه على مذهب الكوفيين.

{أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} .

{أَلَّا} {أن} : مصدرية. {لا} : زائدة. {تُشْرِكُوا} : فعل وفاعل منصوب بـ {أن} المصدرية. {بِهِ} : جار ومجرور متعلق به. {شَيْئًا} : مفعول به، والجملة الفعلية صلة {أن} المصدرية، {أن} مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه بدلا من {ما} في قوله:{ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ} ، والتقدير: تعالوا أتل عليكم ما حرمه ربكم وأتل عليكم تحريم إشراككم به شيئا، ويصح أن تكون {لا}: نافية، و {أن} مصدرية، وجملة {أن} المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية لمبتدأ محذوف تقديره: وذلك المتلو عدم إشراككم بالله شيئا، ويصح أن تكون {أن} تفسيرية، وجملة:{لا تشركوا} مفسرة لجملة {أتل عليكم} ، وفي المقام أوجه متلاطمة من الإعراب لا نطيل الكلام بذكرها. {وَبِالْوالِدَيْنِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: وأحسنوا بالوالدين. {إِحْسانًا} : مفعول مطلق لذلك المحذوف، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة {أَلَّا تُشْرِكُوا} ، والتقدير: ومن ذلك المتلو أن تحسنوا بالوالدين إحسانا. {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} : فعل وفاعل ومفعول معطوف على {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} . {مِنْ إِمْلاقٍ} : جار ومجرور متعلق بـ {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} . {نَحْنُ} : ضمير المتكلم المعظم نفسه في محل الرفع مبتدأ. {نَرْزُقُكُمْ} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. {وَإِيَّاهُمْ}: معطوف على الكاف، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين المتعاطفين مسوقة لتعليل النهي قبلها.

{وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)} .

{وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ} : فعل وفاعل ومفعول معطوف على قوله: {أَلَّا

ص: 150

تُشْرِكُوا}. {ما} : موصولة، أو موصوفة في محل النصب بدل من {الْفَواحِشَ} بدل تفصيل من مجمل. {ظَهَرَ}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {ما}. {مِنْها}: متعلق بـ {ظَهَرَ} وهو الرابط بين البدل والمبدل منه، وجملة {ظَهَرَ} صلة {ما} ، أو صفة لها. {وَما بَطَنَ}: معطوف على {ما ظَهَرَ} . {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ} : فعل وفاعل ومفعول معطوف على {أَلَّا تُشْرِكُوا} . {الَّتِي} صفة لـ {النَّفْسَ} . {حَرَّمَ اللَّهُ} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: التي حرم الله تعالى قتلها. {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ. {بِالْحَقِّ} : جار ومجرور صفة للمفعول المطلق المحذوف تقديره: لا تقتلوا إلا القتل الملتبس بالحق. {ذلِكُمْ} : مبتدأ. {وَصَّاكُمْ} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. {بِهِ}: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. {لَعَلَّكُمْ}: ناصب واسمه، وجملة {تَعْقِلُونَ} في محل الرفع خبر {لعل} ، وجملة {لعل} مسوقة لتعليل الوصية لا محل لها من الإعراب.

{وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ} .

{وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ} : فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة على {أَلَّا تُشْرِكُوا}. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ. {بِالَّتِي} : جار ومجرور متعلق بـ {تَقْرَبُوا} . {هِيَ أَحْسَنُ} : مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. {حَتَّى}: حرف جر وغاية. {يَبْلُغَ} : فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا، وفاعله ضمير يعود على {الْيَتِيمِ}. {أَشُدَّهُ}: مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ {حَتَّى} بمعنى إلى، الجار والمجرور متعلق بمحذوف معلوم من السياق تقديره: احفظوا ماله إلى بلوغه أشده؛ أي: حتى يصير بالغا رشيدا فحينئذ سلموه إليه. {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ} : فعل وفاعل ومفعول. {وَالْمِيزانَ} : معطوف على {الْكَيْلَ} ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة {أَلَّا تُشْرِكُوا}. {بِالْقِسْطِ}: جار

ص: 151

ومجرور حال من فاعل {أَوْفُوا} ؛ أي وأوفوا الكيل والميزان حالة كونكم مقسطين؛ أي: متلبسين بالقسط والعدل.

{لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

{لا} : نافية. {نُكَلِّفُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. {نَفْسًا}: مفعول به، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب. {إِلَّا}: أداة استثناء. وُسْعَها: منصوب على الاستثناء. {وَإِذا} {الواو} : عاطفة. {إِذا} : ظرف لما يستقبل. {قُلْتُمْ} : فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ {إِذا} ، والظرف متعلق بالجواب. {فَاعْدِلُوا}:{الفاء} : رابطة، {اعدلوا}: فعل وفاعل، والجملة جواب إِذا، وجملة إِذا معطوفة على جملة قوله:{أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} . {وَلَوْ كانَ} : {الواو} اعتراضية. {لَوْ} : حرف شرط. {كانَ} : فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر فيها يعود إلى معلوم من السياق تقديره: ولو كان المقول له أو عليه. {ذا قُرْبى} : خبر {كانَ} منصوب بالألف، وجواب {لَوْ} معلوم مما قبلها تقديره: ولو كان المقول له ذا قربى فاعدلوا، وجملة {لَوْ} معترضة. {وَبِعَهْدِ اللَّهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {أَوْفُوا} . {أَوْفُوا} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله:{أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} . {ذلِكُمْ} : مبتدأ. وجملة {وَصَّاكُمْ بِهِ} : خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. {لَعَلَّكُمْ}: ناصب ومنصوب، وجملة {تَذَكَّرُونَ}: في محل الرفع خبر {لعل} ، وجملة {لعل} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

{وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} .

{وَأَنَّ} {الواو} : استئنافية. {أَنَّ} : حرف نصب. {هذا} : في محل النصب اسمها. {صِراطِي} : خبرها. {مُسْتَقِيمًا} : حال مؤكدة من صِراطِي، والعامل فيها اسم الاشارة، وجملة {أَنَّ}: من اسمها وخبرها في تأويل مصدر

ص: 152

مجرور بلام التعليل المقدرة، الجار والمجرور متعلق بـ {اتبعوه}؛ أي: واتبعوا هذا المذكور في الآيتين، أو في جميع هذه السورة لكونه صراطي مستقيما. {فَاتَّبِعُوهُ}:{الفاء} : زائدة. {اتبعوه} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله:{فَاتَّبِعُوهُ} . {فَتَفَرَّقَ} : {الفاء} : عاطفة سببية، {تفرق}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره: هي يعود على {السُّبُلَ} . {بِكُمْ} : جار ومجرور متعلق بـ {تفرق} على كونه مفعولا به. {عَنْ سَبِيلِهِ} : متعلق بـ {تفرق} أيضا، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها تقديره: لا يكن منكم تتبع السبل فتفرقها بكم عن سبيله. {ذلِكُمْ} : مبتدأ، وجملة {وَصَّاكُمْ بِهِ} خبره، والجملة مستأنفة. {لَعَلَّكُمْ}: ناصب ومنصوب، وجملة {تَتَّقُونَ} خبر {لعل} ، وجملة {لعل} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

التصريف ومفردات اللغة

{عَلى طاعِمٍ} اسم من طعم الثلاثي من باب سمع؛ أي: على آكل أي كان من الذكور أو من الإناث، فهذا (1) رد لقولهم: {وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا

} الخ. وقوله: {يَطْعَمُهُ} من باب فهم، اهـ «مختار» .

{أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} المسفوح: المصبوب السائل كالدم الذي يجري من المذبوح من سفح يسفح - من باب فتح - سفحا وسفوحا، يقال: سفح الدم أو الدمع سفكه وأراقه وصبه. والسفح (2): الصب، وقيل: السيلان، وهو قريب من الأول، وسفح يستعمل قاصرا ومتعديا، يقال: سفح زيد دمعه ودمه؛ أي: أهراقه وسفحه؛ إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر، ففي المتعدي يقال: سفح،

(1) أبو السعود.

(2)

الفتوحات.

ص: 153

وفي اللازم يقال: سفوح، ومن المتعدي قوله تعالى:{أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} فإن اسم المفعول التام لا يبني إلا من متعد، ومن اللازم ما أنشده أبو عبيدة لكثير عزة:

أقول ودمعي واكف عند رسمها

عليك سلام الله لله والدّمع يسفح

{اضْطُرَّ} ؛ أي: أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء معه {غَيْرَ باغٍ} أصله باغي استثقلت الكسرة على الياء، ثم حذفت فالتقى ساكنان، وهما الياء والتنوين، ثم حذفت الياء لبقاء دالها، فصار باغ بوزن قاض، ولم يحذف التنوين لما في حذفه من إجحاف كلمة مستقلة، وكذا يقال في عاد، والمعنى: فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر .. فأكله غير باغ خارج على المسلمين، ولا عاد متعد عليهم بقطع الطريق.

{كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} وفي الظفر لغات خمس أعلاها: ظفر - بضم الظاء والفاء - وهي قراءة العامة. وظفر: - بسكون العين وهي تخفيف لمضمومها -، وبها قرأ الحسن في رواية، وقرأ أبي بن كعب والأعرج:{ظِفِرٍ} - بكسر الظاء والفاء - ونسبها الواحدي لأبي السمال، وقراءة {ظَفْرٍ} - بكسر الظاء وسكون الفاء وهي تخفيف لمكسروها - ونسبها الناس للحسن أيضا قراءة، واللغة الخامسة أظفور، ولم يقرأ بها فيما علمت، وجمع الثلاثي أظفار، وجمع أظفور أظافير - وهو القياس - وأظافر من غير مد، وليس بقياس، اه «سمين» .

{أَوِ الْحَوايا} : إما جمع (1) حاوياء، كقاصعاء وقواصع، أو جمع حاوية، كزاوية وزوايا، أو جمع حوية كهدية وهدايا، ففي مفرده أقوال ثلاثة، وقال الفارسي: يصح أن يكون جمعا لكل من الثلاثة، فإن كان مفردها حاوية أو حاوياء .. فوزنها فواعل كضوارب كزاوية وزوايا وقاصعاء وقواصع، والأصل حواوي كضوارب، قلبت الواو التي هي عين الكلمة همزة، ثم قلبت الهمزة ياء، فاستثقلت الكسرة على الياء، فقلبت فتحة، فتحرك حرف العلة وهي الياء التي هي لام الكلمة بعد فتحة، فقلبت ألفا فصارت حوايا ففيه أربعة أعمال، وإن شئت

(1) الفتوحات.

ص: 154

قلت: قلبت الواو همزة مفتوحة، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا فصارت همزة مفتوحة بين ألفين يشابهانها، فقلبت الهمزة ياء، ففيه ثلاثة أعمال، واختلف أهل التصريف في ذلك، وإن قلنا: إن مفردها حوية فوزنها فعائل كطرائق، والأصل: حوائي فقلبت الهمزة ياء مكسورة، ثم فتحت تلك الياء، ثم قلبت الياء الثانية التي هي لام الكلمة ألفا، فصار حوايا، ففيه ثلاثة أعمال، فاللفظ متحد والعمل مختلف. اه «سمين» .

{هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ} {هَلُمَّ} (1) هنا اسم فعل بمعنى أحضروا، و {شُهَداءَكُمُ}: مفعول به، فإن اسم الفعل يعمل عمل مسماه من تعد ولزوم. واعلم أن هلم فيها لغتان: لغة الحجازيين ولغة التميميين، فأما لغة الحجاز: فإنها فيها بصيغة واحدة سواء أسندت لمفرد أم مثنى أم مجموع، مذكر أو مؤنث نحو: هلم يا زيد يا زيدان يا زيدون يا هند يا هندان يا هندات، وهي على هذه اللغة عند النحاة اسم فعل لعدم تغيرها، والتزمت العرب على هذه اللغة فتح الميم وهي حركة بناء بنيت على الفتح تخفيفا. وأما لغة تميم: وقد نسبها الليث إلى بني سعد فتلحقها الضمائر كما تلحق سائر الأفعال، فيقال: هلما هلموا هلمي هلمت. وقال الفراء: يقال: هلمين يا نسوة، وهي على هذه اللغة فعل صريح لا يتصرف هذا قول الجمهور، وقد خالف بعضهم في فعليتها على هذه اللغة وليس بشيء، والتزمت العرب فيها أيضا على لغة تميم فتح الميم إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكر، ولم يجيزوا فيها ما أجازوه في رد وشد من الضم والكسر اه، «سمين» .

{مِنْ إِمْلاقٍ} والإملاق الفقر في قول ابن عباس، وقيل: الجوع بلغة لخم، وقيل: الإسراف، يقال: أملق إذا أسرف في نفسه. قاله محمد بن نعيم اليزيدي، وقيل: الإنفاق، يقال: أملق ماله إذا أنفقه. قال المنذر بن سعيد: والإملاق الإفساد أيضا. قاله شمر. قال: وأملق يكون قاصرا ومتعديا، يقال: أملق الرجل

(1) الجمل.

ص: 155

إذا افتقر؛ فهذا قاصر، وأملق ما عنده الدهر؛ أي: أفسده، اه «سمين» .

وفي «المصباح» أملق إملاقا افتقر واحتاج، وملقت الثوب ملقا - من باب قتل - غسلته وملقته ملقا، وملقت له: توددت له - من باب تعب - وتملقت له كذلك اه.

{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ} هما (1) الآلة التي يكال بها ويوزن وأصل الكيل مصدر، ثم أطلق على الآلة والميزان، في الأصل مفعال من الوزن، ثم نقل لهذه الآلة كالمصباح والمقياس لما يستصبح به ويقاس، وأصل ميزان موازن ففعل به ما فعل بميقات؛ أعني: قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة، فصار ميزان.

{حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} والأشد قيل: هم اسم مفرد لفظا ومعنى، وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: هو جمع، وعلى هذا فمفرده شدة كنعمة وأنعم. وقيل: شد كفلس وأفلس وكلب وأكلب، أو شد كضر وأضرر، أقول: ثلاثة في مفرده، وأصله من شد النهار إذا ارتفع، وقال سيبويه: واحده شدة، قال الجوهري: وهو حسن في المعنى؛ لأنه يقال: بلغ الكلام شدته، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: الجناس المغاير بين {طاعِمٍ} و {يَطْعَمُهُ} ، وبين {شُهَداءَكُمُ} و {يَشْهَدُونَ} .

ومنها: القصر في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا} .

ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} ؛ لأنه (2) استعار الظفر للحافر على ما قاله القتبي.

(1) الجمل.

(2)

البحر المحيط.

ص: 156

ومنها: الإضافة لتأكيد التخصيص في قوله تعالى: {شُحُومَهُما} لأنه لو أتى في الكلام ومن البقر والغنم حرمنا عليهم الشحوم لكان كافيا في الدلالة على أنه لا يراد إلا شحوم البقر والغنم، ولكنه أضاف لتأكيد التخصيص.

ومنها: المبالغة في قوله تعالى: {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، لأنهما من صيغ المبالغة؛ أي: مبالغ في المغفرة والرحمة.

ومنها: التعريض في قوله تعالى: {وَإِنَّا لَصادِقُونَ} لأنه يتضمن التعريض بكذبهم في قولهم ما حرم الله علينا، وإنما اقتدينا بإسرائيل فيما حرم على نفسه، ويتضمن إدحاض قولهم ورده عليهم.

ومنها: الإتيان في مقول قل، أولا: بالجملة الاسمية، وثانيا: بالجملة الفعلية، فناسبت الأبلغية في الله تعالى بالرحمة الواسعة، وجاءت الجملة الثانية فعلية ولم تأت اسمية، فيكون التركيب وذو بأس لئلا يتعادل الإخبار عن الوصفين، وباب الرحمة واسع فلا تعادل، ذكره أبو حيان في «البحر» .

ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله تعالى: {عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} ؛ لأن حق العبارة ولا يردّ بأسه عنكم ويحتمل كون الكلام على عمومه.

ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: {فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} ؛ لأن المعنى: فلا تصدقهم، فإن تصديقهم في الشهادة الباطلة بمنزلة الشهادة لذلك الباطل، فأطلق اسم الشهادة على التصديق على سبيل الاستعارة التصريحية، ثم اشتق منه قوله:{فَلا تَشْهَدْ} فيكون (1) استعارة تبعية، وقيل: هو مجاز مرسل من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم؛ لأن الشهادة من لوازم التسليم، وقيل: هو كناية، وقيل: مشاكلة.

ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} اعتناء بشأنه؛ لأن الفواحش يندرح فيها قتل النفس، فجرد منها هذا

(1) زاده.

ص: 157

استعظاما له وتهويلا، ولأنه قد استثنى منه في قوله تعالى:{إِلَّا بِالْحَقِّ} : ولو لم يذكر هذا الخاص، لم يصح الاستثناء من عموم الفواحش، فلو قيل في غير القرآن: لا تقربوا الفواحش إلا بالحق لم يكن شيئا.

ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} لأنه استعار السبل للبدع والضلالات والمذاهب المنحرفة.

ومنها: التنكير في قوله تعالى: {لا نُكَلِّفُ نَفْسًا} لإفادة العموم والشمول.

ومنها: الإضافة في قوله تعالى: وَبِعَهْدِ اللَّهِ للتشريف والتعظيم.

ومنها: التكرار في قوله تعالى: {ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} تأكيدا لشأن التوصية.

ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: {وَأَنَّ هذا صِراطِي} فشبه الدين القويم بالصراط بمعنى: الطريق بجامع أن كلا يوصل للمقصود، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية.

ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} فشبه الأديان الباطلة بالطرق المعوجة بجامع أن كلا يوصل صاحبه إلى المهالك، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية، ذكره الصاوي.

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 158

قال الله سبحانه جلّ وعلا:

{ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)} .

المناسبة

قوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما (1) ذكر الحجج العقلية على أصول هذا الدين، ودحض شبهات المعاندين، وأردف ذلك بذكر الوصايا العشر في الآيات الثلاث التي قبل هذه الآيات .. نبه هنا إلى مكانة القرآن من الهداية، أو إلى وجوب اتباعه وذكر أعذار المشركين بما يعلمون أنها لا تصلح

(1) المراغي.

ص: 159

لهم عذرا عند الله تعالى، وافتتح هذا التنبيه والتذكير بذكر ما يشبه القرآن في التشريع ويسير على نهجه في الهداية، وهو كتاب موسى عليه السلام الذي اشتهر عند مشركي العرب، وعرفوا بالسماع خبره.

قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما (1) بين أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر وإزاحة للعلة، وقرن هذا الإعذار بالإنذار الشديد والوعيد بسوء العذاب .. أردف ذلك ببيان أنه لا أمل في إيمانهم البتة، وفصل ما أمامهم وأمام غيرهم من الأمم وما ينتظرونه في مستقبل أمرهم، وأنه غير ما يتمنون من موت الرسل وانطفاء نور الإسلام بموته صلوات الله وسلامه عليه.

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما وصى (2) هذه الأمة على لسان رسوله باتباع صراطه المستقيم، ونهى عن اتباع غيره من السبل، ثم ذكر شريعة التوراة المشابهة لشريعة القرآن ووصاياه، ثم تلا ذلك تذكيره لهم ولسائر المخاطبين بالقرآن بما ينتظر آخر الزمان من الحوادث الكونية للأفراد والأمم .. أردف ذلك بتذكير هذه الأمة بما هي عرضة له بحسب سنن الاجتماع من إضاعة الدين بعد الاهتداء بالتفرق فيه بالمذاهب والآراء والبدع التي تجعلها أحزابا وشيعا تتعصب كل منها لمذهب أو إمام، فيضيع الحق وتنفصم عرى الوحدة، وتصبح بعد أخوة الإيمان أمما متعادية كما حدث لمن قبلهم من الأمم.

قوله تعالى: {مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما بين في السورة أصول الإيمان وأقام عليها البراهين، وفند ما يورده الكفار من الشبهات، ثم ذكر في الوصايا العشر أصول الفضائل والآداب التي يأمر بها الإسلام وما يقابلها من الرذائل والفواحش التي ينهى عنها .. بين هنا الجزاء العام في الآخرة على الحسنات؛ وهي الإيمان

(1) المراغي.

(2)

المراغي.

ص: 160