المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

يستطيع أن يأتيهم من فوقهم؛ لئلا يحول بين العبد وبين - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٩

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: يستطيع أن يأتيهم من فوقهم؛ لئلا يحول بين العبد وبين

يستطيع أن يأتيهم من فوقهم؛ لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى. وقال النسفي: ولم يقل من فوقهم ومن تحتهم؛ لمكان الرحمة والسجدة وَلا تَجِدُ يا رب {أَكْثَرَهُمْ} ؛ أي: أكثر بني آدم {شاكِرِينَ} لك على نعمك التي أنعمت بها عليهم في عقولهم ومشاعرهم ومعايشهم وفي كل ما يهديهم إلى تكميل فطرتهم من تعاليم رسلك لهم، بل الأقلون منهم هم الذين يتبعون ذلك، وقد قال إبليس ذلك عن ظن، فأصاب لقوله تعالى:{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20)} . وقيل: رآه في اللوح المحفوظ، وقيل: سمعه من الملائكة، وقيل: معنى {شاكِرِينَ} مطيعين لك، أو مؤمنين بك.

قال أبو حيان (1): والظاهر أن إتيانه من هذه الجهات الأربع كناية عن وسوسته وإغوائه له، والجد في إضلاله من كل وجه يمكن، ولما كانت هذه الجهات يأتي منها العدو غالبا ذكرها، لا أنه يأتي من الجهات الأربع حقيقة، وإنما خص بين الأيدي والخلف بحرف الابتداء الذي هو أمكن في الإتيان؛ لأنهما أغلب ما يجيء العدو منهما، فينال فرصته وقدم بين الأيدي على الخلف؛ لأنها الجهة التي تدل على إقدام العدو وبسالته في مواجهة قرنه غير خائف منه، والخلف من جهة غدر ومخاتلة، وجهالة القرن بمن يغتاله، ويتطلب غرته وغفلته، وخص الأيمان والشمائل بالحرف الذي يدل على المجاوزة؛ لأنهما ليستا بأغلب ما يأتي منهما العدو، وإنما يتجاوز إتيانه إلى الجهة التي هي أغلب في ذلك، وقدمت الأيمان على الشمائل؛ لأنها الجهة التي هي القوية في ملاقاة العدو، وبالأيمان البطش والدفع، فالقرن الذي يأتي من جهتها أبسل وأشجع إذ جاء من الجهة التي هي أقوى في الدفع والشمائل جهة ليست في القوة والدفع كالإيمان انتهى.

‌18

- {قالَ} سبحانه وتعالى لإبليس اللعين حين طرده عن بابه، وأبعده عن جنابه، وذلك بسبب مخالفته وعصيانه {اخْرُجْ} يا إبليس {مِنْها}؛ أي: من الجنة،

(1) البحر المحيط.

ص: 229

أو من السموات، فإنه لا ينبغي أن يسكن فيها العصاة حالة كونك {مَذْؤُمًا}؛ أي: مذموما مبغوضا معيبا مهانا عند كل أحد. وفي «ابن كثير» قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ ما نعرف المذؤوم والمذموم إلا واحدا انتهى. وحالة كونك {مَدْحُورًا} ؛ أي: مطرودا مبعدا من رحمتي، والأمر بالخروج هنا تأكيد لقوله سابقا:{فَاهْبِطْ مِنْها} وتوطئة لما بعده وعزتي وجلالي {لَمَنْ تَبِعَكَ} وأطاعك يا إبليس {مِنْهُمْ} ؛ أي؛ من بني آدم ومن الجن، فاللام موطئة للقسم، واللام في قوله:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} للقسم أيضا مؤكدة للّام الأولى؛ أي: والله لأملان وادي جهنم {مِنْكُمْ} ؛ أي: منك ومنهم، فغلب ضمير الحاضر؛ لأنه رئيسهم، وقوله:{أَجْمَعِينَ} تأكيد لضمير المخاطبين، فهذا وعيد بالعذاب لكل من أطاع الشيطان، وترك طاعة الرحمن.

والمعنى: أقسم أن من يتبعك من بني آدم فيما تزينه له من الشرك والفجور، ويصدق ظنك عليه .. ليكونن معك في جهنم دار العذاب، ولأملأنها منك، وممن تبعك منهم أجمعين. وفي قوله:{مِنْهُمْ} إشارة إلى أن الملء يكون من بعضهم، فإن بعض من يتبعه في بعض المعاصي من المؤمنين الموحدين يغفر الله لهم، ويعفو عنهم، ونحو الآية قول في سورة ص:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} .

وقرأ الزهري وأبو جعفر والأعمش (1): {مذوما} - بضم الذال من غير همز - فتحتمل هذه القراءة وجهين:

أحدهما - وهو الأظهر -: أن تكون من ذأم المهموز سهل، وحذفها وألقى حركتها على الذال.

والثاني: أن يكون من ذام يذيم - كباع يبيع - فأبدل الياء بواو كما قالوا: في مكيل مكول. وقرأ الجمهور: {لَمَنْ تَبِعَكَ} - بفتح اللام - والظاهر أنها اللام الموطئة للقسم، و {من} شرطية في موضع رفع على الابتداء، وجواب الشرط

(1) البحر المحيط.

ص: 230

محذوف يدل عليه جواب القسم المحذوف قبل اللام الموطئة، ويجوز أن تكون اللام لام الابتداء، و {من} موصولة، و {لَأَمْلَأَنَّ} جواب قسم محذوف بعد {من تبعك} وذلك القسم المحذوف، وجوابه في موضع رفع خبر {من} الموصولة. وقرأ الجحدري وعصمة عن أبي بكر عن عاصم {لمن تبعك منهم} - بكسر اللام - واختلفوا في تخريجها، فقال ابن عطية: المعنى: لأجل من تبعك منهم لأملأن انتهى. وقال الزمخشري: بمعنى: لمن تبعك منهم الوعيد، وهو قوله:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} على أن {لَأَمْلَأَنَّ} في محل الابتداء، {لَمَنْ تَبِعَكَ} خبره، وهذا خطأ. وقال أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي: اللام متعلقة بالذأم والدحر، ومعناه: أخرج بهاتين الصفتين لأجل اتباعك. ذكر ذلك في كتاب «اللوامح في شواذ القراءات» .

الإعراب

{المص (1) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)} .

{المص} (1): تقدم لك في نظيره من الحروف المقطعة أنه لا يوصف بإعراب ولا بناء؛ لأن الحكم على الكلمة بالإعراب، أو البناء فرع عن إدراك المعنى، وليس معناه معلوما لنا هذا على القول بأنه مما استأثر الله بعلمه، وأما على القول بأنه اسم للسورة؛ فهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا المص، أو مبتدأ خبره:{كِتابٌ أُنْزِلَ} إلى آخر السورة، والجملة الاسمية مستأنفة، وعلى القول الأول {كِتابٌ} خبر لمبتدأ محذوف جوازا تقديره: هذا القرآن كتاب أنزل إليك، والجملة مستأنفة استئنافا نحويا. {أُنْزِلَ}: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على {كِتابٌ} ، والجملة الفعلية صفة لـ {كِتابٌ}. {إِلَيْكَ}: جار ومجرور متعلق بـ {أُنْزِلَ} . {فَلا يَكُنْ} : {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت يا محمد أن هذا القرآن كتاب أنزل إليك للإنذار به وللتذكير، وأردت بيان ما هو الأرشد والأصلح لك .. فأقول لك:{فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} لأنه لا بد من تبليغه، {لا}: ناهية جازمة.

ص: 231

{يَكُنْ} : فعل مضارع ناقص مجزوم بـ {لا} الناهية. {فِي صَدْرِكَ} : جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم لـ {يَكُنْ} . {حَرَجٌ} : اسمها مؤخر. {مِنْهُ} : جار ومجرور صفة لـ {حَرَجٌ} ، والتقدير: فلا يكن حرج كائن منه كائنا في صدرك، وجملة {يَكُنْ} من اسمها وخبرها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة معترضة بين الجار والمجرور ومتعلقه لا محل لها من الإعراب. {لِتُنْذِرَ}:{اللام} : لام كي، {تنذر}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد. {بِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {تنذر} ، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام المتعلقة بـ {أُنْزِلَ} تقديره: أنزل إليك لإنذارك به {وَذِكْرى} : معطوف على المصدر المؤول من أن المصدرية، وفعلها مجرور بالكسرة المقدرة للتعذر تقديره: أنزل إليك للإنذار به وللتذكير، ويجوز (1) أن يكون مرفوعا عطفا على {كِتابٌ}؛ أي: هذا كتاب وذكرى، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو ذكرى للمؤمنين، وأن يكون منصوبا بفعل من لفظه تقديره: وتذكر به ذكرى؛ أي: تذكرة. {لِلْمُؤْمِنِينَ} {اللام} : إما زائدة في المفعول به تقوية له؛ لأن العامل فرع، والتقدير: وتذكر المؤمنين، وإما متعلقة بمحذوف صفة لـ {ذِكْرى} كما في «السمين» ، {المؤمنين}: مجرور باللام.

{اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (3)} .

{اتَّبِعُوا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {ما}: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. {أُنْزِلَ}: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على {ما} ، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها. {إِلَيْكُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {أُنْزِلَ} . {مِنْ رَبِّكُمْ} جار ومجرور متعلق بـ {أُنْزِلَ} أيضا، وتكون {مِنْ} لابتداء الغاية المجازية، أو متعلق بمحذوف حال؛ إما من الموصول، أو من عائده القائم مقام الفاعل. {وَلا تَتَّبِعُوا}: فعل وفاعل مجزوم بـ {لا} :

(1) عمدة المعربين للشارح.

ص: 232

الناهية، والجملة معطوفة على جملة قوله:{اتَّبِعُوا} . {مِنْ دُونِهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {لا تَتَّبِعُوا} ، أو متعلق بمحذوف حال من {أَوْلِياءَ} لأنه صفة نكرة قدمت عليه، وإليه ميل الزمخشري، لأنه قال في «تفسيره» أي: لا تتولوا من دونه أحدا من شياطين الإنس والجن؛ ليحملوكم على الأهواء والبدع. {قَلِيلًا} : صفة لمصدر محذوف، أي: تذكرا قليلا تذكرون، أو صفة لظرف زمان محذوف أيضا؛ أي: زمانا قليلا تذكرون، فالمصدر، أو الظرف منصوب بالفعل بعده. و {ما}: زائدة زيدت لتأكيد القلة. {تَذَكَّرُونَ} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال من فاعل {وَلا تَتَّبِعُوا}؛ أي: ولا تتبعوا من دونه أولياء حالة كونكم متذكرين قليلا؛ أي: غير متذكرين أصلا.

{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4)} .

{وَكَمْ} {الواو} : استئنافية. {كَمْ} : خبرية بمعنى عدد كثير، ولم ترد في القرآن إلا خبرية في محل النصب مفعول مقدم وجوبا؛ لكونه مما يلزم الصدارة حملا على الاستفهامية لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعدها تقديره: وكم من قرية أهلكنا أهلكناها، أو في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون لشبهها بالحرف شبها معنويا؛ لشبهها برب التكثيرية، أو لشبهها بالحرف شبها وضعيا. {مِنْ}: زائدة. {قَرْيَةٍ} : تمييز لـ {كَمْ} منصوب بها، وعلامة نصبه فتحة مقدرة. {أَهْلَكْناها}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، أو جملة مفسرة للفعل المحذوف، والجملة الاسمية أو الفعلية المحذوفة مستأنفة. {فَجاءَها}:{الفاء} : حرف عطف وترتيب، {جاءها} فعل ومفعول. {بَأْسُنا}: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة {أَهْلَكْناها}. {بَياتًا}: حال من مفعول {جاء} ، ولكنه بعد تأويله بمشتق تقديره: حال كونهم بائتين. {أَوْ} : حرف عطف وتنويع. {هُمْ قائِلُونَ} : مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب معطوفة على بياتا على كونها حالا من مفعول {جاء} تقديره: أو حالة كونهم قائلين.

{فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5)} .

ص: 233

{فَما} : {الفاء} : حرف عطف وترتيب، {ما}: نافية. {كانَ} : فعل ماض ناقص. {دَعْواهُمْ} : اسم {كانَ} ومضاف إليه. {إِذْ} : ظرف زمان بمعنى حين مجرد عن معنى المضي في محل النصب على الظرفية مبني على السكون. {جاءَهُمْ بَأْسُنا} : فعل ومفعول وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ {إِذْ} ، والظرف متعلق بـ {دَعْواهُمْ}. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ. {أَنْ} : حرف نصب ومصدر. {قالُوا} : فعل وفاعل في محل النصب بـ {أَنْ} المصدرية، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر {كانَ} تقديره: فما كان دعواهم وقت مجيء بأسنا إياهم إلا قولهم: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ، وجملة {كانَ} من اسمها وخبرها معطوفة على جملة قوله:{جاءَهُمْ بَأْسُنا} . {إِنَّا} {إن} : حرف نصب، {نا}: اسمها. {كُنَّا} : فعل ناقص واسمه. {ظالِمِينَ} : خبرها، وجملة {كان} في محل الرفع خبر {إن} تقديره: إنا ظالمون، وجملة {إن}: من اسمها وخبرها في محل النصب مقول {قالُوا} .

{فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (7)} .

{فَلَنَسْئَلَنَّ} : {الفاء} : حرف عطف وترتيب لترتيب الأحوال الأخروية على الدنيوية في الذكر حسب ترتيبها عليها في الوجود انتهى. «أبو السعود» ، {اللام}: موطئة لقسم محذوف جوازا تقديره: فأقسم بعزتي وجلالي، {نسألن}: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مع جوابه معطوفة على الجملة التي قبلها. {الَّذِينَ} اسم موصول في محل النصب مفعول أول لسأل مبني على الفتح والمفعول الثاني محذوف تقديره عما أجابوا الرسل. {أُرْسِلَ}: فعل ماض مغير الصيغة. {إِلَيْهِمْ} : جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة صلة الموصول. {وَلَنَسْئَلَنَّ}:{الواو} : عاطفة، {اللام}: موطئة لقسم محذوف،

ص: 234

{نسألن} : فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح، وفاعله ضمير يعود على الله. {الْمُرْسَلِينَ}: مفعول أول لسأل، والثاني محذوف تقديره: عما أجيبوا، والجملة الفعلية جواب القسم وجملة القسم معطوفة على جملة القسم المذكورة قبلها. {فَلَنَقُصَّنَّ}:{الفاء} : حرف عطف وترتيب. {اللام} موطئة للقسم. {نقصن} : فعل مضارع مبني على الفتح، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب القسم، وجملة القسم المحذوف معطوفة على جملة القسم المذكورة قبلها. {عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {نقصن} . {بِعِلْمٍ} : جار ومجرور حال من فاعل {نقصن} تقديره: حالة كوننا متلبسين بعلم {وَما} {الواو} : واو الحال. {ما} : نافية. {كُنَّا} : فعل ناقص واسمه. {غائِبِينَ} : خبره، وجملة {كان} في محل النصب حال ثانية من فاعل {نقصن} .

{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} .

{وَالْوَزْنُ} : {الواو} استنافية. {الْوَزْنُ} : مبتدأ. {يَوْمَئِذٍ} {يوم} : منصوب على الظرفية الزمانية، وهو مضاف، {إذ}: ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر مضاف إليه مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، والظرف متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه خبرا تقديره: والوزن كائن، أو مستقر يومئذ؛ أي: يومئذ يسأل الرسل والمرسل إليهم، فحذفت الجملة المضاف إليها إذ وعوض عنها التنوين هذا مذهب الجمهور خلافا للأخفش. وفي {الْحَقُّ} على هذا الوجه ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه نعت للوزن؛ أي: الوزن الحق كائن في ذلك اليوم.

والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه جواب سؤال مقدر من قائل يقول: ما ذلك الوزن؟ فقيل: هو الحق لا الباطل.

والثالث: أنه بدل من الضمير المستكن في الظرف، وهو غريب ذكره المكي، ويصح أن يكون خبر المبتدأ {الْحَقُّ} ، و {يَوْمَئِذٍ} متعلق بـ {الْوَزْنُ} .

{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

ص: 235

{فَمَنْ} : {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الوزن يومئذ الحق، وأردت بيان أحوال الخلائق .. فأقول لك:{من} : اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. {ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ}: فعل وفاعل في محل الجزم بـ {من} على كونه فعل شرط لها. {فَأُولئِكَ} : {الفاء} : رابطة لجواب {من} الشرطية وجوبا لكون الجواب جملة اسمية، {أولئك}: مبتدأ. هُمُ: ضمير فصل. {الْمُفْلِحُونَ} : خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ {من} الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة {من} الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافا بيانيا.

{وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9)} .

{وَمَنْ} {الواو} : عاطفة. {مَنْ} : اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو الشرط، أو هما. {خَفَّتْ مَوازِينُهُ}: فعل وفاعل في محل الجزم بـ مَنْ على كونها فعل شرط لها. {فَأُولئِكَ} : {الفاء} : رابطة، {أولئك}: مبتدأ. {الَّذِينَ} : اسم موصول في محل الرفع خبر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ {مَنْ} على كونها جوابا لها، وجملة {مَنْ} الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة {مَنْ} الأولى على كونها مقولا لجواب إذا المقدرة. {خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. {بِما}:{الباء} : حرف جر وسبب، {ما}: مصدرية. {كانُوا} : فعل ناقص واسمه. {بِآياتِنا} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يَظْلِمُونَ} ، وجملة {يَظْلِمُونَ} في محل النصب خبر {كان} ، وجملة {كان} صلة لـ {ما} المصدرية، {ما} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بـ {خَسِرُوا} ، والتقدير: فأولئك الذين خسروا أنفسهم بسبب: ظلمهم لآياتنا.

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (10)} .

{وَلَقَدْ} {الواو} : استئنافية. {اللام} : موطئة للقسم، {قد}: حرف تحقيق. {مَكَّنَّاكُمْ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية جواب القسم لا

ص: 236

محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مع جوابه مستأنفة. {فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلق بـ {مَكَّنَّاكُمْ} . {وَجَعَلْنا} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {مَكَّنَّاكُمْ}. {لَكُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {جَعَلْنا} ، وكذا قوله فِيها متعلق به. {مَعايِشَ}: مفعول به لـ {جَعَلْنا} ؛ لأنه بمعنى خلقنا، فلا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. {قَلِيلًا}: صفة لمصدر محذوف منصوب بـ {تَشْكُرُونَ} . {ما} : زائدة زيدت لتأكيد القلة. {تَشْكُرُونَ} : فعل وفاعل؛ أي: تشكرون شكرا قليلا؛ أي: قلة، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير المخاطبين، والتقدير: وجعلنا لكم فيها معايش حال كونكم شاكرين شكرا قليلا.

{وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)} .

{وَلَقَدْ} {الواو} : استئنافية، {اللام}: موطئة لقسم، {قد}: حرف تحقيق. {خَلَقْناكُمْ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب لقسم محذوف تقديره: أقسم بعزتي وجلالي لقد خلقناكم، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. {ثُمَّ}: حرف عطف وترتيب. {صَوَّرْناكُمْ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة {خَلَقْناكُمْ} على كونها جوابا للقسم. {ثُمَّ}: حرف عطف. {قُلْنا} فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {صَوَّرْناكُمْ}. {لِلْمَلائِكَةِ}: متعلق بـ {قُلْنا} . {اسْجُدُوا لِآدَمَ} : مقول محكي لـ {قُلْنا} ، وإن شئت قلت {اسْجُدُوا}: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ {قُلْنا}. لِآدَمَ: جار ومجرور متعلق بـ {اسْجُدُوا} . {فَسَجَدُوا} : {الفاء} : حرف عطف وتعقيب. {سجدوا} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {قُلْنا}. {إِلَّا}: أداة استثناء. {إِبْلِيسَ} مستثنى منقطع منصوب بـ {إِلَّا} . {لَمْ} : حرف جزم. {يَكُنْ} : فعل ناقص مجزوم بـ {لَمْ} ، واسمه ضمير يعود على {إِبْلِيسَ}. {مِنَ السَّاجِدِينَ}: خبر {يَكُنْ} ، وجملة {يَكُنْ} من اسمها وخبرها في محل النصب حال من {إِبْلِيسَ} تقديره: حالة كونه ممتنعا من السجود، كما قاله أبو البقاء، وقيل: هذه الجملة مستأنفة؛ لأنها جواب سؤال مقدر.

ص: 237

{قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)} .

{قالَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. {ما مَنَعَكَ} إلى قوله: قالَ {أَنَا خَيْرٌ} مقول محكي، وإن شئت قلت: ما: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، والاستفهام فيه للتوبيخ. {مَنَعَكَ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: هو يعود على ما، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: أي شيء مانع إياك، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قالَ}. {أَلَّا} {أن}: مصدرية. {لا} : زائدة زيدت لتأكيد معنى النفي في {مَنَعَكَ} . {تَسْجُدَ} : فعل مضارع منصوب بـ {أن} . وفاعله ضمير يعود على {إبليس} ، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: ما منعك من سجودك. {إِذْ} : ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ {تَسْجُدَ}. {أَمَرْتُكَ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ إِذْ {،} والتقدير: ما منعك من السجود وقت أمري إياك به. {قالَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {إبليس} ، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا. {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت {أَنَا خَيْرٌ}: مبتدأ وخبر. {مِنْهُ} متعلق بـ {خَيْرٌ} ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ {قالَ}. {خَلَقْتَنِي}: فعل وفاعل ومفعول. {مِنْ نارٍ} : جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا بيانيا. {وَخَلَقْتَهُ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة {خَلَقْتَنِي}. {مِنْ طِينٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {خلق} .

{قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها} .

{قالَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. {فَاهْبِطْ مِنْها} إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت:{الفاء} : سببية، {اهبط}: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على {إبليس}. {مِنْها}: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول {قالَ} ، وقال النسفي: والفاء في قوله:

ص: 238

{فَاهْبِطْ} جواب لقوله {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} ؛ أي: إن كنت تتكبر فاهبط انتهى. {فَما} : {الفاء} : عاطفة تعليلية، {ما}: نافية. {يَكُونُ} : فعل مضارع ناقص. {لَكَ} : جار ومجرور خبر مقدم لـ {يَكُونُ} . {أَنْ} : حرف نصب ومصدر. {تَتَكَبَّرَ} : فعل مضارع منصوب بـ {أَنْ} ، وفاعله ضمير يعود على {إبليس} . فِيها متعلق بـ {تَتَكَبَّرَ} ، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم {يَكُونُ} مؤخرا، والتقدير: فما يكون تكبرك فيها كائنا لك، ولائقا بك، وجملة {يَكُونُ} في محل النصب معطوفة على جملة {فَاهْبِطْ} على كونها مقولا لـ {قال} .

{فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)} .

{فَاخْرُجْ} {الفاء} : عاطفة تفريعية، {اخرج}: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على {إبليس} ، والجملة في محل النصب معطوفة مفرعة على جملة قوله:{فَما يَكُونُ لَكَ} مؤكدة لجملة قوله: {فَاهْبِطْ إِنَّكَ} : ناصب واسمه. {مِنَ الصَّاغِرِينَ} : جار ومجرور خبر {إنّ} ، وجملة {إن} في محل النصب مقول {قالَ} مسوقة لتعليل الخروج. {قالَ}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {إبليس} ، والجملة مستأنفة. {أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت {أَنْظِرْنِي}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول {قالَ}. {إِلى يَوْمِ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَنْظِرْنِي} ، وجملة {يُبْعَثُونَ} في محل الجر مضاف إليه لـ {يَوْمِ}. {قالَ}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة {إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ}: مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت {إِنَّكَ}: ناصب واسمه. {مِنَ الْمُنْظَرِينَ} : جار ومجرور خبر {إن} ، وجملة {إن} في محل النصب مقول {قالَ} .

{قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)} .

{قالَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {إبليس} ، والجملة مستأنفة. {فَبِما أَغْوَيْتَنِي} إلى قوله:{شاكِرِينَ} مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت {فَبِما}:

ص: 239

{الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا حكمت علي يا رب بالغيّ والصّغار .. فأقول لك: {بما أغويتني} : {الباء} : حرف جر وقسم، أو حرف جر وسبب كما أشار إليه الزمخشري، {ما}: مصدرية. {أَغْوَيْتَنِي} : فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية، والجملة الفعلية مع {ما} المصدرية في تأويل مصدر مجرور بباء القسم، أو بباء السبب، وعلى كلا الوجهين فهي متعلقة بفعل قسم محذوف جوازا تقديره: فأقسم بإغوائك إياي، أو أقسم بسبب إغوائك إياي. {لَأَقْعُدَنَ}:{اللام} : موطئة للقسم، {أقعدن}: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على {إبليس} ، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول {قالَ}. {لَهُمْ}: متعلقان بـ {لَأَقْعُدَنَّ} . {صِراطَكَ} : منصوب على المفعولية، أو منصوب بنزع الخافض تقديره: على صراطك {الْمُسْتَقِيمَ} : صفة لـ {صراط} .

{ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17)} .

{ثُمَّ} : حرف عطف وترتيب. {لَآتِيَنَّهُمْ} : {اللام} : موطئة للقسم أيضا، {آتينهم}: فعل ومفعول ونون توكيد، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة معطوفة على جملة قوله:{لَأَقْعُدَنَّ} على كونها جوابا لقسم محذوف. {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {آتين} . {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} : جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله، وكرر حرف الجر إشارة إلى أن كل جهة من الجهتين مقصودة استقلالا. {وَعَنْ أَيْمانِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على الجار والمجرور {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} . {وَعَنْ شَمائِلِهِمْ} : جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على الجار والمجرور في قوله: {وَعَنْ أَيْمانِهِمْ} ، أو {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} ، وكرر الجار هنا أيضا إشارة إلى استقلال كل من الجهتين بالقصد، وإنما (1) عدّى الفعل إلى الأولين بـ {مِنْ} الابتدائية؛ لأنه منهما متوجه إليهم، وعدى إلى

(1) الفتوحات.

ص: 240

الأخيرين بحرف المجاوزة؛ لأن الآتي منهما كالمنحرف المار على عرضهم، انتهى «أبو السعود» ، وإشارة إلى نوع تباعد منه في الجهتين الأخيرتين، لقعود ملك اليمين، وملك اليسار فيهما، وهو ينفر من الملائكة، اه شيخنا. {وَلا تَجِدُ}: ناف وفعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: {لَأَقْعُدَنَّ

} إلخ. فتكون من جملة المقسم عليه، ويكون اللعين قد أقسم على جملتين مثبتتين، وأخرى منفية. {أَكْثَرَهُمْ}: مفعول وجد إن كان وجد من الوجدان بمعنى اللقاء والمصادفة. {شاكِرِينَ} : حال من الضمير، والمعنى: ولا تصادف أكثرهم ولا تلاقيهم حالة كونهم شاكرين، ويحتمل كون وجد من أفعال اليقين، {وأَكْثَرَهُمْ}: مفعول أول، {شاكِرِينَ}: مفعول ثان.

{قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)} .

{قالَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. {اخْرُجْ}: منها إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت {اخْرُجْ}: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على إبليس، والجملة في محل النصب مقول {قالَ}. {مِنْها}: متعلق بـ {اخْرُجْ} . {مَذْؤُمًا} : حال أولى من فاعل {اخْرُجْ} . {مَدْحُورًا} : حال ثانية منه عند من يجوز تعدد الحال لذي حال واحد، وأما عند من لا يجوزه فـ {مَدْحُورًا}: صفة لـ {مَذْؤُمًا} . {لَمَنْ} {اللام} : موطئة للقسم المحذوف تقديره: والله لمن تبعك.

فائدة: سميت (1) لام القسم موطئة؛ لأنها وطأت الجواب للقسم المحذوف؛ أي: مهدته له، وتسمى أيضا المؤذنة؛ لأنها تؤذن بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها، لا على الشرط.

{من} : اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. {تَبِعَكَ}: فعل ومفعول في محل الجزم بـ {من} الشرطية على

(1) الفتوحات.

ص: 241

كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على {من}. {مِنْهُمْ}: جار ومجرور حال من فاعل {تَبِعَكَ} . {لَأَمْلَأَنَّ} : {اللام} : موطئة للقسم أيضا مؤكدة للأولى، {أملأن}: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنا يعود على الله سبحانه، والجملة من الفعل والفاعل جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده تقديره: لمن تبعك أعذبه، وهذا الوجه أظهر في الإعراب كما قاله «الجمل». والوجه الثاني أن اللام في قوله {لَمَنْ تَبِعَكَ}: لام الابتداء، و {من}: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، و {تَبِعَكَ}: صلتها. و {مِنْهُمْ} : حال من فاعل {تَبِعَكَ} ، وقوله:{لَأَمْلَأَنَّ} : جواب قسم محذوف بعد قوله: {مِنْهُمْ} ، وذلك القسم المحذوف وجوابه في محل الرفع خبر المبتدأ الذي هو {من} الموصولة، والتقدير: للذي تبعك منهم، والله لأملأن جهنم منكم، فإن قلت (1): أين العائد من الجملة القسمية الواقعة خبرا عن المبتدأ؟.

قلت: هو متضمن في قوله: {مِنْكُمْ} لأنه لما اجتمع ضميران غيبة وخطاب .. غلب الخطاب كما تقدم. {جَهَنَّمَ} : منصوب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بـ {أملأن}. {مِنْكُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {أملأن} . {أَجْمَعِينَ} : توكيد لضمير المخاطبين مجرور بالياء؛ لأنه جمع مذكر سالم.

التصريف ومفردات اللغة

{حَرَجٌ} مِنْهُ الحرج: الضيق من عاقبة المخالفة. {وَذِكْرى} والذكرى: التذكر النافع والموعظة المؤثرة، وهو اسم مصدر لذكر يذكر تذكرة وذكرى.

{وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ} وولاية (2) الله لعباده تولي أمورهم فيما لا يصل إليه كسبهم من هدايتهم ونصرهم على أعدائهم، وشرعه لهم عبادته، وبيان الحلال والحرام. {قَلِيلًا ما} {ما}: حرف زائد يؤكد به معنى القلة. {تَذَكَّرُونَ} أصله

(1) الفتوحات.

(2)

المراغي.

ص: 242

تتذكرون بتاءين أولاهما تاء المضارعة، والثانية تاء المطاوعة، فحذفت إحداهما على الخلاف في المحذوفة منهما.

{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ} {كم} : اسم يفيد التكثير، وهي خبرية: هنا، وكذا في جميع القرآن حيثما وقعت، وكم في كلام العرب قسمان: خبرية: وهي التي بمعنى عدد كثير، واستفهامية: وهي التي تكون بمعنى أي عدد، وهي اسم (1) بسيط لا مركب من كاف التشبيه، وما الاستفهامية حذف ألفها لدخول حرف الجر عليها، وسكنت كما قالوا: لم؛ تركيبا لا ينفك، كما ركبت في كأين مع أي، ولم يأت تمييزها في القرآن إلا مجرورا وأحكامها في نوعيها مذكورة في كتب النحو.

والقرية تطلق على الموضع الذي يجتمع فيه الناس وعلى الناس معا، وتطلق على كل منهما كما جاء في قوله:{وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} ؛ أي: أهل القرية، والقرية هنا تصلح لأن يراد بها القوم أنفسهم، وأن يراد بها المكان؛ لأنه يهلك كما يهلك أهله. {بَأْسُنا} البأس العذاب.

{بَياتًا} والبيات: الإغارة على العدو ليلا، والإيقاع به على غرة، وهو في الأصل مصدر بات يبيت بيتا وبيتة وبياتا وبيتوتة. قال الليث: البيتوتة دخولك في الليل، فقوله: بياتا؛ أي: بائتين.

{أَوْ هُمْ قائِلُونَ} والقائلون: هم الذين يستريحون، أو ينامون وسط النهار؛ أي: حين القائلة، وقال الليث: القيلولة نوم نصف النهار؛ وهي القائلة، وقال الأزهري: القيلولة الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن نوم.

وقال الفراء: يقال: قال يقيل قيلا - كباع يبيع بيعا - وقائلة وقيلولة إذا استراح نصف النهار، فألفه منقلبة عن ياء بخلاف قال من القول، فهي منقلبة عن واو.

{فَما كانَ دَعْواهُمْ} والدعوى: ما يدعيه الإنسان، وتطلق على القول أيضا.

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: جعلنا لكم (2) فيها أمكنة تتبوؤنها، وتتمكنون من الإقامة فيها.

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

ص: 243

{وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ} بالياء (1) باتفاق السبعة، وإن قرىء شاذا بالهمزة، وليس كصحائف؛ لأن المد فيه زائد؛ لأنه من صحف بخلاف معيشة، فإن المد فيها أصلي؛ لأنه من عاش يعيش عيشا ومعاشا وعيشة ومعيشة ومعيشا. قال رؤبة:

إليك أشكو شدّة المعيش

وجهد أيّام نتفن ريشي

فأصل معيشة معيشة كمكرمة، أو معيشة كمنزلة، أو معيشة كمتربة، فالياء فيه أصلية على كل حال، وقد قال في «الخلاصة»:

والمد زيد ثالثا في الواحد

همزا يرى في مثل كالفلائد

وياء معيشة عين الكلمة، ثم إنه على الوجه الأول قلبت ضمة الياء كسرة، ثم نقلت للعين، وعلى الثاني نقلت كسرة الياء إلى العين، والوجه الثالث لا صحة له في التصريف. اه من «السمين» .

وفي «المصباح» : عاش يعيش عيشا - من باب سار - صار ذا حياة، فهو عائش، والأنثى عائشة، وعيّاش أيضا مبالغة، والمعيش والمعيشة مكسب الإنسان الذي يعبش به، والجمع معايش هذا على قول الجمهور أنه من عاش، فالميم زائدة، ووزن معايش مفاعل، فلا يهمز، وبه قرأ السبعة، وقيل: إنه من معش، فالميم أصلية، ووزن معيش ومعيشة فعيل وفعيلة، ووزن معائش فعائل، فيهمز كصحائف، وبه قرأ أبو جعفر المدني والأعرج. اه.

وفي «القاموس» : العيش الحياة، يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشة وعيشة - بالكسر - وعيشوشة، والعيش أيضا الطعام وما يعاش به والخبز، والمعيشة أيضا ما يتعيش به من المطعم والمشرب، وما تكون به الحياة، وما يعاش به وفيه، والجمع معايش، والمتعيش من له بلغة من العيش. اه.

{وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ} الخلق: التقدير (2)، يقال: خلق الخياط الثوب إذا قدره قبل قطعه، وخلق الله الخلق أوجدهم على تقدير أوجبته الحكمة.

(1) الفتوحات البحر المحيط.

(2)

المراغي.

ص: 244

{إِلَّا إِبْلِيسَ} مأخوذ من أبلس إبلاسا بمعنى أيس؛ لأنه آيس من رحمة الله تعالى.

{فَاهْبِطْ مِنْها} والهبوط الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه، أو من منزلة إلى ما دونها؛ فهو إما حسي، وإما معنوي.

{أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها} والتكبر جعل الإنسان نفسه أكبر مما هي عليه. {مِنَ الصَّاغِرِينَ} والصغار: الذلة والهوان {أَنْظِرْنِي} : يقال: أنظره إذا أمهله وأخره.

{فَبِما أَغْوَيْتَنِي} : والإغواء: الإيقاع في الغواية، وهي ضد الرشاد، يقال: غوى يغوي - من باب رمى - غيا وغواية إذا فسد عليه أمره، وفسد هو في نفسه، ومنه غوى الفصيل إذا أكثر من شرب لبن أمه حتى فسد جوفها، وأشرف على الهلاك، وقيل: أصله الهلاك، ومنه:{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} . {وَعَنْ شَمائِلِهِمْ} الشمائل (1): جمع شمال، وهو جمع كثرة، وجمعه في القلة على أشمل. قال الشاعر:

يأتي لها من أيمن وأشمل

وشمال يطلق على اليد اليسرى، وعلى ناحيتها، والشمائل أيضا جمع شمال؛ وهي الريح، والشمائل أيضا: الأخلاق. يقال: هو حسن الشمائل.

{مَذْؤُمًا} بالهمز (2): اسم مفعول من ذأمه يذأمه ذأما - كقطعه يقطعه قطعا - إذا عابه ومقته، وفي «المختار»: الذأم: العيب يهمز ولا يهمز، يقال: ذأمه - من باب قطع - إذا عابه وحقره، فهو مذؤوم. اه. وفيه مقته إذا أبغضه من باب نصر، فهو مقيت، ويجوز (3) إبدال الهمزة ألفا. قال الشاعر:

صحبتك إذ عيني عليها غشاوة

فلمّا انجلت قطّعت نفسي أذيمها

وفي المثل: لن يعدم الحسناء ذأما، وقيل: أردت أن تذيمه فمدحته، وقال الليث: ذأمته حقرته، وقال ابن الأنباري وابن قتيبة: ذأمه ذمه وعابه.

{مَدْحُورًا} يقال: دحره إذا أبعده وأقصاه، ودحر الجند العدو إذا طرده

(1) البحر المحيط.

(2)

الفتوحات.

(3)

البحر المحيط.

ص: 245

وأبعده. قال الشاعر:

دحرت بني الحصيب إلى قديد

وقد كانوا ذوي أشر وفخر

يقال: دحره يدحره دحرا ودحورا - من باب خضع - ومنه: {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8) دُحُورًا} .

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: المجاز المرسل في قوله: {فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ} لما فيه من إطلاق المسبب وإرادة السبب؛ لأن المراد النهي عن أسباب الحرج. قال أبو السعود: توجيه (1) النهي إلى الحرج مع أن المراد نهيه صلى الله عليه وسلم عنه؛ إما للمبالغة في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن وقوع مثل الحرج منه، فإن النهي لو وجه له لأوهم إمكان صدور المنهي عنه منه، وإما للمبالغة في النهي، فإن وقوع الحرج في صدره سبب لاتصافه به، والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني، ونفي له من أصله بالمرة، فالمراد نهيه عما يورث الحرج انتهى.

ومنها: المجاز المرسل أيضا في قوله: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها} : لما فيه من إطلاق المحل وإرادة الحال؛ أي: وكم من أهل قرية أهلكناهم.

ومنها: الاعتراض بين الجار ومتعلقه، في قوله:{فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ} ، لأنه معترض بين قوله:{أُنْزِلَ} وبين قوله: {لِتُنْذِرَ} .

ومنها: التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة لضمير المخاطبين، في قوله:{اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} لمزيد اللطف بهم وترغيبهم في امتثال الأمر.

ومنها: الطباق بين قوله: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ} وقوله: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ} ، وبين قوله:{بَياتًا} وقوله: {أَوْ هُمْ قائِلُونَ} ؛ لأن البيات معناه ليلا، وقائلون معناه نهارا وقت الظهيرة.

(1) أبو السعود.

ص: 246

ومنها: المجاز بالحذف قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} ؛ أي: خلقنا أباكم آدم، وصورنا أباكم.

ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} لأن الصراط حقيقة في الطريق الحسي، فاستعارة لطريق الهداية الموصل إلى جنات النعيم.

ومنها: المقابلة بين قوله: {خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ} وقوله: {وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} ، وبين قوله:{مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} وقوله: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} ، وبين قوله:{وَعَنْ أَيْمانِهِمْ} وقوله: {وَعَنْ شَمائِلِهِمْ} .

ومنها: تغليب الحاضر على الغائب في قوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ} لأن فيه تغليب الحاضر الذي هو إبليس على الغائب، وهو الناس.

ومنها: التكرار في قوله: {فَلَنَسْئَلَنَّ} ، وقوله:{وَلَنَسْئَلَنَ} ، وفي قوله:{مَوازِينُهُ} .

ومنها: الجناس المماثل في قوله: {اسْجُدُوا} {فَسَجَدُوا}

ومنها: المغاير في قوله: {فَسَجَدُوا} وقوله: {مِنَ السَّاجِدِينَ} ، وفي قوله:{أَنْظِرْنِي} وقوله: {مِنَ الْمُنْظَرِينَ} .

ومنها: المقابلة في قوله: {اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} وقوله: {وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ} .

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 247

قال الله سبحانه جلّ وعلا:

{وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)} .

المناسبة

قوله تعالى: {وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ

} الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لا يزال (1) الحديث متصلا في الكلام في النشأة الأولى للبشر، وفي شياطين الجن، وقد ذكرت تمهيدا لهداية الناس بما يتلوها من الآيات في وعظ بني آدم وإرشادهم إلى ما به تكمل فطرتهم، وفي ذلك امتنان عليهم، وذكر لكرامة أبيهم.

قوله تعالى: {يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ

} الآية، مناسبة

(1) المراغي.

ص: 248