الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ولو كان محض رأي أئمة المذاهب واتباعهم حجة على العباد .. لكان لهذه الأمة رسل كثيرة متعددون بعدد أهل الرأي المكلفين للناس بما لم يكلفهم الله به، وإن من أعجب الغفلة، وأعظم الذهول عن الحق اختيار المقلدة لآراء الرجال مع وجود كتاب الله، ووجود سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ووجود من يأخذونهما عنه، ووجود آلة الفهم لديهم، وملكة العقل عندهم.
29
- وبعد أن أنكر عليهم أن يكونوا على علم بأمر الله فيما فعلوا .. بين ما يأمر به من محاسن الأعمال، ومكارم الأخلاق بقوله لرسوله:{قُلْ} لهم يا محمد: {إنما أَمَرَ} ني {رَبِّي بِالْقِسْطِ} ؛ أي: بالاستقامة، والعدل في الأمور كلها، فأطيعوه، وقوله:{وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} معطوف على المحذوف المقدر، أو على معنى {بِالْقِسْطِ} قال لهم: أمرني ربي بالقسط، فأقسطوا في الأمور كلها، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد؛ أي (1): وجهوا وجوهكم في الصلاة إلى القبلة في أي مسجد كنتم فيه، أو في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود على أن المراد بالسجود الصلاة، أو المعنى (2) أعطوا توجهكم إلى الله تعالى حقه من صحة النية، وحضور القلب، وصرف الشواغل عند كل مسجد تعبدونه فيه سواء كانت العبادة طوافا، أو صلاة، أو ذكرا {وَادْعُوهُ} سبحانه وتعالى؛ أي: واعبدوه وحده حالة كونكم {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} والعبادة، ولا تتوجهوا إلى غيره من عباده المكرمين زعما منكم أنهم يشفعون لكم عند ربكم، ويقربونكم إليه زلفى، وقد جعلتم هذا من الدين افتراء على الله، وقولا عليه بغير علم.
30
- وبعد أن أبان أصل الدين ومناط الأمر والنهي فيه .. ذكرنا بالبعث والجزاء على الأعمال، فقال:{كَما بَدَأَكُمْ} وأنشأكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته {تَعُودُونَ} إليه سبحانه وتعالى بالبعث يوم القيامة، وأنتم فريقان سعداء وأشقياء {فَرِيقًا} منكم {هَدى} هـ الله سبحانه وتعالى في الدنيا ببعثة الرسل، فاهتدى بهديهم، وأقام
(1) الشوكاني.
(2)
المراغي.
وجهه له وحده في العبادة، ودعاه مخلصا له الدين لا يشرك به أحدا {وَ} أضل {فَرِيقًا} آخر منكم {حَقَّ} وثبت {عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} أزلا؛ لاتباعهم إغواء الشيطان، وإعراضهم عن طاعة بارئهم، وكل فريق يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه.
وقرأ أبي: {تعودون فريقين فريقا هدى} . وقيل المعنى: {كَما بَدَأَكُمْ} في (1) الخلق شقيا وسعيدا، فكذلك {تَعُودُونَ} سعداء وأشقياء يدل على صحة هذا المعنى قوله:{فَرِيقًا هَدى} ؛ أي: أرشد إلى دينه، وهم أولياؤه {وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ}؛ أي: أضلهم، وهم أولياء الشياطين، أو المعنى: كما بدأكم من تراب تعودون إلى التراب.
وإنما حقت على الفريق الثاني الضلالة؛ لأنهم اقترفوا أسبابها، فوجدت نتائجها ومسبباتها، لا أنها جعلت لهم غرائز، فكانوا عليها مجبورين يرشد إلى ذلك قوله:{إِنَّهُمُ} ؛ أي: إن هؤلاء الفريق الثاني {اتَّخَذُوا} وجعلوا لأنفسهم {الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} تعالى يطيعونهم في معصية الله، وهذه الجملة تعليل لقوله:{وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} ؛ أي: أنهم حين أطاعوا الشياطين فيما زينوا لهم من الفواحش والمنكرات، فكأنهم ولّوهم أمورهم من دون الله الذي يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر {وَ} هم مع عملهم هذا {يَحْسَبُونَ ويظنون أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} راشدون فيما تلقنهم الشياطين من الشبهات، كجعل التوجه إلى غير الله، والتوسل إليه في الدعاء مما يقربهم إلى الله زلفى قياسا على الملوك الجاهلين الذين لا يقبلون الصفح عن مذنب إلا بواسطة بعض المقربين عنده، ودلت هذه الآية على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في حصة الدين، بل لا بد من الجزم والقطع؛ لأنه تعالى ذم الكفار بأنهم بحسبون كونهم مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم لما ذمهم بذلك، ودلت أيضا على أن كل من شرع في باطل؛ فهو مستحق للذم سواء حسب كونه هدى، أو لم
(1) الواحدي.
يحسب ذلك اه «كرخي» . والكثير (1) من أهل الضلال يحسبون أنهم مهتدون، وهم ما بين كافر جحود للحق كبرا وعنادا - كأعداء الرسل في عصورهم وحاسديهم على ما آتاهم الله من فضله، كما حكى سبحانه عن فرعون وملئه:{وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} وكالكبراء من قريش أمثال أبي جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث في جمع كثير منهم، وهم الذين قال فيهم:{فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} وهؤلاء هم الأقلون عددا. وكافر بالتقليد واتباع نزغات الشيطان، أو باتباع الآراء الخاطئة والنظريات الفاسدة، وهم الذين قال الله فيهم:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} وهؤلاء هم جمهرة الناس في جميع الأمم، وذهب كثير من العلماء إلى أن من بذل جهده في البحث والنظر في الحق، ثم اتبع ما ظهر له أنه الحق بحسب ما وصلت إليه طاقته، وكان مخالفا في شيء منه لما جاءت به الرسل لا يدخل في مدلول هذه الآية ونحوها، بل يكون معذورا عند الله تعالى لقوله:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها} .
الإعراب
{وَيا آدَمُ} {الواو} : عاطفة. {يا آدَمُ} : منادى مضافا، وجملة النداء في محل النصب معطوفة على جملة قوله:{اسْجُدُوا لِآدَمَ} على كونها مقولا لـ {قُلْنا} ، والتقدير: ثم قلنا للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} ، وقلنا:{يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} ، كما ذكره صاحب «زاده» {اسْكُنْ}: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر وجوبا. {أَنْتَ}: ضمير منفصل مؤكد لضمير الفاعل؛ ليصح عطف ما بعده عليه كما قال ابن مالك:
وإن على ضمير رفع متصل
…
عطفت فافصل بالضمير المنفصل
(1) المراغي.
{وَزَوْجُكَ} : معطوف على الضمير المستتر. {الْجَنَّةَ} : منصوب على الظرفية المكانية متعلف بـ {اسْكُنْ} ، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. {فَكُلا}:{الفاء} : حرف عطف وترتيب، {كلا}: فعل وفاعل معطوف على اسكن. {مِنْ حَيْثُ} : جار ومجرور متعلق بـ {كلا} . {شِئْتُما} : فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {حَيْثُ}. {وَلا}:{الواو} : عاطفة {لا} : ناهية جازمة. {تَقْرَبا} : فعل وفاعل مجزوم بـ {لا} الناهية، والجملة معطوفة على جملة {فَكُلا}. هذِهِ: في محل النصب مفعول به. {الشَّجَرَةَ} : بدل من اسم الإشارة. {فَتَكُونا} : {الفاء} : حرف عطف وتعقيب، {تكونا}: فعل ناقص، واسمه معطوف على {تَقْرَبا} مجزوم بـ {لا} الناهية. مِنَ الظَّالِمِينَ: جار ومجرور خبر {تكونا} وإن شئت قلت {الفاء} : عاطفة سببية، {تكونا}: فعل ناقص، واسمه منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، وعلامة نصبه حذف النون، والتقدير على هذا الوجه: لا يكن منكما قربان هذه الشجرة فكونكما من الظالمين.
{فَوَسْوَسَ} : {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الله سبحانه وتعالى نهاهما عن تلك الشجرة، وأوردت بيان هل امتثلا لذلك النهي أم لا .. فأقول لك:{وسوس لهما الشيطان} : {وسوس} : فعل ماض. {لَهُمَا} جار ومجرور متعلق به. {الشَّيْطانُ} : فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {لِيُبْدِيَ}:{اللام} : حرف جر وعاقبة، {يبدي}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على {الشَّيْطانُ}. {لَهُمَا}: متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإبدائه لهما ما ووري، الجار والمجرور متعلق بـ {فَوَسْوَسَ}. {ما}: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به
لـ {يبدي} . {وُورِيَ} : فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على {ما}. {عَنْهُما}: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المستتر في {وُورِيَ} مِنْ {سَوْآتِهِما}: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ضمير {وُورِيَ} . {وَقالَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {الشَّيْطانُ} ، والجملة معطوفة على جملة {فَوَسْوَسَ} على أنها عطف بيان لها. {ما نَهاكُما رَبُّكُما} إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت:{ما} نافية. {نَهاكُما} فعل ومفعول. {رَبُّكُما} : فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول {قالَ}. {عَنْ هذِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {نَهاكُما} . {الشَّجَرَةِ} : بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان منه. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ. {أَنْ} : حرف نصب ومصدر. {تَكُونا} : فعل ناقص، واسمه منصوب بـ {أَنْ}. {مَلَكَيْنِ}: خبرها، والجملة الفعلية صلة {أَنْ} المصدرية، {أَنْ} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر المنصوب على أنه مفعول لأجله تقديره: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهية كونكما ملكين. {أَوْ} : حرف عطف وتفصيل. {تَكُونا} : فعل ناقص، واسمه معطوف على {تَكُونا}. {مِنَ الْخالِدِينَ}: خبر {تَكُونا} ، والتقدير: أو كراهية كونكما من الخالدين.
{وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)} .
{وَقاسَمَهُما} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة معطوفة على جملة {قالَ}. {إِنِّي}:{إن} : حرف نصب، والياء اسمها. {لَكُما}: جار ومجرور متعلق بـ {النَّاصِحِينَ} . {لَمِنَ} : {اللام} : حرف ابتداء، {من الناصحين}: جار ومجرور خبر {إن} تقديره: إني لكائن من الناصحين لكما، وجملة {إن} جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
{فَدَلَّاهُما} {الفاء} : عاطفة، {دلى}: فعل ماض من باب فعل المضعف،
و {الهاء} : مفعول به، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة معطوفة على جملة {قاسَمَهُما}. {بِغُرُورٍ}: جار ومجرور حال من فاعل {دلى} تقديره: فدلاهما الشيطان حالة كونه متلبسا بغرور وخداع لهما. {فَلَمَّا} : {الفاء} عاطفة، {لما}: حرف شرط غير جازم. {ذاقَا الشَّجَرَةَ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ {لما} لا محل لها من الأعراب. {بَدَتْ}: فعل ماض. {لَهُما} : متعلق به. {سَوْآتُهُما} : فاعل ومضاف إليه، والجملة جواب {لما} ، وجملة {لما} معطوفة على جملة قوله:{فَدَلَّاهُما} . {وَطَفِقا} : فعل ناقص واسمه؛ لأنه من أفعال الشروع، وجملة {يَخْصِفانِ} خبره، وجملة {وَطَفِقا} معطوفة على جملة قوله:{بَدَتْ} على كونها جواب {لما} . {عَلَيْهِما} : جار ومجرور متعلق بـ {يَخْصِفانِ} . {مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يَخْصِفانِ} أيضا.
{وَناداهُما رَبُّهُما} فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة بَدَتْ. {أَلَمْ} {الهمزة} للاستفهام التقريري، {لَمْ}: حرف جزم ونفي. {أَنْهَكُما} فعل ومفعول مجزوم بـ {لَمْ} ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جملة مفسرة للنداء لا محل لها من الإعراب. {عَنْ تِلْكُمَا}:{عَنْ} : حرف جر. {تـ} : اسم إشارة يشار بها للمفردة المؤنثة البعيدة في محل الجر بـ {عَنْ} مبني على الكسر لشبهه بالحرف شبها معنويا، {اللام}: لبعد المشار إليه، و {الكاف}: حرف دال على الخطاب، و {الميم}: حرف عماد، و {الألف}: حرف دال على التثنية. {الشَّجَرَةَ} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، الجار والمجرور متعلق بـ {أَنْهَكُما}. {وَأَقُلْ}: فعل مضارع معطوف على أنه مجزوم بـ {لَمْ} ، وفاعله ضمير يعود على الله. {لَكُما}: جار ومجرور متعلق به. {إِنَّ الشَّيْطانَ} إلى آخره مقول محكي لـ {أَقُلْ} ، وإن شئت قلت {إِنَّ} حرف نصب. {الشَّيْطانَ}: اسمها. {لَكُما} : جار ومجرور متعلق بـ {عَدُوٌّ} . {عَدُوٌّ} : خبر إن {مُبِينٌ} : صفة {عَدُوٌّ} ، وجملة {إِنَّ} في محل النصب مقول القول لـ {أَقُلْ} .
{قالا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا. {رَبَّنا ظَلَمْنا} إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت {رَبَّنا}: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قال}. {ظَلَمْنا أَنْفُسَنا}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء على كونها مقول القول. {وَإِنْ}:{الواو} : عاطفة. {إِنْ} : حرف شرط. {لَمْ} : حرف جزم. {تَغْفِرْ} : فعل مضارع مجزوم بـ {لَمْ} ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ {إِنْ} الشرطية على كونها فعل شرط لها. {لَنا}: جار ومجرور متعلق بـ {تَغْفِرْ} . {وَتَرْحَمْنا} : فعل ومفعول معطوف على {تَغْفِرْ} ، وفاعله ضمير يعود على الله، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم المقدر تقديره: نكن من الخاسرين، وجملة الشرط مع جوابه المحذوف معطوفة على جملة {ظَلَمْنا} على كونها جواب النداء. {لَنَكُونَنَّ}:{اللام} : موطئة لقسم محذوف تقديره: والله لئن لم تغفر لنا لنكونن، {نكونن}: فعل مضارع ناقص في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على آدم وحواء. {مِنَ الْخاسِرِينَ}: جار ومجرور خبر {نكون} ، وجملة {نكونن} جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
{قالَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. {اهْبِطُوا} إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت {اهْبِطُوا}: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول {قالَ}. {بَعْضُكُمْ}: مبتدأ ومضاف إليه. {لِبَعْضٍ} : جار ومجرور متعلق بـ {عَدُوٌّ} . {عَدُوٌّ} : خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل {اهْبِطُوا} تقديره: اهبطوا حالة كونكم موصوفين بعداوة بعضكم لبعض. {وَلَكُمْ} {الواو} : واو الحال، أو عاطفة. {لَكُمْ}: جار ومجرور خبر مقدم. {فِي الْأَرْضِ} : جار ومجرور متعلق بـ {مُسْتَقَرٌّ} . مُسْتَقَرٌّ: مبتدأ مؤخر. {وَمَتاعٌ} : معطوف عليه. {إِلى حِينٍ} : جار
ومجرور تنازع فيه {مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ} ، والجملة الاسمية في محل النصب حال ثانية من فاعل {اهْبِطُوا} ، أو معطوفة على جملة {اهْبِطُوا} على كونها مقول {قالَ} .
{قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25)} .
{قالَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. {فِيها تَحْيَوْنَ} إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت فِيها: جار ومجرور متعلق بـ {تَحْيَوْنَ} . {تَحْيَوْنَ} : فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول {قالَ} {وَفِيها}: متعلق بـ {تَمُوتُونَ} . {تَمُوتُونَ} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {تَحْيَوْنَ}. {وَمِنْها}: جار ومجرور متعلق بـ {تُخْرَجُونَ} . {تُخْرَجُونَ} : فعل ونائب فاعل معطوف على {تَحْيَوْنَ} .
{يا بَنِي آدَمَ} : منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة. {قَدْ أَنْزَلْنا}: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. {عَلَيْكُمْ}: متعلق بـ {أَنْزَلْنا} . {لِباسًا} : مفعول به لـ {أَنْزَلْنا} . {يُوارِي} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {لِباسًا}. وجملة {يُوارِي} صفة لـ {لِباسًا} {سَوْآتِكُمْ}: مفعول به ومضاف إليه. {وَرِيشًا} : معطوف على {لِباسًا} . {وَلِباسُ التَّقْوى} : بالنصب معطوف على {لِباسًا} أيضا. {لِباسُ} - بالرفع -: مبتدأ أول، ومضاف إليه. ذلِكَ:{مبتدأ} ثان. {خَيْرٌ} : خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، والجملة مستأنفة. {ذلِكَ}: مبتدأ. {مِنْ آياتِ اللَّهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. {لَعَلَّهُمْ}: ناصب واسمه، وجملة {يَذَّكَّرُونَ} خبرها، وجملة {لعل} مستأنفة مسوقة لتعليل جملة {أَنْزَلْنا} .
{يا بَنِي آدَمَ} : منادى مضاف، والجملة مستأنفة. {لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ}:
فعل ومفعول وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب، {كَما}:{الكاف} : حرف جر وتشبيه، {ما}: مصدرية. {أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ} : فعل ومفعول. {مِنَ الْجَنَّةِ} متعلق بـ {أَخْرَجَ} ، وفاعله ضمير يعود على {الشَّيْطانُ} ، والجملة الفعلية صلة {ما} المصدرية، {ما} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: لا يفتننكم الشيطان فتنة مثل إخراج أبويكم، أو لا يفتننكم فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم، أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه أبويكم. {يَنْزِعُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {الشَّيْطانُ}. {عَنْهُما} متعلق به. {لِباسَهُما}: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل {أَخْرَجَ} تقديره: حالة كونه ينزع عنهما لباسهما، أو في محل النصب حال من {أَبَوَيْكُمْ}. {لِيُرِيَهُما}: فعل ومفعول أول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على {الشَّيْطانُ}. {سَوْآتِهِما}: مفعول ثان لأرى؛ لأن رأى بصرية تعدت إلى مفعولين بالهمزة، وجملة أرى صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام الجار والمجرور متعلق بـ {يَنْزِعُ} تقديره: ينزع عنهما لباسهما لإزائته إياهما سؤاتهما.
{إِنَّهُ} : ناصب واسمه. {يَراكُمْ} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {الشّيطان} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن} في محل الجر باللام المقدره مسوقة لتعليل النهي المستفاد من قوله:{لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ} فكأنه قيل: فاحذروه لأنه يراكم. {هُوَ} : تأكيد لضمير الفاعل المستتر في {يَراكُمْ} ليصح العطف عليه كما قيل. {وَقَبِيلُهُ} : بالرفع معطوف على ضمير الفاعل، وبالنصب معطوف على اسم {إن}. {مِنْ حَيْثُ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَراكُمْ} . {لا تَرَوْنَهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {حَيْثُ}. {إِنَّا}: ناصب واسمه. {جَعَلْنَا} : فعل وفاعل. {الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ} : مفعولان لـ {جَعَلْنَا} ، وجملة {جَعَلْنَا}: في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن} جملة معللة مؤكدة لجملة قوله:{إِنَّهُ يَراكُمْ} . {لِلَّذِينَ} : جار
ومجرور صفة لـ {أَوْلِياءَ} ، أو متعلق بـ {جَعَلْنَا} ، وجملة {لا يُؤْمِنُونَ} صلة الموصول.
{وَإِذا} {الواو} : استئنافية. {إِذا} : ظرف لما يستقبل من الزمان. {فَعَلُوا فاحِشَةً} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفص بإضافة إِذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. {قالُوا} فعل وفاعل، والجملة جواب إِذا لا محل لها من الإعراب، وجملة إِذا مستأنفة. {وَجَدْنا عَلَيْها} إلى قوله:{قُلْ} مقول محكي لـ {قالُوا} ، وإن شئت قلت {وَجَدْنا}: فعل وفاعل. {عَلَيْها} : متعلق به. {آباءَنا} : مفعول به ومضاف إليه؛ لأن وجد هنا بمعنى أصاب، والجملة الفعلية في محل النصب مقول {قالُوا}. {وَاللَّهُ}: مبتدأ. {أَمَرَنا} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {الله}. {بِها}: متعلق بـ {أَمَرَنا} ، وجملة {أَمَرَنا} في محل الرفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قالُوا}. {قُلْ}: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} إلى آخر الآية مقول محكي لـ {قُلْ} ، وإن شئت قلت {إِنَّ}: حرف نصب. {اللَّهُ} : اسمها. لا: نافية. {يَأْمُرُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {الله}. {بِالْفَحْشاءِ}: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِنَّ} في محل النصب مقول {قُلْ}. {أَتَقُولُونَ} {الهمزة}: للاستفهام الإنكاري التوبخي، وفيه معنى النهي، {تَقُولُونَ}: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول {قُلْ}. {عَلَى اللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {تَقُولُونَ} . {ما} : موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به لـ {تَقُولُونَ}؛ لأنه بمعنى تذكرون وتفترون. {لا تَعْلَمُونَ}: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما لا تعلمونه.
{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} إلى قوله:{كَما بَدَأَكُمْ} : مقول محكي لـ {قُلْ} وإن شئت قلت: {أَمَرَ رَبِّي} : فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول {قُلْ}. {بِالْقِسْطِ}: متعلق بـ {أَمَرَ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ} : فعل وفاعل ومفعول به معطوف على محذوف معلوم من السياق: قل أمر ربي بالقسط فأقسطوا وأقيموا وجوهكم. {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} : ظرف ومضاف إليه متعلق بـ {أَقِيمُوا} . {وَادْعُوهُ} : فعل وفاعل ومفعول معطوف على {أَقِيمُوا} . {مُخْلِصِينَ} : حال من واو {وَادْعُوهُ} . {لَهُ} : متعلق بـ {مُخْلِصِينَ} . {الدِّينَ} : مفعول لـ {مُخْلِصِينَ} . {كَما} : {الكاف} : حرف جر، {ما}: مصدرية. {بَدَأَكُمْ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {الله}. {تَعُودُونَ}: فعل وفاعل، وجملة {بَدَأَكُمْ} صلة {ما} المصدرية، {ما} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والتقدير: كبدئه إياكم، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: تعودون عودا مثل بدئه إياكم في كونه عن عدم محض، وجملة {تَعُودُونَ} مستأنفة.
{فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} .
{فَرِيقًا} : مفعول مقدم لـ {هَدى} . {هَدى} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {الله} ، والجملة مستأنفة، أو حال من فاعل بدأ؛ أي: تعودون كما بدأكم حال كونه هاديا فريقا، ومضلا فريقا، وقد مضمرة هنا. {وَفَرِيقًا}: مفعول لفعل محذوف تقديره: وأضل فريقا، وجملة {حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} صفة لـ {فَرِيقًا} ، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله:{فَرِيقًا هَدى} على كونه مستأنفة، أو حالا من فاعل بدأ تقديره: تعودون كما بدأكم حال كونه هاديا فريقا، ومضلا فريقا حق عليهم الضلالة.
{إِنَّهُمُ} : ناصب واسمه. {اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ} : فعل وفاعل ومفعولان، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن} مستأنفة مسوقة لتعليل قوله:{حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} . {مِنْ دُونِ اللَّهِ} : جار ومجرور
ومضاف إليه متعلق بـ {اتَّخَذُوا} أو حال من فاعل {اتَّخَذُوا} ، والتقدير: اتخذوا الشياطين أولياء حالة كونهم مجاوزين الله. {وَيَحْسَبُونَ} : فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على {اتَّخَذُوا} ، أو حال من فاعل {اتَّخَذُوا}. {إِنَّهُمُ}: ناصب واسمه. {مُهْتَدُونَ} : خبر {أن} ، وجملة {أن} في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي {حسب} ، والتقدير: ويحسبون هدايتهم.
التصريف ومفردات اللغة
{وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ} قرب يستعمل لازما، فيكون بضم الراء في الماضي والمضارع، ويستعمل متعديا كما هنا فيكون بكسرها في الماضي، وفتحها في المضارع، وبفتحها في الماضي وضمها في المضارع، وفي «المصباح» قرب الشيء منا قربا؛ أي: دنا إلى أن قال: وقربت الأمر أقربه - من باب تعب، وفي لغة من باب قتل - قربانا - بالكسر - فعلته، أو دانيته، اه.
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ} أصل الوسوسة: الصوت الخفي المكرر، ومنه قيل لصوت الحلي: وسوسة، ووسوسة الشيطان للبشر ما يجدونه في أنفسهم من الخواطر الرديئة التي تزين لهم ما يضرهم في أبدانهم أو أرواحهم، يقال: وسوس إذا تكلم كلاما خفيا مكررا.
{الشَّيْطانُ} مأخوذ من شاط إذا احترق، أو من شطن بمعنى بعد.
{ما وُورِيَ} ؛ أي: غطى وستر، وهو بوزن فوعل؛ لأنه مغير وارى على وزن فاعل كضارب، فلما بني للمفعول أبدلت الألف واوا كضورب، فالواو الأولى فاء الكلمة، والثانية: زائدة، فحينئذ لا يجب قلب الأولى همزة، وإنما يجب قلبها لو كانت الثانية أصلية كما أوضحوه في قول «الخلاصة»: وهمزا أول الواوين رد.
وقرأ عبد الله (1): {أوري} - بإبدال الأولى همزة - وهو بدل جائز لا واجب، وهذه قاعدة كلية، وهي أنه إذا اجتمع في أول الكلمة واوان، وتحركت الثانية، أو كان لها نظير متحرك .. وجب إبدال الأولى همزة تخفيفا، فإن لم
(1) الفتوحات.
تتحرك، ولم تحمل على متحرك جاز الإبدال كهذه الآية الكريمة.
{مِنْ سَوْآتِهِما} جمع سوءة، والسوءة ما يسوء الإنسان أن يراه غيره من أمر شائن، وعمل قبيح، وإذا أضيفت إلى الإنسان أريد بها عورته الفاحشة؛ لأنه يسوءه ظهورها بمقتضى الحياء الفطري. {مِنَ الْخالِدِينَ}؛ أي: من الذين لا يموتون أبدا.
{وَقاسَمَهُما} ؛ أي: أقسم وحلف لهما، وفي «السمين» المفاعلة هنا يحتمل أن تكون على بابها. فقال الزمخشري: كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين، فقالا له: أتقسم بالله أنت إنك لمن الناصحين لنا، فجعل ذلك مقاسمة بينهم، أو أقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على وزن المفاعلة؛ لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم. وقال ابن عطية: وقاسمهما؛ أي: حلف لهما، وهي مفاعلة؛ إذ قبول المحلوف له، وإقباله على معنى اليمين، وتقديره: كالقسم وإن كان بادىء الرأي يعطي أنها من واحد، ويحتمل أن يكون فاعل بمعنى أفعل كباعدته وأبعدته، وذلك أن الحلف لما كان من إبليس دونهما كان فاعل بمعنى أصل الفعل. انتهى.
{لَمِنَ النَّاصِحِينَ} جمع ناصح اسم فاعل من نصح، ونصح يتعدى لواحد؛ تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر، ومثله شكر وكال ووزن، وهل الأصل التعدي بحرف الجر، أو التعدي بنفسه، أو كل منهما أصل؟ الراجح الثالث، وزعم بعضهم أن المفعول في هذه الأفعال محذوف، وأن المجرور باللام هو الثاني، فإذا قلت: نصحت لزيد، فالتقدير: نصحت لزيد الرأي، وكذلك شكرت له صنيعه، وكلت له طعامه، ووزنت له متاعه، فهذا مذهب رابع، وقال الفراء: العرب لا تكاد تقول: نصحتك إنما يقولون: نصحت لك، وأنصح لك، وقد يجوز نصحتك، اه «سمين». والنصيحة: هي إرادة الخير للغير، وإظهاره له.
{فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ} يقال: دلى الشيء تدلية - كزكى تزكية - إذا أرسله، وأنزله من أعلى إلى أسفل رويدا رويدا، وقال الأزهري: وأصله أن الرجل العطشان يتدلى في البئر ليأخذ الماء، فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه. والغرور: إظهار النصح مع إبطان الغش، وقيل: حطهما من منزلة
الطاعة إلى حالة المعصية؛ لأن التدلي لا يكون إلا من علو إلى سفل.
ومعنى الآية (1): أن إبليس لعنه الله غر آدم باليمين الكاذبة، وكان آدم عليه السلام يظن أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا، فلما حلف إبليس ظن آدم أنه صادق فاغتر به، والغرور: مصدر حذف فاعله ومفعوله، والتقدير بغروره إياهما.
{وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما} ؛ أي: شرعا وأخذا يلزقان عليهما؛ أي: على القبل والدبر؛ أي: جعل كل منهما يستر عورتيه. يخصفان؛ أي (2): يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة، من قولهم: خصف الإسكافي النعل إذا وضع عليها مثلها. وفي «المختار» : طفق يفعل كذا؛ أي: جعل يفعل كذا، وبابه طرب، وبعضهم يقول: هو من باب جلس. اه. وفي «المصباح» : خصف الرجل نعله خصفا - من باب ضرب - فهو خصاف، وهو فيه كرقع الثوب.
{قالَ فِيها تَحْيَوْنَ} من حيي (3) من باب رضي، فتحيون أصله تحييون بوزن ترضيون، تحركت الياء الثانية وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فوزنه تفعون بحذف لام الكلمة.
{وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى} الريش: لباس (4) الحاجة والزينة، ولباس التقوى ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقى به في الحرب.
وفي «الفتوحات» : والريش فيه قولان: أحدهما: أنه اسم لهذا الشيء المعروف.
والثاني: أنه مصدر يقال: راشه يرشه ريشا إذا جعل فيه الريش، فينبغي أن يكون الريش مشتركا بين المصدر والعين، وهذا هو التحقيق.
وقرىء: {ورياشا} وفيه تأويلان (5):
(1) الفتوحات.
(2)
المراغي.
(3)
الفتوحات.
(4)
المراغي.
(5)
الفتوحات.
أحدهما: وبه قال الزمخشري: أنه جمع ريش كشعب وشعاب.
والثاني: أنه مصدر أيضا، فيكون ريش ورياش مصدرين لراشه الله ريشا ورياشا؛ أي: أنعم عليه. وقال الزجاج: هما اللباس، فعلى هذا هما اسمان للشيء الملبوس كما قالوا: لبس ولباس.
{لا يَفْتِنَنَّكُمُ} الفتنة: الابتلاء والاختبار من قولهم: فتن الصائغ الذهب، أو الفضة إذا عرضهما على النار ليعرف الزيف من النضار.
{وَقَبِيلُهُ} والقبيل: الجماعة يكونون من ثلاثة فصاعدا من جماعة شتى، هذا قول أبي عبيد، والقبيلة: الجماعة من أب واحد، فليست القبيلة تأنيث القبيل لهذه المغايرة اه «سمين». وفي «المصباح»: والقبيل: الجماعة ثلاثة فصاعدا من قوم شتى، والجمع قبل بضمتين، والقبيلة لغة فيه، وقبائل الرأس القطع المتصل بعضها ببعض، وبها سميت قبائل العرب، الواحدة قبيلة، وهم بنو أب واحد. اه.
{وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً} الفاحشة (1): الفعلة المتناهية في القبح، والمراد بها هنا طواف أهل الجاهلية عراة كما ولدتهم أمهاتهم، ويقولون لا نطوف بيت ربنا في ثياب عصيناه بها.
{بِالْقِسْطِ} والقسط الاعتدال في جميع الأمور، وهو الوسط بين الإفراط والتفريط.
{وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ} وإقامة الشيء: إعطاؤه حقه، وتوفيته شروطه كإقامة الصلاة، وإقامة الوزن بالقسط، والوجه قد يطلق على العضو المعروف من الإنسان كما في قوله:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ} وقد يطلق على توجه القلب وصحة القصد كما في قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} . {فَرِيقًا هَدى} : وفي «القاموس» : والفرقة - بالكسر - الطائفة من الناس، والجمع فرق، والفريق كأمير أكثر منها، والجمع أفرقاء وأفرقة وفروق. اه.
(1) المراغي.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإيجاز بالحذف في قوله: {وَيا آدَمُ} ؛ أي: وقلنا يا آدم، وفي قوله:{فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما} ؛ أي: فكلا منها؛ أي: من ثمارها حيث شئتما.
ومنها: المبالغة في النهي عن الأكل في قوله: {وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ} ؛ لأنه عبر عن النهي من الأكل بالنهي عن القربان مبالغة.
ومنها: التأكيد في قوله: {اسْكُنْ أَنْتَ} وفي قوله: {وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ} أكد الخبر بالقسم وبـ {إن} وباللام وبإسمية الجملة؛ لدفع شبهة الكذب، وهو من الضرب الذي يسمى إنكاريا؛ لأن السامع متردد.
ومنها: تخصيص الخطاب بآدم (1)، في قوله:{وَيا آدَمُ اسْكُنْ} للإيذان بأصالته في تلقي الوحي، وتعاطي المأمور به، وتعميمه في قوله:{فَكُلا} ، وقوله:{وَلا تَقْرَبا} للإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به، وتجنب المنهى عنه.
ومنها: المجاز المرسل، في قوله:{فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ} لأنه مجاز عن الأكل من إطلاق المسبب وإرادة السبب.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: {أَلَمْ أَنْهَكُما} وهو (2) حمل المخاطب على الإقرار بما علم عنده ثبوته أو نفيه. والمعنى (3): أقر بذلك على حد {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} (1).
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: {وَرِيشًا} شبه لباس الزينة بريش الطائر بجامع الزينة في كل؛ لأن الريش زينة الطائر، كما أن اللباس زينة الأدميين، فاستعير اسم المشبه به للمشبه على طريقة الاستعارة التصريحية.
ومنها: التشبيه في قوله: {وَلا تَقْرَبا} لأنه من إضافة المشبه به إلى المشبه، فهو من قبيل إضافة لجين الماء، وقال الشوكاني (4): ومثل هذه الاستعارة كثير
(1) الفتوحات.
(2)
الصاوي.
(3)
الصاوي.
(4)
فتح القدير.
الوقوع في كلام العرب، ومنه قوله:
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى
…
تقلب عريانا، وإن كان كاسيا
ومثله قوله:
تغط بأثواب السخاء فإنني
…
أرى كل عيب والسخاء غطاؤه
ومنها: الالتفات في قوله: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} وكان (1) مقتضى الظاهر لعلكم تذكرون، ونكتته دفع الثقل في الكلام.
ومنها: الطباق في قوله: {قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ} ؛ لأن بين الجملتين طباقا، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: المقابلة في قوله: {فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} .
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: {يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما} ؛ لأنه أسند النزع إليه لتسببه فيه.
ومنها: حكاية الحال الماضية، في قوله:{يَنْزِعُ} : عبر (2) بلفظ المضارع وعلى أنه حكاية حال؛ لأنها قد وقعت وانقضت.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(1) الصاوي.
(2)
الفتوحات.
قال الله سبحانه جلّ وعلا:
{يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)}.
المناسبة
قوله تعالى: {يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
…
} الآية، مناسبة (1)
(1) المراغي.
هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما أمر عباده في الآية السالفة بالعدل في كل الأمور، واتباع الوسط منها .. طلب إلينا أن نأخذ بالزينة في كل مجتمع للعبادة، فلنستعمل الثياب الحسنة في الصلاة والطواف ونحو ذلك، كما أباح لنا أن نأكل ونشرب مما خلق الله، بشرط أن لا نسرف في شيء من ذلك.
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما أنكر في الآية السالفة على المشركين وغيرهم من أرباب الملل الأخرى تحريم زينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق .. ذكر هنا أصول المحرمات التي حرمها على عباده لضررها، وجميعها من الأعمال الكسبية، لا من المواهب الخلقية؛ ليستبين للناس أن الله لم يحرم على عباده إلا ما هو ضار لهم.
قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما بين جماع المحرمات على بني آدم لما فيها من المفاسد والمضار للأفراد والمجتمع إثر بيان المباحات من الزينة والطيبات من الرزق بشرط عدم الإسراف فيها .. ذكر هنا حال الأمم في قبول هذه الأصول، أو ردها، والسير على منهاجها بعد قبولها، أو الزيغ عنها.
قوله تعالى: {يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي
…
} الآيتين، مناسبة هاتين الآيتين لما قبلها (1): أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر أن لكل أمة أجلا لا تعدوه .. حكى هنا ما خاطب به كل أمة على لسان رسولها، وبينه لها من أصول الدين الذي شرعه لهدايتها، وتكميل فطرتها، وأرشدها إلى أنها إن كانت مطيعة تتقي الله فيما تأتي وتذر، وتصلح أعمالها، فلا يحصل لها في الآخرة خوف ولا حزن، وإن هي تمردت واستكبرت، وكذبت الرسل كانت عاقبتها النار، وبئس القرار.
قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
…
} الآيات، مناسبة هذه
(1) المراغي.
الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر في الآية السابقة عاقبة المكذبين بآياته المستكبرين عن قبولها والإذعان لها .. ذكر هنا أن من أشدهم ظلما من يتقولون على الله الكذب، فينسبون إليه ما لم يقله كمن يثبت الشريك لله تعالى سواء كانت صنما، أو كوكبا، أو يضيف إليه أحكاما باطلة، أو يكذب ما قاله، كمن ينكر أن القرآن نزل من عند الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها (1): أنه تعالى لما ذكر المكذبين .. ذكر من هو أسوأ حالا منهم، وهو من يفتري الكذب على الله، وذكر أيضا من كذب بآياته.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن هذه الآية من تتمة ما سلف من وعيد الكفار، وجزاء المكذبين بالقرآن المستكبرين عن الايمان، بين بها أنهم خالدون في النار، وأنهم يلاقون فيها من الشدائد والأهوال ما لا يدرك العقل حقيقة كنهه، وأن هذا كفاء ظلمهم لأنفسهم، واستكبارهم عن طاعة ربهم، واتباع أوامره.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر (2) وعيد أهل الكفار والمعاصي .. أردفه وعد أهل الطاعات، وقد جرت سنة القرآن بالجمع بينهما، فيبدأ بأحدهما لمناسبة سياق الكلام قبله، ثم يقفوه بالآخر.
أسباب النزول
قوله تعالى: {يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
…
} الآية، سبب نزولها (3): ما روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت المرأة تطوف بالبيت في الجاهلية، وهي عريانة وعلى فرجها خرقة، وهي تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه
…
فما بدا منه فلا أحلّه
(1) البحر المحيط.
(2)
المراغي.
(3)
لباب النقول.
فنزلت: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
…
}، ونزلت: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
…
} الآيتين.
وأخرج (1) عبد بن حميد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الناس يطوفون بالبيت عراة، ويقولون لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها، فطافت ووضعت يدها على قبلها، وقالت:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه
…
فما بدا منه فلا أحلّه
فنزلت هذه الآية.
وقال مجاهد (2): كان حي من أهل اليمن، كان أحدهم إذا قدم حاجا أو معتمرا يقول: لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد عصيت فيه، فيقول: من يعيرني مئزرا، فإن قدر عليه، وإلا طاف عريانا، فأنزل الله تعالى فيه ما تسمعون:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} .
وقال الزهري: إن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، وهم قريش وأحلافهم، فمن جاء من غير الحمس وضع ثيابه، وطاف في ثوب أحمسي، ويرى أنه لا يحل له أن يلبس ثيابه، فإن لم يجد من يعيره من الحمس، فإنه يلقي ثيابه، ويطوف عريانا، وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها إذا قضى طوافه وحرمها؛ أي: جعلها حراما عليه؛ فلذلك قال الله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} والمراد من الزينة لبس الثياب التي تستر العورة.
قال مجاهد: ما يواري عوراتكم ولو عباءة. وقال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد كطواف وصلاة، وقوله تعالى:{خُذُوا زِينَتَكُمْ} أمر، وظاهره الوجوب، وفيه دليل على أن ستر العورة واجب في الصلاة، والطواف، وفي كل حال من الأحوال، وإن كان الرجل خاليا كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة.
(1) المراغي.
(2)
الخازن.