المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الضلالات، وعلينا أن نعرف أن آدم لم يكن نبيا ولا - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٩

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الضلالات، وعلينا أن نعرف أن آدم لم يكن نبيا ولا

الضلالات، وعلينا أن نعرف أن آدم لم يكن نبيا ولا رسولا عند بدء خلقه، ولا موضعا للرسالة في ذلك الحين، بل أنكر بعضهم أن يكون رسولا مطلقا، وقال: إن أول الرسل نوح عليه السلام كما تدل على ذلك الآيات الواردة في الرسل والأحاديث، وما ورد في هذه القصة من التفسير بالمأثور، فأكثره مدخول مأخوذ من الإسرائيليات عن زنادقة اليهود الذين دخلوا في الإسلام للكيد له، وكان الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره من الإسرائيليات؛ فيغتر به بعض الناس فيظنون أنه لا بد له من أصل مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يعرف بالرأي.

‌26

- ويقول سبحانه وتعالى: {يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ} بقدرتنا من سمائنا لتدبير أموركم {لِباسًا يُوارِي} ويستر {سَوْآتِكُمْ} وعوراتكم التي قصد إبليس إبداءها من أبويكم حتى اضطروا إلى لزق الأوراق، فأنتم مستغنون عن ذلك باللباس يعني: ثياب القطن وغيره كالصوف والوبر والشعر {وَ} أنزلنا عليكم لباسا {رِيشًا} لكم؛ أي: يكون زينة لكم؛ أي: لباسا يزين لابسه كالريش الذي يزين الطائر، استعير من ريش الطائر؛ لأنه لباسه وزينته، وذلك كالحرير والخز والقز وحلي الذهب والفضة؛ أي أنزلنا عليكم لباسين؛ لباسا يواري سؤاتكم ولباسا يزينكم؛ لأن الزينة غرض صحيح. والمعنى (1): خلقناه لكم بتدبيرات سماوية، وأسباب نازلة منها كالمطر، فهو سبب لنبات القطن والكتان وغيرهما كالتوت، ولمعيشة الحيوانات ذوات الصوف وغيره فبهذا الاعتبار كأن اللباس نفسه أنزل من السماء، ونظير هذا: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ

} إلخ. {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ

} إلخ. ومعنى إنزال ما ذكر من السماء: إنزال مادته من القطن والصوف والوبر والحرير وريش الطير وغيرها مما ولدته الحاجة، وافتن الناس في استعماله بعد أن تعلموا وسائل صنعه بما أوجد فيهم من الغرائز والصفات التي بها غزلوا ونسجوا وحاكوا ذلك على ضروب شتى، وخاطوه على أشكال لا حصر لها ولا عد، ولا سيما في هذا العهد الذي وفيت فيه الصناعات إلى أقصى مدى وأبعد غاية. ولا شك أن امتنانه علينا بلباس الزينة دليل على إباحتها والرغبة في استعمالها، والإسلام دين

(1) أبو السعود.

ص: 260

الفطرة، وليس فيه ما يخالف ما تدعو إليه الحاجة وحب الزينة من أقوى غرائز البشر الدافعة لهم إلى إظهار سنن الله في الخليقة.

وقرأ عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسلمي وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو رجاء وزر بن جيش وعاصم في رواية وأبو عمرو في رواية (1): ورياشا فقيل: هما مصدران بمعنى واحد، يقال: راشه الله يريشه ريشا ورياشا إذا أنعم عليه.

{وَلِباسُ التَّقْوى} بالرفع مبتدأ خبره جملة قوله: {ذلِكَ خَيْرٌ} ؛ أي: اللباس الناشيء عن تقوى الله تعالى وخوفه، وهو العمل الصالح والإخلاص فيه ذلك خير؛ أي: هذا اللباس الأخير خير من اللباسين الأولين؛ لأن الإنسان يكسى من عمله يوم القيامة، وإنما كان خيرا لأنه يستر من فضائح الآخرة. وفي (2) الحديث:«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ، فإذا كان كذلك فينبغي للإنسان أن يشتغل بتحسين ظاهره بالأعمال الصالحة، وباطنه بالإخلاص، فإنه محل نظر لله تعالى، ولذلك قال بعضهم: إلهي زين ظاهري بامتثال ما أمرتني به ونهيتني عنه، وزين سري بالإسرار، وعن الأغيار فصنه. وقال المراغي: المشهور من كلام التابعين أن لباس التقوى لباس معنوي لا حسي. فقد قال ابن زيد: لباس هو التقوى خير، وعن ابن عباس أنه هو الإيمان والعمل الصالح، فإنهما خير من الريش واللباس، وروي عن زيد بن علي بن الحسين أنه لباس الحرب كالدرع والمغفر والآلات التي يتقى بها العدو، واختاره أبو مسلم الأصفهاني، ويدل عليه قوله تعالى:{سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} .

وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصب (3){لباس} عطفا على {لِباسًا} ؛ أي: وأنزلنا عليكم لباس التقوى، وهو الإيمان كما قاله قتادة والسدي وابن جريج، أو العمل الصالح كما قاله ابن عباس، أو السمت الحسن كما قاله

(1) البحر المحيط.

(2)

الصاوي.

(3)

المراح.

ص: 261