الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن تثبت الجنسية لزيد على الحقيقة كان لإثبات شبه من الجنس له وإذا كان كذلك كان جديراً بتسميته تشبيهاً (1).
وقد أفاد الخطيب القزويني من انتزاع معنى الصفة من العلم في أن الاستعارة لا تكون في الأعلام إلا إذا تضمن العلم نوع وصفية لسبب خارج، كتضمن اسم: حاتم الجواد، ومادر البخيل، وما جرى مجراهما (2).
ولا شك أن جهد ابن جنى في هذا الباب كان مبكراً، إذ بين أن العلم إذا اشتهر بصفة أمكن انتزاع معنى الصفة والفعلية منه، كالذي رأيته من (ابي المنهال)، ومن هنا: لم يجز الخطيب استعارة العلم إلا إذا تضمن نوعاً من الوصفية، كما تضمن "حاتم" معنى الجواد، وكما تضمن "مادر" معنى البخيل، وكان مهتدياً في هذا بما قاله ابن جنى في هذا الباب.
2 - التشبيه المقلوب:
وحديث ابن جنى عن التشبيه المقلوب، نستطيع تبيانه من خلال حديثه في باب عقده في "الخصائص" لما أسماه:"غلبة الفروع على الأصول".
وقد بين ابن جنى في بداية حديثه عن هذا الباب أنه فصل طريف من فصول العربية؛ تجده في معاني العرب؛ كما تجده في معاني الإعراب؛ وأن الغرض منه إنما هو المبالغة.
وقد قصد بمعاني العرب، ما ضمنته العرب شعرها، ونثرها من المعاني،
(1) أسرار البلاغة 262
(2)
الإيضاح 164، ومختصر السعد 4/ 69
والأغراض التي تقصدها، أما معاني الإعراب، فإنه قد قصد بها ما يهم النحويين من المعاني الخاصة بإعراب الكلام.
أما القسم الأول - وهو الخاص بمعاني العرب - فهو مبحث بلاغي بحت، ولهذا نقله ابن الأثير في المثل السائر، وسماه: الطرد والعكس (1)؛ ولم يزد على ما قاله ابن جنى شيئاً!
وأما القسم الثاني - وهو الخاص بمعاني الإعراب، فإنه مبحث نحوي بحت، وليس موضوع بحثنا.
وقد ذكر ابن جنى - كما رأيت - أن غلبة الفروع على الأصول - لا يأتي إلا والغرض منه المبالغة.
ثم ذكر أن مما جاء فيه للعرب قول ذي الرمة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته
…
إذا ألبسته المظلمات الحنادس
ثم قال: أفلا ترى ذا الرمة، كيف جعل الأصل فرعاً، والفرع أصلاً؟ وذلك أن العادة والعرف في نحو هذا: أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء، ألا نرى إلى قوله:
ليلى قضيب تحته كئيب
…
وفي القلاد رشا ربيب
وإلى قول ذي الرمة - أيضاً - وهو من أبيات الكتاب-:
ترى خلفها نصفاً، قناة قويمة
…
ونصفاً نقاً، يرتج، أو يتمرمز
(1) المثل السائر 3/ 156
وإلى قول الآخر:
خلقت غير خلقة النسوان
…
إن قمت فالأعلى قضيب بان
وإن توليت فد عصتان
…
وكل إذ تفعل العينان
وإلى قوله:
كد عص النقا يمشي الوليدان فوقه
…
بما احتسبا من لين مس وتسهال
ثم قال ابن جنى: وما أحسن ما ساق الصنعة فيه الضائي الكبير:
كم أحرزت قضيب الهندي مصلته
…
تهتز من قضب، تهتز في كتب
ولله البحتري، فما أعذب، وأظرف، وأدمت قوله:
أين الغزال المستعير من النقا
…
كفلا، ومن نور الأقاحي مبسما
فقلب ذو الرمة العادة، والعرف في هذا، فشبه كثبان الأنقاء، بأعجاز النساء وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة، أي قد ثبت هذا الموضع، وهذا المعنى لأعجاز النساء وصار كأنه الأصل فيه، حتى شبه به كثبان الأنقاء.
ومثله للطائي الصغير:
في طلعة البدر شيء من محاسنها
…
وللقضيب نصيب من تثنيها
وآخر من جاء به شاعرنا (ويقصد به المتنبي)؛ فقال:
نحن ركب ملجن في زي ناس
…
فوق طير لها شخوص الجمال
فجعل كونهم جنا أصلاً، وجعل كونهم ناساً فرعاً، وجعل كون مطاياه طيراً، أصلا "وكونها جمالاً فرعاً، فشبه الحقيقة بالمجاز في المعنى الذي أفاد المجاز من الحقيقة ما أفاد.
وهذا المعنى هو الذي قصده ابن جنى في بداية هذا الباب من أن العرب إذا شبهت مكنت الشبه بين المشبه، والمشبه به، بإعطاء المشبه به شيئاً من المشبه ثم قال ابن جنى: وعلى نحو من هذا قالوا للناقة. (جمالية) لأنهم. شبهوها بالجمل في شدته، وعلو خلقه، قال الأعشى:
جمالية تغتلي بالرداف
…
إذا كذب الآثمات الهجيرا
وقال الراعي:
على جمالية، كالفحل هملاج
وهو كثير، فلما شاع ذلك واطرد، صار كأنه أصل في بابه، حتى عادوا، فشبهوا الجمل بالناقة في ذلك، فقال:
وقربوا، كل جمالي عضه
…
قريبة ندوته من محمضه
فهذا من حملهم الأصل على الفرع، فيما كان الفرع أفاد من الأصل" (1).
(1) الخصائص 1/ 300 - 303
(8 - الخصائص)
فأبو الفتح ابن جنى يذكر أن من عادة العرب أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء فقد شبه الشاعر ليلى بالقضيب، وعجيزتها بالكثيب، في قوله:(ليلى قضيب تحته كثيب)، وشبه ذو الرمة المرأة بالقضيب وعجيزتها بالنقا في قوله:(ترى خلفها نصفا قناة قويمة ونصفاً نقاً) وشبه الآخر المرأة بقضيب اليان وعجيزتها بالدعصتين - قطعتين من الرمل - في قوله: (إن قمت فالأعلى قضيب بأن وإن توليت قد عصتان) وشبه امرؤ القيس عجيزة المرأة بدعص النقا وأحسن الصنعة أبو تمام، فاستعار القضب لقدود النساء واستعار الكتب لأعجازهن!
وزاد قول البحتري عذوبة، وظرفاً، ودمائه، إذا ستعار الغزال للمرأة ثم جعل الغزال يستعير هو الآخر من النقا كفلا! ، ويستعير من نور الأقاحي مبسماً!
ولكن ذا الرمة قلب تلك العادة، وذلك العرف وعكس التشبيه، فشبه كتبان الأنقاء بأعجاز النساء، وذلك من باب المبالغة، فكأن هذا المعنى قد ثبت لأعجاز النساء، فصار أصلاً تشبه به كثبان الأنقاء.
وقد تطور هذا الأمر الذي ابتدعه ذو الرمة - وهو عكس التشبيه، بجعل المشبه به وجعل المشبه به مشبهاً - حتى رأينا البحتري يزيد على هذا العكس، فلم يكتف بجعل الفرع أصلاً، والأصل فرعاً في التشبيه، بل جعل الأصل لا يشبه الفرع إلا في شيء قليل منه! !
ففي طلعة البدر شيء من ملاجة محبوبته، وللقضيب شيء قليل من تثنيها! !
وقد أربى على الجميع أبو الطيب المتنبي، فجعل كونهم جنا، أصلاً، وكونهم ناساً فرعاً، وأن ذلك أمر مفروغ منه مسلم له، ثم جعل كون مطاياه طيراً أصلاً، وكونها جمالاً فرعاً، وأن ذلك - أيضاً - أمر
مفروع منه مسلم به، لأنه شبه الحقيقة - وهي الناس، والجمال - بالمجاز - وهو الجن والطير.
وقد أفاد عبد القار الجرجاني من هذا الباب - وهو جعل الفرع أصلاً، والأصل فرعاً - إفادة كبيرة، فقد أطال في شرح هذا المعنى الذي جعله فرقاً بين التشبيه، والتمثيل، فذكر أن جعل الفرع أصلاً، والأصل فرعاً، إذا استقريت التشبيهات الصريحة، وجدنه يكثر فيها (1)، وليس كذلك التشبيهات التي تأتي على طريق التأول فهم في التشبيهات الصريحة يشبهون الشيء بالشيء في حال، ثم يعطفون على الثاني فيشبهونه بالأول، فترى الشيء مشبهاً مرة، ومشبهاً به مرة أخرى، كتشبيه السيوف بالبروق، والبروق بالسيوف، وتشبيه الدروع بالغدران وعكسه، وتشبيه أنوار الرياض بالنجوم وعكسه، وتشبيه غرة الفرس الأدهم بالنجم والصبح وعكسه، وتشبيه الجواري بالسرو، وعكسه، وتشبيه ثدي الكواعب بالرمان وعكسه وتشبيه الجداول والأنهار بالسيوف، وعكسه، وتشبيه الأسنة بالنجوم وعكسه، وتشبيه الدموع بالطل وعكسه، وتشبيه الشيخ بالفرح وعكسه وتشبيه الظليم في حركة جناحيه بالخباء المقوض وعكسه.
ثم بين عبد القاهر ما يمتنع عكس التشبيه فيه، وما يشبه الممتنع، وما يستقيم العكس فيه.
ثم ذكر جعل الفرع أصلاً في الصفة للمبالغة، كما في قول محمد بن وهيب:
وبدا الصباح كأن غرته
…
وجه الخليفة حين يمتدح
(1) أسرار البلاغة 187
ثم ذكر جعل الفرع أصلاً، والأصل فرعاً في التمثيل، ويكون في تشبيه المحسوس بالمعقول.
ثم يطلب منا عبد القاهر - بعد أن عرفنا الطريقة في جعل الفرع أصلاً في التمثيل - أن نرجع لنقابل بينه وبين التشبيه الظاهر، لنعلم أن حاله - في الحقيقة - مخالفة للحال ثم (1).
ولا يتركنا الإمام عبد القاهر قبل أن يعطينا - للفرق - مثلاً من طريق المشاهدة وهو: أنك بالتمثيل في حكم من يرى صورة واحدة، إلا أنه يراها تارة في المرآة، وتارة على ظاهر الأمر، وأما التشبيه الصريح، فإنك ترى صورتين على الحقيقة (2)!
أما ضياء الدين بن الأثير، فقد نقل ما قاله ابن جنى تقريباً، وسماه "الطرد والعكس" وعرفه بأن يجعل المشبه به مشبهاً، والمشه مشبهاً به، ثم قال: وبعضهم يسميه: "غلبة الفروع على الأصول"(3).
ثم عاد فقال وهذا قد ذكره أبو الفتح بن جنى في كتاب "الخصائص" وأورده هكذا مهملاً، ولما نظرت أنا في ذلك، وأنعمت نظري فيه تبين لي ما أذكره، وهو: أنه قد تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه: أن يشبه الشيء بما يطلق عليه لفظه "أفعل" أي يشبه بما هو أبين، وأوضح، وبما هو أحسن منه، أو أقبح، وكذلك يشبه الأقل بالأكثر، والأدنى بالأعلى، وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة، لأن الذي قدمنا ذكره مطرد في بابه، وعليه مدار الاستعمال، وهذا غير مطرد، وإنما
(1) أسرار البلاغة 216
(2)
أسرار البلاغة 218
(3)
المثل السائر 2/ 156
يحسن في عكس المعنى المتعارف. وذلك أن تجعل المشبه به مشبهاً. والمشبه مشبهاً به، ولا يحسن في غير ذلك مما ليس بتعارف (1).
وأبو الفتح ابن جنى، كما رأيت، صاحب الفضل في تنبيه البلاغيين إلى ما أسموه بالتشبيه المقلوب (2) الذي يؤتي به للمبالغة، في كمال المشبه في وجه الشبه، وعلى الرغم من هذا، فإن ضياء الدين بن الأثير لم يشأ أن يعترف له بذلك الفضل، مع أن ما ذكره ابن الأثير في هذا الباب لم يتعد ما قاله ابن جنى!
على أن العلامة بهاء الدين السبكي يصرح بأن التشبيه المقلوب قد سماه ابن الأثير في كنز البلاغة: غلبة الفروع على الأصول (3)، وهي نفس تسمية ابن جنى في الخصائص! وقد رأى الخطيب القزويني أن التشبيه المقلوب يعود الغرض من التشبيه فيه على المشبه به، وهو ضربان:
أحدهما: إيهام أنه أتم من المشبه في وجه الشبه، كما في قول محمد بن وهيب.
وبدا الصباح كأن غرته
…
وجه الخليفة حين يمتدح
والثاني: بيان الاهتمام بالمشبه به، كتشبيه الجائع وجهاً كالبدر في الإشراق والاستداره بالرغيف، ويسمى هذا: إظهار المطلوب.
وقد أورد الخطيب ما روى عن الصاحب، من أن قاضى سجستان دخل عليه، فوجده الصاحب متفنناً، فأخذ يمدحه حتى قال:
وعالم يعرف بالسجزي
(1) المثل السائر 2/ 158
(2)
الإيضاح 136
(3)
عروس الأفراح (شروح التلخيص) 3/ 407