الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأشار إلى الندماء، أن ينظموا، على أسلوبه، ففعلوا واحداً بعد واحد إلى أن انتهت النوبة إلى شريف في البين، فقال:
أشهى إلى النفس من الخبز
فأمر الصاحب: أن تقدم له مائدة (1):
ويفهم من هذه القصة أن الشاعر لم يشبه العالم بالخبز، إلا لأنه يريد خبزاً، فأظهر مطلوبه بذلك التشبيه المقلوب، ولهذا سمى الخطيب هذا الغرض: إظهار المطلوب.
3 - التجريد:
لعل أول من عقد للتجريد باباً: هو أبو الفتح ابن جنى "في الخصائص (2)، ؛ فقد ذكر فيه أنه فصل من فصول العربية طريف، وأن أبا علي الفارسي رحمه الله كان مولعاً به؛ ولكنه لم يفرد له باباً. وأنه استطاع أن يستشف معناه من خلال ألفاظ أبي علي؛ وأن معناه - عند أبي علي - هو: "أن العرب قد تعتقد في الشيء من نفسه معنى آخر؛ كأنه حقيقته ومحصوله؛ وقد يجري ذلك إلى ألفاظها لما عقدت عليه معانيها، وذلك نحو قولهم: لئن لقيت زيداً، لتلقين منه الأسد. ولئن سألته لتسألن منه البحر، فظاهر هذا: أن فيه من نفسه أسداً وبحراً، وهو عينه الأسد، والبحر، لا أن هناك شيئاً منفصلاً عنه، وممتازاً منه.
وعلى هذا جاءت مخاطبة الإنسان نفسه حتى كأنها تقاوله أو تخاطبه:
(1) الإيضاح (ضمن شروح التلخيص) 3/ 411
(2)
الخصائص 2/ 473
ومن هذا قول الأعشى:
ودع هريرة؛ إن الركب مرتجل
…
وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟
وهو الرجل نفسه لا غيره".
ومنه قراءة من قرأ. "قال أعلم أن الله على كل شيء قدير"(1) ص 119 بصيغة الأمر؛ أي: أعلم أيها الإنسان وهو نفسه الإنسان.
ومنه قول الله تعالى. "لهم فيها دار الخلد"(2)، وهي نفسها: دار الخلد.
وقد استعملت الفاء هنا للتجريد؛ وقد تستعمل الباء. كما تقول: لقيت به الأسد، وجاورت به البحر، أي: لقيت بلقائه الأسد، وجاورت بمجاورتي له البحر.
ثم مثل بمسئلة الكتاب: أما أبوك تلك أب، أي لك منه أو به، أو بمكانه أب. ثم قال: وأنشدنا - ويبدو أن الذي أنشده هو أبو علي الفارسي -.
أقامت بني مروان ظلماً دماءنا
…
وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
(1) سورة البقرة 259 وهي قراءه حمزة والكسائي ويعقوب وخلف كما في الاتحاف (الخصائص 2/ 474)
(2)
فصلت 28
وعلق عليه بقوله: "وهذا غاية البيان والكشف؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتقد أن الله - سبحانه - ظرف لشيء، ولا متضمن له، فهو إذاً: على حذف م ضاف أي: في عدل الله حكم عدل.
ثم قال وأنشدنا (ويقصد أبا علي):
بنزوة لص بعدما مر مصعب
…
بأشعث، لا يفلى ولا هو يقمل.
ومصعب نفسه هو الأشعث:
ثم ذكر ابن جنى أمثله لما فيه مخاطبة الإنسان نفسه. ومنها قول الشاعر:
يا نفس صبراً؛ كل حي لاق
…
وكل اثنين إلى افتراق
وقول النابغة الذبياني:
قالت له النفس: إني لا أرى طمعاً
…
وإن مولاك لم يسلم، ولم يصد.
وقول الآخر:
أقول للنفس تأساء وتعزيه
…
إحدى بدي أصابتني ولم ترد
ويؤخذ من حديث ابن جنى عن التجريد: ما يلي:
1 -
أنه أول من عقد للتجريد باباً.
2 -
أنه قد أخذه سماعاً، مشافهة من أبي علي الفارسي؛ بدليل قوله:
(أنشدنا) كذا، وأنشدنا كذا عقب ذكره لما فهمه عن أبي علي من التجريد.
3 -
أن فهم أبي علي الفارسي للتجريد قد لخصه ابن جنى بعبارته هو؛ يقول: "ومعناه: أن العرب قد تعتقد أن في الشيء من نفسه معنى آخر، كأنه حقيقته ومحصوله؛ رقد يجري ذلك إلى ألفاظها، لما عقدت عليه معانيها، وذلك نحو قولهم: لئن لقيت زيداً، لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسداً وبحراً، وهو عينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئاً منفصلاً عنه، وممتازاً منه.
وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه؛ حتى كأنها تقاوله، أو تخاطبه، ومنه قول الأعشى:
وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟
4 -
ومن الأمثلة التي ساقها ابن جنى للتجريد، يمكن أن نقسم التجريد - في رأيه - إلى قسمين:
القسم الأول: ما تضمن مخاطبة الإنسان لنفسه، كما في قول الأعشى:(وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟ ) وقول الآخر: (أقول للنفس تأساء وتعزية)، وقول غيره:(يا نفس صبراً.)
والقسم الثاني: ما لم يتضمن مخاطبة الإنسان لنفسه، كما في قولهم:(لئن لقيت زيداً لتلقين منه الأسد)، (ولئن سألته لتسألن منه البحر)، وكقوله تعالى:"لهم فيها دار الخلد".
5 -
يؤخذ من أمثلة القسم الثاني: أن منه ما يكون قائماً على التشبيه
كالذي في قولهم: (لئن لقيت زيداً ليلقين منه الأسد) وما لا يكون قائماً على التشبيه، ما في الآية الكريمة "لهم فيها دار الخلد".
وحديثنا هنا عن التجريد القائم على التشبيه:
والإمام عبد القاهر الجرجاني يعد التجريد القائم على التشبيه في عداد التشبيه على حد المبالغة - على حد تعبيره - أو في عداد التشبيه البليغ - على حد تعبير المتأخرين من البلاغيين - وذلك حيث يفرق بين التشبيه والاستعارة، فيقول (1). "وههنا أصل يجب ضبطه، وهو: أن جعل المشبه المشبه به على ضربين:
أحدهما: أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من الشيئين، ولا تذكره بوجه من الوجوه، كقولك: رأيت أسداً.
والثاني: أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تجري اسم المشبه به صراحة على المشبه فتقول: زيد أسد، وزيد هو الأسد، أو تجئ به على وجه يرجع إلى هذا كقولك إن لقيته لقيت به أسداً، وإن لقيته ليلقينك منه الأسد، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه أسداً، أو الأسد، وتضع كلامك له، وأما في الأول فتخرجه مخرج مالا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير.
والقياس يقتضي أن يقال في هذا الضرب - أعني ما أنت تعمل في إثباته وتزجيته -: أنه شبيه على حد المبالغة، ويقتصر على هذا، ولا يسمى استعارة"
وكأن عبد القاهر بهذا، إنما يعدل التجريد القائم على التشبيه مرحلة زادت
(1) دلائل الإعجاز 45
فيها المبالغة في التشبيه البليغ، حتى أمكن أن يجرد من المشبه مثله في الصفة التي يريد إثباتها له.
ولهذا عرف الخطيب القزويني التجريد بما لا يخرج عن هذا المعنى، وهو "أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة، مبالغة في كمالها فيه (1)، وعده محسنا معنوياً من محسنات البديع، سواء أكان قائماً على التشبيه أم لم يكن قائماً على التشبيه.
وأما ابن الأثير: فإنه يتشبه بابن جنى عند ذكره للتجريد، إذ قال ابن جنى - في بداية كلامه عنه:"هذا فصل من فصول العربية طريف حسن، ورأيت أبا علي رحمه الله به غرياً معنياً ولم يفرد له باباً، لكنه وسمه في بعض ألفاظه بهذه السمة"(2).
فيقول ابن الأثير مجارياً هذه المقدمة لابن جنى: "وهذا اسم كنت سمعته. فقال القائل: التجريد في الكلام حسن، ثم سكت فسألته عن حقيقته، فقال كذا سمعت! "ولم يزد شيئاً، فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع من الكلام؛ نظري في هذا النوع من الكلام؛ فألقى في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، وكان الذي وقع لي صواباً، ثم مضى على ذلك برهة من الزمان، ووصل إلى ما ذكره أبو علي الفارسي رحمه الله الله تعالى، وقد أوردته هاهنا وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من زيادة لم يذكرها، وستقف أيها المتأمل على كلامه، وكلامي" (3).
ثم عرف التجريد تعريفاً لم يسمع عند غيره من العلماء؛ إذ جعله خاصاً بإخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك"، وبهذا أخرج
(1) الإيضاح (شروح التلخيص 4/ 348)
(2)
الخصائص 3/ 373
(3)
المثل السائر 2/ 159