الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل في المسجد الأقصى]
فصل (1) وأما المسجد الأقصى: فهو أحد المساجد الثلاثة، التي تشد إليها الرحال، وكان المسلمون لما فتحوا بيت المقدس على عهد عمر بن الخطاب - حين جاء عمر (2) إليهم، فسلم النصارى إليه البلد (3) - دخل إليه فوجد على الصخرة زبالة عظيمة جدا، كانت النصارى قد ألقتها عليها (4) معاندة لليهود الذين يعظمون الصخرة، ويصلون إليها، فأخذ عمر في ثوبه (5) منها، واتبعه المسلمون في ذلك.
ويقال: إنه سخر لها الأنباط (6) حتى نظفها، ثم قال لكعب الأحبار (7) " أين ترى أن (8) أبني مصلى المسلمين؟ فقال: ابنه (9) خلف الصخرة، قال:
(1) فصل: ساقطة من (أج د) .
(2)
في (أ) : إليهم عمر.
(3)
في (ج د) : البلدة.
(4)
في (أ) : عليه.
(5)
في (ج د) : منها في ثوبه.
(6)
الأنباط: قبائل بدوية تسكن شرق الأردن، وكانت لهم دولة قديما، وعاصمتهم البتراء، ولغتهم العربية. انظر: الموسوعة العربية الميسرة (ص231، 232) .
(7)
في (ب د ط) : الحبر.
(8)
أن: سقطت من (أ) .
(9)
في (ب) : أبنية.
يا ابن اليهودية، خالطتك يهودية -أو كما قال-: بل (1) أبنيه في صدر المسجد، فإن لنا صدور المساجد. فبنى مصلى المسلمين في قبلي المسجد " (2) .
وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم: الأقصى. والأقصى: اسم للمسجد كله، ولا يسمى هو ولا غيره حرما، وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة.
وفي وادي " وج "(3) -الذي بالطائف- نزاع بين العلماء.
فبنى عمر المصلى الذي هو في القبلة، ويقال: إن تحته درجا كان يصعد منها إلى ما أمام (4) الأقصى، فبناه على الدرج حيث لم يصل أهل الكتاب، ولم يصل عمر ولا المسلمون عند الصخرة، ولا تمسحوا بها، ولا قبلوها، بل يقال: إن عمر صلى عند محراب داود عليه السلام الخارج.
وقد ثبت أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه، وصلى فيه، ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها، ولا يقرب شيئا من تلك البقاع، وكذلك نقل عن غير واحد من السلف المعتبرين، كعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وسفيان (5) الثوري، وغيرهم.
وذلك أن سائر بقاع المسجد لا مزية لبعضها عن بعض، إلا ما بنى عمر رضي الله عنه لمصلى المسلمين.
وإذا كان المسجد الحرام، ومسجد المدينة، اللذان هما أفضل من المسجد الأقصى بالإجماع، فأحدهما قد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(1) في المطبوعة: فقال عمر: أبنيه في المسجد. . إلخ. أي: بزيادة: (فقال عمر)، وسقوط:(بل) و (صدر) .
(2)
انظر: البداية والنهاية لابن كثير (7 / 58) ، فقد ساق القصة.
(3)
انظر: (معجم البلدان) لياقوت (5 / 361) ، حيث ذكر أنه الطائف.
(4)
في المطبوعة: إلى أمام، وفي (ط) : إلى ما وراء.
(5)
في (ب ج) : والثوري.
«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف (1) صلاة فيما، سواه إلا المسجد الحرام» (2) والآخر هو المسجد الذي أوجب الله حجه والطواف فيه، وجعله قبلة لعباده المؤمنين. ومع هذا، فليس فيهما يقبل بالفم ولا يستلم باليد، إلا ما جعله الله في الأرض بمنزلة اليمين وهو الحجر الأسود، فكيف يكون في المسجد الأقصى (3) ما يستلم أو يقبل؟
وكانت الصخرة مكشوفة، ولم يكن (4) أحد من الصحابة، لا ولاتهم (5) ولا علماؤهم يخصها (6) بعبادة، وكانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما، مع حكمهما على الشام. وكذلك في خلافة علي رضي الله عنه، وإن كان لم يحكم عليها ثم كذلك في إمارة معاوية، وابنه، وابن ابنه.
فلما كان في زمن عبد الملك وجرى بينه وبين ابن الزبير (7) من الفتنة ما جرى، كان هو الذي بنى القبة على الصخرة، وقد قيل: إن الناس كانوا يقصدون الحج فيجتمعون بابن الزبير، أو يقصدونه بحجة الحج، فعظم عبد الملك شأن الصخرة، بما بناه عليها من القبة، وجعل عليها من الكسوة في
(1) في (أط) : خير من الصلاة فيما سواه.
(2)
الحديث مر تخريجه. انظر: فهرس الأحاديث.
(3)
الأقصى: ساقطة من (ط) .
(4)
في (ط) : ولك يعتز بها أحد من الصحابة.
(5)
لا ولاتهم: ساقطة من (ج د) .
(6)
في (ب) : يخصونها.
(7)
هو عبد الله بن الزبير بن العوام، ولد عام الهجرة، وهو أحد العباد، ويعد من شجعان الصحابة، بويع له بالخلافة سنة (64هـ) عقب موت يزيد بن معاوية، ومكث خليفة في الحجاز حتى قتله الحجاج بمكة سنة (73هـ) .
انظر: الإصابة (2 / 309- 311) ، (ت 4682) .
الشتاء والصيف، ليكثر قصد الناس للبيت (1) المقدس، فيشتغلوا بذلك عن قصد ابن الزبير، (والناس على دين الملك) .
وظهر من ذلك الوقت من تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا، وجاء بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها، حتى روى بعضهم عن كعب الأحبار، عند عبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير حاضر:" إن الله قال للصخرة: أنت عرشي الأدنى "، فقال عروة:" يقول الله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] (2) وأنت تقول: إن الصخرة عرشه؟ "(3) وأمثال هذا.
ولا ريب أن الخلفاء الراشدين (4) لم يبنوا هذه القبة، ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة، ولا يتحرون الصلاة عندها، حتى ابن عمر رضي الله عنهما مع كونه (5) كان يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى، كان لا يأتي الصخرة؛ وذلك أنها كانت قبلة، ثم نسخت. وهي قبلة (6) اليهود، فلم يبق في شريعتنا ما يوجب تخصيصها بحكم، كما ليس في شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت.
وفي تخصيصها بالتعظيم مشابهة لليهود، وقد تقدم كلام العلماء في يوم السبت وعاشوراء ونحو ذلك.
وقد ذكر طائفة من متأخري الفقهاء، من أصحابنا وغيرهم: أن اليمين تغلظ ببيت المقدس، بالتحليف (7) عند الصخرة، كما تغلظ في المسجد الحرام،
(1) في (ب) : لبيت المقدس.
(2)
سورة البقرة: من الآية 255.
(3)
انظر: (المنار المنيف) لابن القيم (ص 86) .
(4)
في (ط) : الراشدون، والصحيح (الراشدين) لأنها صفة للخلفاء اسم أن.
(5)
مع كونه: ساقطة من (أ) .
(6)
في (أ) : لليهود.
(7)
بالتحليف: سقطت من (ب) .
بالتحليف بين الركن (1) والمقام، وكما تغلظ في مسجده (2) صلى الله عليه وسلم بالتحليف عند قبره، ولكن ليس لهذا أصل في كلام أحمد ونحوه من الأئمة، بل السنة أن تغلظ اليمين فيها كما تغلظ في سائر المساجد عند المنبر، ولا تغلظ اليمين بالتحليف عند ما لم يشرع للمسلمين تعظيمه، كما لا تغلظ بالتحليف عند المشاهد ومقامات الأنبياء، ونحو ذلك. ومن فعل ذلك فهو مبتدع ضال، مخالف للشريعة.
وقد صنف طائفة من الناس مصنفات من فضائل بيت المقدس، وغيره من البقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب، وعمن أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم.
وأمثل من ينقل عنه تلك الإسرائيليات: كعب الأحبار، وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرا من الإسرائيليات، وقد قال معاوية رضي الله عنه:" ما رأينا من هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب، وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحيانا "(3) .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه» (4) .
ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة المحروسة مع هذه الأمة
(1) في (ب) : بين الركنين.
(2)
في (ب ج) : في مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب، رقم (7361) ، (13 / 333) من فتح الباري.
(4)
أخرجه أحمد في المسند (4 / 136) . وأبو داود في كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب، حديث رقم (3644)، (4 / 59- 60) . وأخرجه البخاري في صحيحه بلفظ:"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقالوا: آمنا بالله وما أنزل. . " الآية، كتاب التفسير، باب (11) ، حديث رقم (4485) ، (8 / 170) من فتح الباري.
المعصومة التي لا تجتمع (1) على ضلالة: إذا حدث بعض (2) أعيان التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث - كعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأبي العالية، ونحوهم؛ وهم من خيار علماء المسلمين، وأكابر أئمة الدين -توقف أهل العلم في مراسيلهم، فمنهم من يرد المراسيل مطلقا، ومنهم من يتقبلها بشروط، ومنهم من يميز بين من عادته (3) لا يرسل إلا عن ثقة، كسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، ومحمد (4) بن سيرين، وبين من عرف عنه (5) أنه قد (6) يرسل عن غير ثقة: كأبي العالية، والحسن، وهؤلاء ليس بين أحدهم (7) وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا رجل أو رجلان، أو ثلاثة مثلا.
وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الأوقات من الأحاديث التي يذكرها صاحب الكتاب مرسلة؛ فلا يجوز الحكم بصحتها باتفاق أهل العلم، إلا أن يعرف أن ذلك من نقل أهل العلم بالحديث، الذين لا يحدثون إلا بما صح (8) كالبخاري في المعلقات التي يجزم فيها بأنها صحيحة عنده، وما وقفه كقوله: وقد ذكر عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده " ونحو ذلك، فإنه حسن عنده.
هذا، وليس تحت أديم السماء بعد القرآن كتاب أصح من البخاري.
فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء؟ وبين كعب، وبين
(1) في (ب ط) : لا تجمع.
(2)
في (أ) : بعد.
(3)
في (أط) : من عادته يرسل عن ثقة.
(4)
في (ب ج د) : وابن سيرين.
(5)
في (ب) : منه.
(6)
قد: ساقطة من (ط) .
(7)
في (ب ج د) : ليس بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبينهم.
(8)
في (ب ج) : يصح.
النبي الذي ينقل عنه ألف سنة، وأكثر وأقل، وهو لم (1) يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة، بل غايته أن ينقل عن (2) بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود، وقد أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئا من ذلك، بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا يصدق ذلك، ولا يكذبه أيضا (3) إلا بدليل يدل على كذبه، وهكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء، أو ما هو منسوخ في شريعتنا، ما لا يعلمه إلا الله.
ومعلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان، قد فتحوا البلاد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وسكنوا بالشام والعراق ومصر، وغير هذه الأمصار، وهم كانوا أعلم بالدين، وأتبع له ممن بعدهم، فليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه.
فما كان من هذه البقاع لم يعظموه، أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء، أو نحو ذلك؛ لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك، وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك؛ لأن اتباع سبيلهم أولى من (4) اتباع سبيل من خالف سبيلهم، وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم وأفضل منه، أنه خالف سبيل هذا المخالف. وهذه جملة جامعة (5) لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها.
(1) في (ب ج د) : وهو لا يسند.
(2)
في (أب ط) : من.
(3)
أيضا: ساقطة من (أ) .
(4)
في (ب د ط) : ممن اتبع.
(5)
في (ج د) : واسعة.
وقد ثبت في الصحيح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين» (1) ولم يصل بمكان غيره ولا زاره. وحديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن والمسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات، مثل ما يرويه بعضهم فيه:«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم، انزل فصل فيه، وهذا بيت لحم، مولد أخيك عيسى، انزل فصل فيه» .
وأعجب من ذلك، أنه قد روي فيه:" قيل له في المدينة: انزل فصل هنا "(2) قبل أن يبني مسجده، وإنما كان المكان مقبرة للمشركين، والنبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك. فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة، وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين، سواء كان مولد عيسى أو لم يكن، بل قبر إبراهيم الخليل: لم يكن في الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان من يأتيه للصلاة عنده، ولا الدعاء ولا كانوا يقصدونه للزيارة أصلا.
وقد قدم المسلمون إلى الشام غير مرة مع عمر بن الخطاب واستوطن الشام خلائق من الصحابة وليس فيهم من فعل شيئا من هذا ولم يبن المسلمون عليه مسجدا أصلا لكن لما استولى النصارى على هذه الأمكنة في أواخر المائة الرابعة، لما أخذوا (3) البيت (4) المقدس، بسبب استيلاء الرافضة على الشام، لما كانوا ملوك مصر، والرافضة أمة مخذولة، ليس لها عقل
(1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث رقم (162) ، (1 / 145) .
(2)
أي في مكان المسجد النبوي قبل تأسيسه.
(3)
في (أ) : أخذ.
(4)
في (ب) : بيت.
صحيح ولا نقل (1) صريح (2) ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة (3) قويت النصارى، وأخذت السواحل وغيرها من الرافضة؛ وحينئذ نقبت (4) النصارى حجرة الخليل صلوات الله عليه، وجعلت لها بابا، وأثر النقب ظاهر في الباب.
فكان اتخاذ ذلك معبدا، مما أحدثته النصارى، ليس من عمل سلف الأمة وخيارها.
(1) في (ط) : ولا فعل.
(2)
في المطبوعة: عقل صحيح، ولا نقل صريح.
(3)
للمؤلف كتاب مستوف في بيان ما عليه الرافضة من الباطل وهو: منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، فليراجع فإنه مفيد جدا.
(4)
في (أ) : بعثت.