الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ذبيحتهم يوم عيدهم وأنواع ذبائح أهل الكتاب]
فأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم، وما يتقربون بذبحه إلى غير الله، نظير ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى، وذلك مثل ما يذبحون للمسيح والزهرة، فعن أحمد روايتان: أشهرهما في نصوصه أنه لا يباح أكله، وإن لم يسم عليه غير الله تعالى، ونقل النهي عن ذلك، عن عائشة وعبد الله (1) بن عمر.
قال الميموني: سألت أبا عبد الله عن ذبائح أهل الكتاب فقال: إن كان (2) مما يذبحون لكنائسهم (3) . فقال: يدعون التسمية على عمد، إنما يذبحون للمسيح (4) .
وذكر أيضا: أنه سأل أبا (5) عبد الله عمن ذبح من أهل الكتاب ولم يسم، فقال: إن كان مما يذبحون لكنائسهم. فقال ابن عمر (6) يترك التسمية فيه على عمد؛ إنما يذبح للمسيح، وقد كرهه ابن عمر، إلا أن أبا الدرداء يتأول أن طعامهم حل، وأكثر ما رأيت منه (7) الكراهية لأكل ما ذبحوا لكنائسهم.
وقال أيضا: سألت أبا عبد الله عن ذبيحة المرأة من أهل الكتاب، ولم تسم.
قال: " إن كانت ناسية فلا بأس، وإن كان مما يذبحون لكنائسهم قد يدعون التسمية فيه على عمد " وقال المروزي: قرئ على أبي عبد الله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3](8) قال: " على الأصنام " وقال: " كل شيء ذبح على الأصنام لا يؤكل ".
(1) في (ب د) : وابن عمر.
(2)
في (ب ط) : إن كانوا.
(3)
في المطبوعة: فلا يحل، وهو أتم للعبارة، لكنه خلاف المخطوطات.
(4)
انظر: المغني والشرح الكبير (11 / 36، 37) ، فقد ذكر ذلك.
(5)
أبا: ساقطة من (ب) .
(6)
في المطبوعة: فقال: يتركون التسمية.
(7)
في (د) : فيه.
(8)
سورة المائدة: من الآية 3.
وقال حنبل: قال عمي (1)" أكره كل ما ذبح لغير الله، والكنائس إذا ذبح لها، وما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به (2) وما ذبح يريد به غير الله فلا آكله، وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه ".
وروى أحمد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: سألت ميمونا (3) عما ذبحت النصارى لأعيادهم وكنائسهم، فكره أكله. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: " لا يؤكل؛ لأنه أهل لغير الله به (4) ويؤكل كل ما سوى ذلك، وإنما أحل الله عز وجل من طعامهم ما ذكر اسم الله عليه، قال الله عز وجل {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (5) وقال: (6) {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173] (7) فكل ما ذبح لغير الله فلا يؤكل لحمه ".
وروى حنبل عن عطاء في ذبيحة النصراني (8) يقول: اسم المسيح، قال: كل، قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يسأل عن ذلك قال: لا تأكل، قال الله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (9) فلا أرى هذا ذكاة {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3](10) .
فاحتجاج أبي عبد الله بالآية دليل على أن الكراهة عنده كراهة تحريم،
(1) عمه هو الإمام أحمد بن حنبل.
(2)
به: ساقطة من (أ) .
(3)
لعله ميمون بن مهران، مرت ترجمته، انظر: فهرس الأعلام.
(4)
به: سقطت من (أ) .
(5)
سورة الأنعام: من الآية 121.
(6)
في (ب) : زاد قوله تعالى: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ ومَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ " سورة المائدة من الآية 3.
(7)
سورة البقرة: من الآية 173.
(8)
في (ب) : النصارى.
(9)
سورة الأنعام: من الآية 121.
(10)
سورة المائدة: من الآية: 3.
وهذا قول عامة قدماء الأصحاب، قال الخلال في باب التوقي لأكل ما ذبحت النصارى وأهل الكتاب لأعيادهم وذبائح أهل الكتاب لكنائسهم: " كل من روى عن أبي عبد الله روى الكراهة (1) فيه، وهي متفرقة في هذه الأبواب.
وما قاله حنبل في هاتين المسألتين ذكر عن أبي عبد الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121](2){وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3](3) فإنما الجواب من أبي عبد الله فيما أهل لغير الله به، وأما التسمية وتركها، فقد روى عنه جميع أصحابه: أنه لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه، إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم، فإنه معنى قوله تعالى {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] (4) وعند أبي عبد الله أن تفسير {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121](5) إنما عنى به (6) الميتة. وقد أخرجته (7) في موضعه.
ومقصود الخلال: أن نهي أحمد لم يكن لأجل ترك التسمية فقط؛ فإن ذلك عنده لا يحرم، وإنما كان لأنهم ذبحوا لغير الله، سواء كانوا يسمون غير الله أو لا يسمون الله ولا غيره، ولكن قصدهم الذبح لغيره (8) وقال ابن أبي موسى: ويجتنب أكل كل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم وأعيادهم، ولا يؤكل ما ذبح للزهرة (9) .
(1) في (أ) : الكراهية.
(2)
سورة الأنعام: من الآية 121.
(3)
سورة المائدة: من الآية 3.
(4)
سورة المائدة: من الآية 3.
(5)
سورة الأنعام: من الآية 121.
(6)
به: سقطت من (أط) .
(7)
في (أ) : أخرجت.
(8)
في (د) والمطبوعة: ولكن قال.
(9)
في (ط) : للزهري.
والرواية الثانية: أن ذلك مكروه غير محرم، وهذه التي ذكرها القاضي وغيره. وأخذوا ذلك -فيما أظنه- مما نقله عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عمن ذبح للزهرة، قال: لا يعجبني. قلت: أحرام أكله؟ قال: لا أقول حراما، ولكن لا يعجبني (1) . وذلك أنه أثبت الكراهة دون التحريم.
ويمكن أن يقال: إنما توقف عن تسميته محرما؛ لأن ما اختلف في تحريمه وتعارضت فيه الأدلة، كالجمع بين الأختين المملوكتين (2) ونحوه، هل يسمى حراما؟ على روايتين، كالروايتين عنه في أن ما اختلف في وجوبه، هل يسمى فرضا؟ على روايتين.
ومن أصحابنا من أطلق الكراهة، ولم يفسر: هل أراد التحريم أو التنزيه؟ قال أبو الحسن الآمدي: ما ذبح لغير الله مثل الكنائس والزهرة والشمس والقمر. فقال أحمد: مما أهل لغير الله به (3) أكرهه، كل ذبح لغير الله، والكنائس، وما ذبحوا في أعيادهم، أكرهه؛ فأما ما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به.
وكذلك مذهب مالك، يكره ما ذبحه النصارى لكنائسهم، أو ذبحوا على اسم المسيح، أو الصليب، أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم (4) .
وفي المدونة: " وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم، أو لأعيادهم، من غير تحريم، وتأول قول الله تعالى {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] (5) قال
(1) انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم (1 / 250) .
(2)
المملوكتين: ساقطة من المطبوعة.
(3)
في المطبوعة: هو مما أهل به لغير الله.
(4)
انظر: المدونة (2 / 67) برواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك.
(5)
سورة الأنعام: من الآية 145.
انظر: المدونة برواية سحنون عن ابن القاسم، عن مالك (2 / 67) ، وفيها معنى الكلام لا لفظه.
ابن القاسم: وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح، وهو بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم، ولا أرى أن يؤكل.
ونقلت الرخصة في ذبائح الأعياد ونحوها، عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا فيما لم يسموا (1) غير الله.
فإن سموا غير الله في عيدهم، أو غير عيدهم: حرم في أشهر الروايتين، وهو مذهب الجمهور، وهو مذهب الفقهاء الثلاثة فيما نقله غير واحد، وهو قول علي بن أبي طالب، وغيره من الصحابة، منهم أبو الدرداء (2) وأبو أمامة، والعرباض بن سارية، وعبادة بن الصامت، وهو قول أكثر فقهاء الشام وغيرهم.
والثانية: لا يحرم، وإن سموا غير الله، وهذا قول عطاء ومجاهد ومكحول والأوزاعي والليث.
نقل ابن (3) منصور: أنه قيل لأبي عبد الله: سئل سفيان عن رجل ذبح ولم يذكر اسم (4) الله متعمدا، قال: أرى أن لا يؤكل، قيل له: أرأيت إن كان يرى أنه يجزي عنه فلم يذكر؟ قال: أرى أن لا يؤكل. قال أحمد: المسلم (5) فيه اسم الله، يؤكل. ولكن قد أساء في ترك التسمية؛ النصارى: أليس يذكرون غير (6) اسم الله.
(1) في (ج ط) وفي المطبوعة: وهذا فيما لم يسموا عليه غير الله.
(2)
من هنا إلى قوله: والثانية: لا يحرم: ساقطة من (أ) .
(3)
يعني: سعيد بن منصور.
(4)
في (ط) : ولم يذكر الله.
(5)
في (د) : إن لم يسم فيه اسم الله.
(6)
في (د) : اسم غير الله.
ووجه الاختلاف أن هذا قد دخل في عموم قوله عز وجل {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5](1) وفي عموم قوله {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3](2) ؛ لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله. يقال: أهللت بكذا، إذا تكلمت به (3) وإن كان أصله الكلام الرفيع، فإن الحكم لا يختلف برفع الصوت وخفضه، وإنما لما كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل، خرج الكلام على ذلك، فيكون المعنى: وما تكلم به لغير الله وما نطق به لغير الله، ومعلوم أن ما حرم: أن يجعل غير (4) الله مسمى، فكذلك منويا، إذ هذا مثل النيات في العبادات، فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ، لكن الأصل القصد، ألا ترى أن المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال: أذبحه لله، أو سكت، فإن العبرة بالنية؟
وتسمية (5) الله على الذبيحة، غير ذبحها لله، فإنه يسمى على ما يقصد به اللحم، وأما القربان فيذبح لله سبحانه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في قربانه:(6)" اللهم (7) منك ولك " بعد قوله: " بسم الله والله أكبر "(8)
(1) سورة المائدة: من الآية 5.
(2)
سورة المائدة: من الآية 3.
(3)
به: ساقطة من (ب) .
(4)
في (أب د) : لغير الله.
(5)
في (ب) : وتسميته.
(6)
أي: أضحيته.
(7)
في (ب ط) : زاد في الهامش (هذا) بعد (اللهم) بحيث تكون العبارة: (اللهم هذا منك ولك) .
(8)
جاء ذلك فيما أخرجه أحمد في المسند. انظر: الفتح الرباني (13 / 62) ، حديث رقم (48) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9 / 287) ، وبمعناه ما أخرجه أبو داود في كتاب الضحايا، الحديث رقم (2795) ، (3 / 231)، وجاء فيه:" اللهم منك ولك، وعن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر "، وفي حديث آخر أخرجه ابن ماجه في كتاب الأضاحي، الحديث رقم (3121)، وفيه:" اللهم منك ولك "، ولم يذكر التسمية، لكنها وردت في أحاديث أخرى.