الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث في شرائطه
المسألة الأولى: لابد فيه من قول كل عالمي ذلك الفن
…
الباب الثالث في شرائطه
قال: الباب الثالث في شرائطه وفيه مسائل:
الأولى: أن يكون فيه قول كل عالمي ذلك الفن فإن قول غيرهم بلا دليل فيكون خطأ فلو خالف واحد لم يكن سبيل الكل.
قال الخياط وابن جرير وأبو بكر الرازي المؤمنون يصدق على الأكثر قلنا مجاز قالوا عليكم بالسواد الأعظم.
قلنا: يجب عدم الالتفات إلى مخالفة الثالث.
يشترط في الإجماع في كل فن من الفنون أن يكون فيه قول كل العارفين بذلك الفن في ذلك العصر فإن قول غيرهم فيه يكون بلا دليل لجهلهم به فيكون خطأ فيشترط في الإجماع على المسألة الفقهية قول جميع الفقهاء والأصولية قول الأصوليين وهكذا ولا عبرة بقول العوام وفاقا ولا خلافا عند الأكثرين.
وقال الأقلون يعتبر قولهم لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة وحينئذ لا يلزم من ثبوت العصمة للكل ثبوتها للبعض الآخر.
وهذا ما اختاره الآمدي وهو مشهور عن القاضي نقله الإمام وغيره وينبغي أن يتمهل في هذه المسألة فإن الذي قاله القاضي في مختصر التقريب ما نصه الاعتبار في الاجماع بعلماء الأمة حتى لو خالف واحد من العوام ما عليه العلماء لم يكترث بخلافه وهذا ثابت اتفاقا وأطباقا إذ لو قلنا أن خلاف العوام يقدح
في الإجماع مع أن قولهم ليس إلا عن جهل أفضى هذا إلى اعتبار خلاف من يعلم أنه قال عن غير أصل على أن الأمة اجتمعت علماؤها وعوامها أن خلاف العوام لا يعتبر به وقد مر على هذا الإجماع عصر فثبت بما قلناه أن لا يعتبر بخلاف العوام.
فقد صرح القاضي بقيام الإجماع على عدم الاعتبار بخلاف العوام وقال في هذا الكتاب في الكلام على الخبر المرسل لا عبرة بقول العوام وفاقا ولا خلافا انتهى.
فإن قلت فما هذا الخلاف المحكى من أن قول العام هل يعتبر في الإجماع.
قلت: هو اختلاف في أن المجتهدين إذا أجمعوا هل يصدق اجمعت الأمة ويحكم بدخول العوام معهم تبعا وهو خلاف لفظي في الحقيقة وليس خلافا في أن مخالفتهم تقدح في قيام الإجماع وكلام القاضي في مختصر التقريب ناطق بذلك فإنه حكى هذا الخلاف بعد كلامه المتقدم فقال ما نصه فإن قال قائل فإذا أجمع علماء الأمة على حكم من الأحكام فهل يطلقون القول بأن الأمة مجمعة عليه.
قلنا: من الأحكام ما يحصل فيه اتفاق الخاص والعام نحو وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم وغيرها من أصول الشريعة فما هذا سبيله فيطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه.
وأما ما أجمع عليه العلماء من أحكام الفروع التي تشذ عن العوام فقد اختلف أصحابنا في ذلك فقال بعضهم العوام يدخلون في حكم الإجماع وذلك أنهم وإن لم يعرفوا تفصيل الأحكام فقد عرفوا على الجملة أن ما أجمع عليه علماء الأمة في تفاصيل الأحكام فهو حق مقطوع فهذا مساهمة منهم في الإجماع وإن لم يعلموا مواقعه على التفصيل ومن أصحابنا من زعم أنهم لا يكونون مساهمين في الإجماع فإنه إنما يتحقق الإجماع في التفاصيل بعد العلم بها فإذا لم يكونوا عالمين بها فلا يستحق كونهم أهل الإجماع.
واعلم أن هذا اختلاف يهون أمره ويؤول إلى عبارة مخصوصة والجملة فيه انا إذا أدرجنا للعوام في حكم الإجماع فيطلق القول بإجماع الأمة وإن لم
ندرجهم بإجماع الأمة أو بدر من بعض طوائف العوام خلاف فلا يطلق القول بإجماع الأمة فإن العوام معظم الأمة وكثيرها بل اجمع علماء الأمة انتهى كلام القاضي.
وكلام الغزالي في المستصغى لا ينافيه فليتأمل وليضبط ذلك فهو مكان حسن ولا ينبغي أن يعتقد أن مخالفة العوام تقادح وموافقهم تفتقر الحجة إليها وكيف ذلك وهم يقولون لا عن دليل فيكون قولهم خطأ.
والخطأ لا يفتقر قيام الحجة إليه وان سبب مسبب بما سلف من أن العصمة إنما تثبت لجموع الأمة قلت فماذا تقول في البله والأطفال أليس هم من الأمة وهذا إلزام لا محيص له عنه هذا في العوام وقد قلنا إن الخلاف فيهم لفظي ويمكن أن يقال ينبني عليه إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد.
فإن قلنا: إن العوام داخلون تبعا فهم داخلون معه فيكون إجماعا وإلا فلا يكون قوله اجماعا لما قدمناه في أول كتاب الإجماع من أن الإجماع لا يصدق إلا من اثنين فصاعدا.
وأما الأصولي الماهر المتصرف في الفقه فذهب القاضي إلى أن خلافه معتبر.
قال الإمام وهو الحق وذهب معظم الأصوليين إلى خلافه لأنه ليس من المفتين ولو وقعت له واقعة للزمه أن يستفتي المفتي فيها واحتج القاضي بأنه من أهل التصرف في الشريعة يستضاء برأيه ويستهدي بنصحه ويحضر مجلس الأشوار وإذا كان كذلك فخلافه يشير إلى وجه من الرأي معتبر وإذا ظهر اعتبار في الخلاف انبنى عليه اعتباره في الوفاق واستبعد امام الحرمين مذهب القاضي وقال إذا أجمع المفتون وسكت المتصرفون فبعد أن يتوقف انعقاد الإجماع على مراجعتهم فإن الذين لا يستقلون بأنفسهم في جواب مسألة ويتعين عليهم تقليد غيرهم من المحال وجوب مراجعتهم وان فرض أنهم أبدوا وجها في التصرف فإن كان سالما فهو محمول على إرشادهم وتهديتهم إلى سواء السبيل.
وإن أبدوا قولهم أبدى من يراع الإجماع فالإنكار يشتد عليهم.
قال والقول المغني في ذلك إنه لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين وليس بين من يقلد ومن يقلد مرتبة ثالثة.
ثم قال والنظر السديد يتخطى كلام القاضي وعصره ويترقى المتقدم ويفضي إلى مدرك الحق قبل ظهور هذا الخلاف ولتحقيق خالف القاضي إذا وافق أن المجتهدين إذا أطبقوا لم لخلاف يعد المتصرفين مذهبا محتفلا به فإن المذهب لأهل الفتوى فإن ثبت بأن المتصرف الذي ذكره من أهل الفتوى فالقول فيه يشرح في كتاب الفتوى.
والكلام الكافي في ذلك أنه إن كان مقتبسا اعتبر خلافه وأما المبتدع فإن كفرناه ببدعته فلا خلاف في أنه غير داخل في الإجماع لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه وعلى هذا فلو خالف هو في مسألة وبقي مصرا على المخالفة حتى تاب عن بدعته فلا اثر لمخالفته لانعقاد إجماع جميع الأمة الإسلامية قبل إسلامه كما لو أسلم ثم خالف الأعلى رأي من يشترط في الإجماع انقراض المجمعين وإن لم نكفره فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه لكونه من أهل الحل والعقد ومن الداخلين في مفهوم لفظ الأمة.
وقيل ينعقد دونه وقيل لا ينعقد عليه بل على غيره فيجوز له مخالفة إجماع من عداه ولا يجوز ذلك لغيره وفيه نظر فإنه إذا تعذر إنعقاد الإجماع من وجه لم ينعقد من وجه وسيأتي إن شاء الله كلام إمام الحرمين فيه وأما أهل الفسقة من أهل القبلة البالغون في العلم مبلغ المجتهدين فذهب معظم الأصوليين كما ذكر امام الحرمين إلى أنه لا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم والمختار خلاف ذلك لأن المعصية لا تزيل اسم الإيمان فيكون قول من عداهم قول بعض المؤمنين لا كلهم فلا يكون حجة.
وهذا ما مال إليه امام الحرمين فقال الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره بل يلزم أن يتتبع في وقائعه ما يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلد غيره فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه واجتهاده يخالف اجتهاد من سواه.
قال وإن بعد انعقاد الإجماع من وجه لم ينعقد من وجه قال فإن قيل هو عالم في حق نفسه باجتهاده فيصدق عليه بينه وبين ربه وهو يكذب في حق غيره فلا يمتنع لانقسام أمره على هذا الوجه أن ينقسم حكم الإجماع قلنا هذا
محال فإن الفاسق غير مقطوع بصدقه ولا بكذبه فهو كالعالم في غيبته فإن تاب فهو كما لو أتى الغائب.
وأعلم أن الأولين اختلفوا في تعليل عدم اعتبار قول الفاسق على وجهين:
أحدهما: وعليه يقوم هذا السؤال إن اخباره عن نفسه لا يوثق به لفسقه فربما أخبر بالوفاق وهو مخالف أو بالخلاف وهو موافق فلما تعذر الوصول إلى معرفة قوله سقط أثره.
وشبه بعض المتأخرين ذلك بسقوط أثر قول الخضر عليه السلام على القول بأنه حي لتعذر الوصول إليه.
والثاني: أن العدالة ركن في الاجتهاد كالعلم فإذا فاتت العدالة فأتت أهلية الاجتهاد وهذا فيه نظر إذ أهلية الاجتهاد الذي هو استنباط الأحكام وتصحيح المقاييس وترتيب المقدمات إلى غير ذلك مما لا تعلق لها بالديانة أصلا فإن قلت فهذا يرد عليكم في الكافر فإنه قد يجري على علوم الشرع والاجتهاد لا تعلق له بالديانة قلت الكافر لا يرد فإن الحجة في إجماع المسلمين والفاسق منهم دون الكافر ويتفرع على هذين التعليلين أن الفاسق إذا اداه اجتهاده في مسألة إلى حكم هل يأخذ بقوله من علم صدقه في فتواه بقرائن.
وإذا ثبت اشتراط قول جميع المجتهدين في الاجماع قال صاحب الكتاب فلو خالف واحد لم يكن قول غيره اجماعا لأن قوله سبيل المؤمنين يتناول الكل وليسوا دون الواحد كل المؤمنين هذا مذهب الجمهور.
وقال الإمام الجليل محمد بن جرير وأبو الحسين بن أبي عمر والخياط المعتزلي وأبو بكر الرازي وكذا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه ينعقد اجماع الأكثر مع مخالفة الأقل كذا أطلق النقل عنهم الآمدي وهو قضية إيراد المصنف وخصص الإمام النقل عنهم بالواحد والاثنين قال الآمدي وذهب قوم إلى أن عدد الأقل إن بلغ عدد التواتر لم يعتد بالإجماع دونه وإلا اعتد به قلت وهذا ما ذكر القاضي في مختصر التقريب أنه الذي يصح عن ابن جرير.
وقال أبو عبد الله الجرجاني أن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف
كان خلافه معتدا به وإلا فلا ومنهم من قال اتباع الأكثر أولى ويجوز خلافه وهو مذهب لا تحرير فيه لانا نسلم أنه إذا تعادل الرأيان وكان القائلون بأحدهما أكثر رجح جانب الكثرة وانما الكلام في التحتم ومنهم من قال هو حجة وليس باجماع ورجحه ابن الحاجب فإنه قال لو نذر المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن اجماعا قطعا قال والظاهر أنه حجة لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف.
قال صفي الدين الهندي والظاهر أن من قال إنه إجماع فإنما نجعله إجماعا ظنيا لا قطعيا وبه يشعر إيراد بعضهم لنا أن الصحابة اجمعوا على ترك قتال مانعي الزكاة إلا أبو بكر رضي الله عنه ولم يقل أحد أن خلافه غير معتد به بل رجعوا إليه حين المناظر واحتج ابن جرير ورفقته بوجهين ذكرهما في الكتاب.
أحدهما: أن لفظي المؤمنين والأمة يصدق على الأكثر كما يقال على البقرة أنها سوداء وإن كان فيها شعرات بيض وللزنجي أنه أسود مع بياض حدقته وأسنانه.
والجواب: أن صدق إطلاق ألفاظ العموم على الأكثر إنما هو على سبيل المجاز وليس حقيقة لأنه يجوز أن يقال لمن عدا الواحد من الأمة ليسوا كل الأمة ويصح استثناؤه منهم وهذا واضح.
الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالسواد الأعظم أو باتباع السواد الأعظم" ويعم الاكثرين فيكون قولهم حجة.
والجواب أن السواد الأعظم يعم كل الأمة لأن من عدا الكل فالكل الأعظم منه ولو لم يقصد هذا بل ما صدق أنه أعظم من غيره لدخل تحته النصف الزائد بفرد واحد على النصف الآخر وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب مخالفة الثلث وهو بضم الثاء واللام أي حمله على ما صدق عليه أنه أعظم يوجب عدم الالتفات إلى ثلث الأمة إذا خالفوا الثلثين وقد قرره الجار بردي والاسفرايني على أن الثاء مفتوحة وأن المراد الثلاث اسم العدد الخاص وان ابن جرير ورفقته يسلمون أن مخالفة الثلاثة قادحة.
وهذا ماش على ما اقتضاه ايراد الإمام كما سبق وما ذكرناه من التقرير أحسن وأسلم.