الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة: نسنخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى
…
قال الرابعة نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى وبالعكس لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم والفحوى يكون ناسخا.
فحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة كما سبق واختلف في ان نسخ الأصل كتحريم التأفيف مثلا هل يستلزم نسخ الفحوى كتحريم الضرب وفي عكسه وهو ان نسخ الفحوى وهو تحريم تضرب هل يستلزم نسخ الأصل وهو تحريم التأفيف على مذاهب.
أحدها: ان نسخ كل منهما يستلزم نسخ الآخر واختاره صاحب الكتاب واستدل على ان نسخ الفحوى يستلزم بان الفحوى لازم للأصل ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم ولم يستدل على عكسه وسيأتي ان شاء الله تعالى.
والثاني: أنه لا يلزم من نسخ الآخر.
والثالث: ان نسخ الأصل يستلزم لأن الفحوى تابع له ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع ونسخ الفحوى لا يستلزم وجزم الإمام بنسخ الأصل يستلزم واما نسخ الفحوى هل يستلزم فنقله عن اختيار أبي الحسين وسكت عليه وقال الآمدي المختام ان تحريم الضرب فى محل السكوت ان جعلناه من باب القياس فنسخ الاصل يوجب نسخ الفرع لاستحالة بقاء الفرع دون اصله وان جعلناه ثابتا بدلالة اللفظ فلا شك ان دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح اللفظ وعلى الضرب بجهة الفحوى وهما دلالتان مختلفتان غير ان دلالة الفحوى تابعة فيمكن حينئذ ان يقال لا يلزم من رفع إحدى الدلالتين رفع الأخرى.
فإن قلت الفحوى تابع فكيف يحتمل بقاؤه مع ارتفاع المتبوع قلت نسخ حكم المنطق ليس نسخا لدلالته بل نسخا لحكمه ودلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه لا تابعة لحكمه ودلالته باقية بعد نسخ حكمه كما كانت قبل ذلك فما هو اصل لدلالة الفحوى غير مرتفع وما هو مرتفع ليس أصلا للفحوى قوله والفحوى تكون ناسخا قد ادعى الإمام والآمدي في ذلك الاتفاق وفيه نظر حجاجا ونقلا أما الحجاج فوقوع الاختلاف في أنه هل هو من باب القياس
وإذا كان من باب القياس وفي النسخ بالقياس ما تقدم من الخلاف فلا ينفك عن خلاف وأما النقل.
قال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي في شرح اللمع ما ذكرناه إذ قال من أصحابنا من جعله بالقياس فعلى هذا لا يجوز النسخ به انتهى أي بناء على أنه لا يجوز النسخ بالقياس وذلك هو المختار عند الشيخ أبي اسحاق وكذلك القاضي كما نص عليه في مختصر التقريب وفاتنا ان نحكي ذلك فيما تقدم ولكن العهد به قريب.
واستدل الإمام على ان الفحوى ينسخ بأن دلالته ان كانت لفظية فظاهر وان كانت عقلية قال القرافي يعنى قياسية أي أدرك العقل الحكمة التي لأجلها ورد الحكم فالحق المسكوت بالمنطوق قياسا.
قال الإمام فهي يقينية فيقتضي النسخ لا محالة ولقائل ان يقول القياس ليس يقينيا لاحتمال غلطنا في ان ذلك الحكم في الأصل معلل وان العلة هي ما ذكرنا فلعل العلة غيرها ولعلها تقضي نفي ما يريد ثباته والمسالة خلافية بين العلماء ولا قاطع مع الخلاف والله أعلم.
وهذا تمام القول في مفهوم الموافقة واما مفهوم المخالفة فيجوز نسخه مع نسخ الأصل وبدونه وذلك واضح كقوله عليه السلام: "الماء من الماء" فإنه نسخ مفهومه بقوله عليه السلام: "إذا التقى الختانان" وبقي أصله وهو وجوب الغسل من الإنزال ذكره صفي الدين الهندي قال واما نسخ الأصل بدونه فأظهر الاحتمالين انه لا يجوز لأنه إنما يدل على العدم باعتبار ذلك القدر المذكور فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما يبنى عليه فعلى هذا نسخ الاصل نسخ للمفهوم وليس المعنى منه ان يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي بل المعنى منه ان يرتفع العدم الذي كان شرعيا ويرجع الى ما كان عليه من قبل.
قال الخامسة زيادة صلاة ليس بنسخ قبل تغير الوسط قلنا وكذا زيادة العبادة.
اتفق العلماء على أن زيادة عبادة من غير جنس ما سبق وجوبه كزيادة
وجوب الزكاة مثلا على الصلاة ليس بنسخ واختلفوا في ان زيادة صلاة على الصلوات الخمس هل يكون نسخا فذهب الجماهير الى أنه ليس بنسخ.
وقال بعض أهل العراق انه نسخ لأن زيادة هذه السادسة بغير الوسط أي أنها تجعل ما كان وسطا غير وسط فيكون ذلك نسخا للأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى.
وأجاب بان هذا غير سديد إذ يلزم عليه ان تكون زيادة عبادة على آخر العبادات نسخا لأنه يجعل العبادة الأخيرة غير الآخرة فلو كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة فبعد الزيادة لا يبقى ذلك فيكون نسخا واعلم ان هذا الجواب غير سديد لأن غير الصلاة من العبادات لم يرد فيه الامر فالمحافظة على الوسطى ليقال مثله فيها بل الحق عندي أنهم ان أرادوا بكونها تغير الوسط أنها تجعل المتوسط بين الشيئين غير وسط فذلك غير سديد لأن كون العبادة وسط أمر حقيقي ليس بشرعي والنسخ إنما يتطرق الى الحكم الشرعي وان أرادوا به ما ذكر من نسخ الامر بالمحافظة على الوسطى فنقول ان كانت الوسطى علما على صلاة بعينها أما الصبح أو العصر وليست فعلى من المتوسط بين الشيئين فما ذكرتموه ساقط إذ لا يلزم من زيادة صلاة ان يرتفع الامر بالمحافظة على تلك الصلاة الفاضلة لعدم منافاته له وان كانت الوسطى المتوسطة بين الصلوات فالقول حينئذ الذي يظهر ان الامر يختلف بما يزيد والحالة هذه فان زيدت واحدة فهي ترفع الوسط بالكلية ويتجه ما ذكروه اتجاها واضحا لأن الوسط حينئذ وان كان أمرا حقيقيا الا ان الشرع ورد عليه وقرره فيكون نسخا للحكم الشرعي وان زيدت ثنتين ونحوهما مما لا يرفع الوسط فلا نسخ إذ لم يرفع للوسط وانما خرجت الظهر مثلا عن ان يكون وسطا وكونها كانت الوسط إنما هو امر حقيقي اتفاقي لا يرد النسخ عليه والأمر بالمحافظة على الوسط شيء وراء ذلك وهو لم يزل بل هو باق.
قال: أما زيادة ركعة ونحوها فذلك عند الشافعي رضي الله عنه ونسخ عند ابي حنيفة رحمه الله وفرق قوم بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه والقاضي عبد الجبار بين ما ينفي اعتداد الاصل وبين ما لم ينفه وقال البصري إن نفي ما
ثبت شرعا كان نسخا وإلا فلا زيادة ركعة على ركعتين نسخ لاستعقابهما التشهد وزيادة التغريب على الحد ليس بنسخ.
مضى الكلام في زيادة العبادة المستقلة كزيادة ركعة أوركوع ففيه مذاهب:
أحدها: أنها ليست نسخا وهو مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وقول ابي علي وأبي هاشم.
الثاني: أنها نسخ وهو قول الحنفية.
الثالث: التفصيل فقال قوم ان كانت الزيادة قد نفاها المفهوم فيكون نسخا وإلا فلا كما قال في سائمة الغنم زكاة ثم قال في المعلومة زكاة وقال القاضي عبد الجبار بن احمد إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغيرا شديدا حتى صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة على ما كان يفعل قبلها لم يعتد به بل وجوده كعدمه ويجب استئنافه فانه يكون نسخا كزيادة ركعة على ركعتين وإن كان المزيد عليه لو فعل على نحو ما كان يفعل قبل الزيادة لصح لم تكن نسخا كزيادة التغريب على حد القاذف.
وقال أبو الحسين البصري ان كان الزائد رافعا لحكم ثابت 2بدليل شرعي كان نسخا سواء ثبت بالمنطوق أم بالمفهوم وان كان ثابتا بدليل عقلي كالبرآة الأصلية فلا وهذا هو الأحسن عند الإمام والمختار عند الآمدي وابن الحاجب قوله فزيادة أي فعل ما ذكره أبو الحسين زيادة ركعة على ركعتين يكون حينئذ نسخا لأنها رفعت حكما شرعيا وهو وجوب التشهد عقيب الركعتين وزيادة التغريب على الحد في حق الزاني لا يكون نسخا لأن عدم التقريب كان ثابتا بالبرآة الأصلية وكلام المصنف يوهم ان هذين المثالين من تتمة كلام أبو الحسين وليس كذلك فقد نقل عنه الآمدي في الفرع الثاني من فروع المسالة أن المثالين جميعا ليسا بنسخ.
أما الثاني فظاهر واما الأول فلأن التشهد ليس محله بعد الركعتين بخصوصهما بل آخر الصلاة وذلك غير مرتفع وقال بعضهم واختاره الغزالي إن
كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح فهو نسخ وان لم يكن كذلك كزيادة عشرين على حد القاذف فلا ولم يذكر في الكتاب هذا المذهب والله اعلم.
قال: خاتمة النسخ يعرف بالتاريخ فلو قال الراوي هذا سابق قبل بخلاف ما لو قال هذا منسوخ لجواز ان يقوله عن اجتهاد ولا يراه.
المقصود من هذه الخاتمة بيان الطرق التي بها يعرف الناسخ من المنسوخ وإنما ذكر ذلك آخر الباب وجعله خاتمة لنقله بجميع أنواع النسخ وجملة القول فيه ان النسخ يعرف إما بأن ينص عليه الشارع ولم يتعرض المصنف لهذا القسم لوضوحه وإما بالتاريخ بأن يعلم بطريق صحيح ان أحد الدليلين المتنافيين متأخر عن الآخر فيحكم بأنه ناسخ له فلو قال الراوي هذه الآية نزلت قبل تلك الآية أو في سنة كذا والأخرى في السنة التي بعدها وهذا الحديث سابق على ذلك الحديث أو كان في سنة كذا وكذا وهذا في السنة التي بعده قبل قوله في ذلك وان كان قبوله يقتضي نسخ المتواتر وذلك لأن النسخ حصل بطريق للتبع والشيء يغتفر إذا كان تابعا ولا يغتفر أصلا في مسائل كثيرة أصولية وفقهية كما ان الشفعة لا تثبت في الأشجار والأبنية بطريق الأصالة وتثبت تبعا للأرض إذا بيعت معها وكما إذا قطعت يد المحرم فانه لا فدية عليه للشعر الذي عليها والظفر لأنهما هنا تابعان غير مقصودين بالإبانة وعلى قياس هذا لو كشط جلدة الرأس فلا فدية ويشبه هذا بما لو كان تحته امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة فإنه يبطل النكاح ويجب المهر ولو قتلتها لا يجب المهر لأن البضع تابع عند القتل غير مقصود ويلتحق به ايضا ما في الرافعي عن التتمة من انه لا يجوز توكيل المرأة في الاختيار في النكاح ان اسلم الكافر على اكثر من أربع نسوة لأن الفروج لا تستباح بقول النساء.
وفي الاختيار للفراق وجهان لأنه وان تضمن اختيار الأربع للنكاح فليس أصلا فيه بل تابعا فاغتفر وكذلك إذا أذن السيد للعبد في النكاح وأطلق فزاد على مهر المثل فإن الزيادة تجب في ذمته يتبع بها إذا عتق بلا خلاف ولا يقال هل الأخرى في ثبوت هذه الزيادة في ذمة العبد بغير إذن السيد خلاف كما
جرى في ضمان العبد بغير إذن السيد لأن الالتزام ها هنا جرى في ضمن عقد مأذون فيه.
وقد يمتنع الشيء مقصودا وان حصل في ضمن عقد لم يمتنع ونظيره يصح خلع العبد قولا واحدا ويمتنع من تمليك السيد بعقد الهبة على اصح الوجهين ومسائل هذا الفصل تخرج عن حد العد.
أما لو قال الراوي هذا منسوخ لم يقبل لجواز ان يقوله عن اجتهاد منه ولا يلزمنا ذلك الاجتهاد أو لا يقتضيه رأينا وقال الكرخي ان عين الراوي الناسخ كقوله هذا نسخ هذا فالأمر كذلك لجواز ان يقوله عن اجتهاد وان لم يعينه بل اقتصر على قوله هذا منسوخ قبل لأنه لولا ظهور النسخ فيه لما أطلق النسخ إطلاقا.
قال الإمام هذا ضعيف فلعله قاله لقوة ظنه في أول الامر كذلك وليس كذلك وبالله التوفيق والعون تم الجزء الأول ومن تجزئة المصنف فسح الله في مدته.