الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عاد الكل إلى المتقدم أيضا مثل على عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة فلا يلزم غير واحد وإلي هذين القسمين أشار بقوله عادت إلى المتقدم عليها وإن لم يكن مستغرقا عاد الاستثناء الثاني إلى الأول مثل عشرة إلا ثمانية إلا سبعة حتى يلزم تسعة وإلى هذا أشار بقوله وألا يعود الثاني إلى الأول أي دون المستثنى منه وعلله بان الأول لقربه إليه من المستثنى منه والقرب يدل على الرجحان عند البصريين فإنهم في تنازع العاملين في العمل اختاروا الأقرب ولذلك أن نقول الأقربية لا تدل على اللزوم وانما تدل على الرجحان كما في تنازع العاملين فإنه لا نزاع بين البصريين والكوفيين في جواز أعمال كل منهما وإنما الخلاف في الأولوية فينبغي أن يقرر بوجه آخر فيقال إما أن يعود إلى الثاني أو إلى الأول منتف للزوم الترجيح من غير مرجح في اللزوم لأنهما فيه سواء فيعود إلى الأولوية ونقول لا يعود إلى الأول لأنه مرجوع فرع لو كان الاستثناء الأول مستغرقا للمستثنى منه دون الثاني.
الثاني: كقوله. عشرة إلا عشرة إلا أربعة ففيه أوجه للأصحاب.
أحدهما: يلزمه عشرة ويبطل الأول لاستغراقه.
والثاني: لأنه باطل.
والثاني: يلزمه أربعة ويصح الإستثناءان لأن الكلام إنما يتم بآخره قال ابن الصباغ وهو أقيس.
والثالث: يلزم ستة لأن الأول باطل والثاني يرجع إلي أول الكلام.
المسألة الرابعة: الاستثناء بعد الجمل
…
قال: الرابعة: قال الشافعي رضي الله عنه المتعقب للجمل كقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} يعود إليها وخص أبو حنيفة بالأخيرة وتوقف القاضي والمرتضي وقيل ان كان بينهما تعلق فللجميع مثل اكرم الفقهاء والزهاد وأنفق عليهم إلا المبتدعة فالأخيرة.
هذه المسألة في حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ
جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} 1فإن هذا استثناء وقع بعد ثلاث جمل الأولى أمرهم بجلدهم والثانية ناهية عن قبول شهادتهم والثالثة مخبرة بفسقهم وقد اختلف العلماء فيها على مذاهب.
الأول: وهو مذهبنا أنه يعود إلى الجميع لكن بشروط.
أحدها: أن تكون الجمل معطوفة.
والثاني: أن يكون العطف بالواو الجامعة فأما إن كان بثم اختص بالأخيرة ذكره الآمدي قال الأصفهاني ولم أر من تقدمه به.
قلت وقد نقدمه إمام الحرمين كما نص عليه في النهاية وفي مختصر له في أصول الفقه ونقل الرافعي في كتاب الوقف عنه.
والثالث: نقله الرافعي عن رأى إمام الحرمين أيضا ان لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل فإن تخلل اختص بالآخرة قال الرافعي كما لو قال وقفت على أولادي على ان من مات منهم وأعقبت فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الاثنين وإن لم يعقب فنصيبه للذين في درجته فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى اخوتي إلا أن يفسق واحد منهم فيختص الاستثناء بالأخوة.
المذهب الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة أنه يعود إلى الأخيرة خاصة حتى لا يقبل شهادة القاذف وإن تاب وصار من الأبرار والثلث التوقف وإليه ذهب القاضي والغزالي منا والمرتضى2 من الشيعة إلا أن القاضي توقف لعدم العلم بمدلوله لغة وقال الإمام أنه الذي نختاره في المناظرة والمرتضى توقف لكونه عنده مشتركا بين عوده إلى الكل وعوده إلى الأخيرة فقط.
واعلم ان القول بالإشتراك إنما يكون من باب الاشتراك في المركبات لا في
1 سورة النور 4-5.
2 هو الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الطاهر بن موسى من أحفاد سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر.
توفي سنة 436هـ ببغداد.
الأعلام للزركلي 66712.
المفردات ويكون مبنيا على وضع المركبات ولا يمكن أن يقال العود من المفردات ذكره القرافي ولما تغاير توقف القاضي والمرتضى حصلنا من الموقف على مذهبين فنقول والمذهب الخامس واليه ذهب الحسين وقال الإمام انه داخل في التحقيق وانه حق انه ان كان بين تعلق الجمل تعلق عاد الاستثناء إليها والتعلق ان يكون حكم الأولى أو اسمها مضمرا في الثانية في الحكم نحو اكرم الفقهاء والزهاد إلا المبتدعة تقديره وأكرم الزهاد وفي الإسم نحو أكرم الفقهاء وانفق عليهم إلا المبتدعة أي على الفقهاء وقد أشار المصنف إلى المثالين فقط لذلك ان لم يكن بين الجمل تعلق اختص بالأخيرة لأن الظاهر أنه ما انتقل عن جملة مستقلة بنفسها إلى جملة أخرى إلا وقد تم غرضه من الأولى فلو رجع الإستثناء إلى الجميع لم يكن مقصود من الأولى قد تم.
قال: لنا ما تقدم الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما فلذلك الاستثناء قيل خلاف الدليل خولف في الأخيرة للضرورة فبقيت الأولى على عمومها قلنا منقوض بالصفة والشرط.
احتج الشافعي رضوان الله عليه بأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات كالحال والشرط وكالصفة وكالجار والمجرور والظرف فيجب أن يكون الاستثناء كذلك والجامع أن كلا غير مستقل بنفسه ومثال اشتراط المعطوف والمعطوف عليه في الحال أكرم ربيعة وأعط مضر نازلين بك وفي الصفة الطوال وفي الشرط أن نزلوا بك في الجار والمجرور اضرب زيدا واهن عمرا في الدار وفي الظرف صم وصل يوم الخميس وقد نقل الإمام عن الحنفية موافقتنا على عود الشرط إلى الكل وأما الحال والظرف والمجرور فقال ان نخصهما بالأخيرة وعلى قول أبى حنيفة وحينئذ لا يحسن استدلال المصنف بها على الحنفية في الدليل نظر آخر وهو أنه لا يلزم من اشتراك لشيئين من بعض الوجوه اشتراكهما في جميع الأحكام واللغة لا تثبت قياسا مع أن الفرق ثابت فإن الشرط متقدم على المشروط من جهة المعنى وإن تأخر من جهة اللفظ بخلاف الإستثناء فإنه مؤخر من الجهتين واحتج أبو حنيفة بأن الاستثناء خلاف الأصل لتنزله منزلة الإنكار بعد الإقرار كما سبق وإذا كان على
خلاف الدليل كان مرجوحا لكن خالفنا مقتضى الدليل في الجملة الأخيرة للضرورة لأن الاستثناء غير مستقل ولا يمكن إلغاؤه وإنما جعلناه للجملة الأخيرة لأنها اقرب فبقى ما عداها على الأصل أجاب بأن هذا الدليل منقوض بالصفة والشرط فإنهما عائدان إلى الكل مع وجود المعنى الذي قلتموه بعينه فيهما وفي النقض بالصفة نظر فان أبا حنيفة رحمه الله لا يقول بالشرط.
فإن قلت لأبى حنيفة أن يعتذر على الشرط بأن له صدر الكلام كما تقدم.
قلت: سلمنا أن رتبته التقدم ولكن على الجملة الأخيرة التي هي مشروطة لا على جميع الجمل.
فإن قلت: لما حصل في ان الشرط هل هو شرط للجميع أو للأخيرة فقط بمقتضى اختلاف الأئمة والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط لم يرتب الحكم في المشروط إلا بعد وجوده فالمشروط مشكوك فيه.
قلت قد يمنع هذا ويقال في الأصل عدم كونه شرطا فترتب الحكم ما لم يثبت شرطيته للجميع.
فائدة: الخلاف المتقدم في ان الاستثناء هل يختص بالأخيرة أو يعود إلى الجميع أو غير ذلك إنما هو فيما إذا لم يقم دليل على واحد بعينه وقد وقع استثناء بعد جملتين وهو عائد إلى الجملة الأولى وحدها في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} 1 فإن هذا الاستثناء مختص بالجملة الأولى أعني قوله: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} ولا يجوز أن يكون عائدا إلى الأخيرة أعني إلى قوله ومن لم يطعمه فانه مني إذ التقدير حينئذ إلا من اغترف غرفة بيده فليس مني والمعنى على خلاف ذلك لأن المقصود ان لم يطعمه مطلقا من اغترف منه وغرفة بيده على حد سواء ولا يمكن ان يكون التقدير إلا من اغترف غرفة بيده فإنه مني على هذا التقدير لأنه لا يعقل استثناء حينئذ إذ المستثنى لا بد ان يغاير حكمه حكم المستثنى منه وكذلك في قوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا
1 سورة البقرة آية 249.