الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
خَالَعَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، يَتَشَطَّرُ الْمَهْرُ عِنْدَنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ جَمِيعُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
بَابُ الْوَلِيمَةِ
.
هِيَ عَامَّةٌ عَلَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، تَقَعُ عَلَى كُلِّ دَعْوَةٍ تُتَّخَذُ بِسُرُورٍ حَادِثٍ، مِنْ نِكَاحٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. لَكِنَّ الْأَشْهَرَ اسْتِعْمَالُهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي النِّكَاحِ، وَتُقَيَّدُ فِي غَيْرِهِ، فَيُقَالُ: وَلِيمَةُ الْخِتَانِ وَغَيْرِهِ، وَيُقَالُ لِدَعْوَةِ الْخِتَانِ: إِعْذَارٌ، وَلِدَعْوَةِ الْوِلَادَةِ: عَقِيقَةٌ، وَلِسَلَامَةِ الْمَرْأَةِ مِنَ الطَّلْقِ: خُرْسٌ.
وَقِيلَ: الْخُرْسُ لِطَعَامِ الْوِلَادَةِ، وَلِقُدُومِ الْمُسَافِرِ: نَقِيعَةٌ، وَلِإِحْدَاثِ الْبِنَاءِ: وَكِيرَةٌ، وَلِمَا يُتَّخَذُ لِلْمُصِيبَةِ: وَضِيمَةٌ، وَلِمَا يُتَّخَذُ بِلَا سَبَبٍ: مَأْدُبَةٌ.
قُلْتُ: الْإِعْذَارُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَالْخُرْسُ، بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَيُقَالُ: بِالصَّادِ. الْمَأْدُبَةُ، بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا. وَالْوَضِيمَةُ، بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ.
وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ: النَّقِيعَةُ لِقُدُومِ الْمُسَافِرِ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَنْ يَتَّخِذُهَا أَهْوَ الْقَادِمُ أَوِ الْمَقْدُومُ عَلَيْهِمْ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ لِأَهْلِ اللُّغَةِ. فَنَقَلَ الْأَزْهَرِيُّ عَنِ الْفَرَّاءِ، أَنَّهُ الْقَادِمُ. وَقَالَ صَاحِبُ «الْمُحْكَمِ» : هُوَ طَعَامٌ يُصْنَعُ لِلْقَادِمِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:«أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كَالْأُضْحِيَةِ وَسَائِرِ الْوَلَائِمِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَقَطَعَ الْقَفَّالُ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْوَلَائِمِ، فَمُسْتَحَبَّةٌ، لَيْسَ بِوَاجِبَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَلَا يَتَأَكَّدُ تَأَكُّدَ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوبِ سَائِرِ الْوَلَائِمِ قَوْلًا؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهَا: وَلَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا.
فَرْعٌ
أَقَلُّ الْوَلِيمَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، لِلْمُتَمَكِّنِ شَاةٌ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ، اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ
وَأَمَّا الْإِجَابَةُ إِلَى الدَّعْوَةِ، فَفِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ تَجِبُ الْإِجَابَةُ إِنْ أَوْجَبْنَا الْوَلِيمَةَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ نُوجِبْهَا عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: عَلَى الْأَصَحِّ، صَحَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ «مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا» .
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. وَأَمَّا غَيْرُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْإِجَابَةَ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ. وَقِيلَ: بِطَرْدِ الْخِلَافِ فِي الْوُجُوبِ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْإِجَابَةَ، فَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ. ثُمَّ إِنَّمَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ أَوْ تُسْتَحَبُّ بِشُرُوطٍ. مِنْهَا: أَنْ يَعُمَّ عَشِيرَتَهُ أَوْ جِيرَانَهُ، أَوْ أَهْلَ حِرْفَتِهِ، أَغْنِيَاءَهُمْ وَفُقَرَاءَهُمْ، دُونَ مَا إِذَا خَصَّ الْأَغْنِيَاءَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَخُصَّهُ بِالدَّعْوَةِ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ شَخْصًا. فَأَمَّا إِذَا فَتَحَ بَابَ دَارِهِ وَقَالَ: لِيَحْضُرْ مَنْ أَرَادَ، أَوْ بَعَثَ شَخْصًا لِيُحْضِرَ مَنْ شَاءَ، أَوْ قَالَ لِشَخْصٍ: احْضَرْ وَأَحْضِرْ
مَعَكَ مَنْ شِئْتَ، فَقَالَ لِغَيْرِهِ: احْضَرْ، فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ وَلَا تُسْتَحَبُّ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ إِحْضَارُهُ لِخَوْفٍ مِنْهُ، أَوْ طَمَعٍ فِي جَاهِهِ، أَوْ لِيُعَاوِنَهُ عَلَى بَاطِلٍ، بَلْ تَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ، أَوِ التَّوَدُّدِ.
وَمِنْهَا، أَنْ يَدْعُوَهُ مُسْلِمٌ. فَإِنْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ فَهَلْ هُوَ كَالْمُسْلِمِ أَمْ لَا تَجِبُ قَطْعًا؟ طَرِيقَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَلَا يَكُونُ الِاسْتِحْبَابُ فِي إِجَابَتِهِ كَالِاسْتِحْبَابِ فِي دَعْوَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ عَنْ طَعَامِهِ لِنَجَاسَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ الْفَاسِدِ، وَتُكْرَهُ مُخَالَطَةُ الذِّمِّيِّ وَمُوَادَّتُهُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ.
فَلَوْ أَوْلَمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَالْإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَكْرُوهَةٌ، وَفِي الثَّانِي لَا تَجِبُ قَطْعًا، وَلَا يَكُونُ اسْتِحْبَابُهَا كَالِاسْتِحْبَابِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ.
فَرْعٌ
إِذَا اعْتَذَرَ الْمَدْعُوُّ إِلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ، فَرَضِيَ بِتَخَلُّفِهِ، زَالَ الْوُجُوبُ وَارْتَفَعَتْ كَرَاهَةُ التَّخَلُّفِ.
فَرْعٌ
دَعَاهُ جَمَاعَةٌ، أَجَابَ الْأَسْبَقَ، فَإِنْ جَاءَا مَعًا، أَجَابَ الْأَقْرَبَ رَحِمًا، ثُمَّ الْأَقْرَبَ دَارًا كَالصَّدَقَةِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ، وَلَا يَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ.
فَإِنْ كَانَ، فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي التَّخَلُّفِ. وَأَشَارَ فِي «الْوَسِيطِ» إِلَى وَجْهٍ فِيهِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمَلَاهِي. فَإِنْ كَانَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الشَّخْصُ مِمَّنْ إِذَا حَضَرَ رُفِعَ الْمُنْكَرُ، فَلْيَحْضُرْ إِجَابَةً لِلدَّعْوَةِ وَإِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْضُرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ وَلَا يَسْتَمِعْ وَيُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ يُضْرَبُ الْمُنْكَرُ فِي جِوَارِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّحَوُّلُ وَإِنْ
بَلَغَهُ الصَّوْتُ، وَعَلَى هَذَا جَرَى الْعِرَاقِيُّونَ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ: يَحْرُمُ الْحُضُورُ لِأَنَّهُ كَالرِّضَى بِالْمُنْكَرِ وَإِقْرَارِهِ.
قُلْتُ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ غَلَطٌ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْ كُلِّ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ خَطَأٌ، وَلَا يُغْتَرُّ بِجَلَالَةِ صَاحِبِ «التَّنْبِيهِ» وَنَحْوِهِ مِمَّنْ ذَكَرَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالثَّانِي، فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى حَضَرَ، نَهَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا، فَلْيَخْرُجْ. وَفِي جَوَازِ الْقُعُودِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ، بِأَنْ كَانَ فِي اللَّيْلِ وَيَخَافُ مِنَ الْخُرُوجِ، قَعَدَ كَارِهًا وَلَا يَسْتَمِعُ. وَلَوْ كَانُوا يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِي إِبَاحَتِهِ، لَمْ يُنْكِرْهُ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. فَإِنْ كَانَ حَاضِرُهُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَكَالْمُنْكَرِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقِيلَ: لَا.
فَرْعٌ
وَمِنَ الْمُنْكَرَاتِ، فَرْشُ الْحَرِيرِ وَصُوَرُ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى السُّقُوفِ وَالْجُدْرَانِ، وَالثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ، وَالسُّتُورِ الْمُعَلَّقَةِ، وَالْوَسَائِدِ الْكِبَارِ الْمَنْصُوبَةِ، وَلَا بَأْسَ بِمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَالْبِسَاطِ الَّذِي يُدَاسُ، وَالْمَخَادِّ الَّتِي يُتَّكَأُ عَلَيْهَا، وَلْيَكُنْ فِي مَعْنَاهَا الطَّبَقُ وَالْخُوَانُ، وَالْقَصْعَةُ. وَلَا بَأْسَ بِصُوَرِ الْأَشْجَارِ، وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ.
وَفِي وَجْهٍ: يُكْرَهُ صُورَةُ الشَّجَرِ. وَلَوْ كَانَتْ صُوَرُ الْحَيَوَانَاتِ مَقْطُوعَةَ الرُّءُوسِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنَعَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَهَلْ دُخُولُ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ الْمَمْنُوعَةُ حَرَامٌ