الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قالوا في الأمثال: «وكم ترك الأوّل للآخر» . ومما تابع فيه اللاحقون السابقين في باب النقد الأدبي:
استنباط عمود جديد للقصيدة العربية، معتمدين على نماذج قليلة من الشعر العربي، ومغفلين، أو متغافلين عمّا
استنبطه الأقدمون بعد استقراء شامل للنصوص الشعرية. هذا، وقد وصلتنا مجموعات شعرية قديمة، ونظرات نقدية سجلها الأقدمون في كتبهم، ولا يمكن أن نصدر حكما على الشعر العربي، دون قراءة واعية لما وصلنا من النصوص، والاطلاع على آراء الأقدمين. أما أشهر المجموعات الشعرية، فهي:«المفضليات» ، من اختيار المفضل الضبيّ، و «الأصمعيات» من اختيار الأصمعي، و «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي، و «مختارات شعراء العرب» لابن الشجري. وعشرات الدواوين التي جمعها ورواها أعلام الأدب. وهناك مختارات مبوبة على المعاني، أشهرها «الحماسة» لأبي تمام.
وأما النظرات النقدية:
فهي كثيرة، وقد عرّجنا بالقارئ على شرح المرزوقي لحماسة أبي تمام التي ضمت (882) مقطوعة شعرية، وقد قدّم المرزوقي لشرحه بمقدمة نقدية تعدّ وثيقة نفيسة في تاريخ النقد الأدبي؛ لأنه ضمنها معايير عمود الشعر العربي الذي يوزن به الشعر. وكذلك نقلنا كلام ابن قتيبة على التحام أجزاء النظم في القصيدة العربية. (انظر ص 15 - 17 من هذا الكتاب).
* ومع هذا ما زال مؤرخو الأدب ونقاده في العصر الحديث، يردّدون مقولة ظهرت في بداية العصر الحديث، ينكر أصحابها وحدة القصيدة، ويزعمون أن القصيدة العربية القديمة مفككة، لا يجمعها خيط معنوي واحد، وزعموا أن البيت وحدة مستقلة في القصيدة أو في جزئها، يمكن تقديمه وتأخيره، وحذفه دون أن يؤثر في نسق القصيدة. وبهذا يكونون قد وضعوا عمودا للقصيدة العربية، مخالفا لما استنبطه القدماء. فهل اطلعوا على ما كتبه القدماء ورأوه خاطئا، لا يوافق النصوص الشعرية التي قرأوها؟ الجواب: إنهم قرأوا شيئا قليلا عن عمود الشعر العربي، ولم يستغرقوا كل ما قاله النّقّاد القدماء، وقرأوا شيئا من الشعر، ولم يقرأوا الشعر كلّه، ولذلك جاءت أحكامهم، مضلّلة، أضلّت طبقات متوالية من
النقّاد الكسالى، الذين يحتطبون ولا يميزون.
* ولعلّ الوهم جاءهم من جهات:
الأولى: المقدمة الطّلليّة أو الغزلية أو الخمرية التي تتصدر قصيدة المدح، أو الفخر، أو الهجاء وتبدو للنظرة العجلى أنها مبتوتة الصلة بالموضوع.
الثانية: كثرة الأبيات السائرة التي يتمثّل بها.
الثالثة: الأبيات الشعرية التي استشهد بها النحويون، وهي في الغالب، أبيات مفردة.
الرابعة: اعتمادهم على قصائد أخلّت الروايات بعدد أبياتها، وترتيبها، وبالزيادة فيها أو النقص منها.
الخامسة: اشتمال القصيدة على وصف لموضوعات متعددة، كوصف الأطلال، والغزل ووصف الراحلة، والحيوانات الوحشية
…
* أما المقدمة الطّلليّه أو الغزلية أو الخمرية، فإنها ليست تقليدا ملتزما في القصائد جميعها. فكيف نعمم حكم فنّ على الفنون كلّها؟ ولو شئت لعددت عشرات القصائد لا تبدأ بمقدمة مما ذكرت، وقد يبدؤون قصائدهم بالتعبير عن مشاعرهم في الموضوع الذي أرادوه. فهذا متمم بن نويرة يبدأ رثاء أخيه مالك بقوله:
لعمري وما دهري بتأبين هالك
…
ولا جزع مما أصاب فأوجعا
وهذا أبو ذؤيب الهذلي يبدأ رثاء أولاده بقوله:
أمن المنون وريبه تتوجّع
…
والدهر ليس بمعتب من يجزع
والأمثلة لقصائد الرثاء التي باشرت موضوعها كثيرة.
وعند ما رثى دريد بن الصمّة أخاه عبد الله، بدأ الرثاء ببيتين من النسيب يلائمان الرثاء، حيث يقول في المطلع:
أرثّ جديد الحبل من أم معبد
…
بعاقبة وأخلفت كلّ موعد
وبانت ولم أحمد إليك جوارها
…
ولم ترج فينا ردّة اليوم أو غد
قال أبو الفرج: «إنّ أم معبد التي ذكرها دريد في شعره، كانت امرأته فطلقها لأنها رأته شديد الجزع على أخيه، فعاتبته على ذلك، وصغّرت شأن أخيه وسبّته، فطلقها» . هذا، وجلّ قصائد الرثاء، لا تخرج عن ذكر مآثر الميت، وما يتصل بذكر الموت، وذكر شيء مما يسلّي عن ألم المصاب.
وأما قصائد الفخر التي تهجم على موضوع الفخر بلا مقدمة، فهي كثيرة أيضا.
ففي «الأصمعيات» قصيدة لعقبة بن سابق، يفخر في أولها بقطعه البيد على ناقة شديدة، ويصفها، وأنه يغدو أحيانا بفرس، ويصفها، وتبدأ بقوله:
وجرف سبسب يجري
…
عليه موره جدب
تعسّفت على وجنا
…
ء حرف حرج رهب
[والجوف: ما جرفته السيول وأكلته من الأرض. والسبسب: المتسع من الأرض. والمور: الغبار. وتعسّفت: قطعت المفازة بغير قصد ولا هداية. يريد أنه يغامر ولا يخشى الفيافي. وقوله: وجناء وحرف
…
الخ: من صفات
الناقة]. وبعد ستة أبيات يذكر الفرس قائلا:
وقد أغدو بطرف هي
…
كل ذي خصل سكب
[والطرف: الفرس كريم الأبوين، والهيكل: الطويل الضخم. والخصل:
خصل الشعر، والسكب: الجواد الكثير العدو]: ويصف الفرس في أحد عشر بيتا.
ثم يصف ما يحقق للبيت من صيد في أربعة أبيات، فعدة القصيدة واحد وعشرون بيتا. وربّما عدّ بعض النقاد هذا من باب الوصف، ولكن الشاعر يصف ما يمتلك، ليفخر به، فالقصيدة كلها في الفخر. وقصيدة عروة بن الورد التي مطلعها:
أقلّي عليّ اللوم يا ابنة منذر
…
ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري
وهذا خطاب لامرأته، ولكنه ليس غزلا أو حنينا، وإنما هو مطلع ممهد للفخر، بل هو من لوازم الفخر، فهو يوجه الخطاب إلى امرأته (ابنة منذر) وكانت تلومه على الخطار بنفسه وإدمانه الغزوات والغارات في أحياء العرب، فرد عليها قولها بأنه إنما يبغي بذلك المجد. ويرسم في القصيدة سياسة للصعاليك، فهو لا يرضيه الصعلوك الخامل، وإنما يريده على أن يكون غازيا جريئا، ويعلن أنه سيواصل الغارات متزعما أصحابه لكي يشبع رغبة الجود والبذل الذي أخذ نفسه به، وهذه كلها من مفاخره الذاتية.
وقصيدة مالك بن حريم في «الأصمعيات» بدأها بإظهار جزعه من الشيب بعد الشباب وهي قصيدة في الفخر.
وقصيدة كعب بن سعد الغنوي من الأصمعيات، وهي قصيدة فخرية، بدأها بخطاب المرأة التي لامته لأنه يجابه الأخطار، وهو ليس مطلعا غزليا، وإنما هو مدخل فنيّ إلى الفخر.
وقصيدة الأسعر الجعفي، عدة أبياتها ثلاثون بيتا في الفخر، وتبدأ بقوله:
أبلغ أبا حمران أن عشيرتي
…
ناجوا وللقوم المناجين التّوى
هذا، والقصائد الفخرية التي بدأت بالفخر، أو بما يدعو إلى الفخر كثيرة لا حصر لها. وقل مثل ذلك في قصائد النصائح والحكمة، ومنها قصيدة عبد قيس بن خفاف في «المفضليات» ، ومطلعها:
أجبيل إنّ أباك كارب يومه
…
فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
* ولعلّ أول من أوهم النّقاد بأن المقدمة الطّلليّة تقليد لازم، هو ابن قتيبة عند ما قال في مقدمة «الشعر والشعراء»: «وسمعت بعض أهل العلم بالشعر يذكر أنّ مقصّد القصيد، إنما ابتدأ بذكر الديار والآثار
…
الخ» فعمم القول على
القصيد كلّه، ولكن آخر كلامه يدل على أن المقدمة الطللية تقليد في قصيدة المدح فقط، لقوله:
«فإذا علم - الشاعر - أنه قد أوجب على صاحبه - الممدوح - حقّ الرجاء، وقرر
عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة
…
».
وفيما نقله ابن قتيبة، وصف لمنهج القصيدة العربية وخطواتها، وتفسير لهذا المنهج:
أ - جعل مطلع القصيدة ذكر الديار ليكون سببا لذكر أهلها.
ب - ثم وصل ذلك بالنسيب ليميل نحوه القلوب، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء.
ج - ثم رحل في شعره وشكا النصب وحرّ الهجير وإنضاء الراحلة والبعير ليوجب على الممدوح حقّ الرجاء.
د - المدح.
* وعلى ما نقله ابن قتيبة ملاحظات:
الأولى: جعل مطلع القصيدة العربية الملتزم، هو ذكر الديار
…
وقد ذكرنا قبل قليل أمثلة لقصائد لا تبدأ بالأطلال. ومن يبدأ من الشعراء بتمهيد لموضوع القصيدة، فقد يبدأ بذكر الديار، وقد يبدأ بوصف الخمر، كما في معلقة عمرو بن كلثوم، وقد يبدأ بالغزل دون ذكر الأطلال كما في قصيدة الأعشى:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل
…
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وبدأ كعب بن زهير قصيدته المشهورة بقوله:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
…
متيّم إثرها لم يفد مكبول
الثانية: جعل ذكر الديار سببا لذكر أهلها
…
وهذا يوحي بأن الشعراء اصطنعوا ذلك ولم يكن تعبيرا عن خلجات النفس المتصلة بالذكريات الجميلة. والحق أن الديار ومن فيها، أو من كان فيها شيء واحد لا يتجزأ، فالديار تذكر بالعيش فيها والأحباب يذكّرون بالديار. فالشاعر الجاهلي، أو الشاعر البدوي الكثير الارتحال إنما يعبر عن لواعج حقيقيّة، ولم يكن يصطنع أطلالا في خياله، كما فعل الشعراء الحضريون المقلدون ساكنو الحواضر في العصر العباسي، ولذلك فإننا نجد الشعراء
المجددين (أو الشعوبيين) يعيبون معاصريهم بالوقوف على الأطلال؛ لأن وقوفهم على الأطلال كان تقليدا - ولم ينقل عن هؤلاء المجددين أنهم عابوا الجاهليين لوقوفهم على الأطلال؛ لأن وقوفهم على الأطلال كان جزءا من حياتهم وبيئتهم.
فقال أبو نواس:
مالي بدار خلت من أهلها شغل
…
ولا شجاني لها أهل ولا طلل
يريد أنه لم يتعلق قلبه بأطلال ليذكرها في شعره، ومعنى هذا أن الجاهليين إنما ذكروا الأطلال لصلتها بذكرى الأحبّة.
وقال بشار بن برد - وفيها دليل على إيمانه بالبعث -:
كيف يبكي لمحبس في طلول
…
من سيبكي لحبس يوم طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلا
…
عن وقوف برشم دار محيل
…
وهو بهذا يعيب الشعراء المسلمين الذين يقفون على الأطلال.
* ومما يدلّ على أن ذكر الجاهليين الأطلال كان حقيقيا يتصل بذكريات واقعة، أنّ أسماء النساء المذكورات في الشعر إنما هي لنساء لهنّ وجود حقيقيّ: فعنترة يقول:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
…
وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
وعبلة حقيقة واقعة في حياة عنترة.
و «خولة» صاحبة طرفة بن العبد التي ذكرها بقوله: «لخولة أطلال ببرقة ثهمد
…
» قال الشّرّاح: خولة امرأة من بني كلب. وقالوا: إن «أم أوفى» في شعر زهير هي زوجه، و «هريرة» صاحبة الأعشى قينة كانت لرجل من آل عمرو.
* والبكاء على الأطلال أقدم من الشعر الذي وصلنا، وليس امرؤ القيس أول من وقف واستوقف، وبكى واستبكى على الأطلال كما يزعمون؛ لأن امرء القيس يقول:
عوجا على الطلل المحيل لعلّنا
…
نبكي الديار كما بكى ابن خذام
قال الآمدي في «المؤتلف» : «ابن خذام الذي ذكره امرؤ القيس في شعره، هو أحد من بكى الديار قبل امرئ القيس، ودرس شعره» . ويغلب على الظنّ أن بكاء ابن خذام لم يكن مقدمة لقصيدة مدح؛ لأنّ الأصل في الشعر أن يكون تعبيرا عن الذات، ومن هنا وصف الشعر العربي بأنه شعر غنائي؛ لأنه يغني المشاعر الذاتية في الحبّ والوفاء والذكريات، ولهذا فإن أقدم بكاء الجاهليين على الأطلال كان بكاء حقيقيا، ولم يكن مقدمة مصطنعة كما فعل الشعراء فيما بعد.
فحياة الجاهليين من أهل البوادي، كانت رحلة دائمة، ومع هذا الرحيل فإنهم لا ينسون ذكرياتهم في المكان
المرتحل عنه، وإذا جمعتهم الأيام بالمكان في طريق سفرهم شدّهم إلى الوقوف فيه وتذكّر ما كان في الأيام الخالية: من ذكريات الشباب واللهو والأهل. وليس هذا الصنيع مقصورا على الشعراء. لأنّ تذكّر الماضي والبكاء عليه، والحنين إليه فطرة في قلب كلّ إنسان، مع تفاوت الناس في التعبير. وما زال الناس حتى يومنا يقفون عند المكان الذي حلّوا فيه مدة طالت أو قصرت ويتذكرون ما كان ويتحسرون على ما فات. وإذا لم يستطع أحدنا أن يقف على مرابع الماضي، استدعاها في خياله ووقف عليها وناجاها. وقد تحوّل الوقوف على الأطلال في العصر الإسلامي، إلى وقوف على أطلال الآباء والأجداد، فالشاعر الإسلامي الحضري الذي يقف على الأطلال، يدفعه إلى ذلك حنين إلى مرابع أجداده. وكان كثير من الأندلسيين يذكرون الأطلال والصحراء ومعالم الجزيرة العربية في شعرهم، وهم يسكنون جنة الدنيا، ولم يكن ذلك إلا حنينا إلى مرابع الجذور، وفي الإسلام طرأ نوع جديد من الوقوف على الأطلال، وهو الوقوف على أطلال المسلمين في أيام مجدهم، أو الوقوف على آثار أهل القدوة من المسلمين. فقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب يتتبع الآثار النبوية في سفره بين مكة والمدينة فيصلي في كلّ مكان صلّى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة فيصبّ في أصلها الماء لكيلا تيبس، وعن نافع - مولى ابن عمر - أن عبد الله بن عمر كان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها ويقول: لعلّ خفّا يقع على خفّ - يعني خفّ راحلة النبي صلى الله عليه وسلم.
وينقل نافع وصفا لحال ابن عمر وهو يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتّبع أثر النبي لقلت: هذا مجنون.
وكثر فيما بعد شعر الحنين إلى الحجاز من الشعراء الذين فارقوا الحجاز وهم من أهله أو من الشعراء الذين يحنون إلى آثار المسلمين الأولين، فقال أحدهم:
كفى حزنا أني ببغداد نازل
…
وقلبي بأكناف الحجاز رهين
إذا عنّ ذكر للحجاز استفزّني
…
إلى من بأكناف الحجاز حنين
فو الله ما فارقتهم قاليا لهم
…
ولكنّ ما يقضى فسوف يكون
ووقف شعراء العرب في العصر الحديث على آثار العرب في الأندلس، فوصفوها، وبكوا على ما كان من المجد .. وهذا كله نوع من الوقوف على الأطلال، وفيه دليل على تعلّق العربي بآثار من يحبّ، أو بآثار الأقدمين، للبكاء عليها، والحنين إليها حينا، ولأخذ العبرة منها حينا آخر. ويروى أن أحد المتقدمين وقف على معاهد فقال: أين من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك؟ ثم قال: إن لم تتكلم حوارا تكلمت اعتبارا.
وقد أطلت في هذه التعليقة، لأقول: إن ابن قتيبة، أو من نقل عنه ابن قتيبة قد فسّر المقدمة الطللية تفسيرا عقليا بعيدا عن العواطف الإنسانية.
وإن النقّاد - من أهل العصر الحديث - الذين نظروا إلى المقدمة الطللية على أنها مبتوتة عن موضوع القصيدة، قدّموا تفسيرا للشعر وهم قابعون في بيوتهم، ولم يذوقوا طعم الترحال الذي ذاقه الأقدمون، ولم يغتربوا عن أوطانهم، ولم يفارقوا أهلهم وأحبابهم. ولو عاشوا حياة الأقدمين تجربة وبيئة، أو خيالا، لتغيرت مفهوماتهم، ولقالوا قولا غير الذي قالوه.
الملاحظة الثانية: حول تفسير ابن قتيبة لمنهج القصيدة: إنّ تعليل ذكر النسيب في القصيدة لإمالة القلوب نحوه، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل
…
يمكن ردّه أيضا؛ لأنه جعل نسيب الشاعر مصطنعا لهدف نفعي، وردّ هذا التعليل مبني على ردّنا تفسير المقدمة الطللية، فهو يجعل وظيفة الشعر تهييج مشاعر السامعين وتلبية رغباتهم في المرأة، وكأنه قصة إثارة مصطنعة. والحقّ أن الشاعر يعبر عن عواطفه الخاصة وذكرياته في ميدان الحبّ والاتصال بالمرأة، ودليلنا على ذلك أن النساء اللواتي ذكرن في النسيب، هنّ زوجات، أو فتيات تيّمن
الشعراء، وليس من المعهود في أخلاق العرب أن يعرضوا مفاتن الحليلات على الناس.
الملاحظة الثالثة: جعل شكوى الشاعر من حرّ الهجير، ووصف الراحلة، ووصف ما عانت من تعب الارتحال وسيلة ليوجب على الممدوح حقّ الرجاء والطلب. ولنا هنا تعليقتان: الأولى: كون وصف الراحلة والطريق من خصائص قصيدة المدح فقط لا يصح؛ لأن الوقوف على الأطلال، والنسيب، ووصف الراحلة يوجد في قصائد الفخر أيضا. فقصيدة لبيد في الفخر، تبدأ بالأطلال، وقصيدة الحارث بن حلّزة تبدأ بالأطلال، وهي في الفخر، وقصيدة طرفة بن العبد، يعدّد فيها مفاخره وبدأت بالأطلال
…
والأمثلة لذلك لا تحصى.
وليست كلّ قصيدة مدح تتبع الخطوات التي ذكرها. فقصيدة زهير المعلقة في مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف: بدأت بالأطلال، ووصف الظعائن، ولم يصف الطريق والراحلة. وقصيدة حسان بن ثابت اللاميّة في مدح الغساسنة، بدأت بالأطلال، وثنّت بالمدح. وقصيدة علقمة بن عبدة في مدح الحارث بن جبلة الغساني مطلعها:
طحا بك قلب في الحسان طروب
…
بعيد الشباب عصر حان مشيب
وهو مطلع في النسيب، ولم يذكر الأطلال.
التعليقة الثانية: حول تفسير سلوك الشاعر هذا المنهج في قصيدة المدح: فإن خطوات قصيدة المدح هي التي
أوهمت بتفكك القصيدة العربية. فالقارئ العجل يقول: وما علاقة الأطلال والغزل ووصف الناقة بموضوع المدح؟ إنّ الشاعر أدخل في القصيدة ما ليس منها. وما نقله ابن قتيبة في تفسير هذا المزج بين المدح وغيره ألقى بعض الضوء على سرّ ذلك، ولكنه لا يقنع بوحدة القصيدة. والتفسير عندي:
أ - إن كلّ ما قاله الشاعر قبل الوصول إلى موضوع المدح، يفرضه مقتضى حال قصيدة المدح، وتفرضه السّنّة المتبعة في حال خطاب الطلب. فإنه يغلب على أحوال المادحين، أن يطلبوا من الممدوح عطاء، أو يلمحوا إلى حاجتهم من قصد مجلسه. وليس من حسن الخطاب أن يطلب الإنسان حاجته دون تمهيد. قال
عمر بن الخطاب: «من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدّمه الرجل أمام حاجته، فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم» . وإذا كانت أبيات المديح هي الطلب المباشر، أو تضمنت الطلب، فإن ما يسبق المديح تمهيد للطلب. وقد اصطلح الناس وتعارفوا على أن هذا الأسلوب في التمهيد هو الأسلوب المرغوب فيه، فاتبعوه.
ب - إن وصف الراحلة والطريق ليس مصطنعا ولا متخيلا؛ لأنه يغلب على الشعراء المادحين أن يأتوا إلى الممدوحين من مكان بعيد. ووصف طريق الرحلة والراحلة يحقق الشاعر منه هدفا فنيّا نفعيّا: أما الهدف الفني، فهو تهييج القريحة الشعرية لتصل إلى ذروة عطائها في أبيات المدح، فيكون بمنزلة «التسخين» الذي يقوم به الرياضي قبل المباراة. ومن الهدف الفني إمتاع الممدوح بعرض صور فنيّة مما يوجد في الصحراء العربية، قد يكون متشوقا لرؤيتها، حيث يتضمن الوصف صورا للحيوانات الصحراوية، وطبائعها، وأحوالها مع الصائدين. وربما كان هناك سؤال يجب على الشاعر أن يجيب عنه وهو: كيف وصلت إلينا وكيف كانت الطريق، وماذا رأيت في طريق الرحلة؟
وأما الهدف النفعي: فهو استدرار عطاء الممدوح، لما لقيه في الطريق من أهوال قطعها إليه، وكلما اشتدّ عناء الشاعر، زاد الأمل في العطاء؛ لأن قطع المسافات الطويلة إلى الممدوح يرفع مقامه، ويجعله متفرّدا في صفات الكرم، وكأنه يقول للممدوح: ذكرك في الكرم والجود وصل إلى الأماكن القاصية، وليس في الربوع من يجود غيرك.
ج - رأينا فيما سبق الصلة الوثيقة بين وصف الطريق والراحلة، وبين موضوع المدح
…
وليس من الصعب أن تربط بين المقدمة الطللية الغزلية وبين باقي القصيدة. ربما نقول: إنّ المقدمة الطللية نوع من الإثارة الشاعرية، وليس هناك أقدر على الإثارة من التعبير عن المشاعر الذاتية.
وربما تقول: إن الشاعر عند ما تحدث عن ذكرياته الذاتيّة اللصيقة بموطنه، ومرابع القبيلة، أراد أن يقول للممدوح:
إنني خلّفت موطن الذكريات العزيزة إلى
قلبي وقصدتك طالبا جودك، وربما أراد أن يقول: ليس في حياتي ما أقدّمه على ملاقاتك، ولو كانت ألصق الذكريات بي، وأحبّها إليّ. وللدلالة على صلة الأطلال والنسيب بموضوع المدح، يربط الشعراء بين هذه المقدمة وما بعدها برباط فنيّ، يسمونه «حسن التخلّص» ، وانظر مثال الربط القوي وحسن التخلص بين الأقسام، المفضلية رقم «25» للحارث بن حلزة اليشكري في مدح الملك قيس بن شراحيل.
والمفضلية رقم «119» لعلقمة بن عبدة، في مدح الحارث بن جبلة.
والخلاصة: أن كلام ابن قتيبة في المقدمة، كان يصح لو قال:«إن مقصّد قصيد «المدح» إذا بدأ بوصف الديار
…
الخ».
وقلت: قصيد المدح؛ لأننا وجدنا أن المنهج الذي وصفه لا يعمّ القصيد كلّه. وقلت: «إذا» لأن قصائد المدح لا تتبع كلّها الخطوات التي وصفها: فقصيدة المدح قد تبدأ بالوقوف على الديار، وقد تبدأ بالغزل بدون الوقوف على الأطلال.
وقد يصف الشاعر الراحلة والطريق، وقد يكون المدح بعد الوقوف على الأطلال ..
فالذي قاله ابن قتيبة خاص بقصائد. ورأينا خيوطا فنيّة ومعنوية تربط بين أجزاء قصيدة المدح، بل قل: بين خطوات قصيدة المدح. فهي قصة المادح منذ كان في دياره، إلى أن يرتحل ويصل إلى الممدوح، فيقول له ما قاله، وينال عطاءه. ولم يقل أحد إن القصة ذات لون واحد، فهي تصف الزمان والمكان والحدث، ومع ذلك نعدّها وحدة متكاملة. وإذا وجدت قصيدة لا تربطها الروابط، فليس ذلك من عيب فيها، وإنما جاء العيب من الرواية، فإذا أردت أن تحكم على الشعر، فعليك بالقصائد الصحيحة الرواية التي لم تخلّ الروايات بشيء من عدد أبياتها، أو ترتيبها كما سيأتي بيانه، فقد كان العرب أهل ذوق فنيّ، ولم يكونوا يخلطون بين الألوان المتنافرة. هذا، وإذا عاندت ولم تقنع بما قدمت من تفسير خطوات قصيدة المدح، فإنني أقول: إنّ قصائد المدح في الشعر الجاهلي لا تساوي 1/ 30 من بقية الشعر، فما كثر المدح إلا في زمن خلفاء بني أمية ومن بعدهم، وسوف نرى تعاضدا أشد لا ينكر بين أجزاء القصيدة في الفنون الأخرى، فيما يأتي من الكلام إن شاء الله.
* وأما جهة الوهم الثانية: فهي كثرة الأبيات السائرة التي تدلّ على معنى منفرد:
أقول: إن كلّ بيت من الأبيات السائرة يؤدي معنى منفردا، ولكنك إذا حذفته، أو غيرت ترتيبه اختل التسلسل
المعنوي، واقرأ قول الحطيئة في سياق هجاء الزبرقان، ورفع مقام «بغيض»:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
…
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
…
لا يذهب العرف بين الله والناس
وقول أبي ذؤيب في سياق رثاء أولاده:
والنفس راغبة إذا رغبتها
…
وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقول لبيد في سياق رثاء أخيه أربد:
وما المال والأهلون إلّا ودائع
…
ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
فمع أن هذه الأبيات من سوائر الأمثال، إلا أن سياق القصيدة لا يستغني عنها.
بل إن البيت يكتسب معنى زائدا، إذا قرئ في سياقه، وهذا يدل على أن البيت مربوط بالقصيدة، ودلالته على معنى منفرد، مع ارتباطه ميزة فنية تحسب في محاسن القصيدة.
* وأما أبيات الشواهد النحوية: فإنها تنشد في كتب النحو لتكون حجة للقواعد النحوية، فإذا أنشدتها في باب الأدب نقص معناها، أو اختلّ. ولعلّ سائلا يقول:
وهل ينفصم الأدب عن النحو، أو ينفصل النحو عن الأدب؟ الجواب: إن الشعراء يعدّون النحو موجّها لأساليبهم؛ لأنهم يقولون للإفهام والتأثير. والقارئون والسامعون موجّهون بما عهدوا من قواعد النحو، ولكن مع ذلك، ليست القواعد النحوية هي المتفرّدة بإحداث التأثير الأدبي، بل هناك عوامل أخرى تدخل في باب البلاغة وعلم المعاني.
وأما النحويون: فإنهم لا يعيرون الناحية الأدبية كثيرا من الرعاية عند ما يستشهدون بأبيات الشعر، وذلك راجع إلى طبيعة صنعتهم، وما يرغبون فيه لبناء القواعد عليه. وقد سجّلت على حاشية الشواهد النحوية الملاحظات التالية:
1 -
إن مؤلفي كتب النحو يركزون عنايتهم على الكلمة المفردة، أو الجملة، أو الحرف من البيت، ولم يكن يعنيهم أن يقرؤوا البيت في سياق القصيدة - في الغالب - إلا إذا كانت الكلمة محل الشاهد في قافية البيت، أو كان محلّ الشاهد في بيتين:
مثال الأول: الاستشهاد لنصب المضارع بعد «أو» ببيت امرئ القيس:
فقلت له: لا تبك عينك إنّما
…
نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
- فقالوا: إنّ «نموت» منصوب؛ لأن «فنعذرا» معطوف عليه بالنصب، والقوافي في القصيدة منصوبة.
ومثال الثاني: قول عمر بن أبي ربيعة، أو العرجيّ:
ليت هذا الليل شهر
…
لا نرى فيه عريبا
ليس إيّاي وإيّا
…
ك ولا نخشى رقيبا
[عريبا - بالعين المهملة، بمعنى «أحد»]. فجاؤوا بالبيت الأول مع البيت الثاني لأن اسم «ليس» ضمير مستتر يعود على «عريبا» أو لأنّ ليس بمعنى «إلا» .
2 -
قال أوس بن حجر:
فأمهله حتى إذا أن كأنّه
…
معاطي يد في لجّة الماء غامر
استشهد بهذا البيت ابن هشام في «المغني» والشيخ خالد في شرح التصريح لزيادة «أن» بعد «إذا» ، فنظروا إلى قوله:«إذا أن كأنّه» ولم يتدبروا بقية البيت، ولم يقرؤوا البيت في القصيدة، ولذلك وقعوا في الأوهام التالية:
أ - جاء البيت بقافية الراء «غامر» والحق أن القافية فائية وهي كلمة «غارف» لأن البيت من قصيدة فائية مطلعها:
تنكّر بعدي من أميمة صائف
…
فبرك فأعلى تولب فالمخالف
مع العلم أن ابن هشام متوفى سنة 761 هـ، والشيخ خالد متوفى سنة 905 هـ وبين الاثنين حوالي القرن ونصف القرن.
ب - روي البيت في كتب النحو «في لجة الماء» والصحيح «من جمّة الماء» وقد أثّر هذا التحريف في فهم صانعي الحواشي على كتب النحو، كما سيأتي في الملاحظات.
ج - صنع الشيخ ياسين، المتوفى سنة 1061 هـ، حاشية على كتاب «شرح التصريح» فشرح البيت كما نقله الشيخ خالد، وأغرب في شرحه لأنه لم يرجع إلى قصيدة البيت. فقال: لجّة الماء: معظمه. والغامر، بالمعجمة: المغطّي وهي مبني للفاعل (اسم فاعل) وأسند إلى المفعول، كراضية في قوله تعالى: عِيشَةٍ راضِيَةٍ* أي: مرضيّة. ونقل عن الدماميني (محمد بن أبي بكر) المتوفى سنة 827 هـ من شرحه على «المغني» أنّ المعنى «أنّه ترك هذا الرجل وتمهّل في إنقاذه، كما كان فيه، إلى أن وصل إلى حالة أشبه فيها من هو مغمور في اللجة، يخرج يده ليتناولها من ينقذه، وهذه حالة الغريق» أه. وهذا الفهم بعيد كلّ البعد عن معنى البيت في سياق القصيدة.
د - والحقّ: أن البيت جاء في سياق أبيات يصف الشاعر فيها ناقته، ويشبهها بحمار وحشيّ، ثم يصف الحمار الوحشي، ثم يقول: إن الحمار الوحشي كان في عطش شديد، فورد عين ماء فصادف عليها صيّادا.
فقوله: فأمهله: فاعل أمهل ضمير الصيّاد، والهاء: ضمير الحمار الوحشي. و «حتى» : غاية لما قبلها. والمعاطي: المتناول. وقوله: معاطي يد، أي: معاطي في يد. وجمّة الماء - بفتح الجيم - مجتمعه. ومن جمة: متعلق بغارف، و «إذا» في البيت ظرفية مجرّدة عن معنى الشرط، وفعلها محذوف يفهم من المقام، تقديره: حتى إذا صار الحمار من الماء في القرب مثل الرّجل الذي يتناول بيده غرفا. وفي الأبيات التالية يقول: إن الصيّاد هيّأ سهما، فأرسله ليصيب من الحمار مقتلا، فأخطأ السهم المقتل. [شرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي ج 1/ 164].
هـ - إنّ قصة هذا البيت، تدلّ دلالة قاطعة على وحدة القصيدة العربية، وأنك لا تستطيع تقديم بيت على بيت، وأن كثيرا من القصائد إذا حذفت منها بيتا اختل التسلسل المعنوي، وقد رأيت أن النحويين ضلّوا طريق فهم البيت عند ما قرؤوه مفردا. ورحم الله عبد القادر البغدادي، فإنه أول من نقد وقوّم أبيات الشواهد النحوية في كتابه «خزانة الأدب» و «شرح أبيات مغني اللبيب» ؛ لأنه كان عالما بالأدب، وينظر في البيت بذوق الأديب الناقد. ولذلك نجده ينسب البيت إلى صاحبه، ويرجع إلى قصيدة البيت في ديوان الشاعر، ويرى أن البيت لا يفهم وحده، فيقول:«ولا بدّ من شرح أبيات حتى يتضح المعنى» فذكر وشرح ما قبل البيت وما بعده، فكان مجموع الأبيات ثلاثة وعشرين بيتا، يظهر البيت حلقة منها، لا يفهم إلا بها، وتدرك بعد فهم الأبيات قوة ترابطها.
3 -
ومن أثر عناية النحويين بالكلمة المفردة، أو الجملة من البيت المفرد، أنهم قد يركّبون بيتا من بيتين لشاعرين. فقد أنشد ابن هشام في «المغني» هذا البيت، شاهدا للفصل بين «قد» والفعل بجملة القسم:
أخالد قد والله أوطئت عشوة
…
وما قائل المعروف فينا يعنّف
- والبيت مركب من شعري شاعرين: فالشطر الأول، لأخي يزيد بن بلان البجلي، من ثلاثة أبيات يخاطب بها خالد بن عبد الله القسري، وهي بقافية القاف، والبيت هكذا:
أخالد قد والله أوطئت عشوة
…
وما العاشق المسكين فينا بسارق
والشطر الثاني من قصيدة للفرزدق مطلعها:
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف
…
وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
وصدر البيت الذي أخذ شطره الثاني:
وما حلّ من جهل حبا حلمائنا
…
وما قائل
…
4 -
ومن الأدلة على أن النحويين يقنعون بالنظر في البيت المفرد، دون البحث عن القصيدة التي ينتمي إليها البيت: أنهم قد يروون القافية المرفوعة منصوبة والقافية المجرورة منصوبة، ويجعلون الشاهد في كلمة القافية المحرّفة. فقد أنشد سيبويه، البيت التالي شاهدا لنصب المضارع بعد «أو»:
وكنت إذا غمزت قناة قوم
…
كسرت كعوبها أو تستقيما
وتوارد النحاة بعد سيبويه على روايته على الصورة التي رواها.
والبيت للشاعر زياد الأعجم، من أبيات هجا بها المغيرة بن حبناء التميمي، وهي ثمانية أبيات، خمسة منها قافيتها مرفوعة، ومنها البيت الشاهد، وهو هكذا:
«كسرت كعوبها أو تستقيم» . وثلاثة أبيات قافيتها مجرورة، للإقواء. وهذه الأبيات نقلها صاحب الأغاني في ترجمة المغيرة، ونقلها عنه البغدادي في «شرح أبيات مغني اللبيب». وقال ابن منظور في «اللسان»: قال ابن بري: هكذا ذكر سيبويه هذا البيت، بنصب «تستقيم» بأو. قال: وهو في شعره «تستقيم» بالرفع، والأبيات ثلاثة لا غير. وأنشد بيتين مجروري القافية، ومعهما البيت الشاهد مرفوع القافية، للإقواء. وقال أهل العلم بالشعر: ولا يجوز أن ينشد بعض الأبيات منصوبا، وبعضها مرفوعا أو مجرورا، على طريق الإقواء؛ لأن الإقواء في الغالب إنما يكون بين المرفوع والمجرور، لما بينهما من المناسبة.
وأنشد سيبويه:
معاوي إننا بشر فأسجح
…
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
- بنصب «الحديدا» على أنه معطوف على محلّ الجار والمجرور، وهو قوله:«بالجبال» وهو خبر ليس والباء زائدة. والشاهد أول بيت في قصيدة للشاعر عقيبة بن هبيرة الأسدي، والأبيات التالية كلّها مخفوضة، حيث يقول بعده:
فهبنا أمة ذهبت ضياعا
…
يزيد يسوسها وأبو يزيد
أتطمع في الخلود إذا هلكنا
…
وليس لنا ولا لك من خلود
وقد ردّ ابن قتيبة رواية سيبويه وقال: وقد غلط على الشاعر؛ لأنّ هذا الشعر كلّه مخفوض. [الشعر والشعراء/ 43]. وقال الحسن العسكري في كتاب «التصحيف/ 207» : ومما غلط فيه النحويون من الشعر، ورووه موافقا لما أرادوه، ما روي عن سيبويه (وذكر البيت).
قلت: ولكن النحويين فيهم عصبية وعناد، وما رأيت فئة تتعصب لرئيسها تعصّب البصريين لسيبويه، فإنّهم نزّهوا سيبويه وكتابه عن كل نقيصة أو عيب أو سهو، ولم يعترفوا بقول القائل:«كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه» ولذلك فإنهم قد التمسوا له الأعذار لتكون روايته حجة: فقالوا: إنه سمع من العرب الذين يستشهد بقولهم من ينشد هذين البيتين بالنصب، فكان إنشاده حجة. وهذا الاعتذار ليس مقبولا، وبخاصة في هذين البيتين؛ لأنّ الشاهد يكمن في القافية، وكان الواجب أن يسأل الراوي عن أخ للبيت على الأقل ليعرف حركة القوافي. واعتذروا عن البيت الثاني - بيت عقيبة بن هبيرة - بأن للبيت أخا منصوب القافية، وأن البيتين للشاعر عبد الله بن الزّبير - بفتح الزاي - الأسدي. وقالوا: وليس ينكر أن يكون بيت من قصيدتين معا؛ لأن الشعراء قد يستعير بعضهم من كلام بعض.
وهذا الاعتذار غير مقبول أيضا. لأن وجود بيت واحد برمّته في قصيدتين يغلب أن يكون من خلط الرواة، ثم إنّ عدم اطّلاع النحويّ على القافية الأخرى المجرورة عند الشاعر الآخر، يجعل القاعدة النحوية المستنبطة غير مطردة، فالقواعد المطردة القياسيّة يجب أن تبنى على الاستقراء.
* أما الجهة الرابعة التي جاء منها التوهم بأن القصيدة العربية القديمة غير مترابطة فهي الرواية. فالشعر العربيّ الجاهليّ، والمخضرم، بقي زمنا - الله أعلم به - تتداوله الألسنة، وتتناشده العرب، وينتقل من قاصّ إلى آخر، إلى أن جاء زمن الرواية والتدوين في القرن الثاني الهجري، فرأينا الرواة يختلفون في رواية البيت على وجوه مختلفة، ورأينا القصيدة تطول عند بعضهم، وتقصر عند آخر، ويختلف ترتيب الأبيات في القصيدة باختلاف الراوي. ومع هذه الحال، فإننا لسنا على يقين أنّ كل قصيدة منسوبة إلى شاعر، هي كلّ ما قاله منها فلعلّ أبياتا قد فقدت منها،
فأخلّت بالتسلسل المعنوي، ولعلّ الرواة قدّموا وأخّروا بين أبيات القصيدة، فأخلّ ذلك بالسياق. فإنّ رواة الشعر، كغيرهم من رواة الأخبار، كان يعنيهم في المرحلة الأولى الجمع ثم تأتي مرحلة النّقد، وهذه من عمل الناقد الأدبي، كما أنّ المرحلة الثانية من قراءة الأخبار ونقدها من وظيفة نقّاد السّند والمتن، ليقولوا: هل صحّ هذا الخبر أم لم يصحّ. وقد وصلتنا أخبار المؤرخين مدونة دون نقد، فظنها مؤلفو التاريخ في العصر الحديث صحيحة فنقلوا منها وبنوا عليها الأحكام، فضلّوا وأضلّوا غيرهم. وكذلك وصلتنا الأشعار كما رواها الرواة، دون أن تهذبها نظرات الناقد الأدبي، فأخذها بعض نقدة الشعر في العصر الحديث، كما وصلت إليهم وبنوا عليها الأحكام النقدية، فكان ما كان من الأحكام التي تحتاج إلى نقد على نقد. وقد وقع نظر هؤلاء النقاد على نماذج قليلة مما وصفنا من الروايات، فعمّموا الأحكام على الشعر العربيّ كله، فكان حكمهم الجائر؛ لأنهم لم يصدروا حكمهم بعد استقراء النصوص
جميعها، وربما كان الذي أصدر هذه الأحكام واحدا، وتبعه الآخرون دون تحقيق، ولا يستبعد أن يكون المستشرقون هم أول من أصدر الأحكام النقديّة على الشعر العربي القديم، لأن أكثر الشّبهات والمطاعن التي أثيرت حول الشعر والتراث العربي بعامة، كان مصدرها الاستشراق. فالمستشرقون كانوا من السبّاقين إلى طباعة بعض دواوين ومجموعات الشعر العربي، وتقديم الدراسات عنها، وكانوا محلّ ثقة الرعيل الأول من مؤلفينا في العصر الحديث، وقد جلب بعضهم للتدريس في جامعة القاهرة في عهدها الأول. وللمستشرق (نلّينو 1872 - 1938 م)«تاريخ الآداب العربية» يرجع إليه كثير من المؤلفين العرب، وينهلون من مستنقعه الآسن. وكان قد ألقى محاضرات في جامعة القاهرة.
* والحقّ الذي لا مرية فيه، أنه إذا وجدت قصائد قليلة، يظهر التفكك بين أجزائها بسبب ما ذكرنا، فإنه توجد عشرات القصائد المطولة، يظهر الترابط الوثيق بين أجزائها، وإليك بعض التفصيل:
1 -
قلت إن من أسباب التفكك البادي على بعض القصائد القديمة الرواية، حيث كانت عناية بعض الرواة تتّجه إلى الجمع دون التنسيق. وأمامي روايتان
للمعلقات إحداهما رواية الزوزني مع شرحها، ورواية التبريزي (القصائد العشر) مع شرحها. وقد قارنت بين معلقتين الأولى: لزهير، والثانية: للبيد، أما معلقة زهير فإنني وجدت اختلافا في الترتيب في أكثر من عشرة مواضع مع الاختلاف في عدد الأبيات. أما معلقة لبيد، فإن تسلسل الأبيات في الروايتين وعددها، يكاد يكون متفقا، ولم أجد اختلافا في الترتيب إلا في موضع واحد. ولذلك فإن طه حسين اتخذ من معلقة لبيد مثالا، للردّ على من يدّعون افتقار القصيدة الجاهلية إلى الوحدة المعنوية، وأثبت من خلال عرضه القصيدة أنه لا يمكن تقديم بيت على بيت فيها. (حديث الأربعاء 1/ 28 - 39).
2 -
وليست قصيدة لبيد يتيمة، فهناك عشرات القصائد المطولات التي رواها المحققون من أهل الرواية. ولعلّ كثيرا من قصائد «المفضليات» التي نشرها وحققها الأستاذان: أحمد شاكر، وعبد السّلام هارون، يعدّ نماذج للقصيدة العربية.
فالمفضّل الضبي - راوي القصائد - كان موثقا في روايته، وكان من العلماء بالشعر. قال فيه محمد بن سلام الجمحي في طبقات الشعراء:«وأعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة، المفضّل بن محمد الضبي الكوفي» . ولكنّ الرواة والنساخ بعد المفضل لم يتركوا لنا مختاراته كما اختارها ورواها، وإنما زادوا في عدد القصائد، كما زادوا في أبيات القصائد، فاختلطت بغيرها. فالمشهور أن المفضل اختار ثمانين قصيدة، ولكنها وصلت في
المطبوع إلى ثلاثين ومئة قصيدة.
ومما يطمئن النفس أن المحققين قالوا: إن مختارات المفضل، لم تخرج عن هذا المجموع، ولكن الذي يصعب على القارئ التمييز بين مختارات الضبي والدخيل عليها. ومع ذلك فإن في هذا المجموع عشرات القصائد المطولة التي يظهر التلاحم بين أجزائها؛ لأنها وصلت إلينا كما قالها شاعرها. وإذا لم تستطع أن تربط بين أجزاء هذه القصائد، فإنني أوصي بقراءة الأجواء التي كتبها المحققان في حاشية هذه القصائد: قصيدة تأبط شرا، وهي أولى المفضليات، وعدد أبياتها ستة وعشرون بيتا، وقصيدة الحصين بن الحمام المرّي ص 64، وعدد أبياتها اثنان وأربعون بيتا، وقصيدة المرّار بن منقذ ص 82، وعدد أبياتها خمسة وتسعون بيتا، وقصيدة الأسود بن يعفر ص 215، وعدد أبياتها ستة وثلاثون
بيتا، وقصيدة متمّم بن نويرة ص 215 وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتا، وقصيدة المثقّب العبدي ص 287، وعدد أبياتها خمسة وأربعون بيتا، وتعدّ هذه القصيدة - في بعض المصادر - مثالا لخلط الرواة بين القصائد المتشابهة في الوزن والقافية، حيث خلطها بعضهم بمقطوعة سحيم بن وثيل الرياحي «الأصمعية» التي مطلعها:
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا
…
متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قصيدة علقمة بن عبدة ص 391، وعدة أبياتها ثلاثة وأربعون بيتا، قالها يمدح الحارث بن جبلة الغساني، ومطلعها:
طحا بك قلب في الحسان طروب
…
بعيد الشباب عصر حان مشيب
تبدأ بالغزل، ثم يصف الراحلة، ثم يختمها بالمديح، ولكن الشاعر أجاد الربط بين الأجزاء، وتسلسلت معاني الأبيات، كلّ بيت يسلمك إلى ما بعده بحيث لو قدّم بيت على الآخر، لفسد المعنى.
وتليها المفضلية ص 397، للشاعر نفسه، ومطلعها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم
…
أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
وعدة أبيات القصيدة سبعة وخمسون بيتا، وهي أيضا قصيدة متماسكة الأجزاء متلاحمة الأبيات، تنساب معانيها من البداية حتى النهاية في رونق جذب؛ لأنها مشاعر وخواطر ذاتيّة فاضت على لسان الشاعر، فقصّها علينا في تسلسل أخّاذ.
* وأقف عند رائعة أبي ذؤيب الهذلي (خويلد بن خالد) المخضرم. هلك بنوه الخمسة في عام واحد بالطاعون، وكانوا رجالا ولهم بأس وشدّة. وكانوا هاجروا إلى مصر، فبكاهم جميعا بهذه القصيدة الرائعة التي تعدّ الذروة
العليا من الشعر.
روى صاحب «الأغاني» أن المنصور لما مات ابنه الأكبر جعفر، طلب من ينشده هذه القصيدة من أهل بيته حتى يتسلّى بها، فلم يجد حاجبه في الحاضرين من بني هاشم من يحفظها ثم وجد له شيخا كبيرا مؤدّبا من غيرهم أنشده إيّاها، وأجازه،
وقد جعل صدر القصيدة حديثا بينه وبين امرأة تسائله عن شحوبه وأرقه، فيجيبها عن سبب حزنه وألمه. ثم رسم لنا ثلاث لوحات فنيّة لثلاثة أنماط من مظاهر القوة والحذر، والحرص، ومع ذلك لا تجدي شيئا أمام الموت، فهو أقوى وأقدر.
ويبدأ كل لوحة بقوله: «والدهر لا يبقى على حدثانه»
…
ويرسم لنا في اللوحة الأولى صورة الحمار الوحشي الذي بقي في معزل ثم ساقه القدر إلى عين ماء صادف عندها صيّادا، كان مصرعه على يديه. ويصف في اللوحة الثانية صورة ثور وحشي لم ينفعه حذره، ولم يمنعه من الوقوع في حبائل الصياد. وفي الصورة الثالثة يصف رجلا مدججا بالسلاح شجاعا جريئا، ولكنه يخرّ صريعا أمام قرنه. والشاعر يتخذ من هذه الأنماط الثلاثة عزاء لنفسه وتسلية لها وحضا على الصبر.
وبعد: فإنّ ما أشرت إليه من القصائد المطولة ذات الوحدة المعنوية، أو ذات الترابط النفسي والعاطفي، هي نماذج قليلة من كثير مثبت في الدواوين والمجموعات الشعرية وإنّ استقصاءها لا يكون إلا في بحث مطوّل. والذي أردته من هذه النماذج أن أنبّه نقاد الشعر ودارسيه، إلى أنّ نقد النص والحكم عليه يسبقه عمل أكثر خطرا من نقد النص وتذوقه، وهو تخريج أبيات القصيدة من جميع المصادر الأدبية، والموازنة بين الروايات، والتأكد من أن هذه الأبيات هي كلّ ما قاله الشاعر منها، أو أن الشاعر قد قال هذه القصيدة، أي: صحة نسبة القصيدة إلى صاحبها، وعصرها، وأنها لم ينقص أو يزد فيها، ولم يختلّ ترتيبها، فليس كلّ شعر في ديوان أو مجموعة شعرية يصحّ جعله مثالا للحكم على العصر المنسوب إليه، لأن القصائد القديمة لعبت بها أهواء الرواة وأذواقهم ومزقتها الاختيارات، وأساء إليها النّسّاخ، وشتت شملها أهل النحو والتفسير لاختيارهم البيت والبيتين من القصيدة، بحسب الحاجة إلى الشواهد، وربما وجدت عشرة الأبيات من القصيدة في كتاب التفسير أو كتاب النحو، موزعة في مواطن متفرقة. ولا تغترنّ
بوجود القصيدة في ديوان شعر، أو في مجموعة من المجموعات الشعرية. إلا إذا كان الديوان أو المجموعة مخرّجة وموثقة، ومحققة، على مثال التحقيق الذي سار على نهجه الأستاذان: أحمد محمد شاكر، وعبد السّلام هارون، في تحقيق مجموعات عيون الشعر، وكما ظهر أنموذجه في «المفضليات» و «الأصمعيات» .
ومثل تحقيقات عبد القادر البغدادي - في خزانة الأدب - حيث حقق نسبة الأبيات والشواهد، والمقطوعات، وقدّم للنص نقدا توثيقيا لم يسبقه إليه أحد، ولم يستطع أن يزيد عليه أحد في العصر الحديث، لتوفّر المصادر في زمنه أكثر من توفرها في العصر الحديث؛ لأنه أدرك مصادر الشعر قبل تبدّدها وتفرقها في أنحاء الكرة الأرضية الجديدة. وإنه ليذكر مصادر كثيرة كانت موجودة في عصره (1030 - 1093 هـ) ولم تصل إلينا.
3 -
أشرت في التعليقة السابقة إلى نماذج من القصائد المطولة التي تجمعها وحدة عضوية معنوية، مما يدحض شبهة تفكك القصيدة العربية القديمة. وأشير هنا إلى عشرات النماذج من المقطوعات الشعرية المنتزعة من قصائد مطولة، أو المقطوعات التي كانت هي كل ما جادت به قريحة شاعر، وفي «حماسة» أبي تمام «882» مختارة، وأكثرها من خمسة أبيات فما فوقها، وقد تصل إلى العشرين بيتا، وقد جرى فيها أبو تمام على تبويب معاني الاختيار، وقسمها إلى أبواب هي: باب الحماسة، وباب المراثي، وباب الأدب، وباب النسيب، وباب الهجاء، وباب الأضياف، وباب المديح، وباب السير والنعاس، وباب الملح، وباب مذمّة النساء. وقد صبّ أبو تمام ذوقه الفني على ما وصل إليه من أشعار العرب، فاختار لكل باب من أبواب «الحماسة» ما ارتضاه ذوقه، وأجمع العلماء على تزكية أبي تمام في «الحماسة» ، وعلى تزكية «الحماسة» ونصوصها. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل على هذا بيت «الحماسة» ، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه؟.
وإن قراءة أبيات هذه المقطوعات ليبطل مزاعم القائلين بأن البيت وحدة القصيدة القديمة، وأن تقديم بيت على بيت لا يفسد المعنى. وأمامك مئات من المختارات، تتحدّى من يزعم أنه يستطيع تقديم بيت على أخيه ومجاوره دون أن
يختل المعنى ويضطرب، مع أنها من أبيات المعاني، بل المشبعة بالمعاني التي تساعد على جعلها من الأمثال السائرة.
4 -
أما البيت وأخوه تلاحما، وتتابعا، فأمثلته لا حصر لها. وأخبرني كيف يمكن أن تقدّم وتؤخر بين هذه الأبيات التالية دون أن يفسد المعنى، وهي لتأبط شرا أو لامرئ القيس من معلقته - على خلاف بين الرواة -[انظر شرح
المعلقات للزوزني]:
وواد كجوف العير قفر قطعته
…
به الذئب يعوي كالخليع المعيّل
فقلت له لما عوى إنّ شأننا
…
قليل الغنى إن كنت لمّا تموّل
كلانا إذا ما نال شيئا أفاته
…
ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
وكيف يمكن تقديم البيت الثاني على الأول في قول امرئ القيس من معلقته:
وقد أغتدي والطير في وكناتها
…
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا
…
كجلمود صخر حطّه السيل من عل
5 -
ولعلّ أكبر شبهة ينفذ منها الطعن في وحدة القصيدة العضوية: هي أبيات الحكمة التي تتخلل بعض القصائد. وهذه الأبيات تبدو للنظرة العجلى أنها معزولة عن موضوع القصيدة، كما أنه يسهل التقديم والتأخير فيها. وإليك هذه النظرات، لعلها تبدد شيئا من ظلمة هذه الشبهة، وتنوّر الطريق أمام قارئ أبيات الحكمة ومتذوقها في سياق القصيدة العربية، أو قارئ الحكمة منفردة عن القصيدة، وبخاصة إذا كانت الحكمة موضوع قصيدة مستقلّة:
أ - يجب التأكّد من أن هذه الأبيات منسوبة إلى صاحبها، وأنها قد وضعت في مكانها من سياق القصيدة كما أراده الشاعر، وأنها متتابعة كما ساقها الشاعر. فقبل أن نعيب «القول» يجب أن نتأكد أن صاحبه قد قاله، أو قاله بالصورة التي وصلت إلينا. وقد ألمحنا فيما سبق أن الرواية لعبت بالشعر، بحسن نيّة، أو لهوى، أو لأسباب أخرى. وأنقل هنا موازنة بين روايتين لأبيات الحكمة في معلقة زهير بن
أبي سلمى: فالشاعر بدأ معلقته بالغزل، ثم مدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان، لإصلاحهما بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء، وذمّ الحرب، وبغّضها إلى النفوس، وذمّ من لم يدخل في الصلح، ثم ختمت المعلقة بأبيات في الحكمة والنصح. وقد قارنت بين رواية الزوزني المتوفى سنة 486 هـ في شرحه، ورواية التبريزي، المتوفى سنة 502 هـ في شرحه أيضا، فوجدت اختلافا بيّنا في عدد أبيات الحكمة، وفي ترتيبها. فهي عند الزوزني سبعة عشر بيتا، وعند التبريزي ثلاثة عشر بيتا. وعند الزوزني خمسة أبيات لم ترد في رواية التبريزي، وعند التبريزي، بيت لم يرد في رواية الزوزني. وإليك تسلسلها عند الزوزني، مقابلا بتسلسلها عند التبريزي مع الإشارة إلى الأبيات التي لم ترد في كلتا الروايتين، وجعلت لها أرقاما مستقلة عن القصيدة.
تسلسل البيت عند الزوزني، ومطلع البيت التسلسل عند التبريزي 1. سئمت تكاليف الحياة
…
العاشر
2.
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله الثالث عشر/ آخر القصيدة
3.
رأيت المنايا خبط عشواء الحادي عشر
4.
ومن لم يصانع في أمور الثامن
5.
ومن يجعل المعروف من دون عرضه التاسع
6.
ومن يك ذا فضل الرابع
7.
ومن يوف لا يذمم الثاني
8.
ومن هاب أسباب المنايا الثالث
9.
ومن يجعل المعروف في غير أهله لا يوجد عند التبريزي
10.
ومن يعص أطراف الزّجاج الأول
11.
ومن لم يذد عن حوضه السابع
12.
ومن يغترب يحسب السادس
13.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة الثاني عشر
14.
وكائن ترى من صامت لا يوجد عند التبريزي
15.
لسان الفتى نصف لا يوجد عند التبريزي
16.
وإنّ سفاه الشيخ لا يوجد عند التبريزي
17.
سألنا فأعطيتم لا يوجد عند التبريزي
ويتفرد التبريزي بالبيت:
ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه
…
ولا يعفها يوما من الذّلّ يندم
وقال في الشرح: قال المازني: قال لي أبو زيد: قرأت هذه القصيدة على أبي عمرو بن العلاء فقال لي: قرأت هذه القصيدة منذ خمسين سنة، فلم أسمع هذا البيت إلا منك.
وقد يقول قائل: إن وجود هذا التباين في ترتيبها، مع ظهور المعنى وجلائه، يدلّ على أن البيت وحدة معنوية مستقلة، وهذا يؤكد انفراط عقد القصيدة.
قلت: ليس الأمر كذلك. نعم: قد يفهم البيت مستقلا، ولكنك لو وضعت البيت في المكان الذي وضعه الشاعر فيه، فإنك تجد له معنى زائدا، وتجد أنه مرتبط بجسم القصيدة، ومتناسق مع ما قبله ومع ما بعده. ولنقف عند نماذج
من هذه الأبيات.
فقد جعل الزوزني أول بيت في الحكمة، وبعد الانتهاء من الحديث عن الحرب، قوله «سئمت تكاليف الحياة
…
» وهو عند التبريزي البيت العاشر. أما أول أبيات الحكمة عند التبريزي فهو قوله: «ومن يعص أطراف الزّجاج
…
».
وقبل بيت الزوزني استطرد الشاعر في تقبيح الحرب، ومدح من دفعوا ديات قتلى لم يجترموا بقتلهم. وهذا المقام لا يناسبه بيت «سئمت تكاليف الحياة» وإنما تناسبه رواية التبريزي:
ومن يعص أطراف الزّجاج فإنه
…
يطيع العوالي ركّبت كلّ لهذم
والزجاج: جمع زجّ، وهو أسفل الرمح. والعوالي: جمع عالية، وهي أعلى الرمح. واللهذم: الحادّ. ومعنى البيت: أن من لا يقبل الصلح، وهو الزج الذي لا يقاتل به، فإنه يطيع الحرب، وهو السنان الذي يقاتل به، وقيل: المعنى إنّ
العرب كانوا إذا لقوا قوما لقوهم بالأزجّة ليؤذنوهم أنهم لا يريدون حربهم، فإذا أبوا، قلبوا لهم الأسنّة، فقاتلوهم. قلت: وهذا المعنى يناسب ما قبله في القصيدة. وأما مكانه عند الزوزني، فإنه يجعله قلقا، لا صلة له بما قبله وبما بعده. ويناسبه في التسلسل أيضا ما جاء عند التبريزي في الدعوة إلى الوفاء بعقد الصلح:
ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه
…
إلى مطمئنّ البرّ لا يتجمجم
ويناسبه في السياق بعد رواية التبريزي:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
…
ولو رام أسباب السماء بسلّم
وربما كانت روايته الصحيحة:
ومن يبغ أطراف الرماح ينلنه
…
ولو رام أن يرقى السماء بسلّم
يريد: من تعرض للرماح نالته ..
قلت: ولعلّ بعض الأبيات التي تأخرت منظومة في قسم الحكمة، تكون متقدمة في قلب القصيدة، فقوله:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
…
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
- قد يناسب مكانه بعد البيتين اللذين يدعو فيهما الأحلاف ألّا يضمروا الغدر في نفوسهم، حيث يقول:
فلا تكتمنّ الله ما في نفوسكم
…
ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدّخر
…
ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
ويناسب هذا المقام أيضا قوله:
وأعلم ما في الأمس واليوم قبله
…
ولكنني عن علم ما في غد عم
يريد أن يقول لهم: إذا كان أحد الفريقين أحرز نصرا فيما مضى، فإنه لا يعلم ما يخبّئ له القدر. وربما أتى في نسقه قوله:
رأيت المنايا خبط عشواء
…
البيت.
ويناسب هذا المقام قوله:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة
…
يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
ففيه دعوة إلى مصانعة الناس ومداراتهم، وهذا يناسب الدعوة إلى الصلح.
وقوله:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله .. البيت.
يناسب مقامه بعد مدح من دفعوا ديات القتلى.
ولعلّ بعض الأبيات، التي لا نجدها منسوقة مع المعاني العامة للقصيدة، تكون زيادة من الرواة والله أعلم.
ب - وهكذا وجدنا من الملاحظة السابقة أن أبيات الحكمة تكون منسوقة مع المعاني العامة للقصيدة؛ لأن الحكم نوع من النصح، والنصح يناسب مقتضى حال الكلام، فإن كانت القصيدة في الرثاء، جاءت الحكمة مناسبة لمقام التعزية والصبر، وإن كانت في قصيدة فخر فهي مناسبة لمعاني الفخر. فهذا طرفة بن العبد يقول:
ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى
…
وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
ويفصّل الثلاث التي جعلها هدف الحياة ثم يقول:
فذرني أروّي هامتي في حياتها
…
مخافة شرب في الحياة مصرّد
ثم يشرح لنا فلسفته هذه في صورة الحكمة المناسبة للمقام فيقول:
أرى قبر نحّام بخيل بماله
…
كقبر غويّ في البطالة مفسد
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي
…
عقيلة مال الفاحش المتشدّد
أرى العيش كنزا ناقصا كلّ ليلة
…
وما تنقص الأيام والدهر ينفد
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى
…
لكالطّول المرخى وثنياه في اليد
وعاتب ابن عمّه مالكا في أمر كان بينهما ثم قال:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة
…
على المرء من وقع الحسام المهنّد
وهو بيت مناسب للمقام، ومنسوق مع ما قبله.
…
ثم يفخر الشاعر ببعض مناقبه، ويختم ذلك بقوله:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
…
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له
…
بتاتا ولم تضرب له وقت موعد
…
فهو يقول: إنك لم تعرف كلّ شيء عن مفاخري، وسوف تظهرها لك الأيام القادمة.
ج - على أنه إذا جاءت الحكمة في صورة أبيات يبدو عليها الاستقلال المعنوي، فذلك لموافقته طبيعة هذا الفنّ. فالغزل، والمدح، والفخر، والرثاء فنون تعتمد على الوصف، والوصف يقترب من القصة، والقصة تستجيب للترابط والتسلسل. أما فنّ الحكمة، فإنه يقوم على مجموعة من النصائح تتعدد بتعدد مناحي الحياة، وبخاصة إذا كانت الحكمة موضوع قصيدة مستقلّة كما في قصيدة يزيد بن الحكم الثقفي (- 105 هـ) التي ينصح فيها ابنه، ويبدؤها بقوله:
يا بدر والأمثال يض
…
ربها لذي اللّبّ الحكيم
دم للخيل بودّه
…
ما خير ودّ لا يدوم
…
وفيها أبيات تجري مجرى الأمثال كقوله:
والناس مبتنيان محمود
…
البناية أو ذميم
وقوله:
والبغي يصرع أهله
…
والظّلم مرتعه وخيم
وقوله:
كلّ امرئ ستئيم من
…
هـ العرس أو منها يئيم
وقد يتلاحق البيتان والثلاثة في نسق فلا يؤخر المتقدم ولا يتقدم المتأخر، كقوله:
والمرء يبخل في الحقو
…
ق وللكلالة ما يسيم
ما بخل من هو للمنو
…
ن وريبها غرض رجيم
ويرى القرون أمامه
…
همدوا كما همد الهشيم
[والكلالة: الوارث ليس فيه الوالد والولد].
وقل ذلك في الحكمة التي تتخلل القصائد المطولة، فالحكمة لا تأتي دائما في بيت مفرد وإنما تكتمل في البيتين والثلاثة. قال معن بن أوس المزني (مخضرم) يعاتب صديقا:
وكنت إذا ما صاحب رام ظنّتي
…
وبدّل سوءا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجنّ فلم أدم
…
على ذاك إلا ريث ما أتحوّل
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد
…
إليه بوجه آخر الدهر تقبل
فالبيت الأخير بمنزلة التذييل لما سبقه، وفيه الحكمة السائرة، ولكنه ذروة ما قبله. فهو يريد أن يقول: إنّي أمدّ نفس التصبّر ما أمكن، فإذا أعجزتني الحال العارضة عن الاحتمال، انصرفت مالكا عناني، ثم لا يثنيني على ما أعرضت عنه شيء أبد الدهر، أي: لم تكد نفسي تقبل إليه بوجه من الوجوه، وعلى لون من الألوان. وفي قصيدة معن بن أوس ما يتمثل به الناس على أنه خطاب عام وبيت منفرد، وهو قوله:
وفي الناس إن رثّت حبالك واصل
…
وفي الأرض عن دار القلى متحوّل
ولكن الخطاب في قوله: «حبالك» للصديق المذكور في القصيدة، والبيت مربوط بما قبله، وهو:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني
…
يمينك فانظر أيّ كفّ تبدّل
د - ليست الحكمة قسما متميزا في القصيدة، ولا تستطيع أن تعدها بمنزلة المقدمة الغزلية في قصيدة المدح، بل هي من نسق القصيدة ومن سياقها المتّحد اللون والمذاق، فالحكمة في قصيدة الفخر مجموعة من التجارب التي جلبت لصاحبها المفاخر. فالشاعر علقمة بن عبدة في القصيدة التي مطلعها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم
…
أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
يفخر بحضوره مجلس الشراب، وينعت الخمر والإبريق، ويفخر بغلبته الأقران واشتراكه في الميسر، واختراقه المفاوز، وصبره على رديء الطعام والشراب، وبسيره في الهواجر
…
وهذه المفاخر يجمعها الكرم والشجاعة .. وهو يقدّم لهذه المفاخر بأبيات في الحكمة، فيها دعوة إلى الشجاعة والكرم، ونبذ البخل والخوف. وحضور مجالس الشراب من مظاهر الكرم عند طائفة من الجاهليين. ومما قاله في أبيات الحكمة:
والحمد لا يشترى إلّا له ثمن
…
مما يضنّ به الأقوام معلوم
والجود نافية للمال مهلكة
…
والبخل باق لأهليه ومذموم
ومن تعرّض للغربان يزجرها
…
على سلامته لا بدّ مشؤوم
وكلّ حصن وإن طالت سلامته
…
على دعائمه لا بدّ مهدوم
وفي قصيدة الرثاء يمزج الشاعر نظرته إلى الحياة بالرثاء في صورة حكم. استمع إلى لبيد بن ربيعة يرثي أخاه أربد حيث يقول:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
…
وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وما الناس إلا كالديار وأهلها
…
بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
…
يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
وما المال والأهلون إلا ودائع
…
ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
وما الناس إلا عاملان فعامل
…
يتبّر ما يبني وآخر رافع
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه
…
ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع
وفيما سبق من الملاحظات قدمنا أنموذجا للحكمة في قصيدة زهير، ورأينا أنها متصلة بموضوع القصيدة، وممتزجة مع معانيها.
هـ - وأخيرا، فإنّ الحكمة ليست من عمود القصيدة العربية، فهناك مئات القصائد لم تتضمن الحكمة، وعلى فرض أن أبيات الحكمة يبدو عليها التشرذم والانفصال، كما يزعمون، فكيف يعممون الحكم على قصائد الشعر كلها سواء أكانت متضمنة الحكمة أم خلت منها؟!.
* الجهة الخامسة التي جاء منها الوهم: تعدّد الألوان والمشاهد في القصيدة. فقد قال بعضهم: إنّ الروابط قائمة بين أبيات تصف مشهدا من مشاهد القصيدة. فالغزل أبياته متسلسلة ومترابطة، ووصف الناقة تترابط وتتعانق أبياته.
ويزعمون أنّ الوحدة معدومة بين ألوان القصيدة ومشاهدها. وهذا - في رأيي - زعم باطل، وحكم قاصر، لأنه لم يبن على استقراء واستقصاء. وإليك تفصيل ما أجملت:
1 -
ربما كان النموذج الذي اعتمدوا عليه في الحكم، هو قصيدة المدح، وجزء الحكمة من القصيدة، أما أبيات الحكمة: فقد بينا فيما سبق قربها ولصوقها بموضوع القصيدة، وانظر مثالها ما قلناه حول أبيات الحكمة في قصيدة زهير. وأما قصيدة المدح: فقد قدمنا فيما سبق رؤيتنا في ترابط أجزاء القصيدة المدحية وأن الوقوف على الأطلال، والغزل، ووصف الراحلة والطريق تبدو أنها ألوان متناسقة مع موضوع المدح، وأنها مجموعة من
الألوان في لوحة فنيّة لا ترى فيها تنافرا. وأزيد هنا على ما سبق: أن قصائد المديح - في الشعر الجاهلي، والمخضرم - لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدا، فهذه مجموعة «المفضليات» تضمّ ثلاثين ومئة قصيدة ومقطوعة، أحصيت قصائد المديح فيها، فلم تبلغ عشر قصائد. وفي مجموعة «الأصمعيات» واحدة وسبعون قصيدة ومقطوعة، لم أجد فيها إلا قصيدتين للمدح. وفي ديوان حماسة أبي تمام «882» حماسيّة، في باب المديح نحو ثلاثين مقطوعة، فيها خليط من مدح الذات وهو فخر، ومدح الكرم، ومدح الأصدقاء، وقلة قليلة في مدح العظماء والقواد والأمراء، وجلها منسوبة لشعراء من العصر الأموي، وأظنّ أن كمية الاختيار تتناسب مع كمية ما يوجد من كل نوع في الدواوين. ثم إن هذا المزيج من الألوان في قصيدة المديح، يمكن أن يقال إنه يمثل ذوق العصر، وهم يرون في هذا
المزيج مطلبا فنيا يرضي أذواقهم، وعلى هذا فهم يرون في هذه الألوان تآلفا.
وليس من العدل أن نحكم على أذواق الناس في الأدب والطعام واللباس بالقياس إلى أذواق عصرنا. فإذا رأى بعض الناس في أذواق الماضين ما لا يرضيهم، فإن الماضين أيضا - لو بعثوا وتذوقوا أدبنا، ومطعمنا، وملبسنا، لرأوا فيها ما لا يرضيهم.
قلت: إن الماضين يرون في هذا المزيج مطلبا فنيا، لأنهم كانوا يطلبون التوزيع المتناسق بين الألوان، بحيث يأخذ كلّ لون حقّه من اللوحة. ويرمز إلى هذا المعنى ما نقله ابن قتيبة في «الشعر والشعراء» ص 21: أن بعض الرّجاز أتى نصر بن سيّار، والي خراسان لبني أميّة، فمدحه بقصيدة تشبيبها مئة بيت ومديحها عشرة أبيات. فقال نصر: والله ما بقّيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفا إلا وقد شغلته عن مديحي بتشبيبك، فإن أردت مديحي فأقصد في النسيب. فأتاه فأنشده:
هل تعرف الدار لأمّ الغمر
…
دع ذا وحبّر مدحة في نصر
فقال نصر: لا ذلك ولا هذا، ولكن بين الأمرين.
2 -
أما قصيدة الفخر، فلا ينكر وحدتها إلا معاند، ذلك أنّ كلّ معانيها تعدّ من باب المفاخر عند القوم. فالمقدمة التي زعموا أنها مفصولة عن جسم القصيدة، لا تخرج عن الوقوف على الأطلال والغزل، وهما شيء واحد، ووصف مجالس الخمر، ووصف الراحلة، والطريق إلى المفاخر. وقد أجملها طرفة بن العبد في قوله:
ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى
…
وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة
…
كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرّي - إذا نادى المضاف - مجنّبا
…
كسيد الغضا نبّهته المتورّد
وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب
…
ببهكنة تحت الطّراف المعمّد
على أن قصائد الفخر لا تنهج منهجا واحدا، فبعضها يبدأ بالأطلال، وكثير منها يبدأ بأبيات في النسيب تكون مدخلا لتذكّر أيام الشباب، وما كان فيها من
المفاخر، وبعضها يبدأ بالخمر، ومع ذلك فإن جلّ ما وصلنا من قصائد الشعر القديم في موضوع الفخر. ففي «المفضليات» نحو ثمانين قصيدة في الفخر من أصل (130) مختارة. وفي «الأصمعيات» خمس وأربعون قصيدة في الفخر من أصل سبعين مختارة. وفي «ديوان الحماسة» (261) مختارة في الفخر وهو أوسع أبواب الحماسة. ويمكن أن نضمّ قصائد الهجاء إلى قصائد الفخر؛ لأن قصيدة الهجاء تحتوي مع الهجاء فخرا، فالشاعر يمدح أمجاد المهجوّ ولكنه مع ذلك يذكر أمجاد قومه من باب المقابلة، وهذا المذهب واضح في قصائد النقائض.
3 -
أما قصائد الرثاء، فليس فيها الشبهة التي ترد على قصائد المدح والفخر، لأن قصيدة الرثاء تبدأ بالرثاء، أو ما يتصل بالرثاء من مظاهر الحزن، ليكون مدخلا إلى تعداد مآثر الميت، وإليك مطالع أشهر قصائد الرثاء في الشعر العربي القديم:
قال: أعشى باهلة (عامر بن الحارث) يرثي أخاه لأمه:
قد جاء من عل أبناء أنبّئها
…
إليّ لا عجب منها ولا سخر
فظلت مرتفقا للنجم أرقبه
…
حرّان مكتئبا لو ينفع الحذر
وقال كعب بن سعد الغنويّ يرثي أخاه:
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا
…
كأنّك يحميك الشراب طبيب
فقلت ولم أعي الجواب ولم ألح
…
وللدهر في صمّ السّلام نصيب
[لم ألح: لم أحاذر. والسّلام، بكسر السين: الحجارة الصلبة].
تتابع أحداث تخرّمن إخوتي
…
وشيّبن رأسي والخطوب تشيب
وقال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا:
لعمري وما دهري بتأبين هالك
…
ولا جزعا مما أصاب فأوجعا
وقال في مطلع قصيدة أخرى:
أرقت ونام الأخلياء وهاجني
…
مع الليل همّ في الفؤاد وجيع
وإذا كان هذا حال قصائد الرثاء في شعر الرجال، فإن الرثاء في شعر النساء سيكون كذلك أيضا، فالمرأة لا تقف على أطلال الحبيب، ولا تشبب بحبيبها، ولا ترتحل على ناقة .. فإن وقفت، فإنما تقف على القبر.
وأما مضمون قصيدة الرثاء، فهو إظهار الحزن على الميت، وذكر مآثره، والحكمة التي تقول إن الخلود لا يكون لحيّ، والاتّعاظ بما كان للأمم السابقة من ملوك وشجعان، وضرب الأمثلة لكون كل من على الأرض لا بدّ أن يموت ..
وهذا كله لا يخرج عن موضوع الرثاء، مما يحقق للقصيدة الوحدة العضوية والتلاحم بين الأبيات.
4 -
ووصلتنا قصائد مطولة تتضمن نصائح ووصايا، وكلّها ذات وحدة فنية وموضوعية. منها قصيدة عبدة بن الطبيب التي نصح فيها بنيه، ومطلعها:
أبنيّ إني قد كبرت ورابني
…
بصري وفيّ لمصلح مستمتع
وعدة أبياتها ثلاثون بيتا، وهي من «المفضليات» .
وقصيدة عبد قيس بن خفاف التي نصح بها ابنه جبيلا، ومطلعها:
أجبيل إنّ أباك كارب يومه
…
فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
وعدة أبياتها ثمانية عشر بيتا، وهي من أولها إلى غايتها سياسة رسمها الشاعر لابنه جبيل اقتبسها من خلق العربي ومن تجاربه هو وحنكته، فهي بذلك سجلّ للمثل الأخلاقي العالي عند العرب.
وقصيدة يزيد بن الحكم الثقفي التي نصح فيها ابنه بدرا حيث يقول في مطلعها:
يا بدر والأمثال يض
…
ربها لذي اللب الحكيم
دم للخليل بودّه
…
ما خير ودّ لا يدوم
وعدة أبيات القصيدة في «الحماسة» ثلاثة وعشرون بيتا، وربما كانت أطول من ذلك وما في «الحماسة» هو المختار منها.
وبعد: فتلك كانت معالم في طريق دراسة تحتاج إلى مجلد كبير لبسطها. ولعلّ
ما قدمته يكون داعيا النّقاد إلى قراءة الشعر العربي القديم قراءة جديدة، وطرح الأحكام النقدية السابقة، لاستنتاج أحكام جديدة مبنية على قراءة جديدة للشعر العربي، تستغرق أكثر ما وصلنا من المجموعات والدواوين.
وأوصي الدارسين والناقدين ألا يعتمدوا على أحكام سابقة، أو معاصرة؛ لأن النقد الأدبي يصدر عن الذوق الأدبي المثقف، والأذواق والرؤى تتعدّد، ومن مجموع الآراء الصادرة عن الرؤية الذاتيّة يكون لنا أحكام نقديّة صادقة. وبالله التوفيق.