الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
•
الحديث السادس عشر: إثبات رؤية المؤمنين لربهم:
وهو صلى الله عليه وسلم: "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ، لا تُضامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا على صَلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وَصَلاةٍ قَبْلَ غُروبِها" فَافْعَلوا". متفق عليه (1).
الشرح:
* قوله: "إنكم سترون ربكم": السين للتحقيق، وتخلص الفعل المضارع إلى الاستقبال بعد أن كان صالحًا للحال والاستقبال، كما أن (لم) تخلصه للماضي، والخطاب للمؤمنين.
* قوله: "كما ترون القمر": هذه رؤية بصرية؛ لأن رؤيتنا للقمر بصرية، وهنا شبه الرؤية بالرؤية، فتكون رؤية بصرية.
* وقوله: "كما ترون": (ما) هذه مصدرية، فيحوَّل الفعل بعدها إلى مصدر، ويكون التقدير: كرؤيتكم القمر، فالتشبيه حينئذ للرؤية بالرؤية، وليس للمرئي بالمرئي، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقرب المعاني أحيانًا بذكر الأمثلة الحسية الواقعية، كما سأله أبو رزين العقيلي لقيط بن عامر؛ قال: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كلكم ينظر إلى القمر مخليًا به". قال: بلى. قال
(1) رواه البخاري (554)، ومسلم (633)؛ عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
النبي صلى الله عليه وسلم: "فالله أعظم"(1).
وقوله: "مُخليًا به"، يعني: خاليًا به.
وكما ثبت به الحديث في "صحيح مسلم"(2) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "إن الله يقولى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين. قال: حمدني عبدي".
وهذا يشمل كل مصلٍّ، ومن المعلوم أنه قد يتفق المصلون في هذه الآية جميعًا، فيقولى الله لكل واحد:"حمدني عبدي"، في آن واحد.
* قال: "كما ترون القمر ليلة البدر": أي: ليلة إبداره، وهي الليلة الرابعة عشرة والخامسة عشرة والثالثة عشرة أحيانًا، والوسط الرابعة عشرة، كما قال ابن القيم: كالبدر ليل الست بعد ثمان.
في قوله: "لا تضامُّون في رؤيته"، وفي لفظ:"لا تضامُون"، وفي لفظ:"لا تضارون":
- "لا تُضامون": بضم التاء وتخفيف الميم، أي: لا
(1) رواه الإمام أحمد (4/ 11)، وأبو داود (4731)، والحاكم (4/ 560)، وصححه ووافقه الذهبي، ورواه ابن خزيمة في "التوحيد"(438)، والآجري في "الشريعة"(262)، وابن أبي عاصم في كتاب "السنة"(1/ 200)، وقال الألباني في "ظلال الجنة": حديث حسن، رجاله رجال مسلم غير وكيع بن عدس ويقال: حدس.
(2)
رواه مسلم (395).
يلحقكم ضيم، والضيم الظلم، والمعنى: لا يحجب بعضكم بعضًا عن الرؤية فيظلمه بمنعه إياه. لأن كل واحد يراه.
- "لا تضامُّون": بتشديد الميم وفتح التاء وضمها: يعني: لا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته؛ لأن الشيء إذا كان خفيًّا؛ ينضم الواحد إلى صاحبه ليريه إياه.
- أما "لا تضارُون" أو "لا تضارُّون"؛ فالمعنى: لا يلحقكم ضرر؛ لأن كل إنسان يراه سبحانه وتعالى وهو في غاية ما يكون من الطمأنينة والراحة.
* قوله: "فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها؛ فافعلوا": الصلاة قبل طلوع الشمس هي الفجر، وقبل غروبها هي العصر.
والعصر أفضل من الفجر؛ لأنها الصلاة الوسطى التي خصها الله بالأمر بالمحافظة عليها بعد التعميم، والفجر أفضل من العصر من وجه؛ لأنها الصلاة المشهودة؛ كما قال تعالى:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، وجاء في الحديث الصحيح:"من صلى البردين؛ دخل الجنة"(1)، وهما: الفجر والعصر.
* في هذا الحديث من صفات الله: إثبات أن الله يرى، وقد سبق (2) شرح هذه الصفة عند ذكر الآيات الدالة عليها، وهي أربع
(1) رواه: البخاري (574)، ومسلم (635)؛ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(2)
(1/ 448 - 455).
آيات، والأحاديث في هذا متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فثبوتها قطعي، ودلالتها قطعية.
ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن من أنكر رؤية الله تعالى؛ فهو كافر مرتد (1)، وأن الواجب على كل مؤمن أن يقر بذلك. قال: وإنما كفرناه؛ لأن الأدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، ولا يمكن لأحد أن يقول: إن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "إنكم سترون ربكم"؛ إنه ليس قطعي الدلالة؛ إذ ليس هناك شئ أشد قطعًا من مثل هذا التركيب.
لو كان الحديث: "إنكم ترون ربكم": لربما تحتمل التأويل، وأنه عبر عن العلم اليقيني بالرؤية البصرية، ولكنه صرح بأنا نراه كما نرى القمر، وهو حسي.
وسبق لنا أن أهل التعطيل يؤولون هذه الأحاديث ويفسرون الرؤية برؤية العلم، وسبق بطلان قولهم (2).
* قوله: "إلى أمثال هذه الأحاديث
…
" إلخ؛ يعني: انظر إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه؛ فما كان مثلها ثبوتًا ودلالة؛ فحكمه حكمها.
* قوله: "الفرقة الناجية": "الفرقة"؛ أي: الطائفة.
* "الناجية": التي نجت في الدنيا من البدع، وفي الآخرة من
(1) انظر "حادي الأرواح" لابن القيم (ص 242)، فقد نقل كلام الإمام أحمد وغيره؛ في أن من أنكر رؤية الله تعالى فهو كافر.
(2)
(1/ 456 - 458).
النار.
* "أهل السنة والجماعة"؛ أي: الذين أخذوا بالسنة واجتمعوا عليها.
* "يؤمنون بذلك"؛ أي: بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم.
* "كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه": لأن ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام يجب علينا أن نؤمن به كما يجب علينا أن نؤمن بما أخبر الله به في كتابه؛ إلا أنه يختلف عن القرآن في الثبوت؛ فإن لنا نظرين بالنسبة لما جاءت به السنة:
النظر الأول: في ثبوته.
والنظر الثاني: في دلالته.
أما ما في القرآن؛ فلنا نظر واحد، وهو النظر في الدلالة.
وقد سبق (1) لنا بيان الأدلة الدالة على وجوب قبول ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
* قال: "من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل": سبق شرح هذا (2).
* * *
(1)(2/ 11).
(2)
(2/ 86).