الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فَلَا زَالَ ركب المعتفين منيخة
…
لذروتك الْعليا وَلَا زلت مقصدا)
(تدين لَك الشم الأنوف تخضعا
…
وَلَو أَن زهر الْأُفق أبدت تمردا)
(لجاءتك أقطار السَّمَاء تجرها
…
إِلَيْك لتعفو أَو لتوردها الردى)
(وَمَا أَنا إِلَّا دوحة قد غرستها
…
وسقيتها حَتَّى تَمَادى بهَا المدى)
(فَلَمَّا اقشعر الْعود مِنْهَا وصوحت
…
أتتك بأغصان لَهَا تطلب الندى)
ثمَّ رَأَيْته قد ضرب على الْبَيْتَيْنِ الْأَخيرينِ وسررت بذلك فَإِنِّي سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام رحمه الله يَحْكِي عَن شَيخنَا أبي حَيَّان أَنه كَانَ يتعاظمهما وَيَقُول كَيفَ يرضى الإِمَام أَن يُخَاطب النظام بِهَذَا الْخطاب ثمَّ يذم الدُّنْيَا الَّتِي تحوج مثل الإِمَام إِلَى مثل ذَلِك
مناظرتان اتفقتا بِمَدِينَة نيسابور بَين إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ عِنْد دُخُول الشَّيْخ رَسُولا إِلَى نيسابور نقلتهما من خطّ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أبي عَمْرو بن الصّلاح فِي مَجْمُوع لَهُ
سُئِلَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ عَمَّن اجْتهد فِي الْقبْلَة وَصلى ثمَّ تَيَقّن الْخَطَأ فاستدل فِيهَا بِأَنَّهُ تعين لَهُ يَقِين الْخَطَأ فِي شَرط من شُرُوط الصَّلَاة فَلَزِمَهُ الْإِعَادَة كَمَا لَو تَيَقّن الْخَطَأ فِي الْوَقْت
اعْترض عَلَيْهِ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ بِأَن قَالَ لَا يجوز اعْتِبَار الْقبْلَة بِالْوَقْتِ فَإِن أَمر الْقبْلَة أخف من أَمر الْوَقْت وَالدَّلِيل عَلَيْهِ شيآن أَحدهمَا أَن الْقبْلَة يجوز تَركهَا فِي النَّافِلَة فِي السّفر وَالْوَقْت لَا يجوز تَركه فِي النَّوَافِل المؤقتة كَصَلَاة الْعِيد وَسنة الْفجْر فِي السّفر وَإِن اسْتَويَا فِي كَونهمَا شرطين
وَالثَّانِي أَن الْقبْلَة يجوز تَركهَا فِي الْفَرْض فِي شدَّة الْحَرْب وَالْوَقْت لَا يجوز تَركه فِي شدَّة الْحَرْب فِي الْفَرْض
فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي لَا خلاف بَين أهل النّظر أَنه لَيْسَ من شَرط الْقيَاس أَن يشابه الْفَرْع الأَصْل من جَمِيع الْوُجُوه وَإِنَّمَا شَرطه أَن يُسَاوِيه فِي عِلّة الحكم فَإِذا اسْتَويَا فِي عِلّة الحكم لم يضر افتراقهما فِيمَا سواهَا فَإِنَّهُ لَو اعْتبر تساويهما فِي كل شَيْء لم يَصح الْقيَاس لِأَنَّهُ مَا من شَيْء يشبه شَيْئا فِي أَمر إِلَّا وَيُخَالِفهُ فِي أَمر ثمَّ كَون أَحدهمَا أخف وَالْآخر آكِد لَا يمْنَع الِاعْتِبَار أَلا ترى أَنا نقيس الْفَرْض على النَّفْل وَالنَّفْل على الْفَرْض وَإِن كَانَ أَحدهمَا أخف وَالْآخر آكِد ونقيس الْعِبَادَات بَعْضهَا على بعض مَعَ افتراقها فِي الْقُوَّة والضعف ونقيس الْحُقُوق بَعْضهَا على بعض وَإِن كَانَ بَعْضهَا أخف وَبَعضهَا آكِد فَكَذَلِك هُنَا يجوز أَن أعتبر الْقبْلَة بِالْوَقْتِ وَإِن كَانَ أَحدهمَا آكِد وَالْآخر أخف
وَجَوَاب آخر أَنه كَمَا يجوز ترك الْقبْلَة مَعَ الْعلم فِي النَّافِلَة فِي السّفر وَالْحَرب فالوقت أَيْضا يجوز تَركه فِي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر وَلَا فَارق بَينه وَبَين الْقبْلَة بل الْقبْلَة آكِد من الْوَقْت أَلا ترى أَنه لَو دخل فِي صَلَاة الْفَرْض قبل دُخُول الْوَقْت مَعَ الْعلم انقلبت صلَاته نفلا وَلَو دخل فِي الْفَرْض إِلَى غير الْقبْلَة لم تَنْعَقِد نفلا فَدلَّ على أَن الْقبْلَة آكِد من الْوَقْت
فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق أما قَوْلك إِنَّه لَيْسَ من شَرط الْقيَاس أَن يُسَاوِي الْفَرْع الأَصْل من كل وَجه بل يَكْفِي أَن يُسَاوِيه فِي عِلّة الحكم وَلَا يضر افتراقهما فِيمَا سواهُ يُعَارضهُ أَن من شَرط الْقيَاس أَن يرد الْفَرْع إِلَى نَظِيره وَهَذَا الأَصْل لَيْسَ بنظير للفرع بِدَلِيل مَا ذكرت فَلم يَصح الْقيَاس وَلِأَن افتراقهما فِيمَا ذكرت من جَوَاز
ترك الْقبْلَة فِي النَّافِلَة فِي السّفر وَشدَّة الْحَرْب وَأَن ذَلِك لَا يجوز فِي الْوَقْت دَلِيل على أَنَّهُمَا لَا يستويان فِي الْعلَّة لِأَنَّهُمَا لَو اسْتَويَا فِي الْعلَّة لاستويا فِي النظير وَإِذ لم يستويا فِي الْعلَّة لم يَصح الْقيَاس
وقولك لم إِذا كَانَ أَحدهمَا أخف وَالْآخر آكِد لم يجز قِيَاس أَحدهمَا على الآخر لِأَنَّهُ إِذا كَانَ أَحدهمَا آكِد وَالْآخر أخف دلّ على أَن أَحدهمَا لَيْسَ بنظير للْآخر وَلَا يجوز قِيَاس الشَّيْء على غير نَظِيره
وقولك إِنَّا نقيس النَّفْل على الْفَرْض وَأَحَدهمَا آكِد ونقيس الْعِبَادَات بَعْضهَا على بعض والحقوق بَعْضهَا على بعض مَعَ اختلافها غير صَحِيح لِأَنَّهُ إِذا اتّفق فِيهَا مثل مَا اتّفق هَاهُنَا فَأَنا أمنع من الْقيَاس وَإِنَّمَا نجيز الْقيَاس فِي الْجُمْلَة فَإِذا بلغ الْأَمر إِلَى التَّفْصِيل وَقيس الشَّيْء على غير نَظِيره لم أجوز ذَلِك وَهَذَا كَمَا نقُول إِن الْقيَاس فِي الْجُمْلَة جَائِز ثمَّ إِذا اتّفق مِنْهُ مَا خَالف النَّص لم يجز وَلَا نقُول إِن الْقيَاس فِي الْجُمْلَة جَائِز فَوَجَبَ أَن يجوز مَا اتّفق مِنْهُ مُخَالفا للنَّص
وقولك إِنَّه يَكْفِي أَن يستويا فِي عِلّة الحكم وَلَا يضر افتراقهما بعد ذَلِك لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَن يستويا فِي عِلّة الحكم غير أَنِّي لَا أسلم أَنَّهُمَا اسْتَويَا فِي عِلّة الحكم لِأَن افتراقهما فِيمَا ذكرت يدل على أَنَّهُمَا لم يستويا فِي عِلّة الحكم
وقولك إِنَّه لَيْسَ من شَرط الْقيَاس أَن يَسْتَوِي الأَصْل وَالْفرع فِي جَمِيع الْأَحْكَام لِأَنَّهُ لَو شَرط ذَلِك انسد بَاب الْقيَاس يُعَارضهُ أَنه لَيْسَ من شَرط الْفرق أَن يُفَارق الْفَرْع الأَصْل فِي جَمِيع الْأَشْيَاء لِأَنَّهُ لَو شَرط ذَلِك انسد بَاب الْفرق وَالْفرق مَانع كَمَا أَن الْقيَاس جَامع
وَأما قَوْلك إِنَّه كَمَا يجوز ترك الْقبْلَة فِي النَّافِلَة فِي السّفر وَشدَّة الْحَرْب فَكَذَلِك
يجوز ترك الْوَقْت فِي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ لَا يَصح لِأَن ترك الْوَقْت فِي الْجمع لَيْسَ على سَبِيل التَّخْفِيف لموْضِع الْعذر وَإِنَّمَا هُوَ من سنَن النّسك فَلَا يدل ذَلِك على التَّخْفِيف كَمَا لَا يدل الِاقْتِصَار فِي الصُّبْح على الرَّكْعَتَيْنِ على أَنَّهَا أَضْعَف من الظّهْر وَالْعصر
وَلَيْسَ كَذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من ترك الْقبْلَة فِي النَّافِلَة فِي السّفر وَالْفَرِيضَة فِي الْحَرْب لِأَن ذَلِك أُجِيز لتخفيف أَمر الْقبْلَة فِي الْعذر فَهُوَ كالقصر فِي الظّهْر وَالْعصر فِي السّفر
وَأما قَوْلك إِنَّه إِذا دخل فِي الْفَرْض قبل الْوَقْت انْعَقَد نفلا وَلَو دخل فِيهِ وَهُوَ غير مُسْتَقْبل الْقبْلَة لم تَنْعَقِد لَهُ الصَّلَاة نفلا فَإِن مَا قبل الْوَقْت وَقت للنفل وَغير الْقبْلَة لَيْسَ بِموضع للنفل من غير عذر
فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي أما قَوْلك إِنِّي لَا أسلم أَن هَذَا عِلّة الأَصْل فَهَذَا من أهم الأسولة وأجودها وَلَكِن كَانَ من سَبِيلك أَن تطالبني بِهِ وتصرح بِهِ وَلَا تكنى عَنهُ فَلَا أقبله بعد ذَلِك
وَأما قَوْلك إِنَّه إِن كَانَ مَا ذكرت يسد بَاب الْقيَاس لِأَنَّهُ مَا من فرع يشابه أصلا فِي شَيْء إِلَّا ويفارقه فِي أَشْيَاء فَمَا ذكرت أَيْضا يمْنَع الْفرق لِأَنَّهُ مَا من فرع يُفَارق أصلا فِي شَيْء إِلَّا ويساويه فِي أَشْيَاء فَصَحِيح إِلَّا أَنَّك إِذا أردْت الْفرق فَيجب أَن تبين الْفرق وتدل عَلَيْهِ وترده إِلَى أصل وَلم تفعل ذَلِك وَإِن تركت مَا ذكرت واستأنف فرقا تَكَلَّمت عَلَيْهِ
وَأما قَوْلك إِن هَذَا نَظِير لِأَنَّهُ ترك الْقبْلَة فِي النَّافِلَة فِي السّفر وَفِي الْفَرْض فِي الْحَرْب فَغير صَحِيح لِأَن فِيمَا ذكرت تتْرك الْقبْلَة لعذر من جِهَة الْعَجز فَجَاز أَن يسْقط الْفَرْض
مَعَه وَهَا هُنَا ترك للاشتباه وَلَيْسَ التّرْك للعجز كالترك للاشتباه أَلا ترى أَن الْمُسْتَحَاضَة وَمن بِهِ سَلس الْبَوْل يصليان مَعَ قيام الْحَدث وَلَو ظن أَنه متطهر وَصلى لم يسْقط الْفَرْض
وَأما قَوْلك إِن ترك الْوَقْت فِي الْجمع لحق النّسك على وَجه الْعِبَادَة فَلَا يَصح لِأَنَّهُ لَو كَانَ لهَذَا الْمَعْنى لوَجَبَ إِذا أخر الْعَصْر إِلَى وَقتهَا أَلا يَصح لِأَنَّهُ فعل الْعِبَادَة على غير وَجههَا فَدلَّ على أَنه على وَجه التَّخْفِيف لحق الْعذر
وَجَوَاب آخر من حَيْثُ الْفِقْه أَنا فرقنا بَين الْوَقْت والقبلة لِأَن الْحَاجة تَدْعُو إِلَى ترك الْقبْلَة فِي النَّافِلَة لعذر السّفر لأَنا لَو قُلْنَا إِنَّه لَا يجوز ترك الْقبْلَة أدّى إِلَى تحمل الْمَشَقَّة إِن صلاهَا أَو تَركهَا وَلَا مشقة فِي ترك الْوَقْت لِأَن السّنَن الرَّاتِبَة مَعَ الْفَرَائِض تَابِعَة للفرائض فيصليها فِي أَوْقَاتهَا وَكَذَلِكَ فِي شدَّة الْحَرْب الْحَاجة دَاعِيَة إِلَى ترك الْقبْلَة فَإنَّا لَو ألزمناهم اسْتِقْبَال الْقبْلَة أدّى إِلَى هزيمتهم أَو قَتلهمْ وَلَا حَاجَة بهم إِلَى ترك الْوَقْت فَإِنَّهُ يُصليهَا فِي وَقتهَا وَهُوَ يُقَاتل
فَقلت لَهُ أما قَوْلك إِنَّه كَانَ يجب أَن تطالبني بتصحيح الْعلَّة وتصرح وَلَا تكني فَلَا يَصح لِأَنِّي بِالْخِيَارِ بَين أَن أطالبك بتصحيح الْعلَّة وَبَين أَن أذكر مَا يدل على فَسَادهَا كَمَا أَن القائس بِالْخِيَارِ بَين أَن يذكر عِلّة الْمَسْأَلَة وَبَين أَن يذكر مَا يدل على الْعلَّة والجميع جَائِز فَكَذَلِك هَا هُنَا
وَأما قَوْلك إِن الْجمع لَو كَانَ لِلْعِبَادَةِ لما جَازَ التَّأْخِير لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا يجوز التَّأْخِير لِأَنَّهُ يَفْعَلهَا فِي وَقتهَا وتقديمها أفضل لِأَنَّهُ وَقت لَهَا على سَبِيل الْقرْبَة والفضيلة
وَأما قَوْلك إِن ترك الْقبْلَة فِي النَّافِلَة وَالْحَرب للعجز أَو الْمَشَقَّة فَلَا يَصح لِأَنَّهُ كَانَ يجب لهَذَا الْعَجز أَن يتْرك الْوَقْت فتؤخر الصَّلَاة فِي شدَّة الْخَوْف ليؤديها على حَال الْكَمَال ويتوفر على الْقِتَال وَلما لم يجز ترك الْوَقْت وَجَاز ترك الْقبْلَة دلّ على أَن فرض الْقبْلَة أخف من فرض الْوَقْت فَجَاز أَن يكون الِاشْتِبَاه عذرا فِي سُقُوط فرض الْقبْلَة وَلَا يكون عذرا فِي ترك الْوَقْت وَهَذَا آخرهَا