الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
خير الناس وأبو المساكين:
كان جعفر رضي الله عنه كريماً على المساكين، فقد كان رضي الله عنه يحب المساكين، وكان المساكين يحبون جعفر رضي الله عنه، فهو حب متبادل، فلم يكن جعفر يتردد في بذل كل ما لديه في سبيل إسعادهم، ممّا أكسبه لقب أبي المساكين.
فها هو أبو هريرة رضي الله عنه وهو من أهل الصفة ومن فقراء المسلمين الذين كان ليس لهم مصدر دخلٍ ولا قوت ولا طعام إلا ما يكون من الغنائم في الجهاد، وما يكون من إكرام المسلمين وهداياهم وصدقاتهم لهم- يحدثنا عن كرم جعفر رضي الله عنه مع المساكين، إنه ليس كرماً عادياًّ، إنه كرم مأخوذ من مدرسة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فجعفر هو الذي أشبه خُلقه خُلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(1)
.
فمن شدة كرمه رضي الله عنه أنه كان يكسر جراراً للعسل حتى يلعقوا ما فيها.
فهو رضي الله عنه وأرضاه يعطي ما عنده لا يستبقي شيئاً قليلاً كان أو كثيراً.
(1)
أخرجه البخاري (5/ 24)(3708)، وفي (7/ 100)(5432).
ولذلك كثر مدح أبي هريرة رضي الله عنه له على وجه الخصوص؛ لأنه كان من الفقراء ويعلم شدة الفقر والجوع.
وهذا يدل على بروز خُلق الكرم عند جعفر رضي الله عنه؛ لأن جعفراً كان في الحبشة، وإسلام أبي هريرة إنما كان في العام السابع بعد غزوة خيبر، وجعفر رضي الله عنه كما سيأتي- شارك في مؤتة، واستشهد فيها، فعامٌ واحدٌ هو الجامع بين أبي هريرة وجعفر في المدينة، ومع ذلك كان كرم جعفر رضي الله عنه مشتهراً؛ حتى لقّب بـ «أبي المساكين» ، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كان جعفر يحب المساكين يجلس إليهم يحدثهم ويحدثوه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكنيه بأبي المساكين
(1)
، وكان أبوهريرة رضي الله عنه وهو من هو - يذكر: أنه ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير أو أفضل من جعفر بن أبي طالب؛ لما كان لأثر كرمه، وجوده على أبي هريرة وعلى غيره من فقراء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في التعليق على قول أبي هريرة الذي أخرجه البخاري
(2)
: «وهذا التقييد - أي: بخير الناس للمساكين - يُحمَل عليه المطلقُ الذي جاء عن عكرمة، عن أبي هريرة، وقال:(ما احتذى النِّعالَ ولا ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضلُ مِن جعفر بن أبي طالب)
(3)
(1)
انظر: تخريج الحديث في ملحق رقم (1)، تحت عنوان:«روايات لا تصح ذُكر فيها جعفر رضي الله عنه» ، حديث رقم (29).
(2)
انظر الصفحة السابقة.
(3)
أخرجه الترمذي (3764) وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد (2/ 413)(9342)، والحاكم (3/ 43) و (3/ 231) وقال: صحيح على شرط البخاري. ووافقه الذهبي، قال ابن كثير في البداية والنهاية (4/ 256) إسناده جيد، قال ابن حجر في فتح الباري (7/ 76) وفي الإصابة (1/ 237): إسناده صحيح، قال المعلمي في الأنوار الكاشفة (149) إسناده صحيح، قال الألباني في التعليق على الترمذي (3764):«صحيح موقوفا» ، قال شعيب الأرنؤوط في التعليق على مسند أحمد (9342): إسناده صحيح على شرط البخاري.
أخرجه الترمذي والحاكم بإسنادٍ صحيح»
(1)
.
فإطلاق الأفضليَّة لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قيِّدت بأنها للمساكين وإلا فإن أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم أبو بكر ثمَّ عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
قال ابن كثير بعد تجويده لإسناد حديث أبي هريرة: «وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه، وأما أخوه علي رضي الله عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو علي أفضل منه»
(2)
.
وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم، بدليل ما رواه البخاري:«وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب»
(3)
.
قال الأبشيهي: (وكان جعفر بن أبي طالب يقول لأبيه: يا أبت إني لأستحي أن أطعم طعاماً وجيراني لا يقدرون على مثله، فكان أبوه يقول:
(1)
فتح الباري (7/ 76).
(2)
البداية والنهاية (4/ 256).
(3)
قلت: ويشهد بأفضلية أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم عمر ثم عثمان ما أخرجه البخاري (5/ 5)، رقم (3655) من حديث ابن عمر قال:«كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان» ، والأحاديث في ذلك كثيره ولكن مقامها ليس هنا.