الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن حجر: «وذكر محمد بن إسحاق المؤاخاة فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه بعد أن هاجر تآخوا أخوين أخوين» إلى أن قال: «وجعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، وتعقبه ابن هشام بأن جعفرا كان يومئذ بالحبشة، وفي هذا نظر
…
ووجهها العماد بن كثير بأنه أرصده لأخوته حتى يقدم»
(1)
.
الهجرة إلى الحبشة
(2)
:
اشتد البلاء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، وجعل الكفار يحبسونهم ويعذبونهم، بالضرب والجوع والعطش، ورمضاء مكة والنار، ليفتنوهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من تصلب في دينه وعصمه الله منهم، فلقي جعفر وزوجه من أذى قريش ونكالها ما لا يعلمه إلا الله، ولكنهما صبرا على العذاب فهو ابتلاء من الله عز وجل وفتنة، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا
…
يُفْتَنُونَ
…
(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ
…
صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}
(3)
، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:«أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبْتَلَى الرجل على حسب دينه فإن كان فى دينه صُلْبًا اشتد بَلَاؤُهُ وإن كان فى دينه رِقَّةٌ ابْتُلِىَ على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يَتْرُكَهُ يمشى على الأرض وما عليه خَطِيئَةٌ»
(4)
.
(1)
فتح الباري (7/ 271)، ونص كلام ابن كثير في البداية والنهاية (2/ 227) بعد أن ذكر إشكالية كون جعفر في الحبشة عند المؤاخاة: اللهم إلا أن يقال إنه أرصد لإخوته إذا قدم حين يقدم.
(2)
هذه الفقرة وما بعدها من أسباب الهجرة إلى الحبشة مستفاد من كتاب السيرة النبوية للصلابي (1/ 282 - 286) بتصرف وزيادة.
(3)
سورة العنكبوت الآية «2 - 3» .
(4)
أخرجه الترمذى (4/ 601)، رقم (2398) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (2/ 1334)، رقم (4023)، وأحمد (1/ 172)، رقم (1481)، والطيالسى (ص 29)، رقم (215)، والدارمى (2/ 412، رقم 2783)، والحاكم (1/ 100)، رقم (121)، وصححه ابن القيم في طريق الهجرتين (226)، والزرقاني في مختصر المقاصد (102)، والألباني في صحيح الجامع (993).
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن بينهم جعفر رضي الله عنه وزوجه إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.
فقد كانت الهجرة هي السمة الغالبة على حياة جعفر رضي الله عنه، فقد هاجر ثلاث هجرات لم يهاجرها غيره من الصحابة إلا نفرٌ قليل، فقد هاجر الهجرتين إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة المنورة، فحياته كلها كانت هجرةً لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولإقامة الدين والدعوة إليه، ولإقامة شعائره وشرائعه، فهو ممن هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وهاجر إلى الحبشة مع زوجه أسماء بنت عميس رضي الله عنها الهجرة الثانية، وولد له أولاده الثلاثة في الحبشة كما مرَّ معنا، وعاش فيها ردحاً من الزمن.
وذلك كله يدلنا على أن جعفراً رضي الله عنه كان من أهل الإيمان الراسخ، واليقين العظيم، والتضحية الكبيرة، حيث ترك داره وأرضه وبلاده، فكانت حياته كلها تضحيةً في سبيل الله، وفي سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل.
وبالإضافة إلى ما سبق كان من أسباب هجرة جعفر رضي الله عنه والمسلمين إلى الحبشة:
ظهور الإيمان والفرار بالدين:
حيث كثر الداخلون في الإسلام، وظهر الإيمان، وتحدث الناس به، قال الإمام الزهري
(1)
فيما رواه عن عروة في هجرة الحبشة: فلما كثر المسلمون، وظهر الإيمان فُتحدث به، ثار المشركون من كفار قريش بمن آمن من قبائلهم يعذبونهم ويسجنونهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للذين آمنوا به:«تفرقوا في الأرض» قالوا: فأين نذهب يا رسول الله، قال:«هاهنا» وأشار إلى أرض الحبشة»
(2)
.
فكان الفرار بالدين خشية الافتتان فيه سببًا مهمًّا من أسباب هجرتهم للحبشة، كما بيَّن ذلك محمد بن إسحاق
(3)
.
ومن الأسباب: نشر الدعوة خارج مكة:
قال سيد قطب:
…
ومن ثم كان يبحث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح لها فيها أن تتخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة، وهذا في تقديري كان
(1)
انظر: المغازي النبوية للزهري، تحقيق سهيل زكار (96)، والطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 203).
(2)
أخرجه الطبراني في الأوسط (7/ 258، رقم 7440)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 42):«فيه يعقوب بن محمد الزهري وثقه غير واحد وضعفه بسبب التدليس وقد صرح بالتحديث عن شيخ ثقة وبقية رجاله ثقات» ، وأخرجه أيضاً: عبد الرزاق (5/ 384)، رقم (9743).
(3)
انظر: سيرة ابن هشام (1/ 398)، وسيأتي كلامه عن الهجرة إلى الحبشة بسبب الفتنة.
هو السبب الأول والأهم للهجرة، ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب لتكون قاعدة للدعوة الجديدة عدة اتجاهات، سبقها الاتجاه إلى الحبشة، حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، القول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية، فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا، إنما هاجر رجال ذوو عصبيات، لهم من عصبيتهم في بيئة قبلية ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين
(1)
.
ومنها البحث عن مكان آمن للمسلمين:
وهذا السبب هو نتيجة لفرار المسلمين بدينهم، فلا بد لهم أن يبحثوا عن المكان الآمن والأرض الخصبة التي تمكنهم من ممارسة شرائع الإسلام والدعوة إليه.
وهكذا كانت الخطة الأمنية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم تستهدف الحفاظ على الصفوة المؤمنة؛ ولذلك رأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن الحبشة تعتبر مكانًا آمنًا للمسلمين ريثما يشتد عود الإسلام وتهدأ العاصفة، وقد وجد المهاجرون في أرض الحبشة ما أمنهم وطمأنهم، وفي ذلك تقول أم سلمة رضي الله عنها: (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أَمِنَّا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى
(2)
....... الخ).
(1)
في ظلال القرآن (1/ 29).
(2)
سيأتي ذكر الحديث بطوله وتخريجه.
النجاشي العادل والصالح:
«وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لايظلم أحد بأرضه، وكان ينثى
(1)
عليه مع ذلك صلاح»
(2)
- أي يشيع عنه ذلك - ويظهر هذا الصلاح في حمايته للمسلمين، وتأثره بالقرآن الكريم عندما سمعه من جعفر رضي الله عنه، وكان معتقده في عيسى عليه السلام صحيحاً.
الحبشة متجر قريش:
ذكر الطبري في معرض ذكره لأسباب الهجرة للحبشة: «وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش، يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغاً
(3)
من الرزق وأمناً، ومتجراً حسناً»
(4)
.
كما ذكر ذلك ابن عبدالبر
(5)
.
التزام الأحباش بالنصرانية:
وهي أقرب إلى الإسلام من الوثنية، ولذلك فرح المؤمنون بانتصار النصارى على فارس المجوس المشركين في الفترة المكية سنة ثمان في البعثة كما في القرآن
(6)
(7)
.
(1)
ينثى عليه: يشيع عنه، انظر القاموس المحيط مادة نثا.
(2)
انظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري (2/ 328).
(3)
رفاغاً: سعةً من الرزق، انظر الصحاح مادة رفغ.
(4)
تاريخ الطبري (1/ 546)، وانظر: مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعروة بن الزبير (104).
(5)
انظر: الدرر في اختصار المغازي والسير (27).
(6)
صحيح السيرة النبوية للطرهوني (2/ 152).
(7)
انظر: السيرة النبوية للصلابي (1/ 282).
والآن لنعش ونستشعر قصة هجرة جعفر رضي الله عنه إلى الحبشة هو وزوجته وبعض المسلمين الذين أُذن لهم في الهجرة إلى الحبشة مع جعفر رضي الله عنه، وأسباب هذه الهجرة، والأحداث التي مرَّ بها جعفر رضي الله عنه وآل بيته في الحبشة.
قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد
(1)
، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام
(2)
.
ولعل معرفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واطلاعه على أحوال الأحباش وخصوصيات ملكهم تأتي في سياق العلاقات التجارية لقريش، وقد مضى معنا قول الطبري:«وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش، يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغاً من الرزق وأمناً، ومتجراً حسناً»
(3)
.
قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه
(1)
جوَّد الألباني في السلسلة الصّحيحة (3190) إسناد الحديث ولفظه مرفوعاً: (إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه).
(2)
سيرة ابن اسحاق (2/ 155)، وسيرة ابن هشام (1/ 321، 322).
(3)
انظر: ص (66) هامش (2).
ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه
(1)
.
فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغاراً وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلاً
(2)
.
فلمّا رأت قريش أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها داراً وقراراً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين جلدين من قريش إلى النجاشي، فيردهم عليهم ليفتنوهم في دينهم ويخرجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها؛ فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص بن وائل وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته
(3)
ثم بعثوهما إليه فيهم
(4)
.
وحطّ الرسولان رحالهما بالحبشة، وقابلا بها زعماء الحبشة، ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها إليهم، ثم أرسلا للنجاشي هداياه.
ومضيا يوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين، ويستنجدان بهم لحمل النجاشي، ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها
(5)
.
فقال أبو طالب حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه أبياتا للنجاشي
(1)
سيرة ابن هشام (1/ 323).
(2)
سيرة ابن هشام (1/ 330)، وانظر السيرة النبوية لابن كثير (2/ 9)، وقال ابن الأثير: إنهم تمام اثنين وثمانين فقط، انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (2/ 53).
(3)
البطارقة جمع بطريق، وهو رجل الدين عند المسيحية.
(4)
انظر: سيرة ابن هشام (1/ 332).
(5)
رجال حول الرسول (71).
يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم:
ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر
…
وعمرو وأعداء العدو الأقارب
وهل نالت أفعال النجاشي جعفرا
…
وأصحابه أو عاق ذلك شاغب
تعلم أبيت اللعن أنك ماجد
…
كريم فلا يشقى لديك المجانب
تعلم بأن الله زادك بسطة
…
وأسباب خير كلها بك لازب
وأنك فيض ذو سجال غزيرة
…
ينال الأعادي نفعها والأقارب
(1)
ويدخل كلٌّ من عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص على النجاشي، فيجدونه جالساً على كرسيه في وقار مهيب، وتواضع جليل، والأساقفة ورجال الحاشية حوله ينتظرون هذه اللحظة، والمسلمون المهاجرون جلوس أمامه في ساحة مجلسه الفسيح، تغشاهم السكينة، واثقون برحمة الله ونصره، وها هما رسولا قريش يقومان بتحريض النجاشي على المسلمين واتهامهم بالباطل أمام النجاشي، وقد بدأوا كلامهم بما ينفِّر النجاشي منهم: نعم أيها الملك، قد فارقوا دينهم ودين آبائهم حتى أنهم لم يدخلوا في دينك على الرغم من أنهم لجئوا إليك، إنما ابتدعوا ديناً جديداً، لا نعرفه نحن ولا أنت - أي: فلا هم منا ولا منكم، فليست لكم بهم صلة، وليس عندكم شيءٌ لأجله تحفظونهم أو تراعونهم-، وقد بُعثنا إليك من قِبل أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم إليهم.
(1)
سيرة ابن هشام (1/ 334).
فالتفت حينها النجاشي إلى المسلمين متسائلاً: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن ديننا؟
عندها برز جعفر رضي الله عنه ليقوم بالإجابة على سؤال النجاشي، - لقد اختاره المسلمون بعد أن تشاوروا ليتولى هذه المهمة وذلك قبل مجيئهم إلى مجلس النجاشي وبعد علمهم بمجيء رسولَي قريش-.
نهض جعفر بثبات وثقة بالله عز وجل ثم أتبع ذلك بكلمات كسراج الشمس قائلاً: يا أيها الملك، إنّا كنّا قوماً أهل جاهلية: ثم سرد جميع ما كانوا عليه من أمر الجاهليه ممّا تأباه الفطرة السليمة، وينافي العبودية لله سبحانه وتعالى.
إلى أن قال: حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، ثم ذكر محاسن أخلاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصدقه وأمانته بشهادة قومه قبل أن يُبعث.
ثم بيَّن ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عبادة الله وحده، والبراءة ممّا كانوا يعبدون وآباؤهم من الأوثان، وسرد ما أمرهم الله به، من العبادات وما نهاهم عنه من المحرَّمات ممّا تألفه الفطرة السليمة.
وأتبع ذلك مبيِّناً أنه ما هاجر هو والمسلمون إلى جوار النجاشي - راجين ألا يظلموا عنده- إلا بعد أن عذّبتهم قريش وظلمتهم ومنعتهم من ممارسة شعائر دينهم.
فتأثَّر النجاشي رحمه الله بقول جعفر رضي الله عنه، ثم سأله إن كان معه شيء ممّا أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمضى جعفر يتلو لآيات من سورة مريم في خشوع فبكى النجاشي، وبكى معه أساقفته جميعاً، ثم التفت إلى مبعوثي
قريش، وقال: «إنّ هذا، والذي جاء به عيسى
(1)
(وفي رواية: موسى)
(2)
ليخرج من مشكاة واحدة.. انطلقا فلا والله، لا أسلمهم إليكما».
وهكذا نصر الله عباده على رسولَي قريش، بعد أن وُفِّق جعفر رضي الله عنه في مقالته وجوابه. ورجع مندوبا قريش من عند النجاشي بهزيمة منكرة. وانفضَّ الجميع من حول الملك النجاشي.
لكن عمرو بن العاص لم يستسلم للهزيمة ولم ييأس، فأخذ يفكّر كيف له أن يستأصل شأفة المسلمين، على الرغم من أنَّ صاحبه عبد الله بن أبي ربيعة لم يوافقه على ذلك.
ولكنه أصرَّ وعزم على المكيدة الجديدة، إنَّها المكيدة التي تتعلق بما يعتقد ويدين به النجاشي، وأهم ما يخص الإنسان وينتصر لها هو عقيدته، فكيف إذا كانت هذه العقيدة تخص النجاشي صاحب الأمر والنهي في الحبشة التي لجأ إليها المسلمون، فهو يريد إخبار النجاشي بأنَّ المسلمين يؤمنون بأن عيسى بن مريم عبد كبقية العباد، فإن هم أقروا بعبوديته، حركوا ضدهم
(1)
ذكر عيسى عليه السلام، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (1/ 93) رقم (82)، وانظر: الثقات لابن حبان (1/ 65)، وحسنه الوادعي في الصحيح المسند (1672).
(2)
سيأتي ذكر وتخريج الرواية التي فيها ذكر موسى؛ قال ابن حجر في فتح الباري (1/ 26) في التلعيق على قول ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى قوله: على موسى ولم يقل على عيسى على كونه نصرانياً، لأن كتاب موسى؛ مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى، وكذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لأن موسى بعث بالقمة على فرعون ومن معه بخلاف عيسى، كذلك وقعت النقمة على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفرعون هذه الأمة وهو أبو جهل بن هشام من معه ببدر، أو قاله تحقيقاً للرسالة، لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب خلاف عيسى فإن كثيراً من اليهود ينكرون نبوته. أهـ.
الأساقفة وحاشية الملك، وإن هم نفوا عنه البشرية خرجوا عن دينهم.
إنه موقف صعب حاد، يضع المسلمين بين أمرين أحلاهما مر.
وبعد أن طلبا مقابلة الملك، بدء عمرو كلامه للملك بالتهويل، إذ ذكر أن المسلمين يقولون في عيسى قولاً عظيماً، وهنا غضب الأساقفة وارتفعت أصواتهم.
وبناء على ذلك طلب النجاشي المسلمين مرّة أخرى ليسألهم عن موقفهم من عيسى عليه السلام.
واتفق المسلمون على أن يقولوا الحق الذي عليه دينهم بعد أن علموا بالمؤامرة الجديدة، لا يجاملون في ذلك ملكاً أو ديناً غير دينهم.
وبدء الإجتماع الجديد بسؤال النجاشي لجعفر: ماذا تقولون في عيسى؟
فأجابه جعفر غير متلكِّعٍ أو متردد: نقول فيه ما جاءنا به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: هو عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
فما كان من النجاشي إلا أن أقرَّ جعفراً على ما قاله في عيسى عليه السلام، معلنا أنَّ هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، وأمَّنهم بأرض الحبشة، وهدَّد بعقاب من يسبهم أو يؤذيهم، ثم ردَّ هدايا وفد قريش، ولم يأبه لغضب وضجر الأساقفة.
وهكذا رجع مبعوثاَ قريش إلى مكة مخذولين، يجرَّان خيبة الهزيمة، وخرج المسلمون مع خطيبهم جعفر ليستأنفوا حياتهم الآمنة في الحبشة، لابثين فيها بخير دار مع خير جار، حتى يأذن الله لهم بالعودة إلى رسولهم وإخوانهم وديارهم.
وتروي لنا أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحدث فتقول: (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشي، آمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين
(1)
، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف
(2)
من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم
(3)
، فجمعوا له أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته
(4)
بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي
(5)
، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدِّموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا
(6)
إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم.
ثم إنهما قرَّبا هداياهم
(1)
جلدين: قويين.
(2)
يُستطرف: يُستحسن.
(3)
الأدم: الجلود وهو أسم جمع.
(4)
البطارقة: جمع بطريق وهو القائد أو الحاذق في الحرب.
(5)
كانت هذه القصة قبل إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه.
(6)
صبا: إرتدوا عن دينهم.
إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم، أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم، قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله
(1)
، أيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أُكاد
(2)
، قوماً جاوروني
(3)
،
ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني، قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك
(1)
وفي رواية أخرى عند أحمد (5/ 290)، رقم (22551):«لا هايم الله» ، وكلا المعنيين بمعنى
لا والله.
(2)
ولا أكاد: بضم الهمزة، فعل مبني للمجهول: أي: ولا يكيدني أحد.
(3)
جاوروني: رغبوا في حمايتي..
كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء
(1)
، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة
(2)
،
وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم
نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من كهيعص، قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل
(3)
لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة
(4)
(1)
الدماء: أي حفظها وعدم إراقتها إلا بالحق.
(2)
قذف المحصنة: اتهام المرأة الطاهرة العفيفة..
(3)
أخضل لحيته: بلَّل لحيته.
(4)
المشكاة: ما يوضع عليه المصباح، والمراد يخرجان من نور واحد.
واحدة، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً ولا أكاد، قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنهم غداً عيبهم عندهم، ثم استأصل به خضراءهم
(1)
، قالت: فقال له عبد الله بن أبى ربيعة -وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له أيها الملك: إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه، قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثله
(2)
،
فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبى طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت
(3)
بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نَخَرْتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي- والسيوم الآمنون - مَن سبَّكم غرم
(4)
،
ثم من سبَّكم غرم، فما أحب أنَّ لي دبراً ذهباً وإني آذيت رجلاً منكم، -والدبر بلسان الحبشة الجبل-، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة
(1)
خضراءهم: أي شجرتهم التي تفرعوا منها.
(2)
ولم ينزل بنا مثله: أي لم ينزل بنا من البلاء مثل هذا البلاء..
(3)
تناخرت: أي تكلمت، وكأنه كلام من غضب ونفور.
(4)
الغُرْم: ما يلزم الشخص أداؤه كالضمان والدين والدية وغير ذلك..
حين ردَّ علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به يعنى من ينازعه في ملكه، قالت: فوالله ما علمنا حزناً قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفاً أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، قالت: وسار النجاشي وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالت: وكان من أحدث القوم سناً، قالت: فنفخوا له قربة، فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمكة»
(1)
.
وفي هذا الموقف نرى شجاعة وإقدام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للكلام والدفاع عن بقيّة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة أمام النجاشي.
فإنه لم يخف في الله لومة لائم وصدع بالحق دون أي خوف أو انهزام، بل برباطة جأش وإصرار على ما هو عليه من الحق، بعد أن أرسلت قريش
(1)
أخرجه أحمد (1/ 201)، رقم (1740) و (5/ 290)، رقم (22551)، وقال الهيثمي (6/ 24): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق - كذا قال الهيثمي والصواب محمد ابن اسحاق- وقد صرَّح بالسماع، قال ابن كثير في تفسير القرآن (2/ 168): ثابت، قال أحمد شاكر في مسند أحمد (3/ 180) إسناده صحيح، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (7/ 578) إسناده جيد، وقال شعيب الأرنؤوط في مسند أحمد (1740): إسناده حسن.