الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله»
(1)
.
وكان النجاشي رحمه الله قد اقتنع بصحة الإسلام منذ حدثه جعفر رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق وذكر لي أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فإذا كانوا في وسط من البحر غرقت بهم سفينتهم فهلكوا
(2)
.
جعفر رضي الله عنه صاحب السفينة والهجرتين:
إنَّ جعفراً رضي الله عنه ومن معه من المسلمين هاجروا إلى الحبشة بإذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمكثوا في الحبشة، آمنين مطمئنِّين، يقيمون شعائر دينهم ويظهرونها، ويدعون إلى الإسلام.
وكان جعفر رضي الله عنه أميرهم فى الهجرة
(3)
.
فلمَّا بلغ جعفراً ومن معه رضي الله عنهم أجمعين خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى
…
المدينة مهاجراً، قدموا إلى المدينة- في السنة السابعة للهجرة- بعد أن بعث فيهم
…
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فحملهم في
(1)
تاريخ الأمم والملوك للطبري (2/ 131).
(2)
تاريخ الأمم والملوك للطبري (2/ 131).
(3)
تهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/ 196).
سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية
(1)
.
وكان جميع من قدم في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة عشر رجلاً
(2)
.
ثم كان بعد مقدم جعفر رضي الله عنه من الحبشة حدثٌ أخبرنا به أبو موسى الأشعري رضي الله عنه.
فلنعش هذا الحدث مع الصحابي الجليل أبي موسى رضي الله عنه، الذي يبين فضل أهل السفينة وأصحاب الهجرتين (هجرتي الحبشة والمدينة) وكان على رأسهم جعفر بن
…
أبي طالب رضي الله عنه:
عن أبى بردة عن أبى موسى رضي الله عنه قال: «بلغنا مخرج النبى صلى الله عليه وآله وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم - إما قال: في بضع وإما قال: - فى ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومى، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشى بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبى طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبى صلى الله عليه وآله وسلم حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا - يعنى لأهل السفينة - سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس، وهى ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبى صلى الله عليه وآله وسلم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشى فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟، قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: آلحبشية هذه آلبحرية هذه؟، قالت أسماء: نعم. قال:
(1)
انظر: سيرة ابن هشام (2/ 359).
(2)
سيرة ابن هشام (2/ 362)، وانظر الروض الأنف (4/ 104).
سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منكم. فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا فى دار أو فى أرض البعداء البغضاء
(1)
بالحبشة، وذلك فى الله وفى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وايم الله، لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وآله وسلم وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه فلما جاء النبى صلى الله عليه وآله وسلم قالت: يا نبى الله إن عمر قال: كذا وكذا. قال «فما قلت له؟» . قالت: قلت له كذا وكذا. قال: «ليس بأحق بى منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» .
قالت فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً
(2)
، يسألوننى عن هذا الحديث، ما من الدنيا شئ هم به أفرح ولا أعظم فى أنفسهم مما قال لهم النبى صلى الله عليه وآله وسلم. قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث منى»
(3)
.
وهنا دعنا ننظر إلى موقف أسماء رضي الله عنها، غضبت لأجل الحق وحاورت بالحق، لا تخاف في الله لومة لائم، ولكنها كانت جميلة المنطق، إنها مثال للزوجة المسلمة التي تربت على الإسلام، ولا عجب فهي زوجة جعفر رضي الله عنه.
وأيضا دعنا ننظر إلى مقياس تفاخر المسلمين في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
(1)
البعداء البغضاء: البعداء في النسب، البغضاء في الدين، إلا من أسلم منهم كالنجاشي رحمه الله.
(2)
أرسالاً: أي أفواجاً، فوج بعد فوج.
(3)
انظر تخريج الحديث تحت عنوان: «الأحاديث الصحيحة في ذكر جعفر رضي الله عنه، حديث رقم (6).
فإن تفاخرهم ليس بالأحساب والأنساب، وإنما بالبذل والتضحية في سبيل الله، وبالقرب وبالخدمة والذود والحماية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ما قصده عمر الفاروق رضي الله عنه، وكان غضب أسماء رضي الله عنها وحزنها من حرصها على الخير والفضل في هذا الدين.
ولنا هنا وقفة مع ثناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على من هاجر إلى الحبشة ومن ضمنهم جعفر رضي الله عنه، فقد أثنى عليهم وذكر بأن لهم هجرتين وذلك بسبب تركهم ديارهم وأهلهم وعيشهم في الغربة حفاظاً على الدين وحرصاً على إقامته.
وهذا يدلنا على فضل الهجرة عموماً، والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً، وقد نال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قصب السبق في كل هذه الهجرات التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والآن مع اللحظة التي طال انتظارها، إنها لحظة لقاء ورؤية جعفر رضي الله عنه
…
للحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، وما إن وصل جعفر حتى فرح صلى الله عليه وآله وسلم بقدومه بعد فرحه بفتح خيبر فكان الفرح فرحين، وأسهم صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر ومن معه من المسلمين في الغنائم.
فعن جابر بن عبد الله قال: «لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر»
(1)
.
(1)
أخرجه الحاكم (2/ 681)(4249) وقال: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي في التلخيص، قال الألباني في تخريج فقه السيرة (350)«حسن وبالجملة فالحديث قوي بهذه الطرق» .