الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونادرًا ما يستطيع الفرد أن يرى نفسه كما يراه الآخرون. ومن خلال رؤية الآخرين ووجهة نظرهم فيه يتكون استعداده للتغيير. وإذا حكم الأقران فيه بشيء من القسوة فإنهم غالبًا ما يكونوا غير متحيزين. فأي سمة أو صفة غير مقبولة نجدهم ينبذونها بسرعة وبمنتهى الصراحة يسخرون منها ومن هنا ينبع احتمال التغيير عند الشخص المنقود.
والخلاصة أن للأقران دورهم الذي لا يستهان به والذي يؤثر تأثيرًا كبيرًا في حياة ونمو الطفل.
5-
الامتثال لمعايير الجماعة:
إن معايير الجماعة ترشد سلوك أعضائها في الشارع وفي النادي وفي الصحبة
…
ومن أقدم الدراسات نحو تكوين معايير الجماعات هي التي أجراها ميرو Meru "1949" الذي لاحظ "12" مجموعة كل منها مكونة من "4" أطفال.. ومع أن الأطفال كانوا يختلفون في درجة الامتثال لمعايير الجماعة في السن من 4-11 سنة فإن "ميرو" قد ذكر أنه لا توجد فروق سن في تكوين المعايير، ولكنه ذكر أن المجموعات كونت معايير تتعلق بتشكيلة واسعة من السلوكيات مثل: نظلم الجلوس، آداب الحديث، والتعبيرات اللفظية، وحقوق الملكية، وتتابع الألعاب إلخ "شكل: 87".
وتتصل دراسة الامتثال للجماعة اتصالًا وثيقًا بدراسة تكوين المعايير في جماعة الأقران فكثير من البحوث والافتراضات النظرية حول الامتثال لدى الأطفال قد أجرى معظمها في إطار نظرية التعلم الاجتماعي.. فقد قدمت فكرة لتفسير الامتثال في سلوك الجماعة من خلال عملية التقليد المعمم وطبقًا لنظرية التعلم الاجتماعي فإن الطفل يكتسب قدرًا كبيرًا من سلوكه الاجتماعي عن طريق ملاحظة سلوك الآخرين من حوله ويقوم بتقليد نماذج السلوك التي يراها، لأن الطفل لديه قدرة كبيرة على تكوين صور ذهنية للأفعال التي يكون قد شاهدها سابقًا ثم استرجاع هذه الصور، كما أن الفعل الذي يقوم الطفل بتقليده يحدث نتائج ممتعة بالنسبة له، بالإضافة لذلك: فإن التقليد يعتبر الميكانيزم الأول الذي يظهر الطفل
ذاتي الإرادة، فكل مهارة يكتسبها الطفل تزيد من شعوره بالسيطرة على البيئة كما تزيد من شعوره بالكفاءة وسط الجماعة التي ينتمي إليها.
وطبقًا لنظرية التعلم الاجتماعي فإن الامتثال بالنسبة لسلوك الأقران يجب أن يتغير مع تعزيز الامتثال للاستجابات.. وحيث أن نظرية التعلم الاجتماعي ليست نمائية، إلا أنها لا تقدم أي تنبؤات عن اتجاهات السن بالنسبة للامتثال غير أن هذه النظرية يمكن استخدامها للتدليل على أن الامتثال يتعزز باطراد نمو الطفل وتقدمه في العمر حيث أن السلوك المتمثل يجب أن يزيد في هذه الفترة.
ومن ناحية أخرى: ناقش بياجيه Piaget "1932" امتثال الأطفال في إطار تعلم قواعد السلوك الاجتماعي.. فقد قد بياجيه تتابعًا من ثلاث مراحل في نمو فهم القواعد الاجتماعية وخاصة قواعد الألعاب:
- ففي المرحلة الأولى: أو مرحلة الأنا: فإن الطفل لا يكون لديه فكرة واضحة عن القواعد الاجتماعية. ومهما كانت القواعد التي يتبعها الطفل فهي من وضع الوالدين.. وفي هذه المرحلة التي تمتد حتى حوالي من السادسة فإن الأطفال
قد يقلدون سلوك الآخرين وخاصة الراشدين، ولكن لا يوجد لديهم إلا القليل من فهم الأسباب الدافعة لهذا السلوك.
- وفي المرحلة الثانية: التي تمتد من 6-11 سنة يبدأ الامتثال الكامل حيث يزداد تفاعل الأطفال مع الأقران ويمتثلون للمعايير الاجتماعية للسلوك.. وهم يبدأون في اتباع القواعد مثل قواعد الألعاب، ولكنهم ينظرون إلى تلك القواعد باعتبارها قادمة من قوى خارجية وخاصة من الراشدين، وأنها غير مرنة وغير قابلة للتغير.
- وفي حوالي سن الحادية عشرة فإن مفاهيم الطفل للقواعد تبدأ في التغير مرة أخرى.. وفي هذه المرحلة يحدث الامتثال المغاير للقاعدة، فيفسر الطفل القواعد على أنها نتيجة اتفاق بين الأشخاص وليس على اعتبارها واردة من مصادر خارجية.. إن الطفل الآن يعتبر القواعد مرنة وقابلة للتغيير من واقع قرار الجماعة.. إن هذا الفهم للقواعد يؤدي إلى انحسار في الامتثال الجماعي بسبب المرونة التي أصبحت الآن تعزى إلى القواعد.
ويقترح بياجيه أن الالتزام لجماعة الأقران يزداد في مرحلة الطفولة ثم ينحسر تدريجيًا عندما يكتشف المراهق نظرة الراشدين إلى القواعد.
ففي السنوات الأولى من المراهقة يميل المراهق إلى مسايرة المجموعة التي ينتمي إليها فيحاول جاهدًا أن يظهر بمظهرهم ويتصرف كما يتصرفون ويفعل كما يفعلون، وتتميز هذه المسايرة بالصراحة التامة والإخلاص، ونلاحظ أن الرغبة الاندماجية مع المجموعة ومسايرة أفرادها مسايرة عمياء تقل شيئًا فشيئًا ويحل محل هذا الشعور اتجاه آخر يقوم على أساس تأكيد الذات والرغبة في الاعتراف به كفرد يعمل وسط الجماعة.. هذه التغيرات في المسايرة والامتثال للجماعة تنتج عن نمو القدرة المعرفية التي تسمح بتفسيرات مختلفة للمعايير مع اطراد نضج هذه القدرات المعرفية وزيادة الوعي الاجتماعي وما يصاحب ذلك من زيادة في خبراته.
والسبب الذي يدعو المراهق إلى الانسجام مع الجماعة التي ينتمي إليها في أولى مراحل المراهقة محاولة تجنب كل ما يؤدي إلى إثارة النزاع بينه وبين أفراد هذه الجماعة، وهو إذ يفعل ذلك يرى أن أي نزاع بينه وبينهم يعتبر في منزلة ثانوية بالنسبة لنزاعة الأكبر الذي يقوم بينه وبين السلطة المدرسية والوالدية، ومن ثم يكون في احترامه لرأي شلته وإخلاصه لهم وخضوعه لأفكارهم نوع من تخفيف الشعور بالإثم الناجم عن عدم طاعته لوالديه ومدرسيه. "طلعت منصور، عادل الأشول: 1976".
الامتثال والثقافة:
أجرى أيسكو ووليم وهارفي Esco William & Harvy "1963، 1964" تجربتين أوضحتا أن الامتثال لمعايير الأقران لم تكن دالة لفروق السن فقط في المقدرة المعرفية، ولكنه كان عرضة للتأثيرات الثقافية.. وفي هذه الحالة أجريت التجربة الأولى مع أطفال بيض، والثانية مع أطفال سود وفي كلتا الحالتين كان المفحوصون من سن 7، 9، 12، 15 سنة، كان واجبهم هو إحصاء دقات، حيث أخبر كل طفل بأن ثلاثة أطفال آخرين كانوا يشتركون في التجربة، وأنه قد أعطيت لهم معلومات خاطئة عن عدد الدقات الذي ذكره المفحوصون الآخرون.. وقد قيس الامتثال بعدد المرات التي ذكر فيها المفحوص عدد غير صحيح للدقات.
ومع أن شكل المنحنى الذي يربط بين الأمثال والسن كان واحدًا بالنسبة لكل من الأطفال البيض والسود، وكانت الذروة في السن بالنسبة للامتثال قد حدثت لدى الأطفال السود مبكرًا عنها لدى الأطفال البيض. وبالنسبة للأطفال البيض ازداد الامتثال بين الأطفال فيما بين 9-12 سنة، ثم أخذ في الانحسار.. وأظهر الأطفال السود زيادة في الامتثال بين سن 7-9 ثم أخذ في الانخفاض. وبذلك كان الأطفال البيض بصفة عامة أكثر امتثالًا من الأطفال السود.
إن هذه الفروق العرقية تتفق وتحليل بياجيه لامتثال الأطفال ودرجة تأثره بتفاعلاتهم مع الأقران.. ويقترح هاربت Harbet "1970" أن ثقافة الأقران السود تشجع درجة أكبر من الاستقلال وتتحمل امتثالًا أقل من ثقافة الأقران عن البيض