المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النضج والتدريب على المهارات الحركية المبكرة: - علم نفس النمو - جـ ٢

[حسن مصطفى عبد المعطي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثاني

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: النمو الجسمي

- ‌أولا: مرحلة ما قبل الميلاد

- ‌الفترة الجنينية

- ‌الفترة الحميلية:

- ‌ثانيا: مرحلة ما بعد الميلاد

- ‌نمو الطول والوزن

- ‌ نمو الوظائف العضوية:

- ‌ التسنين:

- ‌ علاقة صحة الطفل بنموه الجسمي:

- ‌النمو

- ‌ نمو العمليات الفسيولوجية:

- ‌ الجهاز الدوري:

- ‌ نمو الغدد الصماء:

- ‌ نمو المخ:

- ‌العوامل المؤثرة في النمو الجسمي:

- ‌دور المربيين لتحقيق النمو الجسمي السليم:

- ‌الفصل الثاني: النمو الحركي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: النمو الحركي المبكر

- ‌الخصائص العامة للنمو الحركي:

- ‌مظاهر النمو الحركي المبكر:

- ‌النضج والتدريب على المهارات الحركية المبكرة:

- ‌ثانيا: النمو الحركي في سن ما قبل المدرسة

- ‌الخصائص العامة للنمو الحركي

- ‌خصائص النمو الحركي في سنوات الطفولة المبكرة

- ‌ثالثا: النمو الحركي لطفل المدرسة الابتدائية

- ‌مدخل

- ‌النمو غير المنتظم:

- ‌العوامل المؤثرة في النمو الحركي:

- ‌دور الوالدين والمربين في رعاية النمو الحركي:

- ‌خلاصة:

- ‌الفصل الثالث: نمو الإدراك الحسي

- ‌الإدراك الحسي فطري أم متعلم

- ‌المبادئ الأساسية للارتباط الشرطي والإدراك

- ‌مدخل

- ‌الارتباط الشرطي التقليدي "الكلاسيكي

- ‌الارتباط الشرطي الإجرائي:

- ‌الاهتمام الإدراكي

- ‌مدخل

- ‌التعود:

- ‌طرق دراسة الانعكاس التوجيهي والتعود:

- ‌القدرة الحسية المبكرة

- ‌القدرة البصرية

- ‌ القدرة السمعية:

- ‌ الإحساس التذوقي والشمي:

- ‌السلوك الإدراكي والنمو

- ‌إدراك الشكل

- ‌ إدراك العمق:

- ‌ ثبات الحجم والشكل:

- ‌ توجيه المثير:

- ‌التكامل الإدراكي

- ‌النمو فيما بين الحواس

- ‌ التمثيل المكاني:

- ‌ السلوك الإدراكي الحركي:

- ‌خلاصة:

- ‌الفصل الرابع: النمو اللغوي

- ‌اللغة ووظائفها:

- ‌النمو اللغوي المبكر

- ‌مدخل

- ‌أولًا: مرحلة الاستجابات المنعكسة

- ‌ثانيًا: مرحلة المناغاة

- ‌ثالثًا: مرحلة التقليد والاستجابات اللغوية

- ‌رابعًا: مرحلة الكلام

- ‌خامسًا: نمو مفردات الطفل

- ‌النمو اللغوي لطفل المرحلة الابتدائية

- ‌نمو المحصول اللفظي

- ‌ نمو التراكيب اللغوية:

- ‌ نمو مهارات الاتصال:

- ‌ مهارة القراءة:

- ‌ الكتابة:

- ‌رعاية النمو اللغوي

- ‌رعاية النمو اللغوي لطفل ما قبل المدرسة

- ‌التطبيقات التربوية لرعاية النمو اللغوي لطفل المدرسة الابتدائية:

- ‌الفصل الخامس: النمو الانفعالي

- ‌مدخل

- ‌وجهات نظر في تفسير النمو الانفعالي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: المفاهيم البيولوجية

- ‌ثانيًا: المفاهيم الثقافية

- ‌ثالثًا: الإجراءات المعرفية

- ‌تطور الاستجابات الانفعالية

- ‌المرحلة الجنينية والمهد

- ‌ الانفعال خلال السنة الأولى من العمر:

- ‌ الانفعال خلال السنة الثانية من العمر:

- ‌ سنوات الطفولة المبكرة:

- ‌ مرحلة الطفولة الوسطى والمتأخرة:

- ‌ مرحلة المراهقة:

- ‌التباين في نمط الاستجابات الانفعالية:

- ‌العوامل المؤثرة في النمو الانفعالي:

- ‌الخصائص المميزة لانفعالات الأطفال

- ‌مدخل

- ‌انفعالات الوليد:

- ‌ظهور استجابات انفعالية محددة

- ‌الانفعالات بعد مرحلة الطفولة المبكرة:

- ‌العلاقة الوجدانية المعرفية:

- ‌الفصل السادس: تطور بعض الانفعالات في الطفولة

- ‌الخوف

- ‌مدخل

- ‌المخاوف في مرحلة الطفولة المبكرة:

- ‌الخوف لدى الأطفال الأكبر سنًا:

- ‌الأسباب الرئيسية للتباين في نمط الخوف هي:

- ‌السن وأنواع الخوف:

- ‌تعلم الخوف:

- ‌الأنماط الانفعالية المرتبطة بالخوف

- ‌الخجل

- ‌ الحرج أو الارتباك:

- ‌ الانشغال:

- ‌ القلق:

- ‌الغضب

- ‌فهم الغضب

- ‌مثيرات الغضب:

- ‌استجابات الغضب:

- ‌الغيرة

- ‌مصادر المواقف التي تنشأ عنها الغيرة

- ‌استجابات الغيرة:

- ‌ الأسى:

- ‌الانفعالات الإيجابية

- ‌مدخل

- ‌تننشيط النمو الانفعالي

- ‌السيادة الانفعالية

- ‌الفصل السابع: التفاعل بين الوالدين والطفل

- ‌مدخل

- ‌الأبحاث المبكرة في أساليب تربية الطفل

- ‌مدخل

- ‌ السيطرة الوالدية:

- ‌تربية الطفل وإساءة معاملته

- ‌تعريف إساءة معاملة الطفل

- ‌معدل حدوث إساءة معاملة الطفل:

- ‌أسباب إساءة معاملة الطفل:

- ‌أثر هذا الأسلوب في سلوك الأطفال:

- ‌نمو الارتباط "التعلق" الوالدي

- ‌مدخل

- ‌نظريات التعلق:

- ‌دور تطور التعلق الاجتماعي

- ‌التعلق والاستكشاف:

- ‌التنشئة الاجتماعية والتعلق الاجتماعي:

- ‌الأم والتعلق:

- ‌الأب والتعلق:

- ‌نتائج التعلق:

- ‌ الانفصال:

- ‌الاعتمادية

- ‌مدخل

- ‌تعريف وقياس الاعتمادية:

- ‌وسائل تربية الطفل والاعتمادية:

- ‌العدوانية

- ‌التعريف

- ‌فروق السن والجنس:

- ‌العدوانية وأساليب تربية الطفل:

- ‌النماذج العدائية:

- ‌الخلاصة:

- ‌الفصل الثامن: العلاقة بالأقران

- ‌مدخل

- ‌صعوبات دراسة علاقات الأقران:

- ‌جماعات الأقران واللعب

- ‌اللعب الفردي

- ‌ اللعب الجماعي:

- ‌العوامل المؤثرة في اللعب بين الأقران:

- ‌تكوين جماعات الأقران:

- ‌تقبل الأقران

- ‌مدخل

- ‌عوامل التقبل

- ‌الأقران وعملية التطبيع الاجتماعي

- ‌مدخل

- ‌ التوحد:

- ‌ التعلم

- ‌ تعلم الأدوار:

- ‌ الأقران كمرجع للحقيقة:

- ‌ الامتثال لمعايير الجماعة:

- ‌ التعاون:

- ‌ التنافس:

- ‌ العدوان:

- ‌الشعبية بين الوفاق

- ‌خلاصة:

- ‌الفصل التاسع: النمو الخلقي

- ‌مدخل

- ‌اكتساب السلوك والتفكير الخلقي:

- ‌السيطرة التنظيمية للوالدين والنمو الخلقي

- ‌مدخل

- ‌بحث هوفمان وسالتز شتاين:

- ‌تأييد نتائج دراسة هوفمان وسالتز شتاين:

- ‌السيطرة التنظيمية والنمو الأخلاقي: "البحث المعملي

- ‌الضوابط الخلقية:

- ‌مصادر الضبط الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية

- ‌الأسرة

- ‌ جماعة الأقران:

- ‌ الأفكار الدينية والدين:

- ‌المراجع:

- ‌فهرس:

الفصل: ‌النضج والتدريب على المهارات الحركية المبكرة:

Creeping وهي مرحلة متقدمة على الزحف وتتضمن التحرك على أربع، وبالتالي فهو يتضمن استخدام الساقين ومد الذراعين، وهذا يتفق أيضًا مع الاتجاه الرأسي الذنبي وبفحص تفاصيل مراحل أمس Ames يتضح لنا زيادة الفردية في أجزاء الجسم "الذراعين، الجذع، الساقين، وهكذا"، وهذه العمليات النمائية تتضمن أيضًا انعكاسات واضحة، بمعنى أن الطفل يتحرك من مستوى أدائي إلى آخر، يبدو السلوك وكأنه في مستوى نضج أقل. كما أن الارتداد إلى سلوك أكثر بدائية يحدث في نمو العمليات المعرفية. وفي أثناء تقدم الطفل نحو المشي الناضج تحدث دورات معينة. وحتى مع التقدم الثابت بصفة عامة، فإن هذه الدورات تبين انعكاسات دورية، ولكن كل دورة فيها تنتهي دائمًا عند مستوى أعلى. وهذا الرأي يشبه كثيرًا مفاهيم وارنر Werner للتنظيم الهرمي، وتبدأ اللولبية في التكوينات الوراثية. وعلى ذلك يبدو أن الانتكاسات جزء طبيعي من النمو ولعلها تمثل فترة تدخل فيها وظائف وأشكال جديدة في أنماط الفعل السائدة.

ص: 60

‌النضج والتدريب على المهارات الحركية المبكرة:

يشير لفظ النضج إلى عملية تحدث فيها تغيرات في الشكل وتستتبعها تغيرات في السلوك، ويحدث ذلك أساسًا بسبب نمو تكوين وراثي محدد وليس مجرد تعلم أو تدريب. أن الانتقالات من الانعكاسات البدائية إلى أنماط الفعل الناضج لا تنتج عن التعلم ولكن عن النضج، كما هو الحال في مراحل النمو التي تلاحظ في اكتساب القدرة على المشي. والتعلم، من جهة أخرى يشير إلى تغيرات سلوكية تنتج عن تدريب أو مشاركات متعلمة أساسًا.

ولإيضاح صحة مفهوم النضج، عاد جيزل Gesell فاستخدم طريقة التوأمين المتطابقين للمراقبة "الملاحظة"، فاستخدام التوأمين T & C. كان يلاحظهما خمسة أيام في الأسبوع. أعطى التوأم T تدريبًا يوميًا على الزحف والحبو والمشي والتسلق والقبض بالإبهام والسبابة. وكل هذه الأنماط السلوكية يبديها الأطفال الطبيعيون، وهي أجزاء من تتابعات لمكتسبات مهارية محددة، ويبدو أنها تتأثر بقوة بعوامل التكوينات الوراثية. ورغم التدريب اليومي الذي تلقاه التوأم T، فإن التوأمين لن تظهر عليهما فروق ذات دلالة في السن التي ظهرت فيها هذه الأنماط

ص: 60

السلوكية. ولذلك فقد استنتج جيزل Gesill أن التغيرات البيئية لا تؤثر على هذه الأنماط السلوكية، وهي بذلك تعتبر أنماط فعل فطرية محددة تبرز مع النضج.

وقد قامت ماكجرو Mc Graw التي استخدمت أيضًا طريقة التوأمين المتطابقين للمراقبة "الضبط"، بإعادة الدراسة التي قام جيزل Gesell وتوسعت فيها. إن وسائل تمييز التوأمين المتطابقين لم تكن قد بلغت بعد درجة الكمال، وقد تبين أن التوأمين اللذين استخدمتهما ماكجرو Mc Graw بعكس اللذين استخدمهما جيزل Gesill، توأمان متأخيان وليسا متابقين. وفي دراسة ماكجرو Mc Graw كان "جوني" هو التوأم التجريبي و"جيمي" هو توأم المراقبة "الضبط". وقد ميزت ماجكرو MC Graw نوعين من السلوك: سلوك فطري Ontogenetic، وسلوك مكتسب phulogenetic. إن كل أفراد جنس ما يظهرون أنماطًا سلوكية فطرية لأنهم أعضاء في ذلك الجنس. علاوة على ذلك، فالأمر هنا لا يتطلب تعلمًا خاصًا، لأن السلوك محدد فطريًا. أما السلوك المكتسب فقد يكتسب أو لا يكتسب بين أفراد الجنس الواحد. وقد درست ماكجرو Mc Graw نفس الأنماط السلوكية التي درسها جيزل Gesill، كما درست القفز والسباحة "الواقع أن السباحة سلوك فطري ومكتسب في وقت واحد". وكمثال للسلوك المكتسب التزحلق بالقبضات ذي العجل الذي درسته ماكجرو Mc Graw دراسة مكثفة. كما أنها عملت مع التوأمين في مجال السباحة كسلوك مكتسب.

وفيما يختص بالسلوك الفطري، كررت ماكجرو Mc Graw نتائج جيزل Gesill وقد أظهر "جوني" وجيمي" أنماط السلوك الفطري في نفس الوقت تقريبًا، أما أنماط السلوك المكتسب فقد أظهرت صورة مختلفة تمامًا. فعندما كان الطفل يظهر "علامات الاستعداد" لنشاط مكتسب معين، كانت تبدأ في التدريب على هذا النشاط مثال ذلك: أن الاستعداد للتزحلق بالقبضات ذي العجل يحتاج للقدرة على المشي. وعندما بدأ "جوني" يمشي، ألبسته زلاقات التدريب "قبقاب تزحلق عادي، ولكن عجلاته لا تحتوي على كراسي ببلي وبالتالي كانت درجة احتكاكها أعلى"، ثم وضعت "جوني" فوق حصيرة تمرين سميكة، وسمحت له بالتآلف مع الزلاقات ثم بدأت في تخفيف سمك الحصيرة شيئًا فشيئًا. كان تخفيف الحصيرة يجعل دوران

ص: 61

العجل أكثر سهولة. كان "جوني" كثيرًا ما يقع، ولكن ماكجرو Mc Graw وزملاءها كانوا دائمًا يشجعونه على الاستمرار. وأخيرًا نجحت في أن تجعل "جوني" يتزحلق بقبقاب عادي وهي في سن 18 شهرًا. وقد استخدمت عملية مشابهة لتعليم السباحة. فعندما لاحظت ماكجرو Mc Graw أن "جوني" كان يمر بمرحلة الانتقال من السباحة الإرادية ابتكرت طريقة بارعة لتعليم الطفل السباحة الإرادية فاستخدمت نظام مكبرات ولجامًا لإنزاله بواسطته إلى الماء. فإذا ما أدى حركات سباحة وجد نفسه يندفع خلال الماء. ومرة ثانية وبعد محاولات تقريبية متتابعة، أخذت في اعتبارها عدم السماح "لجوني" بأن يشعر بالانزعاج، نجحت في جعله يسبح مسافة يبلغ طول حمام سباحة بالمقاييس الأوليمبية وهو في سن 16 شهرًا. كما أنها نجحت في تعريف "جوني" بأنشطة مكتسبة أخرى. أما "جيمي" الذي أتيحت له فرص في هذه الواجبات المكتسبة مرة واحدة في الأسبوع، فإنه لم يتوصل أبدًا إلى مستوى "جوني" في الأداء. وتدل هذه المعطيات على أن التدريب الإضافي لا يؤثر في السلوك الفطري وكل ينجح بدرجة كبيرة مع أنماط السلوك المكتسب. "شكل: 11".

وقد آثارت أعمال ماكجرو Mc Graw مفهوم الاستعداد Readiness. إذ كانت تعتقد أنه عندما يظهر الطفل علامات الاستعداد يمكن استخدام عمليات التدريب مع درجة عالية من احتمالات النجاح. وهي ترى أن التدريب قبل ظهور مثل هذه العلامات الاستعدادية لا

ص: 62

يؤتى ثماره لأن النضج العضلي، العصبي لا يكون كافيًا للسماح للطفل بالاستفادة من خبرة التعلم. وفي مراجعة قدمها ثمبسون Thopson لأعمال ماكجرو Mc Graw عرض ستة مبادئ تعليمية تنبثق من تلك الأعمال:

1-

إن التدريب على أي نشاط معين قبل أن تصل الآليات العصبية إلى درجة معينة من الاستعداد لا فائدة منه.

شكل "11-ب" السلوك الفطري والمكتسب لمهارة المشي

2-

إن أداء وظائف جديدة وهي في طور النمو تتأصل في عملية النمو، وإذا ما أتيحت الفرصة الكافية في الوقت المناسب، يمكن تحقيق تقدم في إنجازات محددة أبعد من المرحلة المتوقعة طبيعيًا. "لهذا التعميم دلالات خاصة فيما يتعلق برعاية الطفل".

3-

إن فترات الانتقال من نوع ما من التنظيم العضلي، العصبي إلى تنظيم آخر جزء أصلي من النمو وهي تتميز غالبًا بعدم التنظيم والارتباك.

ص: 63

4-

الطفرات، والارتدادات والإحباطات والكبح جزء أساسي من النمو العضوي، وهناك ما يدعو للاعتقاد بأنها أيضًا إحدى الدالات في نمو الأنشطة السلوكية الكاملة.

5-

النضج والتعلم ليسا عمليتان مختلفتان، ولكنهما مجرد مظهرين من مظاهر عملية النمو الأساسية.

6-

الدلالة على استعداد الطفل لتقبل موضوع تعليمي معين توجد في بعض علامات السلوك أو الأعراض السلوكية التي تعكس نضج الآليات العصبية.

وقد قدمت هذه الدراسات النموذج الأول لما لا يقل عن 200 دراسة أخرى أجريت على الأطفال والحيوانات. ومن أشهر هذه الدراسات على الأطفال تلك التي أجراها دينيس Denes مع الهنود. لقد وجد دنيس جماعة من هؤلاء الهنود يربون أطفالهم في أقمطة في الفترة التي كان مفروضًا فيها أن يبدأ الطفل في الزحف والحبو. ومن جهة أخرى كانت هناك جماعة أخرى من هؤلاء الهنود يسمحون لأطفالهم

ص: 64

بالحرية والحركة الكاملة شبيهة بتلك الخاصة بأفراد الطبقة الوسطى من الأمريكيين. وقد وجد أن ابتداء المشي لدى أطفال الجماعة الأولى. لم يختلف عنه لدى أطفال الجماعة الثانية غير أن أطفال كلتا الجماعتين بدأوا المشي متأخرين عن الطفل العادي في الطبقة المتوسطة. وقد استنتج "دينيس" من هذه الملاحظة أن المثيرات البيئية المبكرة ليس لها سوى آثار ضئيلة على ابتداء السلوك ووجد دينيس فيما بعد بيئة متناهية في الفقر للأطفال وغير استنتاجاته. لقد شعر بأن تحسين البيئة المتناهية في السوء يؤدي فعلًا إلى تحسين الأداء.

تقييم تفسير النضج:

مهما كانت درجة تأثير كمية ونوع الأبحاث لاختبار افتراض النضج، فإن هذه الدراسات تعتمد على الفرض الخاطئ بأن أفراد المراقبة "الضبط" لم يكونوا يتلقون أي مثير ولكن كان النمو يحدث رغم الافتقار للمثير البيئي. والأصح أن نستنتج أن الإثارة الإضافية التي قدمت للتوأم التجريبي لم يكن لها من التأثيرات ما يتجاوز الإثارة التي قدمت لتوأم المراقبة "الضبط". ومهما كانت الإثارة التي تلقاها التوأمان في الدراسات التي أجرتها ماكجرو Mc Graw وجيزل Gesill فإنها كانت كافية لإثارة النمو الطبيعي. كل ما في الأمر أن هذه الدراسات فشلت في إيضاح سمات الإثارة التي تلقاها أفراد "الضبط" التي ساهمت في نموهم الطبيعي. ويضيف فلافيل Flavell "1977" ملاحظة أخرى فيقول: إنها تسمى "بالدراسات المثرية""الإثرائية" enrichment studies، حتى ولو نجحت، لا نستطيع أن نحدد أي سمة من سمات البرنامج هي التي أسهمت في النمو، وبعبارة أخرى، لا تستطيع أن تحدد المتغيرات التي لم يكن من الممكن للمعالجة أن تنجح بدونها.

والنقاط المثارة هنا كانت موضع اعتراف علماء نفس النمو الآخرين. وعلى سبيل المثال فإن هويل Wohlwill "1973، ص319" يتخذ الموقف التالي:

"متى اعترفنا بوجود "عمليات نمو طبيعية"، أي تعمل مستقلة عن عوامل أو ظروف خارجية خاصة محددة، فإن ذلك يستتبع نتائج أبعد مدى بكثير. أي أننا لا يسعنا إلا أن نأمل في أن نعزل الضروري، تلك التي بدونها نستطيع أن تؤكد أن النمو لا يحدث، وليس تلك التي نقول عنها إنها السبب في عدم حدوثه.

وبعبارة أخرى فإن معنى ذلك أن الأداة الأساسية في الدراسة التجريبية للنمو هي الدراسة الحرمانية، وليست الدراسة الإثرائية أو دراسة الخبرة الخاصة".

ص: 65

وثمة إجراء أكثر إنتاجية لبحث مكونات المثير الحاسم في النمو يسمى باستراتيجية الحرمان deprivation strategy. وفي هذه المعالجة يحرم التركيب العضوي "الفرد" من جهاز إحساس كامل لفترة طويلة من الوقت. ولعل الدراسة التي قام بها أوستن ريزن Austin Risen "1974" في هذا المجال تعتبر دراسة قياسية. لقد قام بتربية شمبانزي في الظلام منذ ولادته إلى ما قبل بلوغه النضج الكامل مباشرة.. وافترض أنه: إذا كانت البيئة لا تلعب دورًا في نمو القدرات الخاصة بالنوع، فإن الشمبانزي الذي ربي في الظلام لا يتوقع له أن يظهر فروقًا عن الشمبانزي الذي ربي تربية طبيعية. وحتى بعد إجراء التصحيحات اللازمة لضمور الأعصاب، وجد أن الشمبانزي ظل أعمى وظيفيًا رغم أن الجهاز العصبي البصري كان سليمًا. وفي دراسة نيسن وآخرون Nissen et al ربي شمبانزي يدعى "روب" بطريقة حرمته من الاحساسات الحركية العضلية "انظر الشكل "12": لقد لفت يديه وقدميه بالأربطة وهو في سن 5 أسابيع وحرم تمامًا من الإثارة لليدين والقدمين. وقد أجري اختباره دوريًا، وأخيرًا أزيلت الأربطة وهو في سن 31 شهرًا، وبمقارنته بالشمبانزي الآخر، وجد أنه يمشي مشية جانبية ولكنه لم يستطع استخدام المثير الحسي العضلي مثال ذلك: إنه عندما أثيرت منطقة الجذع أو الرأس لم يرفع أصابعه إلى موضع الإثارة كما تفعل الحيوانات الأخرى، كما أنه لم يبد سلوك التودد بالملاحظ المميز من الإمساك أو التعلق بالملاحظ الذي كان يحمله، أو يظهر أي من حركات الشفاة والأصوات التي تصدرها حيوانات هذه الفصيلة، كما أن حركات التنقيب بالأصبع لم تكن على شيء من الدقة والمثابرة المميزة لهذا السلوك.. وأخيرًا تعلم "روب" أن يوجه أصبعه إلى مكان معين بسرعة ودقة، أما غير ذلك من السلوك الفطري فلم يظهر. هذا وليس المقصود من هذه المعطيات أن الحيوانات كانت محرومة تمامًا من البيئة، لأن مثل هذه الحالة مستحيلة.

شكل "12""روب" في وضع الجلوس والأربطة الإسطوانية في مواضعها، ويتضح تأثير الأرجل العرجة المعيقة للإحساس الحركي العضلي

ص: 66

إن الافتراض بأن التكوينات العصبية المبرمجة وراثيًا تحتاج لمثير خارجي لتحقيق أقصى نمو، هنا الافتراض قد بحثه هب Hebb بحثًا مستفيضًا. وقد اقترح أنه من خلال عمله بيوكيماية معقدة، فإن انطلاق الألياف العصبية في الواقع يؤذن بانطلاق نموها. إن الأبحاث الحديثة في بيوكيمياء النقل في تشابك أطراف الألياف العصبية التي تمر من خلالها النبضات، وإن كان ذلك لا يتعلق إلا جزئيًا بافتراضات هب Hebb، هذه الأبحاث توحي بأنه كان على صواب "Rosenzweio، Bennett & Diamond، 1972". وفي إحدى هذه التجارب، مثلًا: وجد أنه بين الفئران تشابه شديد يرتبط بمستوى عالٍ من الإثارة الزائدة مع الأمخاخ الأكبر وزنًا. وقد حدث أقصى نموه في المناطق البصرية من المخ، ويبدو أن السبب في ذلك أن المثير الأكبر كان بصريًا. ويجب أن نلاحظ أن الحيوانات المثارة وحيوانات المراقبة "الضابطة" كانت متطابقة في تكويناتها الوراثية. وعلى ذلك فإن الفروق يمكن أن تعزى إلى الأحداث البيئية.

وتدل هذه الدراسات على أن تأثيرات البيئة مهمة للنمو الطبيعي، وعلى الأقل في القدرات الحسية. ولعله من الحقيقة أن الحرمان الشديد يؤثر أيضًا على الأنشطة الحركية. وهكذا فمن الواضح أن النمو الطبيعي يتطلب تركيبًا عضويًا كاملًا وبيئة مثيرة واستجابية.

الدلائل الاكلينيكية:

لقد أكد هذا الفصل على العلاقة بين النمو التكويني والسلوك. وقد أوضحنا أن النمو يتضمن تشابكًا معقدًا لأنماط فعل، وقد افترض أن تنسيق أنماط الفعل هو نتيجة للنضج الجسماني، وخاصة النمو العصبي، والعضلي العصبي. وقد عرضت المادة كأساس لفهم التغيرات النمائية في مجالات سلوك أكثر تعقيدًا، بما في ذلك المعرفة، والإدراك، واللغة، والسلوك الاجتماعي. وكما أوضح جيزل وتانر Gesell & Tanner، فإن المبادئ الأساسية للنمو العصبي الجسماني وتضميناتها بالنسبة للسلوك لا تتوقف مع بداية المشي أو في سن 6 أو 9 أو 13 سنة.

ص: 67