الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترغيب في صلاة الوتر وما جاء فيمن لم يوتر
870 -
عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ الْوتر لَيْسَ بحتم كَصَلَاة الْمَكْتُوبَة وَلَكِن سنّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن الله وتر يحب الْوتر فأوتروا يَا أهل الْقُرْآن" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائيِ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن
(1)
.
قوله: عن علي رضي الله عنه، هو: علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، وسبب تسميته عليّ (أبا تراب) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به في غزوة ودوان وهو وعمار بن ياسر نائمان على الأرض فأيقظهما بوجد عليا قد تمرغ في البوغاء فقال: اجلس يا أبا تراب، وقيل: بل غاضب فاطمة فخرج مغتاظا فنام على التراب، وقيل: كان إذا غاضب فاطمة أكرمها عن أن يجيبها فصنع التراب على رأسه فقال له ذلك، وأسلمت أمه وماتت قبل أن يهاجر، وقيل: بل هاجرت، وفي ذلك خلاف، وعلي رضي الله عنه أصغر أولاد أبي طالب وهو أصغر من جعفر بعشرين سنة، وجعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، روى أن عليا أول من أسلم من الرجال بعد خديجة وهو الذي عليه أكثر العلماء، ومن يرى أن إسلامه كان قبل إسلام أبي بكر يقول:
(1)
أخرجه ابن ماجه (1169)، وأبو داود (1416)، والترمذي (453). قال الألباني: صحيح، صحيح أبي داود (1274)، صحيح الترغيب والترهيب (590 و 593) تعليقي على ابن خزيمة (1069)، تخريج المختارة (479 - 486).
خفي إسلام علي لأنه أخفى إسلامه وظهر إسلام أبي بكر لأنه أظهره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أولكم واردا على الحوض وأولكم إسلاما علي أسلم علي وهو ابن ثمان سنين" وقيل: أسلم علي وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة، ولما قتل مصعب بن عمير يوم أحد وكان اللواء معه، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء بيده وقال:"لأعطين اللواء اليوم لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" فتشوف الناس من يكون ذلك فأعطاه عليا، وكان عمر يومئذ عشرين سنة، وفي مجمع الأحباب لما كان يوم أحد حمل مصعب بن عمير بيده فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فقطعت يده وهو يقول:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ}
(1)
الآية، وأخذ اللواء بيساره فقطعت فحنى على اللواء وضمه بعضده إلى صدره ثم حمل عليه الثالثة بالرمح، فأنفذه فاستشهد وهو ابن أربعين سنة، وقال عبد الله بن الفضل: لما قتل مصعب أخذ اللواء ملك في صورته فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول له في آخر النهار: تقدم يا مصعب فالتفت إليه الملك فقال: ليس بمصعب فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ملك أيده، ولم يتخلف علي رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم إلا في غزوة تبوك، تخلف عنه بأمره، زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. لفاطمة، وقال لها:"زوجتك أول أصحابي إسلامًا وأكثرهم علما وحكما" أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر
(2)
، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا.
(1)
سورة آل عمران، الآية:144.
(2)
كنز الدرر (3/ 314 - 320).
قوله صلى الله عليه وسلم: "الوتر ليس بحتم كصلاة المكتوبة" أي: المفروضة، الحتم: اللازم الواجب الذي لا بد من فعله قاله في النهاية.
قوله: ولكن سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سن من السنن جمع سنة وهو ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال أدلة الشرع الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث
(1)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب الوتر" والوتر بفتح الواو وكسرها هو الفرد ومعناه: في حق الله تعالى الواحد الذي لا شريك له ولا نظير فالله واحد في ذاته لا يقبل الإنقسام والتجزئة وواحد في صفاته فلا شبيه له ولا مثيل فلا شريك له في ملكه ولا معين، ويحب الوتر أي يثيب عليه ويقبله من عامله، ولذلك شرعه وحده فيما شرعه من عباداته
(2)
، ومعنى: يحب الوتر أيضًا تفضيل الوتر في الأعمال وكثير من الطاعات فجعل الصلوات خمسا والطهارة ثلاثًا وغير ذلك وجعل كثيرا من عظيم مخلوقاته سبعا وترًا منها السماوات والأرضون والبحار وأيام الأسبوع، وقيل: غير ذلك، وقيل: إن معناه منصرف إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرد مخلصًا له
(3)
، وقال ابن بطال: معنى أمره بالوتر ليستشعر المؤمن في جميع أعماله أن الله واحد لا شريك له
(4)
.
(1)
النهاية (2/ 409).
(2)
مطالع الأنوار (6/ 167).
(3)
شرح النووي على مسلم (17/ 6).
(4)
شرح الصحيح (2/ 577).
قوله صلى الله عليه وسلم: "فأوتروا يا أهل القرآن" قال الخطابي: تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدل على أن الوتر غير واجب ولو كان واجبا لكان عامًا، وأهل القرآن في عرف الناس هم القراء والحفاظ دون العوام
(1)
، أ. هـ.
وقال في شرح المصابيح في قوله: "فأوتروا يا أهل القرآن" أي: يا أهل الإسلام
(2)
انتهى، ففيه تشريف وتفخيم للمسلمين بالنداء وهذه الإضافة لأنهم حفظوه وعملوا به وأيضًا فإنه نزل عليهم فاختصوا كما اختص أهل الإنجيل وأهل التوراة بكتابهم، وفي ندائهم بذلك تذكيرهم به ليعملوا بما فيه من التهجد ونحوه، وفيه دعاء القوم بأحب أسمائهم إليهم وما يتصفون به أ. هـ قاله في شرح الإلمام، ويستحب لمن له تهجد اعتاده أو عزم عليه أن يؤخر الوتر إلى ما بعد التهجد فإن لم يكن له تهجد إلا الوتر ولم يثق من نفسه بالقيام قدمه أول الليل، وعليه حمل قول أبي هريرة الحديث:"وأن أوتر قبل أن أنام" ويؤمن نفسه أن يستيقظ آخر الليل، فالسنة أن يؤخره لأن صلاة آخر الليل مشهودة كما ذكره في الحديث، قال النووي في شرح مسلم في قول عائشة كان رسول الله يصلي [من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر فيه دليل لما قدمناه من أن السنة جعل آخر صلاة الليل وترا وبه قال العلماء كافة وسبق تأويل الركعتين بعده جالسا
(3)
].
(1)
معالم السنن (1/ 285).
(2)
المفاتيح (2/ 287).
(3)
شرح النووي على مسلم (6/ 22 - 23).
871 -
وَعَن جَابر رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من خَافَ أَن لَا يقوم من آخر اللَّيْل فليوتر أَوله وَمن طمع أَن يقوم آخِره فليوتر آخر اللَّيْل فَإِن صَلَاة آخر اللَّيْل مَشْهُودَة محضورة وَذَلِكَ أفضل رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَغَيرهم
(1)
.
قوله: عن جابر رضي الله عنه، تقدم.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة محضورة وذلك أفضل" الحديث، أي: يحضرها ويشهدها ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهي في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار فهي أقرب إلى القبول وحصول الرحمة، وفيه دليل جواز الإتيان وجميع أوقات الليل بعد دخول وقته واختلفوا في أول وقته، والصحيح في مذهبنا المشهور عن الشافعي قدس الله روحه والأصحاب أن وقته يدخل بالفراغ من صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه يدخل بدخول وقت العشاء، وفيه وجه: لا يصح الإتيار بركعة إلا بعد نفل العشاء وفي قول يمتد إلى صلاة الصبح
(2)
قاله في الديباجة.
(1)
أخرجه مسلم (162 و 163 - 755)، وابن ماجه (1187)، والترمذي (455)، وابن خزيمة (1086)، وابن حبان (2565).
(2)
شرح النووي على مسلم (6/ 24 - 25).
872 -
وَعنهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَا أهل الْقُرْآن أوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه مُخْتَصرا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه إِن الله وتر يحب الْوتر
(1)
.
قوله: وعنه يعني: جابرا، تقدم.
قوله صلى الله عليه وسلم: "يا أهل القرآن أوتروا" الحديث، وتقدم الكلام على أهل القرآن في الحديث قبل قبله، وقوله في حديث بريدة آخر الباب:"الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا"، الجواب: أن الوتر حق: معناه حق في السنة أو مشروع، وقوله:"ليس منا" معناه: ليس آخذًا بسنتنا ومقتديا بنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا" ولم يُرِد صلى الله عليه وسلم خروجه من الإسلام، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر:"الوتر حق على كل مسلم"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"الوتر واجب على كل مسلم" رواه البزار؛ فإن قيل: ظواهر هذه الأحاديث أمر وظاهره الوجوب، فينبغي أن يجب، قلنا: هذا محمول على تأكد الاستحباب
(1)
قوله عنه وهم إنما هو من رواية على بن أبي طالب وابن مسعود:
أما حديث على: أخرجه ابن ماجه (1169)، وأبو داود (1416)، والترمذي (453)، والنسائي في المجتبى 3/ 422 (1691)، وابن خزيمة (1037). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1274) وصحيح الترغيب (594).
وأما حديث ابن مسعود: أخرجه ابن ماجه (1170)، وأبو داود (1417). وصححه الألباني في الصحيحة (1275) وصحيح أبي داود (1275).
وأما حديث أبي هريرة: أخرجه ابن خزيمة (1071). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (595).
وتمسك الإمام أبو حنيفة بهذه الأحاديث، وقال وجوبه، واختلفت الرواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه في الوتر، فعنه أنه فرض عملا لا اعتقادا، وعنه: واجب، وعنه: سنة، وبه قال صاحباه وهما أبو يوسف وأبو محمد، قال ابن المنذر
(1)
: ولا أعلم أحدا يوافق أبو حنيفة على وجوبه حتى صاحبيه، وقال: إنه سنة الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والجمهور، ويتأولون هذه الأحاديث ويحملونها على تأكد الاستحباب كما تقدم، واحتجوا بحديث:"خمس صلوات افترضهن الله عز وجل" ويقول الأعرابي: هل علي غيرها، قال:"إلا أن تطوع"، وبقوله تعالى:"حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي" فلو وجب الوتر لم يكن لنا وسطى لأن السنة لا وسط بها كذا قاله الماوردي، وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره، ولو كان واجبا لما فعله على البعير
(2)
.
تنبيه: ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث كتبهن الله عليّ، ولم تكتب عليكم وعد منها الوتر" فإن قيل: لا دلالة في ذلك لأن الوتر كانا واجبا عليه، فالجواب: أن الحليمي والشيخ عز الدين والقرامي قالوا: كان الوتر واجبا عليه في الحضر دون السفر والله أعلم، قاله الكمال الدميري
(3)
.
(1)
الأوسط (5/ 167 - 168)، والمجموع (4/ 19).
(2)
الحاوى (2/ 279)، والنجم الوهاج (2/ 292 - 293).
(3)
النجم الوهاج (2/ 293).
873 -
وَرُوِيَ عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من صلى الضُّحَى وَصَامَ ثَلَاثة أَيَّام من الشَّهْر وَلم يتْرك الْوتر فِي سفر وَلَا حضر كتب لَهُ أجر شَهِيد رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير وَفِيه نَكَارَة
(1)
.
874 -
وَعَن خَارِجَة بن حذافة رضي الله عنه قَالَ خرج علينا يَوْمًا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ قد أمدكم الله بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم وَهِي الْوتر فَجَعلهَا لكم فِيمَا بَين الْعشَاء الْآخِرَة إِلَى طُلُوع الْفجْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيت غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب انْتهى. وَقَالَ البُخَارِيّ لَا يعرف لإسناده يَعْنِي لإسناد هَذَا الحَدِيث سَماع بَعضهم من بعض
(2)
.
قوله: وعن خارجة بن حذافة رضي الله عنه هو: خارجة بن حذافة العدوي، كان أحد فرسان قريش يقال: إنه يعدل بألف فارس كتب عمرو بن العاص إلى عمر يستمده بثلاثة ألاف فارس فأمده بخارجة هذا والزبير والمقداد، وشهد خارجة فتح مصر، وكان قاضيا لعمر، وقيل: كان على الشرطة ولم يزل بمصر حتى قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين انتدبوا لقتل علي رضي الله عنه ومعاوية
(1)
أخرجه الطبراني في الكبير (13/ 74 رقم 13707)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 332). وقال الهيثمي في المجمع 2/ 241: وقال: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه أيوب بن نهيك؛ ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقه ابن حبان، وقال: يخطئ". وضعفه الألباني في الضعيفة (6728) وضعيف الترغيب (338).
(2)
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (3/ 203)، وابن ماجه (1168)، وأبو داود (1418)، والترمذي (452). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (339).
وعمرو وهم: قدمن بن ملجم ويزيد بن ملجم وعبد الرحمن بن ملجم، قدمن صاحب معاوية، ويزيد صاحب خارجة، وعبد الرحمن صاحب علي، وقيل: إن خارجة الذي قتله الخارجي خارجة بن حذافة السهمي أخو عبد الله بن حذافة من بني سهم رهط عمرو بن العاص وليس بشيء والمشهور الأول ذكره البخاري وغيره، وقيل: اسم الخارجي الذي قتله زادويه
(1)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: "قد أمدكم الله بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر" الحديث، أمدكم: أي انعم عليكم، قال الخطابي رحمه الله تعالى
(2)
قوله "أمدكم بصلاة" يدل على أنها غير لازمة لهم ولو كانت واجبة لخرج الكلام فيه على صيغة لفظ الإلزام فيقر ألزمكم أو عرض عليكم أو نحو ذلك من الكلام، وحمر النعم بسكون الميم جمع أحمر وهي حمر النعم أي مما تحبونه من أموال الدنيا لأنها ذخيرة الآخرة {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)}
(3)
؛ قوله "فجعلها لكم فيما بين العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر" الوتر سنة راتبة يدخل وقته بفعل العشاء ووقته، ووقت العشاء إلى طلوع الفجر، وإذا فات يقضي، وفيه وجه لا يصح الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء كما تقدم، ويعبر عن هذا الخلاف بأن الإيتار هل هو الفرض خاصة أم الفرض والنفل إن قلنا لهما فلا بد من تقدم نفل بعد العشاء. وظاهر الحديث يدل
(1)
جامع الأصول (12/ 341)، وتهذيب الكمال (8/ ترجمة 1588).
(2)
معالم السنن (1/ 285 - 286).
(3)
سورة الأعلى، الآية:17.
لهذا الوجه فإن قوله "صلاة الليل مثنى مثنى" يقتدي تقدم الشفع على الواحدة والله أعلم.
875 -
وَعَن أبي تَمِيم الجيشاني رضي الله عنه: قَالَ سَمِعت عَمْرو بن الْعَاصِ رضي الله عنه يَقُول أَخْبرنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن الله عز وجل زادكم صَلَاة فصلوها فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى الصُّبْح الْوتر الْوتر أَلا وَإنَّهُ أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَأحد إسنادي أَحْمد رُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ من حَدِيث معَاذ بن جبل وَعبد الله بن عَمْرو وَابْن عَبَّاس وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيرهم
(1)
.
(1)
أخرجه أحمد 6/ 7 (23851) و 6/ 397 (27229)، والحارث (227)، والدولابي في الكنى (368 و 722 و 723) والطبراني في الأوسط (8/ 64 رقم 7975) والكبير (2/ 279 رقم 2168). قال الهيثمي في المجمع 2/ 239: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وله إسنادان عند أحمد أحدهما رجاله رجال الصحيح خلا علي بن إسحاق السلمي شيخ أحمد وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (596) والصحيحة (108).
وأما حديث معاذ: أخرجه أحمد 5/ 242 (22095).
وأما حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه أحمد 2/ 180 (6693) و 2/ 205 (6919) و 2/ 208 (6941)، والحارث (226) والمروزي في مختصر قيام الليل (ص 268).
وأما حديث ابن عباس: أخرجه البزار (734/ كشف الأستار)، والطبراني في الأوسط (3/ 133 - 134 رقم 2710) والكبير (11/ 253 رقم 11652) وابن عدى (8/ 260).
قال الهيثمي في المجمع 2/ 240: رواه البزار والطبراني في الكبير، وفيه النضر أبو عمر، وهو ضعيف جدًّا.
وأما حديث عقبة بن عامر: أخرجه الطبراني في الأوسط (8/ 64 رقم 7975)، وأبو نعيم =
قوله: عن أبي تميم الجيشاني رضي الله عنه، ينسب على جيشان قبيل من اليمن، واسمه عبد الله بن مالك بن أبي الأسحم الرعيني المصري أصله من اليمن وهو أخو سيف بن مالك بن الأسحم، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أبو تميم عن عقبة بن عامر الجهني وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، وقرأ عليه القرآن، روى عنه عبه الله بن ميسرة وغيره، قال يحيى بن معين: ثقة، وقال يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله الميزني كان من أعبد أهل مصر، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال كان من عباد أهل مصر، [وذكره ابن يونس: توفي سنة سبع وسبعين] رواه له أبو داود في القدر والباقون سوى البخاري وليس له عند ابن ماجه والترمذي سوى هذا الحديث وليس له عند مسلم والنسائي سوى هذا الحديث
(1)
الذي رواه عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة
= في الحلية (9/ 235). قال الهيثمي في المجمع 2/ 240: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك. وروى عن أبي سعيد: أخرجه الطبراني في الشاميين (2848)، والبيهقي في الصغير (1/ 275 رقم 754) والكبرى (2/ 659 رقم 4148). قال البيهقي: ال العباس بن الوليد: قال لي يحيى بن معين: هذا حديث غريب من حديث معاوية بن سلام، ومعاوية بن سلام محدث أهل الشام وهو صدوق الحديث، ومن لم يكتب حديثه مسنده ومنقطعه فليس بصاحب حديث. وصححه الألباني في الصحيحة (1141).
(1)
تهذيب الكمال (15/ ترجمة 3514).
العصر فقال: "إن هذه الصلاة عرضت علي من كان قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجرها مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد" والشاهد: الفجر قاله في الديباجة.
قوله: سمعت عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى الصبح الوتر الوتر" تقدم الكلام على الوتر قريبا، والرجل الذي أخبره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بصرة الغفاري قاله الحافظ، وهذا الحديث قد روي من حديث معاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو وابن عباس وعقبة بن عامر الجهني وعمرو بن العاص وغيرهم، وتقدم الكلام على مناقبهم رضي الله عنهم.
فائدة: اختلف أصحاب الشافعي في أكثر الوتر على وجهين صحح الرافعي في المحرر وتبعه في سائر كتبه أنه إحدى عشر ركعة لما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة [يصلي] يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة؛ وفي حديث آخر ذكر فيه أنه صلى الله عليه وسلم نام ثم استيقظ فتوضأ فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر بواحدة ثم اضطجع، وهذا هو الأصح، وقيل: أكثر ثلاثة عشر ركعة وصححه الإمام الرافعي في مسند الشافعي يسلك من كل ركعتين للحديث السالف قاله في شرح الأحكام
(1)
.
(1)
طرح التثريب (3/ 51).
فرع: وماذا ينوي ذكر الأصحاب أربعة أوجه في كيفية النية أصحها أنه ينوي بكل شفع ركعتين من الوتر، والثاني: سنة الوتر، والثالث: مقدمة الوتر، والرابع: قيام الليل
(1)
.
فرع آخر: إذا أوتر بواحدة أو أكثر كثلاث أو سبع أو تسع موصولة نوى بها جميعها الوتر وإن فصل نوى بالشفع الذي قبله مقدمة الوتر أو راتبة الوتر أو سنة الوتر، ولا يقل من الوتر لأن الوتر عبارة عن الفرد من العدد الذي الذي مكانه قال: أصلي ركعتين من الركعة وهذا لا يصح، فإن نوى بقوله من الوتر من العدد الذي سأصليه صح، وفيه دليل على جواز التطوع بالركعة الواحدة خلافا لما يقوله أبو حنيفة قاله ابن العماد؛ ولو جمع الكل بتسليمة واحدة ونوى الوتر جاز لكنه خلاف الأفضل، وكذا يجوز تسعا بتسليمة وسبعا وخمسا وثلاثا روى ذلك عنه صلى الله عليه وسلم بعضه فعلا وبعضه قولا.
فائدة: قال العلماء: أقل الوتر ركعة للحديث: "فمن أحب أن يوتر بركعة فليفعل" فأقل الوتر ركعة بلا خلاف، نعم لو أوتر بركعة عقيب العشاء من غير تقدم نفل عليها فعل يصح؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم، وهو ظاهر النص لأن سعدا صلى بعد العشاء وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بركعة، لكنه خلاف المختار بل قال القاضي أبو الطيب: إن الإيتار بركعة مكروه، فعلى هذا تكون ركعة الوتر موترة لما تقدم من النفل، فإن لم يتقدمها شيء لم يصح وترًا، قال الإمام: وكانت تطوعًا، وأدنى الكمال ثلاث ركعات
(1)
النجم الوهاج (2/ 295).
بتسليمتين لما روى النسائي عن أبي بن كعب أنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة بقل يأيها الكافرون، وفي الركعة الثالثة بعد الفاتحة بقل هو الله أحد والمعوذتين؛ وقال أبو حنيفة: إذا زاد على الثلاث سقط الوتر وهذا خلاف الحديث، وروى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة القدر وإذا زلزلت والتكاثر، وفي الركعة الثانية والعصر والكوثر وإذا جاء نصر الله، وفي الثالثة الكافرون وتبت يدا والإخلاص ثم يسلم تسليمتين لما روى مسلم عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بينه وبين السائل فقال: يا رسول الله كيف صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فصل ركعة واجعل صلاتك وترا" والوتر من صلاة الليل، وهذا هو الصحيح؛ درقيل: موصولة أفضل خروجا من الخلاف لأن الركعة المفردة ليست صلاة عند قوم، وقيل: إن كان المصلي إماما فالوصل أفضل لتصح صلاة من خلفه مع اختلاف مذاهبهم، وقيل فيه غير ذلك
(1)
.
فرع: يندب بعد الوتر سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح ثلاثا ويرفع صوته بالأخيرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك، رواه أبو داود بإسناد صحيح، وفي رواية الإمام أحمد والنسائي:"كان يمد صوته بالثالثة"
(2)
فيه دليل على استحباب الذكر بعد العبادة، ومناسبة هذا الذكر تعظيمه تعالى
(1)
النجم الوهاج (2/ 293 - 297).
(2)
النجم الوهاج (2/ 298).
واستغناؤه عن العبادة وذكره عند تمامها بالتنزيه والتقديس عما يحتاج العبد إليه من النوم والراحة والتعب؛ سبوح قدوس: بفتح السين وضمها ولم يأت (فعول) بالضم مشدد العين إلا في هذين الحرفين وهما بمعنى التنزيه والتطهير من النقائص والعيوب
(1)
أ. هـ، وهي صيغة مبالغة، والقدس الطهارة وإنما طول في الثالثة ليستغرق في معناها، وقد اختلف أيما أفضل مد الذكر أو تقصيره؟ فقال الإمام فخر الدين في التهليل: من خرج من الكفر إلى الإيمان فيقصر قطعا وإلا فالمد أفضل أ. هـ قاله في شرح الإلمام؛ ويستحب أن يقول بعده أيضًا: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناء علين أنت كما أثنيت على نفسك، ففي سنن أبي داود والنسائي والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره، والله أعلم.
خاتمة: في لباب المحاملي
(2)
: يستحب أن يصلي ركعتين بعد الوتر قاعدا مربعا يقرأ في الأولى بعد الفاتحة إذا زلزلت الأرض وفي الثانية بعد الفاتحة قل يأيها الكافرون قال: وإذا ركع وضع يديه على الأرض ويثني رجليه كما يركع القائم، قال: ومثله يثني في السجود رجليه، قال ابن منده في مستخرجه: وحديث "صلاة بعد الوتر ركعتين جالسًا بقل يأيها الكافرون وإذا زلزلت" روته عائشة رضي الله عنها أم سلمة وأبو هريرة وأبو أمامة وأبو أيوب وجزم باستحباب هاتين الركعتين المحب الطبري في شرحه قال: يستحب أن يصلي
(1)
مشارق الأنوار (2/ 203).
(2)
اللباب (ص 137).
بعده ركعتين جالسًا، رواه الترمذي عن أم سلمة عنه عليه الصلاة والسلام، ويروي أنه قبض وآخر صلاته من الليل الوتر، قال البيهقي: وهو يدل على تركه اللتين بعده، وأنكر النووي في شرح المهذب على من يقول باستحباب هاتين الركعتين وفعله عليه السلام لهما يحمل على بيان جواز الصلاة بعد الوتر
(1)
، والله تعالى أعلم.
876 -
وَعَن بُرَيْدَة رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا ثَلَاثًا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَفِي إِسْنَاده عبيد الله بن عبد الله أَبُو الْمُنِيب الْعَتكِي وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد
(2)
.
(1)
المجموع (4/ 16).
(2)
أخرجه أحمد 5/ 357 (23019)، وأبو داود (1419)، ومحمد بن نصر المروزي في مختصر كتاب الوتر (ص 268)، والحاكم في المستدرك 1/ 305 و 306. قال الحاكم: صحيح، وأبو المنيب العتكي المذكور في إسناده ثقة. وتعقبه الذهبي فقال: قلت: قال البخاري: عنده مناكير. وضعفه الألباني في المشكاة (1278) الإرواء (417) وضعيف أبي داود (256) وضعيف الترغيب (340).