الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل يذكر فيه الأغسال المسنونة
غسل الجمعة تقدم الكلام عليه، وفيمن يسن له أربعة أوجه، الصحيح المنصوص الذي عليه الجمهور أنه مسنون لكل من أراد الجمعة سواء الرجل والمرأة والصبي والمسافر والعبد وغيرهم لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من جاء منكم الجمعة فليغتسل". ولأن المراد النظافة وهم في هذا سواء ولا يسن لمن لا يريد الحضور وان كان من أهل الجمعة لمفهوم الحديث ولانتفاء المقصود والله أعلم
(1)
.
اتفق الجمهور على أن غسل الجمعة والغسل من غسل الميت آكد الأغسال المسنونة وفي الآكد منهما قولان، أحدهما: غسل الجمعة لاختلاف العلماء في وجوبه تمسكا بقوله صلى الله عليه وسلم: "غسل الجمعة واجب على كل مسلم" رواه مسلم
(2)
. وصححه النووي
(3)
وهو الذي عليه أكثر الأصحاب أن غسل الجمعة أفضل من غسل غاسل الميت، وإن كان حديث غسل الميت حسَّنه الترمذي
(4)
.
(1)
المجموع (2/ 201)، والإلمام (ص 128).
(2)
والبخاري أيضا كما في (879) و (895)، ومسلم (846)(5).
(3)
أي صحح المسألة ولا يقصد قطعا تصحيح الحديث.
(4)
سنن الترمذي (993) وقال: سنن الترمذي ت بشار (2/ 310) وقد اختلف أهل العلم في الذي يغسل الميت، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: إذا غسل ميتا =
وصححه ابن حبان
(1)
، قال الماوردي
(2)
: وقد خرج له بعض أصحاب الحديث مائة وعشرين طريقا لصحته، وتظهر فائدة القول فيما لو أوصى بماء لأحوج الناس فحضر مريد الجمعة ومن غسل ميتًا
(3)
. ا. هـ.
فإن عجز عن الماء تيمم كغيره وفيه احتمال لفوات الغرض، وعن الشافعي أنه قال
(4)
: ما تركته حضرا ولا سفرا ولو أن الشربة بدينار ويدخل وقت الغسل للجمعة بطلوع الفجر بخلاف غسل العيد فإنه يدخل بانتصاف الليل، والفرق أن العيد يفعل أول اليوم بخلاف الجمعة وكلما بعد العهد عادت الرائحة والأفضل أن يغسل للجمعة عند الرواح أي وقت كان، واشترط مالك الاتصال بين الغدو والرواح
(5)
.
والثاني: الغسل من غسل الميت وصححه الرافعي لاختلاف قول الشافعي في وجوبه بخلاف غسل الجمعة فإنه لم يختلف في وجوبه
(6)
.
= فعليه الغسل. وقال بعضهم: عليه الوضوء. وقال مالك بن أنس: أستحب الغسل من غسل الميت، ولا أرى ذلك واجبا، وهكذا قال الشافعي. وقال أحمد: من غسل ميتا أرجو أن لا يجب عليه الغسل، وأما الوضوء فأقل ما قيل فيه وقال إسحاق: لا بد من الوضوء. وقد روي عن عبد اللّه بن المبارك أنه قال: لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت.
(1)
صحيح ابن حبان (1161).
(2)
الحاوي (1/ 377)، والنجم الوهاج (2/ 489).
(3)
المجموع (2/ 253 - 204) وكفاية النبيه (2/ 8 - 9).
(4)
ينظر: الأم للشافعي (1/ 217).
(5)
المجموع (2/ 202).
(6)
كفاية النبيه (2/ 9).
ومنها: غسل العيدين، ويسن الغسل للعيدين اتفاقًا سواء الرجال والنساء والصبيان. ومنها: غسل الكسوفين ومن المسنون الغسل لصلاة الخسوف وكسوف الشمس.
ومنها: غسل الاستسقاء لأنها أماكن يشرع فيها الإجتماع فسن فيها الغسل كغسل الجمعة
(1)
. والغسل من غسل الميت لقوله صلى الله عليه وسلم: "من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ" رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة
(2)
لأنه ربما يلحقه رشاش الماء المغسول به الميت من موضع فيه النجاسة، أو ربما يعرق لخوفه ودهشة فيستحب له الغسل لإزالة العرق والنجاسة. فإن قلت: الغسل لإزالة النجاسة واجب؟ قلت: نعم، حيث تحقق النجاسة أما للاحتياط فلا يجب بل يستحب
(3)
واللّه أعلم.
ومنها: غسل الكافر إذا أسلم، أي: بعد أن أسلم تعظيما للإسلام، روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر قيس بن عاصم بن أثال أن يغتسل لما أسلم ولم يوجبه لأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم به، ولأن الإسلام توبة من معصية فلم يجب لها غسل كسائر المعاصي. ويستحب أن يغتسل بعد حلق رأسه لقوله صلى الله عليه وسلم:"ألق عنك شعر الكفر"
(4)
، هذا إذا لم يكن أجنب في حال كفره، فإن أجنب
(1)
المجموع (2/ 202)، والإلمام (ص 125).
(2)
أخرجه أبو داود (3162)، والترمذي (993)، وابن ماجه (1463)، وابن حبان (1161).
(3)
المفاتيح (1/ 454 - 455).
(4)
أخرجه أبو داود (356) وأحمد (15432) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2795) وحسّنه الألباني في إرواء الغليل (1/ 120).
فالأصح وجوب الاغتسال سواء اغتسل في حال الكفر أو لم يغتسل
(1)
.
تنبيه: اختلف العلماء في إيجاب الغسل على من أسلم، فقال مالك وأحمد في المشهور عنه: يجب، وقال أبو حنيفة: هو مستحب إلا أن يكون جنبا فيجب، وقال الشافعي في الأم: إذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل ويحلق رأسه للحديث المتقدم
(2)
.
ومنها: غسل المجنون إذا أفاق إن لم يتحقق الإنزال وكذا المغمى عليه، وأصله أنه صلى الله عليه وسلم كان يغشى عليه في مرضه، فإذا أفاق اغتسل، وإذا شرع في الإغماء ففي الجنون أولى؛ قال الشافعي رحمه الله: قل ما جن إنسان إلا أنزل
(3)
.
ومنها: الغسل للإحرام سواء كان لحج أو عمرة لأنه عليه السلام اغتسل لإحرامه.
ومنها: الغسل لدخول مكة أي: ولو كان حلالا للإتباع وكذلك لدخول المدينة أيضًا، قال ابن الملقن: كما رأيته في كتاب "الْأَقْسَام والخصال" لأبي بكر الْخفاف من قدماء أَصْحَابنَا الشافعية
(4)
، وفيه: أنه يستحب لدخول الحرم أيضًا.
ومنها: الغسل للوقوف بعرفة ومزدلفة بالمشعر الحرام لا للمبيت بها.
ومنها: الغسل للرمي، أي: للجمرات الثلاث في أيام التشريق، كل يوم غسلا فيكون له ثلاثة أغسال ولا يستحب لرمي جمرة العقبة لقرب غسله
(1)
المجموع (2/ 152 - 154)، وكفاية النبيه (2/ 12 - 13).
(2)
الإلمام (ص 120).
(3)
كفاية النبيه (2/ 14).
(4)
غاية السول في خصائص الرسول (ص: 114).
للوقوف بمزدلفة، ومنها: الغسل للطواف، أي: طواف الركن كذا قيده في الكفاية، وللطواف بالبيت، نص الشافعي على هذه الأغسال في الأم، وأضاف إليها في القديم: الغسل لطوافي الزيارة والوداع
(1)
، أ. هـ.
وأما مذهب الحنفية في الأغسال المسنونة فالغسل للجمعة والعيدين والإحرام وعرفة وندب الاغتسال لدخول مكة والوقوف بالمزدلفة ودخول المدينة والمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ بالسن، نص عليه في الغاية شرح الهداية لقاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي
(2)
.
فائدة: إذا أراد الاغتسال للمسنونات نوى أسبابها إلا الاغتسال من الجنون، فإنه ينوي به الجناية، وكذا المغمى عليه، نقله صاحب المذاكرة عن صاحب الفروع، وفيه نظر. فرع غريب: ثقل في البحر
(3)
عن المزني في المنشور أن طهارة الصبي ناقصة حتى إذا بلغ لزمه إعادة الوضوء والغسل، واللّه أعلم، ذكره في حادي النبيه على التنبيه.
فرع: غسل الجمعة وقته من طلوع الفجر، فإن اغتسل له قبل طلوع الفجر لم يصح بخلاف غسل العيدين، فإنه يصح قبل طلوع الفجر وتقدم ذلك، والله أعلم.
(1)
هادى النبيه (لوحة 19/ خ 2121 ظاهرية). هذه الأغسال تفنن الفقهاء المتأخرون في جمعها والتساهل فيها وأكثرها لا دليل عليه.
(2)
ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/ 256) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (2/ 62) الاختيار لتعليل المختار (1/ 81) العناية شرح الهداية (2/ 49) درر الحكام شرح غرر الأحكام (1/ 136) والنجم الوهاج (2/ 489).
(3)
ينظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (2/ 62).
فرع: هل يكره ترك غسل الجمعة؟ فيه وجهان حكاهما ابن التلمساني وصحح الكراهة وهو ما أورده القاضي حسين، وحكاه الإمام عن الصيدلاني، قال الإمام: وهو عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصود.
أفرع: هل يختص استحباب الغسل بمن يحضر الجمعة ويكون الغسل للصلاة أو يندب لكل أهل وإن لم يحضر ويكون لليوم كالعيدين، وجهان أصحهما الأول لأنه روي أنه صلى الله عليه وسلم قال "الغسل يوم الجمعة على من شهد الجمعة"
(1)
وتقدم ذلك.
ويشهد للثاني خبر عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم أنها قالت: كان الناس يتناوبون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء قد يصيبهم الغبار فيخرج منهم الريح فأتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إنسان منهم وهو عنده فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لَوْ أنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا"
(2)
. لو على الأول يسن لكل حاضر وإن لم يكن تلزمه الجمعة، وعلى الثاني يندب لكل أحد، وقيل لمن لم يحضر وإذا كان من أهلها ولكنه حبسه العذر يندب له وإلا فلا واللّه أعلم.
ذكر هذا الفرع والذي قبله ابن النقيب في مختصر الكفاية.
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد "وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ"
(3)
(1)
أخرجه المروزي في الجمعة (22) والعقيلي في الضعفاء (3/ 51) عن عائشة. قال العقيلى: لا يحفظ هذا اللفظ إلا في هذا الحديث اهـ. وقال الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 99): وفيه عبد الواحد هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال فيه أبو حاتم يعرف وينكر.
(2)
البخاري (903)، ومسلم (847).
(3)
أخرجه مسلم (846) وأبو داود (341) والنسائي (2/ 92).
معناه: ويُسن له سواك قال أهل اللغة السواك بكسر السين وهو يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به والتسوك فعلك بالمسواك ويقال ساك فمه يسوكه سوكا، وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب كتب ثم قيل: أن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك، وقيل من جاءت الإبل تساوك أي تتمايل هزالا وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب العفرة وغيرها عنها واللّه أعلم. ثم إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتبر به في الإجماع وقد حكى الشيخ أبو حامد الإسفرائيني عن داود الظاهر أنه أوجبه للصلاة وحكاه الماوردي عن داود وقال هو عنده واجب لو تركه لم تبطل صلاته وقد أنكر أصحابنا المتأخرين على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون وإسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه والله أعلم. وقاله النووي
(1)
وتقدم الكلام على السواك في بابه مبسوطًا.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ويسن من الطيب ما قدروا عليه" معناه ويسن له مس الطيب، وقوله:"ما قدر عليه" قال القاضي عياض
(2)
: مُحْتَمِلٌ لِتكثِيرِهِ وَمُحْتَمِلٌ لِتَأْكِيدِهِ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِمَا أَمْكَنَهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ لِلرِّجَالِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ فَأَبَاحَهُ لِلرَّجُلِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.
(1)
شرح النووي على مسلم (6/ 130).
(2)
ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 21)، والمصدر السابق (6/ 135).
1058 -
وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم إِن هَذَا يَوْم عيد جعله اللّه للْمُسلمين فَمن جَاءَ الْجُمُعَة فليغتسل وَإِن كانَ عِنْده طيب فليمس مِنْهُ وَعَلَيْكُم بِالسِّوَاكِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن
(1)
.
وَسَتَأْتِي أَحَادِيث تدل لهَذَا الْبَاب فِيمَا يَأْتِي من الأبْوَاب إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى.
قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على ترجمته.
قوله صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة: "إن هذا يوم عيد جعله اللّه للمسلمين" تقدم الكلام على معنى العيد في أقوال العلماء - رضى اللّه عنهم -.
قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن جاء يوم الجمعة فليغتسل وإن كان طيب فليمس منه وعليكم بالسواك" الحديث. تقدم الكلام على الغسل وعلى الطيب وعلى السواك في الأحاديث المتقدمة واللّه أعلم.
(1)
ابن ماجه (1098)، والطبراني في المعجم الصغير (749)، قال البوصير في الزوائد (1/ 367): هذا إسناد فيه صالح بن أبي الأخضر، لينه الجمهور، وباقي رجاله ثقات، ورواه عبد العظيم المنذري في الترغيب، وحسنه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (709).