المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الترغيب في الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ٧

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب قراءة القرآن

- ‌الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة

- ‌الترهيب من نسيان القرآن بعد تعلمه وما جاء فيمن ليس في جوفه منه شيء

- ‌الترغيب في دعاء يدعى به لحفظ القرآن

- ‌الترغيب في تعاهد القرآنه وتحسين الصوت به

- ‌الترغيب في قراءة سورة الفاتحة وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمران وما جاء فيمن قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها

- ‌الترغيب في قراءة آية الكرسي وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قراءة سورة الكهف أو عشر من أولها أو عشر من آخرها

- ‌التَّرْغِيب فِي قِرَاءَة سُورَة يس وَمَا جَاءَ فِي فَضلهَا

- ‌الترغيب في قراءة سورة تبارك الذي بيده الملك

- ‌الترغيب في قراءة {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} وما يذكر معها

- ‌الترغيب في قراءة إذا زلزلت وما يذكر معها

- ‌الترغيب في قراءة ألهاكم التكاثر

- ‌الترغيب في قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

- ‌الترغيب في قراءة المعوذتين

- ‌كتاب الذكر والدعاء

- ‌الترغيب في الإكثار من ذكر الله سرا وجهرا

- ‌الترغيب في حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تعالى

- ‌الترهيب من أن يجلس الإنسان مجلسا لا يذكر الله فيه ولا يصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌الترغيب في كلمات يكفرنا لغط المجلس

- ‌الترغيب في قول لا إله إلا الله وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له

- ‌الترغيب في التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد على اختلاف أنواعه

- ‌الترغيب في جوامع من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير

- ‌الترغيب في قول لا حول ولا قوة إلا بالله

- ‌الترغيب في أذكار تقال بالليل والنهار غير مختصة بالصباح والمساء

- ‌الترغيب في آيات وأذكار بعد الصلوات المكتوبات

- ‌الترغيب فيما يقوله ويفعله من رأى في منامه ما يكره

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن من يأرق أو يفزع بالليل

- ‌الترغيب فيما يقول إذا خرج من بيته إلى المسجد وغيره وإذا دخلهما

- ‌الترغيب فيما يقوله من حصلت له وسوسة في الصلاة وغيرها

- ‌الترغيب في الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار

- ‌الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في كلمات يستفتح بها الدعاء وبعض ما جاء في اسم الله الأعظم

- ‌الترغيب في الدعاء في السجود ودبر الصلوات وجوف الليل الأخير

- ‌[الترهيب من استبطاء الإجابة وقوله دعوت فلم يستجب لي]

- ‌الترهيب من رفع المصلي رأسه إلى السماء وقت الدعاء وأن يدعو الإنسان وهو غافل

- ‌الترهيب من دعاء الإنسان على نفسه وولده وخادمه وماله

- ‌الترغيب في إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والترهيب من تركها عند ذكره صلى الله عليه وسلم كثيرا دائما

- ‌كتاب البيوع(1)وغيرها

- ‌مشروعية البيع:

- ‌التَّرْغِيب فِي الاكْتِسَاب بِالْبيع وَغَيره

- ‌الترغيب في البكور في طلب الرزق وفيه وما جاء في نوم الصبحة

- ‌[الترغيب في ذكر اللّه تعالى في الأسواق ومواطن الغفلة]

الفصل: ‌الترغيب في الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار

‌الترغيب في الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار

2498 -

عَن أبي ذَر رضي الله عنه عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ: "يَقُول الله عز وجل يَا ابْن آدم كلكُمْ مذنب إِلَّا من عافيت فاستغفروني أَغفر لكم وكلكم فَقير إِلَّا من أغنيت فاسألوني أعطكم وكلكم ضال إِلَّا من هديت فاسألوني الْهدى أهدكم وَمن استغفرني وَهُوَ يعلم أَنِّي ذُو قدرَة على أَن أَغفر لَهُ غفرت لَهُ وَلَا أُبَالِي وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا على قلب أَشْقَى رجل وَاحِد مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من سلطاني مثل جنَاح بعوضة وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا على أتقى قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا زادوا فِي سلطاني مثل جنَاح بعوضة وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم سَأَلُونِي حَتَّى تَنْتَهِي مَسْأَلَة كل وَاحِد مِنْهُم فأعطيتهم مَا سَأَلُونِي مَا نقص ذلِك مِمَّا عِنْدِي كمغرز إبرة لَو غمسها أحدكُم فِي الْبَحْر وَذَلِكَ أَنِّي جواد ماجد وَاحِد عطائي كَلَام وعذابي كَلَام إِنَّمَا أَمْرِي لشَيْء إِذا أردته أَن أَقُول لَهُ كن فَيكون" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَفِي إِسْنَاده شهر بن حَوْشَب وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَلَفظ التِّرْمِذِيّ نَحوه إِلَّا أَنه قَالَ يَا عبَادي وَيَأْتِي لفظ لمُسلم فِي الْبَاب بعده إِن شَاءَ الله

(1)

.

(1)

مسلم (2577)، والترمذي (2495)، وابن ماجه (4257)، والبيهقي في شعب الإيمان (7089)، وأحمد (21367).

ص: 534

قوله: عن أبي ذر رضي الله عنه واسم أبي ذر جندب بن جناده وقيل غير ذلك.

قوله صلى الله عليه وسلم "يقول الله عز وجل يا ابن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم" الحديث.

هذا الباب من أهم الأبواب التي يعتنى بها ويحافظ على العمل بها قال الله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا}

(1)

وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)}

(2)

وقال تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)}

(3)

وقال تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}

(4)

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)}

(5)

وقال تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}

(6)

الآية وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)}

(7)

وقال الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ، قَالا: قَالَ عَبْدُ اللهِ

(8)

: إِنَّ في كِتَابِ اللهِ آيَتَيْنِ مَا أَصَابَ عَبْدٌ

(1)

سورة نوح، الآية:10.

(2)

سورة النساء، الآية:106.

(3)

سورة النصر، الآية:3.

(4)

سورة آل عمران، الآية:17.

(5)

سورة الأنفال، الآية:33.

(6)

سورة آل عمران، الآية:135.

(7)

سورة النساء، الآية:110.

(8)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (30137) والطبراني في الكبير (9/ 241 رقم 9035) والبيهقي في الشعب (6743).

ص: 535

ذَنْبًا فَقَرَأَهُمَا، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللهَ إِلَّا غَفَرَ لَهُ:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}

(1)

إِلَى آخِرِ الآيَةِ. و {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}

(2)

. وقال الله تعالى. {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)}

(3)

" وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن

(4)

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك" ولهذا كان بعضهم يقول في دبر كل صلاة اللهم اغفر لأبوي وارحمهما كما ربياني صغيرا وقال خالد بن معدان قال الله تعالى إن أحب قوله: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا}

(5)

وغفار وغفور من أمثلة المبالغة والغافر الساتر لذنوب عباده وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم وأصل الغفران التغطية يقال غفر الله لك يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة والمغفرة من الله تعالى العفو للمذنبين اهـ قاله في الديباجة.

قوله صلى الله عليه وسلم "يقول الله عز وجل يا ابن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم" الحديث أي يطلب مني المغفرة أغفر لكم وجاء في

(1)

سورة آل عمران، الآية:135.

(2)

سورة النساء، الآية:110.

(3)

سورة النساء، الآية:110.

(4)

أخرجه أحمد (2/ 509)، وابن ماجه (3660)، والبيهقي في السنن (7/ 78)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1617)، وحسنه في الصحيحة (1598).

(5)

سورة نوح، الآية:10.

ص: 536

الحديث "لو أنكم لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم غيركم فيذنبون فيستغفرون فيغفر لهم"

(1)

.

وأصل الغفر الستر وغفرت المتاع سترته والمغفر وقاية تستر الرأس في الحرب وغفر الذنب ستره ومحو أثره وأمن عاقبته ذكره الطوفي اهـ

(2)

.

فالاستغفار من الذنوب هو طلب المغفرة والعبد أحوج شيء إليه لأنه يخطئ بالليل والنهار وقد تكرر في القرآن العظيم والأمر بهما والحث عليهما، فأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد إن شاء الله رده وإن شاء أجابه وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة، وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون

(3)

، فالاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله أهله ووعدهم المغفرة.

قوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى "وكلكم فقير إلا من أغنيت فاسألوني أعطكم" هذا يقتضي أن جميع الخلق يفتقرون إلى الله تعالى في جلب منافعهم ودفع

(1)

أخرجه مسلم (2749).

(2)

كتاب التعيين في شرح الأربعين (ص 189)

(3)

أخرجه أحمد (2/ 165) والبخاري في الأدب المفرد (380) والبيهقي في الشعب (7236)(11052) وقال الهيثمي (10/ 191): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير حبان بن يزيد الشرعبي ووثقه ابن حبان ورواه الطبراني كذلك. وقال المناوي (1/ 475) قال الزين العراقي والمنذري: إسناده جيد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (897) والسلسلة الصحيحة (482).

ص: 537

مضارهم في أمور دينهم ودنياهم وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من عباد إلى المتحابون بحبي والمتعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالأسحار أولئك الذين إذا أردت أهل الأرض بعقوبة ذكرتهم فتركتهم وصرفت العقوبة عنهم وقال قتادة القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم أما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار، وقال علي بن أبي طالب العجب ممن يهلك ومعه النجاة قيل وما هي؟ قال الاستغفار، قال الغزالي

(1)

وكان يقال ما دل الله عبدا على الاستغفار وهو يريد أن يعذبه، وقال الفضيل قول العبد أستغفر الله تفسيرها أقلني وقال بعض العلماء العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الاستغفار والحمد وقال الربيع بن خثيم لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا وكذبا إن لم يفعل ولكن ليقل اللهم اغفر لي وتب علي، قال النووي

(2)

وهذا الذي قاله من قوله اللهم اغفر لي وتب علي حسن، وأما كراهة أستغفر الله وتسميته كذبا فلا يوافق عليه لأن معنى أستغفر الله أطلب مغفرته وليس في هذا كذبا ويكفي في رده في سنن أبي داود والترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت له ذنوبه وغن كان قد فر من الزحف"

(3)

.

(1)

إحياء علوم الدين (1/ 313).

(2)

شرح النووي على مسلم (4/ 202).

(3)

أخرجه أبو داود (1517)، والترمذي (3577). وقال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى. ووقع في كتاب أبي داود روايته من حديث هلال بن يسار بن زيد عن أبيه عن جده =

ص: 538

وقال الفضيل: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين، وقالت رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج إلى استغفار وسمع أعرابي متعلق بأستار الكعبة يقول: إن استغفار إليك مع إصراري للؤم وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لعجز فكم تتحبب إلي بالنعم مع غناك عني وأتبغض إليك بالمعاصي مع حاجتي إليه يا من إذا وعد وفى وإذا تواعد عفا أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين، وقال أبو عبد الله الوراق: ولو كان عليك مثل عدد القطر وزبد البحر ذنوبا لمحيت عند إذا دعوت ربك بهذا الدعاء مخلصا إن شاء الله تعالى الله استغفر من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه وأستغفرك من كل ما وعدتك به من نفسي ثم لم أوف لك به وأستغفرك من كل عمل أردت له وجهك فخالطه غيره وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فأستعنت بها على معصيتك وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أتيته في ضياء النهار أو ظلام الليل في ملأ أو خلاء أو سر أو علانية يا حليم، ويقال: إنه استغفار الخضر عليه السلام أ. هـ. قاله في الديباجة.، ذلك كله وإن لم

= بالهاء ووقع في كتاب الترمذي وغيره وفي بعض نسخ أبي داود: بلال بن يسار بالباء الموحدة.

وانظر: تعقب الناجي على المنذري في عجالة الإملاء (4/ 578) ويسار بن زيد أبو بلال مولى النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن حبان في الثقات، وسكت عنه أبو حاتم، وقال الذهبي: لا يعرف. وقال الحافظ في التقريب. مقبول (ت 7853).

وبلال بن يسار بن زيد: قال الحافظ في التقريب. مقبول (ت 795)، وكلام البخاري في تاريخه (8/ 420).

ص: 539

يتفضل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يحرمهما في الدنيا ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أو بقية خطاياه في الآخرة، قال الله تعالى {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا}

(1)

، وفي الحديث دليل على أن الله تعالى يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الحديث:"ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع"

(2)

، وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف شاته، وفي الإسرائيليات: أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله تعالى فقد أظهر حاجته فيه وافتقاره إلى الله تعالى وذلك يحبه الله تعالى، وكان بعض السلف يستحي من الله تعالى أن يسأله شيئا من حوائج الدنيا، والاقتداء بالسنة أولى والله أعلم ذكره ابن رجب

(3)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: وكلكم ضال إلا من هديت فاسألوني الهدى أهدكم" الحديث، وأما سؤال المؤمن الله الهداية فإن الهداية نوعان هداية

(1)

سورة الكهف، الآية:17.

(2)

أخرجه الترمذي (3963) وابن حبان (894). وضعفه الألباني (4946)، والضعيفة (1362).

(3)

جامع العلوم والحكم (2/ 39).

ص: 540

مجملة وهي الهداية للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن وهداية مفصلة وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام وإعانته على فعل ذلك وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا و نهارا ولهذا أمر الله عباده أن يقروؤا في كل ركعة من صلاتهم قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}

(1)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه بالليل "اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ولهذا يشمت العاطس فيقال يرحمك الله فيقول يهديكم الله كما جاءت السنة وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له بالهداية وخالفهم جمهور العلماء أتباعا للسنة في ذلك، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه أن يسأل الله السداد والهدى وعلم الحسن أن يقول في قنوت الوتر اللهم اهدني فيمن هديت قاله ابن رجب الحنبلي

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له غفرت له" الحديث، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"والله لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها"

(3)

وكان بعض أصحاب ذي النون يطوف ينادي أه من وجد قلبي فدخل يوما بعض السكك فوجد صبيا يبكي وأمه تضربه ثم أخرجته من الدار وأغلقت الباب دونه فجعل الصبي يتلفت يمينا وشمالا لا

(1)

سورة الفاتحة، الآية:6.

(2)

جامع العلوم والحكم (2/ 39).

(3)

أخرجه: البخاري (5999)، ومسلم (2754).

ص: 541

يدري أين يذهب ولا أين يقصد فرجع إلى باب الدار فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يَفْتَحُ لي الباب إذا أغلقت عني بابَك؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أنْ غضبت عليَّ؟ فرحمته أمُّه، فقامت، فنظرت من خَلَلِ الباب، فوجدت ولدها تجري الدموعُ على خديه متمعِّكًا في التراب، ففتحت البابَ، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تُقبِّله، وتقول: يا قُرَّة عيني، ويا عزيز نفسي، أنتَ الذي حملتني على نفسك، وأنتَ الذي تعرَّضت لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتني لم تلقَ مني مكروهًا، فتواجد الفتى، ثم قام، فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي. أ. هـ قاله ابن رجب

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أشقى رجل واحد منكم ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة" الحديث، وفي الحديث الآخر سيأتي في الدعاء "على قلب أتقى رجل" وتقديره على تقوى أتقى أو على أتقى أحوال قلب رجل، قال الطوفي: ومعناه أن تقوى العالم بأجمعه لا تزيد في ملك الله تعالى شيئا وكذلك فجورهم لا ينقص من ملكه شيئًا لأن ملك الله تعالى مرتبط بقدرته وإرادته وهما دائمان لا انقطاع لهما فكذا ما ارتبط بهما

(2)

وإنما عائد التقوى والفجور على أهلهما نفعا وضرا كما قال الشاعر

(3)

:

(1)

جامع العلوم والحكم (2/ 44).

(2)

كتاب التعيين في شرح الأربعين (ص 190).

(3)

قائل هذا البيت هو توبة بن الحمير، وهو من قصيدة له مطلعها: نأتك بليلى دارها لا =

ص: 542

وقد زعمت ليلى بأنني فاجر

لنفسي تقاها أو عليها فجورها أ. هـ

وقال ابن رجب: هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان.

قوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: ولو أن أولكم وآخركم" إلى قوله "سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي" الحديث، والمراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه وتعالى كما ملكه وأن ملكه وخزائنه لا تنفذ ولا تنقص بالعطاء ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حث للخلق على السؤال وإنزال حوائجهم به سبحانه وتعالى قاله ابن رجب

(1)

.

= تزورها

وشطت نواها واستمر مريرها. الشاهد في قوله: أو عليها؛ حيث استشهد به على أن أو ترد بمعنى الواو، أي: تكون لمطلق الجمع، وقيل: إنه لا حجة فيه، لأن أو فيه للإبهام؛ لأنه قد علم ما حاله أتقى أو فجور.

انظر: الدرر اللوامع على همع الهوامع للشنقيطي 2/ 181، الأمالي الشجرية 2/ 317، الأزهية للهروي ص 119، شرح شواهد المغني 1/ 194، مغني اللبيب، 1/ 62، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر ص 109.

(1)

جامع العلوم والحكم (2/ 50).

ص: 543

قوله تعالى: "وذلك أني جواد ماجد واحد" الجواد رواه البيهقي وغيره في الأسماء الحسنى

(1)

ومعناه الواسع العطاء، وقيل: التفضيل بالنعم قبل استحقاقها المتكفل للأمم بإدرار رزقها وجمعه جود وأجواد وأجاويد والجود سعة العطاء وكثرته والله تعالى يوصف بالجود، وفي الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أن الله جود يحب الجود كريم يحب الكرم"

(2)

، وفي الأثر المشهور عن الفضيل بن عياض أن الله تعالى يقول كل ليلة:"أنا الجواد ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم"

(3)

فالله سبحانه وتعالى أجود الأجودين وجوده يتضاعف في أوقات خاصة كشهر رمضان وفيه أنزل قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}

(4)

الآية.

(1)

أخرجه الترمذي (2495)، وابن ماجه (4257)، وفي إسناده شهر بن حوشب وهو صدوق كثير الأوهام كما قال الحافظ في التقريب (ت 2846) وقد صح الحديث من رواية أبي ذر عند مسلم (2577) وغيره.

(2)

أخرجه الترمذي (2799) وقال: حديث غريب وخالد بن إلياس يضعف ويقال ابن إياس قلت: قال البخاري: فيه منكر الحديث ليس بشيء وقال النسائي: متروك وقال: مرة ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وأورده ابن حبان في المجروحين (296) في ترجمة خالد بن إلياس. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/ 99): في إسناده مقال. وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 712) وقال لا يصح. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1616).

(3)

أخرجه: أبو نعيم في الحلية 8/ 92 - 93.

(4)

سورة البقرة، الآية:186.

ص: 544

قوله تعالى "عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون" لأن ملكه عز وجل بين الكاف والنون إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وفي بعض الأثر "عطائي كلام ورضائي كلام" أو كما قال إشارة إلى كن فيكون.

قوله: وفي إسناده شهر بن حوشب [هو أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو الجعد، شهر بن حوشب الأشعري الشامي. أصله من دمشق، وقيل: من حمص، سكن البصرة. وهو تابعي مشهور روى عن أسماء بنت يزيد، وعن نفر من الصحابة، منهم ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وأبو هريرة روى عنه قتادة، ومعاوية بن قرة، وأبان بن صالح، وسماك بن حرب ومات سنة مائة، أو قبلها بسنة، وقيل: غير ذلك، قال أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه، ووثقه، وهو شامي من أهل حمص، وأظنه قال: هو كندي، وروى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانا وقال أحمد بن حنبل: عبد الحميد بن بهرام أحاديثه مقاربة هي أحاديث شهر كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وإنما هي سبعون حديثا، وهي طوال فيها حروف ينبغي أن تضبط ولكن يقطعونها، وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل: ليس به بأس وقال عثمان بن سعيد الدارمي: بلغني أن أحمد بن حنبل كان يثني على شهر بن حوشب وقال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، وقال الترمذي أيضا، عن البخاري: شهر حسن الحديث. وقوى أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون، ثم روى عن هلال بن

ص: 545

أبي زينب عنه قال ابن عون تركوه، وقال شبابة عن شعبة لقيت شهرا فلم أعتد به وقال ابن عدي شهر ممن لا يعتد بحديثه ولا يتدين بحديثه، وقال أبو حاتم: ليس بدون أبي الزبير ولا يحتج به، وقال النسائي وغيره ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة طعن فيه بعضهم، ووثقه ابن معين وأحمد بن حنبل والعجلي والفسوي، وروى له مسلم مقرونا واحتج به غير واحد

(1)

].

قوله: وإبراهيم بن طهمان [إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني، أبو سعيد الهروي ولد بهراة، وسكن نيسابور، وقدم بغداد، وحدث بها، ثم سكن مكة حتى مات بها وثقه أحمد وأبو حاتم وقال عثمان بن سعيد الدارمي: كان ثقة في الحديث، لم يزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه ويوثقونه، وقال أبو داود: ثقة وكان من أهل سرخس، فخرج يريد الحج فقدم نيسابور، فوجدهم على قول جهم، فقال: الإقامة على هؤلاء أفضل من الحج. فنقلهم من قول جهم إلى الإرجاء، وقال صالح بن محمد الحافظ: ثقة حسن الحديث، يميل شيئا إلى الإرجاء في الإيمان، حبب الله حديثه إلى الناس، جيد الرواية، وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية، كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثا منه، وهو ثقة، وقال أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي: سمعت سفيان ابن عيينة يقول: ما قدم علينا خراساني أفضل من أبي رجاء عبد الله بن واقد الهروي. قلت له: فإبراهيم بن

(1)

جامع الأصول (12/ 509)، وتهذيب الكمال (12/ الترجمة 2781).

ص: 546

طهمان؟ قال: كان ذاك مرجئا، قال أبو الصلت: لم يكن إرجاؤهم هذا المذهب الخبيث أن الإيمان قول بلا عمل. وأن ترك العمل لا يضر بالإيمان، بل كان إرجاؤهم أنهم يرجون لأهل الكبائر الغفران، ردا على الخوارج وغيرهم الذين يكفرون الناس بالذنوب. وكانوا يرجئون ولا يكفرون بالذنوب، ونحن كذلك، سمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت سفيان الثوري يقول في آخر أمره: نحن نرجو لجميع أهل الكبائر الذين يدينون ديننا، ويصلون صلاتنا وإن عملوا أي عمل. وكان شديدا على الجهمية مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومئة بمكة

(1)

].

2499 -

وَعَن أنس رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول قَالَ الله يَا ابْن آدم إِنَّك مَا دعوتني ورجوتني غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم لَو بلغت ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ استغفرتني غفرت لَك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم إِنَّك لَو أتيتني بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقيتني لَا تشرك بِي شَيْئا لأتيتك بقرابها مغْفرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب

(2)

.

الْعَنَان بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة هُوَ السَّحَاب.

وقراب الأَرْض بِضَم الْقَاف مَا يُقَارب ملأها.

قوله: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى يا ابن آدم" فآدم قيل هو أعجمي لا اشتقاق له

(1)

تهذيب الكمال (2/ ترجمة 186).

(2)

الترمذي (3540)، وقال: حديث حسن وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4338).

ص: 547

وقيل عربي من أديم الأرض لأنه خلق منه وهو لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل إذ وزنه أفعل مثل أحمد

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك" أي: مدة دعائك يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك ولا يتعاظمني ذلك ولا استكثره، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء"

(2)

. فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. أ. هـ

(3)

، وأما معنى الحديث فالدعاء سؤال النفع والصلاح والرجاء تأميل الخير وهو اعتقاد قرب وقوعه لأن الدعاء مخ العبادة والرجاء يتضمن حسن الظن بالله تعالى، والله تعالى يقول "أنا عند ظن عبدي بي"

(4)

وعند ذلك تتوجه رحمة الله عز وجل إلى العبد وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء لأنها وسعت كل شيء.

قوله تعالى: "ولا أبالي" كأنه من البال فإذا قال القائل لا أبالي كأنه قال: لا يشتغل بالي بهذا الأمر أو شبيه بذلك.

قوله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء" عنان

(1)

التعيين في شرح الأربعين (ص 334).

(2)

مسلم (2679)

(3)

جامع العلوم والحكم (2/ 406).

(4)

البخاري (7505)، ومسلم (2675) من حديث أبي هريرة، به.

ص: 548

السماء قيل هو السحاب كذا قاله المنذري، وقيل: ما عد لك أي ظهر إذا رفعت رأسك ومعنى "لو بلغت ذنوبك عنان السماء" أي: ملأت الأرض والفضاء حتى ارتفعت إلى السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي وذلك أن الله عز وجل كريم والاستغفار استقالة والكريم يقيل العثرة و يغفر الذلة، قال حاتم الطائي:

وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ إدِّخَارَه

وَأَعْرِضُ عَنْ قَوْلِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا

(1)

في التنزيل إن الله يغفر الذنوب جميعا وهذا الحديث على عمومه لأن الذنب إما شرك فيغفر بالاستغفار منه وهو الإيمان أو دونه فيغفر بالاستغفار منه وهو سؤال المغفرة وحقيقةُ لفظِ الاستغفارِ: اللَّهمَّ اغفر لي، ويقوم مقامه: أستغفر الله؛ لأنه خبر في معنى الطّلب

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" الحديث معناه أن الإيمان شرط في غفران الذنوب التي هي دون الشرك لأن الإيمان أصل يبني عليه قبول الطاعات وغفران المعاصي، أما مع الشرك فلا أصل يبني عليه ذلك قال الله تعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)}

(3)

(4)

انتهى قاله الطوفى.

(1)

ديوان شعر حاتم بن عبد الله الطائي وأخباره ص 238 ورواية الديوان هكذا. وأغفِرُ عَورَاءَ الكريمِ اصطِنَاعَهُ

وأصفَحُ عن شتم اللئيم تكرمًا.

(2)

التعيين (ص 335).

(3)

سورة الفرقان، الآية:23.

(4)

التعيين (ص 336).

ص: 549

فقد تضمن حديث أنس المذكور أن الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة: أحدها الدعاء مع الرجاء فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال الله تعالى {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}

(1)

ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى؛ السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت في الكثرة عنان السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها كما تقدم والاستغفار طلب المغفرة والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار فتارة يؤمر به كقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(2)

{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا}

(3)

{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا}

(4)

وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}

(5)

وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}

(6)

الآية، وتارة يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة كما ذكر في الحديث وهو حديث أنس وما أشبهه فقد قيل: أريد به الاستغفار المقرن بالتوبة، وقيل: إن نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيد بما ذكر في آل عمران من عدم

(1)

سورة غافر، الآية:60.

(2)

سورة المزمل، الآية:20.

(3)

سورة نوح، الآية:10.

(4)

سورة هود، الآية:3.

(5)

سورة آل عمران، الآية:17.

(6)

سورة النساء، الآية:110.

ص: 550

الإصرار فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد؛ السبب الثالث: من أسباب المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

(1)

فمن جاء مع التوحيد بقُراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يُقارب ملأها- خطايا، لقيه الله بقُرابها مغفرة، لكنَّ هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإنْ شاء غَفَرَ له، وإنْ شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أنْ لا يُخلَّد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنَّة أ. هـ، قاله الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي والله أعلم

(2)

.

تتمة: وعن بعض العباد أنه كان يطوف ليلة يسأل ربه في الطواف أن يعصمه عن معصيته ثم غلبته عيناه فقام فسمع قائلا يقول: أنت تسألني العصمة وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم، فعلى من أجود بمغفرته وعفوي وعلى من أتوب وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي ويا ابن آدم إذا أمنت بي ولم تشرك بي شيئا أقمت حملة العرش ومن حوله يسبحون بحمدي ويستغفرون لك وأنت على فراشك، أ. هـ

(3)

.

قوله: رواه الترمذي، الترمذي: يجوز فيه ضم التاء والميم، وفتحهما، وكسرهما ذكره الطوفي في شرحه على الأربعين النواوية والله تعالى أعلم

(4)

.

(1)

سورة النساء، الآية:48.

(2)

جامع العلوم والحكم (2/ 417).

(3)

إحياء علوم الدين (4/ 152) وهو قول إبراهيم بن أدهم رحمة الله.

(4)

التعيين (ص 336).

ص: 551

2500 -

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ قَالَ إِبْلِيس وَعزَّتك لَا أَبْرَح أغوي عِبَادك مَا دَامَت أَرْوَاحهم فِي أَجْسَادهم فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَال أَغفر لَهُم مَا استغفروني رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم من طَرِيق دراج وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد

(1)

.

قوله: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري بخاء معجمة مضمومة بعدها دال مهملة ساكنة نسبة إلى خدرم اسم قبيلة من الأنصار وإنما ضبطت هذا اللفظ على ظهوره لأن بعض مشايخنا الفضلاء أخبرني أنه تنازع هو وولده، وكان أيضًا فاضلا، في الخدري هل هو بدال مهملة أو معجمة وأنهما سألا عن ذلك الشيخَ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله فأخبرهما أنها بدال مهملة قاله الطوفي

(2)

.

قال العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: "قال إبليس وعزتك لا أبرح أغوي عبادك" الحديث، تقدم الكلام على إبليس، قال العلماء: والمشهور أن جميع الجن من ذرية إبليس، وقال القاضي عياض

(3)

والأكثر أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة لأن الملائكة لا يتناسلون

(1)

أحمد (11237)، والحاكم (4/ 261)، وأبو يعلى (1399)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 207)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1650).

(2)

التعيين (ص 234).

(3)

الشفا (2/ 177).

ص: 552

لأنهم ليس فيهم إناث وقيل الجن جنس وإبليس واحد منهم فمن كفر من الجن يقال له شيطان

(1)

واختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن أم ليس من الملائكة والصحيح أنه من الملائكة قاله ابن عباس وابن مسعود وقتادة وابن جريج والزجاج وابن الأنباري: كان إبليس من الملائكة، وكان اسمه عَزَازِيل فلما عصى الله تعالى لعنه الله وجعله شيطانًا مريدًا، وسماه إبليس

(2)

، وعن الحسن قال: قال إبليس سولت لأمة محمد

(1)

حياة الحيوان (1/ 300).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 107)، وقال ابن جرير رحمه الله: حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"جعل إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن؛ لأنهم خزان الجنة. وكان إبليس مع ملكه خازنا". جامع البيان (1/ 503). الإسناد من طريق السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ضعيف؛ لضعف أبي صالح باذان، وللانقطاع حيث أنه لم يسمع من ابن عباس. جاء عند أبي الشيخ في العظمة (5/ 1676)(1118) من طريق أبي بسطام، عن الضحاك قال:(اختلف ابن عباس وابن مسعود -،- في إبليس -لعنه الله تعالى- فقال أحدهما: كان سبطا من الملائكة يقال لهم: الجن) وهو ضعيف، أبو بسطام يحيى بن عبد الرحمن التميمي، قال أبو حاتم: ليس بالقوي. ميزان الاعتدال (6/ 68)، فتح الباب في الكنى والألقاب لابن منده (ص 169)، والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس.

قال القرطبي في تفسير سورة "البقرة": إن كونه من الملائكة هو قول الجمهور: ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله "إلا إبليس" اهـ وما يذكره المفسرون عن =

ص: 553

المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون منها يعني الأهواء

(1)

والله أعلم، وقال وهيب ابن الورد، بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له: أنصحك فقال له لا أريد ذلك، ولكن أخبرني عن بني آدم فقال: هم عندنا ثلاثة أصناف: صنف منهم هم أشد الأصناف عندنا نقبل على أحدهم حتى نفتنه عن دينه، ونتمكن منه فيفزع إلى الاستغفار والتوبة، فيفسد علينا كل شيء نصيبه منه، ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا، فنحن معه في عناء، وصنف منهم في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا قد كفونا مؤنة أنفسهم، وصنف منهم مثلك هم معصومون لا نقدر منهم على شيء.

قاله في حياة الحيوان

(2)

، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام إبليس قالوا: لو نام لوجدنا راحة

(3)

فلا خلاص للمؤمن من شره إلا بتقوى الله قال في الإحياء

(4)

قبيل باب بيان دواء الصبر: من غفل عن الله تعالى ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان ولذلك قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ

= جماعة من السلف كابن عباس وغيره: من أنه كان من أشراف الملائكة، ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأنه كان اسمه عزازيل كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها. انظر: تهذيب الأسماء واللغات (1/ 107).

(1)

أخرجه هناد في الزهد (928).

(2)

حياة الحيوان (1/ 410).

(3)

أخرجه أحمد في الزهد (1506).

(4)

إحياء علوم الدين (4/ 74 - 75).

ص: 554

نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)}

(1)

وقال عليه السلام: إن الله يبغض الشاب الفارغ

(2)

لأن الشاب إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغا ولم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ثم تزدوج أفراخه أيضا وتبيض مرة أخرى وتفرخ وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار وإذا وجد الحلفاء اليابسة كثر توالده فلا يزال تتوالد النار من النار ولا تنقطع البتة بل تسري شيئا فشيئا على الاتصال فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار وكما لا تبقى النار إذا لم يبق لها قوت وهو الحطب فلا يبقى للشيطان مجال إذا لم تكن شهوة فإذن إذا تأملت علمت أن أعدى عدوك شهوتك وهي صفة نفسك ولذلك قال الحسين بن منصور الحلاج

(3)

حين كان يصلب وقد سئل

(1)

سورة الزخرف، الآية:36.

(2)

قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (4/ 73 - بحاشية الإحياء-): غريب، لم أجده. وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية (6/ 359): لم أجد له إسنادًا.

(3)

الحسين بن منصور الحلاج. المقتول على الزندقة. ما روى ولله الحمد شيئا من العلم وكانت له بداية جيدة وتأله وتصوف ثم انسلخ من الدين وتعلم السحر وأراهم المخاريق. أباح العلماء دمه فقتل سنة 309. انتهى. وهذه الترجمة مجملة وأخبار الحلاج كثيرة والناس مختلفون فيه وأكثرهم على أنه زنديق ضال.

له ترجمة في: البداية والنهاية لابن كثير 11/ 132، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 8/ 112، العبر 2/ 138، الفهرست لابن النديم 190، لسان الميزان للذهبي 2/ 314، مرآة الجنان لليافعي 2/ 253، المنتظم لابن الجوزي 6/ 160، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي 3/ 202، وفيات الأعيان لابن خلكان 1/ 405.

ص: 555

عن التصوف ما هو فقال هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك.

وروي البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في آخر باب قوله: {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}

(1)

، عن عمر بن زر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أن أراد الله أن لا يعطي لم يخلق إبليس، وقد تبين ذلك في آية من كتاب الله عز وجل وفصلها، علمها من علمها وجهلها من جهلها {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163)}

(2)

(3)

.

فائدة: قال بعضهم: كفر إبليس لأنه استنقص نبيا وهو آدم عليه السلام ومن استنقص نبيا كفر، وفي الخبر أن الله يخرجه كل مائة ألف سنة ويخرج آدم من الجنة ويأمره بالسجود له فيأبي ثم يرده الله إلى النار وكذلك أبد الآبدين.

قال النيسابوري قال بعضهم: وإنما استجاب الله دعاءه بإنظاره مكافأة له بعبادته التي مضت ليعلم أنه لا يضيع أجر المحسنين، ويقال: إن إبليس قال يا رب إن عبادك يزعمون أنهم يبغضوني ويطيعوني ويزعمون أنهم يحبونك ويعصونك فقال الله تعالى: (قد وهبت عصيانهم لمحبتهم إياي ووهبت طاعتهم لك ببغضهم إياك)

(4)

.

(1)

سورة الأنعام، الآية:111.

(2)

سورة الصافات، الآيتان: 162 - 163.

(3)

الأسماء والصفات (327)

(4)

كشف الأسرار (لوحة 13).

ص: 556

2501 -

وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه: قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَلا أدلكم على دائكم ودوائكم أَلا إِن داءكم الذُّنُوب ودواءكم الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ

(1)

وَقد رُوِيَ عَن قَتَادَة من قَوْله وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ

(2)

.

قوله: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على دائكم ودوائكم ألا إن داءكم الذنوب ودواءكم الاستغفار" قال العلماء: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقدة الإصرار وينتشر معناه في القلب لا اللفظ باللسان فأما من قال بلسانه أستغفر الله وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار وصغيرة لاحقة بالكبائر

(3)

قال مكحول: ما رأيت أحدا أكثر استغفارا من أبي هريرة وكان مكحول كثير الاستغفار

(4)

، وقال يحيى بن معاذ: كم من مستغفر ممقوت وساكت مرحوم

(5)

، أ. هـ.

2502 -

وَعَن عبد الله بن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من لزم الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل هم فرجا وَمن كل ضيق مخرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ كلهم

(1)

البيهقي في شعب الإيمان (7147).

(2)

البيهقي في شعب الإيمان (4146).

(3)

التذكرة (ص 214) وتفسير القرطبي (4/ 210).

(4)

أخرجه أحمد في الزهد (211).

(5)

أخرجه الخطيب في الرقائق (23).

ص: 557

من رِوَايَة الحكم بن مُصعب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد

(1)

.

قوله: وعن عبد الله بن عباس -رضى الله عنهما-، تقدم الكلام عليهما.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا" الحديث، والمراد بالملازمة الإكثار منه بحيث يغلب عليه صفة الاستغفار فالمراد بلزوم الاستغفار الإكثار منه في الليل والنهار وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)}

(2)

الآية، والغفار وغافر وغفور وهي من أمثلة المبالغة المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم وأصل الغفران التغطية يقال غفر الله لك ويغفر غفرا وغفرانا ومغفرة والمغفرة إلباس الله تعالى العفو للمذنبين اهـ قاله في الديباجة

(3)

.

قوله من رواية الحكم بن مصعب [الحكم بن مصعب القرشي المخزومي الدمشقي روى عن: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس صويلح الحديث لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم فيما أعلم، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي الضعفاء أيضا وقال يخطئ].

(1)

أبو داود (1518)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (10290)، وابن ماجه (3819)، والحاكم (4/ 262)، والبيهقي في شعب الإيمان (645)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5829).

(2)

سورة نوح، الآيتان: 10 - 11.

(3)

كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.

ص: 558

2504 -

وَعَن الزبير رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ من أحب أَن تسرهُ صَحِيفَته فليكثر فِيهَا من الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ

(1)

.

قوله: وعن الزبير رضي الله عنه هو أحد العشرة هو أبو عبد الله الزبير بضم الزاي ابن العوام الأسدي القرشي المدني

(2)

يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصي وأم الزبير صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت وهاجرت وقد خرجت إلى المدينة أسلم الزبير قديما في أول الإسلام أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة وقيل ستة عشرة وقيل ابن ثنتي عشرة سنة وكان إسلامه بعد إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقليل، قيل كان رابعا أو خامسا وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهاجر الزبير إلى الحبشة ثم إلى المدينة وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخي بين المهاجرين بمكة فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وآخي بين المهاجرين والأنصار آخي بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش وكان الزبير أول من سل سيفا في سبيل الله شهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وحصار الطائف والمشاهد كلها مع رسول

(1)

البيهقي في شعب الإيمان (648)، والطبراني (839)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 208)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5955).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات: 1/ 194 - 196، تهذيب الكمال:429.

ص: 559

الله صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مصر وكان أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية ومناقبه كثيرة مشهورة والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار" الاستغفار في حق الأنبياء يكون على سبيل الشكر وفي حق الأمة قد يكون عن تقصير ووجه التقصير عدم القيام بشكر النعمة وقد يكون الاستغفار عن ذنب فيكون واجبا والله أعلم

(1)

.

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول "اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا" انفرد به ابن ماجه

(2)

، وهذا الحديث له قصة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الحلية

(3)

فرواه عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقل ثم قال أدبر فأدبر ثم قال: ما خلقت خلقا أحسن منك بك آخذ وبك أعطي" فذكر الحديث إلى أن قال "وخيار أمتي

(1)

قال البغوي رحمه الله: الاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد الوجوه الثلاثة: إما لذنب تقدم على النبوة أو لذنوب أمته وقرابته، أو لمباح جاء الشرع بتحريه فيتركه بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه: السمع والطاعة لحكم الشرع معالم التنزيل (2/ 284).

(2)

أخرجه ابن ماجه (3820) قال البوصيري (4/ 135): هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف انظر التقريب (4734). والبيهقي في شعب الإيمان (6992)، والخطيب (9/ 233)، وابن عساكر (4/ 62). وأخرجه أيضًا: إسحاق بن راهويه (1336)، والطيالسي (1533)، وأبو يعلى (4472). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1168).

(3)

حلية الأولياء (7/ 318).

ص: 560

الذين إذا أساءوا استغفروا وإذا أحسنوا استبشروا وإذا سافروا قصروا وأفطروا" أ. هـ قاله في الديباجة

(1)

.

2503 -

وَعَن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قَالَ سَمِعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول طُوبَى لمن وجد فِي صَحِيفَته اسْتِغْفَار كثير رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ

(2)

.

قوله: وعن عبد الله بن بسر تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا" طوبى اسم الجنة وجاء عن أبي الدرداء أنه قال "طوبى لمن وجد في صحيفته نبذا من الاستغفار" النبذ الشيء اليسير

(3)

وطوبى اسم الجنة وقيل اسم شجرة فيها وتقدم الكلام على ذلك وسيأتي الكلام على شجرة طوبى في ذكر الجنة مبسوطا شافيا والله أعلم.

2505 -

وَعَن أم عصمَة العوصية رضي الله عنها قَالَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا من مُسلم يعْمل ذَنبا إِلَّا وقف الْملك ثَلَاث سَاعَات فَإِن اسْتغْفر من ذَنبه لم يَكْتُبهُ عَلَيْهِ وَلم يعذبه الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد

(4)

.

(1)

كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.

(2)

ابن ماجه (3818)، والبيهقي في شعب الإيمان (647)، قال البوصيري في الزوائد (3/ 196)، هذا إسناد صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3930).

(3)

أخرجه قوام السنة في الترغيب والترهيب (223).

(4)

أخرجه الحاكم (4/ 262)، والطبراني في الأوسط (17)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (10/ 208)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5219)، والضعيفة (3765) وقال: موضوع.

ص: 561

قوله: عن أم عصمة العوصية والعوصية بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالصاد المهملة نسبة إلى عوص بن عوف بن عذرة بطن من كلب والله أعلم قاله في سلاح المؤمن

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم "ما من مسلم يعمل ذنبا إلا وقف الملك ثلاث ساعات

الحديث" أي يمنع كاتب اليمين كاتب الشمال من كتابة ذلك الذنب لعل أن يتوب أو يستغفر من ذلك الذنب الذي عمله فإذا تاب واستغفر لم يوقفه الله عليه يوم القيامة ولم يعذبه اهـ.

2506 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن العَبْد إِذا أَخطَأ خَطِيئَة نكتت فِي قلبه نُكْتَة فَإِن هُوَ نزع واستغفر صقلت فَإِن عَاد زيد فِيهَا حَتَّى تعلو قلبه فَذَلِك الران الَّذِي ذكره الله تَعَالَى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)}

(2)

" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم

(3)

.

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

(1)

سلاح المؤمن (ص 523).

(2)

سورة المطففين، الآية:14.

(3)

الترمذي (3334)، والنسائي في التفسير من الكبرى (11658)، وابن ماجه (4244)، وابن حبان (930)، والحاكم (2/ 517)، وأحمد (7952)، والبيهقي في شعب الإيمان (7203)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1670).

ص: 562

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة" الخطيئة الذنب والإثم وأخطأ يخطئ. إذا سلك سبيل الخطإ عمدا أو سهوا. ويقال خطئ بمعنى أخطأ أيضا. وقيل خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد. ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره، أو فعل غير الصواب: أخطأ. قاله في النهاية

(1)

.

قوله "نكتت في قلبه نكتة" الحديث، النكتة بالتاء المثناة فوق ومعنى نكتت فيه نكتة نقط فيه نقطة قاله الجوهري

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن هو نزع واستغفر" نزع أي رجع يقال نزع إلى أهله إذا حر واشتاق إليهم فرجع إليهم.

قوله "وصقلت" قال الجوهري وصَقَلَ السيفَ وسَقَلَهُ أيضًا صَقْلًا وصِقالًا أي جَلاه، فهو صاقِلٌ، والجمع صقلة

(3)

..

قوله صلى الله عليه وسلم: "فذلك الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)}

(4)

" قال الجوهري

(5)

: والرين هو الطبع والدنس يقال: ران على قلبه ذنبه يرين رينا وريونا أي غلب، وقال الحسن هو الذنب حتى يسود القلب ذكره القرطبي في التذكرة

(6)

قال

(1)

النهاية (2/ 44).

(2)

الصحاح (3/ 1165).

(3)

الصحاح (5/ 1744).

(4)

سورة المطففين، الآية:14.

(5)

الصحاح (5/ 2129).

(6)

ابن أبي الدنيا في ال (193).

ص: 563

مجاهد

(1)

: إذا أذنب الإنسان الذنب أحاط الذنب بقلبه ثم يذنب حتى يحيط الذنب بقلبه حتى تغشى الذنوب قلبه قال الله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ}

(2)

الآية أي كثرت الذنوب والمعاصي منهم حتى حاطت بقلوبهم فكذلك الرين عليها قال: وذلك أن القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب أصبغ ثم يطبع عليه وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم

(3)

: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله" متصلا بقوله "الحلال بين والحرام بين" إشعارا بأن أكل الحلال ينور القلب ويصلحه وأكل الحرام والشبهة يفسده ويقسيه ويظلمه وقد وجد ذلك أهل الورع وآكل الحرام والمسترسل في الشبهات ليس من المتقين، وقال بكر بن عبد الله أن العبد إذا أذنب صار في قلبه كخرم الإبرة ثم إذا أذنب ثانيا صار كذلك ثم إن كثرت الذنوب صار القلب كالمنخل أو كالغربال لا يعي خيرا ولا يثبت فيه صلاح ثم قال سبحانه وتعالى:{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)}

(4)

هذا في الكافرين وهذا يدل على أن الله تعالى يرى في القيامة وقال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)}

(5)

قال مالك: في هذه الآية لما حجب

(1)

ذكره القرطبي في التفسير (1/ 188).

(2)

سورة البقرة، الآية:81.

(3)

أخرجه البخاري (52)(2051)، ومسلم (1599).

(4)

سورة المطففين، الآية:15.

(5)

سورة القيامة، الآيتان: 22 - 23.

ص: 564

أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقال الشافعي لما حجب قوما بالتسخط دل على أن أقواما يرونه بالرضي ثم قال: ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا. وقال الحسين بن الفضل: لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وقال مجاهد في قوله تعالى: لمحجوبون: أي عن كرامته ورحمته ممنوعون أ. هـ.

(1)

2507 -

وَرُوِيَ عَن أنس رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن للقلوب صدأ كصدإ النّحاس وجلاؤها الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن للقلوب صدأ كصدأ النحاس" الحديث بالقصر فيهما وهو: وسخه، وفي الحديث:"إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد" هو أن يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام، فيذهب بجلائها، كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما. قاله في النهاية

(3)

، ومنه قوله تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}

(4)

أي طبع وختم ومنه حديث علي: التعلم أينا المرين على قلبه والمغطى على بصره، المرين المفعول به الرين ومنه حديث

(1)

ذكره القرطبي في التفسير (19/ 261).

(2)

البيهقي في شعب الإيمان (649)، والطبراني في الأوسط (6894)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 207)، فيه الوليد بن سلمة الطبراني، وهو كذاب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1966).

(3)

النهاية (3/ 15).

(4)

سورة البقرة، الآية:7.

ص: 565

مجاهد في قوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ}

(1)

قال: الران والرين سواء كالزام والزيم والعاب والعيب قاله في النهاية

(2)

.

2508 -

وَعَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ كنت رجلا إِذا سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَدِيثا نَفَعَنِي الله بِهِ بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي وَإِذا حَدثنِي أحد من أَصْحَابه اسْتَحْلَفته فَإِذا حلف لي صدقته وَقَالَ وحَدثني أَبُو بكر رضي الله عنه وَصدق أَبُو بكر أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول مَا من عبد يُذنب ذَنبا فَيحسن الطّهُور ثمَّ يقوم فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يسْتَغْفر الله إِلَّا غفر لَهُ ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}

(3)

إِلَى آخر الْآيَة" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَيْسَ عِنْد بَعضهم ذكر الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب

(4)

. وَذكر أَن بَعضهم وَقفه

(5)

.

قوله: وعن علي بن أبي طالب، تقدم الكلام عليه.

قوله: وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف صدقته، الحديث، وقد كان جماعة من الصحابة يحلفون الراوي إذا روى حديثا عن

(1)

سورة البقرة، الآية:81.

(2)

النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 291).

(3)

سورة آل عمران، الآية:135.

(4)

أبو داود (1521)، والترمذي (406)، والنسائي في علم اليوم والليلة (10250)، وابن ماجه (1395)، وابن حبان (623)، وأحمد (2)، والطبراني في الدعاء (1841)، وأبو يعلى (1)، والبزار (9)، والبغوي في شرح السنة (1015)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (359)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5738).

(5)

النسائي في عمل اليوم والليلة (10248).

ص: 566

النبي صلى الله عليه وسلم لا لشكهم في صدق الراوي بل لإزالة الشك الحاصل عند غيرهم ممن يعتريه وهم أو ريبة أو سوء ظن، وقد وقع الحلف في خبر الله تعالى، قال الله تعالى {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)}

(1)

ووقع الاستحلاف في خبر الصادق، ففي الصحيحين من حديث أنس قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، وقال: فمن خلق السماوات والأرض؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماوات والأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: فزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: ثم ولي وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لئن صدق ليدخلن الجنة"

(2)

أ. هـ.

(1)

سورة الذاريات، الآيتان: 22 - 23.

(2)

أخرجه البخاري (1397)، ومسلم (14).

ص: 567

قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور" والمراد بالطهور الوضوء، تقدم معنى إحسان الوضوء في كتاب الصلاة مبسوطا مختصرا والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له" وتقدم الكلام على ركعتين بعد الوضوء في بابه في كتاب الصلاة.

قوله: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}

(1)

الآية، قال بعض التابعين

(2)

: لما أنزلت هذه الآية الشريفة بكى إبليس لعنه الله، يشير على شدة حزنه بنزولها لما فيها من الفرح لأهل الذنوب فهو لا يزال في هم وغم وحزن منذ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى منه ومن أمته ما يهمه ويغيظه ولا يزال إبليس يرى في مواسم المغفرة والعتق من النار ما يسوءه والله أعلم.

2509 -

وَعَن بِلَال بن يسَار بن زيد رضي الله عنه قَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي أَنه سمع النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول من قَالَ أسْتَغْفر الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ غفر لَهُ وَإِن كَانَ فر من الزَّحْف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه

(3)

.

(1)

سورة آل عمران، الآية:135.

(2)

ذكره ابن جرير في التفسير (6/ 63) عن ثابت البناني، قال: لما نزلت: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} "بكى إبليس فزعا من هذه الآية".

(3)

أبو داود (1517)، والترمذي (3577)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.

ص: 568

قَالَ الْحَافِظ وَإِسْنَاده جيد مُتَّصِل فقد ذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير أَن بِلَال سمع من أَبِيه يسَار وَأَن يسارا سمع من أَبِيه زيد مولى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقد اخْتلف فِي يسَار وَالِد بِلَال هَل هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَو بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنه بِالْمُوَحَّدَةِ وَالله أعلم

(1)

.

وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا إِلَّا أَنه قَالَ يَقُولهَا ثَلَاثًا

(2)

.

قوله: وعن بلال بن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثني أبي عن جدي قال البخاري في تاريخه إن بلال سمع من أبيه يسار، وإن يسارا سمع من أبيه زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3)

وقد اختلف في يسار والد بلال هل هو بالباء الموحدة أو بالياء المثناة تحت، وذكر البخاري في تاريخه أنه بالموحدة والله أعلم، ذكره الحافظ المنذري.

2510 -

وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي مسيره فَقَالَ اسْتَغْفرُوا الله فاستغفرنا فَقَالَ أتموها سبعين مرّة يَعْنِي فأتممناها فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا من عبد وَلَا أمة يسْتَغْفر الله فِي يَوْم سبعين مرّة إِلَّا غفر الله لَهُ سَبْعمِائة ذَنْب وَقد خَابَ عبد أَو أمة عمل فِي يَوْم وَلَيْلَة أَكثر من سَبْعمِائة ذَنْب

(1)

التاريخ الكبير (2/ 108).

(2)

الحاكم (1/ 511)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: أبو سنان هو ضرار بن مرة، لم يخرج له البخاري.

(3)

التاريخ الكبير (2/ 108) و (8/ 420).

ص: 569

رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني

(1)

.

قوله: وروي عن أنس بن مالك، تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد ولا أمة يستغفر الله في يوم سبعين مرة إلا غفر له سبعمائة ذنب" الحديث، قد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة في القرآن والحديث، والعرب تضعها مواضع التضعيف والتكثير كقوله تعالى:{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ}

(2)

الآية، وكقوله تعالى:{إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}

(3)

وكقوله "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" وأعطى رجل أعرابيا درهما فقال سبع الله لك الأجر أراد التضعيف، قاله ابن العماد في شرح العمدة

(4)

.

2511 -

وَعَن انس أَيْضا رضي الله عنه فِي قَوْله عز وجل: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}

(5)

قَالَ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّك خير الغافرين لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فارحمني إِنَّك أَنْت أرْحم الرَّاحِمِينَ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت

(1)

البيهقي في شعب الإيمان (652)، والأصبهاني في الترغيب (206) قال ابن الجوزي: حديث لا يصح والحسن بن جعفر أحد رواته قال السعدي: واه والنسائي: متروك.

(2)

سورة البقرة، الآية:261.

(3)

سورة التوبة، الآية:80.

(4)

انظر عمدة الحفاظ (2/ 168)، وقاله ابن العماد في تسهيل المقاصد (لوحة 41) وكشف الأسرار (لوحة 40).

(5)

سورة البقرة، الآية:37.

ص: 570

نَفسِي فتب عَليّ إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم ذكر أَنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلَكِن شكّ فِيهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده من لَا يحضرني حَاله

(1)

.

قوله: وعن أنس أيضا تقدم.

قوله: في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}

(2)

قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، الحديث.

اختلف العلماء في الكلمات فقال ابن أبي نجيح: الكلمات اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، وقال عبيد بن عمير: هو أنّ آدم قال: يا ربّ أرأيت ما أتيت، أشيء ابتدعته على نفسي أم شيء قدّرته عليّ قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيء قدّرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا ربّ كما قدّرته عليّ فأغفر لي

(3)

.

وقال ابن عبّاس رضى الله عنهما-: كانت "لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسى فتب علىّ يا خير التوّابين".

قال الله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}

(4)

قال: فلمّا قالها آدم انتشر صوته فى الافاق، جعل الأرض والجبال والشجر تقول "أقرّ الله عينك يا آدم، وهنّاك الله بتوبتك". وأمره الله

(1)

البيهقي في شعب الإيمان (7173).

(2)

سورة البقرة، الآية:37.

(3)

تفسير الدر المنثور: 1/ 59.

(4)

سورة البقرة، الآية:37.

ص: 571

أن يبعث بالكلمات إلى حوّاء؛ فحملتها الريح إليها، فقالتها، فتاب الله عليها قال: ولمّا فرغ آدم من الدعاء والسجود قال له جبريل: ارفع رأسك. فرفعه وإذا قد رفع له حجاب النّور، وفتحت له السماوات، ونودى بالتوبة والرضوان وقيل له: يا آدم، إنّ الله قد قبل توبتك. فذهب ليقوم فلم يقدر لأنه كان قد رسب فى الأرض كعروق الشجر، فاقتلعه جبريل، فصاح صيحة شديدة للألم الذى أصابه، وقال:"ماذا تفعل الخطيئة"؟ ثم ضرب جبريل بجناحه الأرض فانفجرت عين ماء معين برائحة كالمسك فاغتسل آدم منها، ثم كساه الله حلّتين من سندس الجنّة، وبعث الله تعالى ميكائيل إلى حوّاء، فبشرها بالتوبة، وكساها كذلك؛ وسأل آدم جبريل عنها؛ فأخبره أن الله قد قبل توبتها، وأنه يجمع بينهما فى أشرف الأعياد وأكرم البقاع قال: وأمر الله عز وجل الملائكة والحيوانات أن يقربوا من آدم ليهنّئوه فأتوه وهنّأوه كما كانوا عزّوه ثم أمر الله تعالى جبريل أن يضع يده على رأس آدم ليقصّر من طوله، وكان إذا قام وصل رأسه إلى السماء، فيسمع تسبيح الملائكة، فلمّا قصر اغتمّ لفقد ذلك، فقال له جبريل: لا يغمّك ذلك فإن الله يفعل ما يريد

(1)

.

نظر آدم عليه السلام إلى العرش فرأى على ساقه مكتوبا لا اله إلّا الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق فقال: يا ربّ أسألك بحقّ محمد أن تغفر لي فغفر له

(2)

.

(1)

نهاية الأرب في فنون الأدب (13/ 24).

(2)

حديث التوسل الذي ذكره الشارح في هذا الموضع لا يصح: أخرجه الطبراني في الأوسط (6/ 313 - 314 رقم 6502)، والحاكم في المستدرك (2/ 615) وعنه البيهقي في =

ص: 572

روى المنهال عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}

(1)

قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت أن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْه}

(2)

وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها كان آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه إني راجعك إلى الجنة. أ. هـ، قاله ابن قيم الجوزية في حادي الأرواح

(3)

.

وقال ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ}

(4)

وقيل: أقوال غير هذه الأقوال.

قوله: "قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين" كان صلى الله عليه وسلم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك" وقد أخبر الله تعالى عن الملائكة عليهم الصلاة والسلام أنهم

= الدلائل (2/ 76 - 77) و (5/ 488 - 485)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (7/ 436 - 437) عن عمر بن الخطاب مرفوعًا. قال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه، وهو ضعيف. قال الذهبي: بل موضوع، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم المذكور في إسناده واه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (25).

(1)

سورة البقرة، الآية:37.

(2)

سورة البقرة، الآية:37.

(3)

انظر حادي الأرواح (ص 31)، ونهاية الأرب (13/ 25).

(4)

سورة الأعراف، الآية:23.

ص: 573

قالوا: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}

(1)

وقال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}

(2)

وروى البغوي

(3)

في تفسيره أن تسبيحهم سبحانك وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك سبحانك وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، وقيل: معناه وبحمدك وبتوفيقك سبحت وهو من مجاز إطلاق السبب على المسبب لأن التوفيق هو سبب الحمد وقول الملائكة {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}

(4)

أي: بسبب توفيقك وهذا كما قالت عائشة رضي الله عنها: نحمد الله لا نحمدك [الذي نحيطه (بحمد الله لا بحمد) بالباء الموحدة فيهما وهو كذلك فيما وقعنا عليه من نسخ صحيح البخاري في حديث الإفك

(5)

، وقال صلى الله عليه وسلم لأبيها:"دعها، فقد أولت الحمد أهله".

وقوله: "اللهم" معناه: يا الله فعوضت الميم عن حرف النداء، وقيل: أصله يا الله أمنا.

وقوله: "عملت سوءا وظلمت نفسي"، فإن قيل: كيف قال ظلمت نفسي، والنفس هي الظالمة للعبد لأنها هي الأمارة بالسوء وقال تعالى حكاية عن

(1)

سورة البقرة، الآية:30.

(2)

سورة الشورى، الآية:5.

(3)

ينظر: تفسير البغوي - طيبة (5/ 95).

(4)

سورة البقرة، الآية:30.

(5)

قال بعض أصحاب عبد الله بن المبارك له: أنا أستعظم هذا القول. فقال: ولت الحمد أهله ذكره في المصابيح، ولعلها تمسكت بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام لها: احمدي الله كما في الرواية الأخرى ففهمت منه أنه أمرها بإفراد الله بالحمد. (إرشاد الساري 5/ 371).

ص: 574

إبليس حين يقوم في النار خطيبا ولا يتكلم في ذلك المقام إلا بالحق {فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ}

(1)

وقال الله تعالى حكاية عن السامري {وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}

(2)

وقال صلى الله عليه وسلم: "عدوك نفسك التي بين جنبيك " ويروي أن الله تعالى أعطى العبد نور العقل وجعله حاكما على ما يرد عليه من الوساوس التي من جهة الشيطان وعلى الهواجس التي من جهة النفس وعرفه طريق الرشد من الغي فالعقل متى حكم للنفس واتبع الهوى فقد أهلك نفسه، ولهذا قيل: إن قاضي الهوى يهلك نفسه والمحكوم له والمحكوم عليه والنفس ها هنا حتى حكم لها أهلكها لأنها أبدا تتبع الهوى وإن حكم على النفس نجى.

وقوله: "فارحمني" وفي رواية "فاغفر لي" أي فبسبب ظلمي لنفسي واعترافي بذنبي فيه موافقة لقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ}

(3)

وقدم المغفرة على الرحمة تأسيا بقوله تعالى: {وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا}

(4)

.

فإن قيل: لم قدم سؤال المغفرة على سؤال الرحمة، والمغفرة نوع من الرحمة؟

(1)

سورة إبراهيم، الآية:22.

(2)

سورة طه، الآية:96.

(3)

سورة القصص، الآية:16.

(4)

سورة البقرة، الآية:286.

ص: 575

والجواب: أن المغفرة عبارة عن ستر الذنب أو محوه فإذا وجدت بعدها الرحمة كان أبلغ في الكرامة والعبد المذنب تارة يعفو عنه السيد وتاره يعفو عنه ويحسن إليه بالعتق وتارة يكسوه مع العتق والعتق مع الكسوة نوعان من الرحمة وكذلك ربنا سبحانه وتعالى إذا عفا عن [زلة] عبده ترك عقوبته وستر عليه ذنوبه وأبدلها حسنات، فالرحمة راجعة إلى تبديل السيئات حسنات، [يعني] ذلك قوله تعالى:{فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}

(1)

قيل لإبراهيم بن أدهم: ما معنى قول العبد يا كريم العفو فقال: ما كفى أن غفر السيئات حتى أبدلها حسنات، وجاء في حديث آخر "فاغفر لي مغفرة من عندك فإنك أنت الغفور الرحيم وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

قوله: "مغفرة من عندك" هو مصدر، وفيه تأكيد لطلب مضاعفة الساتر لأن الغفر الستر في كلام العرب ومنه المغفر لأنه يستر الرأس، وفيه استعارة حسنة لأن العورة الحسية يطلب سترها بمضاعفة الثياب كذلك العورة المعنوية وهي خلل المعصية فطلب ستره بمضاعفة الساتر المعنوي.

قوله: "من عندك" قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: فيه إشارة إلى طلب مغفرة يتفضل بها من عند الله -تعالى- لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ليس للعبد فيها سبب

(1)

سورة الفرقان، الآية:70.

ص: 576

وهذا تبرأ من الأسباب والإِدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبًا عقليًّا

(1)

.

وقوله: لا يقتضيها سبب من العبد، [فيه نظر لأن معناه إحالة العمل شهودا وإن كان ثابتا وجودا، فلعل العمل أن يكون معلولا أو يوجد عند النقد مدخولا فإن الثقة بالعمل خطير كيف والناقد بصير وعلى تقدير خلوصه، فعسى أن تستغرقه النعم التي لا يطاق حصرها ولا يطاق شكرها، وتذكر هنا قصة العابد التي قال الله تعالى:"أدخلوه الجنة برحمتي"

(2)

فقال: بل بعبادتي كذا وكذا فلما ركن إلى العمل قوبل بالنعم المستغرقة كذلك إلى أن رجع إلى شهود المنة والفضل (مع العصمة) والله أعلم فكيف لا يفزع إلى باب الفضل وهو تعالى هو المتفضل بالإيجاد والإمدإد وبإعطاء الإيمان قبل السؤال وهو خالق الهداية والموفق لمن وفق فضلا أوليا ثم أثاب عليه فضلا آخريا {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا}

(3)

فالفضل سابق وعائد منه عليك خلق ونسب إليك على أن الدعاء نفسه من توفيق الله وفضله على استيفاء شرائطه لا ينفى أن يعد سببا يركن إليه، كيف

(1)

إحكام الأحكام (1/ 313)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/ 507).

(2)

انظر: الضعفاء 2/ 144 (638)، وهذه القصة مع ضعف سندها ونكارة متنها تخالف نص القرآن:{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، وانظر: ميزان الاعتدال للذهبي 2/ 228.

(3)

سورة النور، الآية:21.

ص: 577

وهو غير موثوق بذلك والله أعلم قاله كاتبه] فيه نظر لأن تسبب العبد إذا كان بتوفيق الله تعالى كان من عند الله تعالى وأيضًا فدعاء العبد بطلب المغفرة تسبب من العبد فكيف يقال بإحالة ترتبها على السبب والأحسن أن يقال في مثل ذلك أن تكون المغفرة من عند الله تعالى بلا واسطة شفاعة من أحد من المخلوقين، فإن المعصية إذا كانت بين العبد وربه قوبلت بمغفرة من الرب كان أبلغ في الستر وأحسن، وإذا كانت بشفاعة أحد كان في ذلك فضيحة وعار على صاحبها بسبب إطلاع الغير عليها، وقد ورد أن الله تعالى ينسى العبد التائب ذنوبه حتى لا يذكرها بين يديه فيفتضح قيل وإليه الإشاراة بقوله تعالى {وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا}

(1)

أي غطها عنا حتى لا نراها ولا نذكرها فنخجل بين يديك وورد في الحديث أن الله تعالى ينسي الحفظة ما عمله العبد وينسي الأرض ما عمل عليها حتى لا تشهد عليه يوم القيامة.

قوله: "فإنك أنت الغفور الرحيم" فيه إشارة إلى أنه يستحب أن يدعى الله تعالى بإسمائه الحسنى فيقول يا غفور اغفر لي يا رزاق ارزقني ويا رحمان ارحمني وقد وقعت المقابلة هنا الأول بالأول وبالثاني الثاني، وقد يقع على خلاف ذلك بأن يراعي القرب فيجعل الأول للأخير ومن ذلك قوله تعالى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} إلى قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

(2)

.

وقوله: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت" إقرار بوحدانية الباري سبحانه وتعالى

(1)

سورة آل عمران، الآية:193.

(2)

سورة آل عمران، الآيتان: 106 - 107.

ص: 578

ونفي الشريك وبأنه الضار النافع وبأنه ليس لغير من الأمور شيء واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار كما قال تعالى: "علم عبدي بأن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي" الحديث.

تتمة: روى الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله علي أمانين لأمتي {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)}

(1)

فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة ثم قال حديث غريب فيه إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف أ. هـ

(2)

، الصواب أن إبراهيم بن مهاجر ليس بضعيف فقد روى له مسلم والأربعة

(3)

وحاله متقارب إنما أنكر عليه حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا شيء من نسله إلى سبعة آباء" وهو: إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي، روى عن إبراهيم النخعي وطارق بن شهاب وطائفة،

(1)

سورة الأنفال، الآية:33.

(2)

أخرجه الترمذي (3082)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1341)، والضعيفة (1690). وفي الإسناد سفيان بن وكيع ضعيف، وعباد بن يوسف مجهول كما في التقريب.

(3)

وهم إنما هو إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلى الكوفى قال أحمد: "أبوه أقوى في الحديث منه". وقال ابن معين: "ضعيف". وقال البخاري: "في حديثه نظر"، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم:"ليس بقوي يكتب حديثه". وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: "ضعيف، ضعيف، أنا لا أكتب حديثه"، وقال ابن الجارود:"ضعيف".

وقال ابن حبان: "كان فاحش الخطأ". وقال الساجي: "فيه نظر". وقال الحافظ: "ضعيف". انظر: الجرح والتعديل (2/ 152)، تهذيب الكمال (3/ 33). تهذيب التهذيب (1/ 244) والتقريب (417).

ص: 579

وقال الإمام أحمد: لا بأس به

(1)

كما قال ابن عطية: قالت طائفة هذه الآية نزلت كلها بمكة، قالت فرقة: نزلت كلها بعد وقعة بدر، قال القاضي أبو محمد: وأجمع المتأولون على أن معنى قوله وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، أن الله عز وجل لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها، فما كان ليعذب هذه وأنت فيهم، بل كرامتك لديه أعظم

(2)

، وقوله بعدها {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ}

(3)

مخصوص بالكفار أ. هـ، قاله في الديباجة

(4)

.

خاتمة: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة"

(5)

الحديث، استغفاره صلى الله عليه وسلم إظهارا للعبودية والافتقار وملازمة الخضوع وشكرا لما أولاه فقد قال المحاسبي: خوف الملائكة والأنبياء خوف إعظام وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالى

(6)

.

(1)

أخرجه عبد بن حميد في مسنده (1/ 427)، والطبراني في الأوسط (1/ 262)، ومن طريق عبد بن حميد: ابن الجوزي في الموضوعات (3/ 111)، جميعهم من طريق عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبي هريرة، به. قال الطبراني: لم يروه عن إبراهيم إلا عمرو. اهـ، قال الألباني في الضعيفة (3/ 436): وعمرو صدوق له أوهام، لكن شيخه إبراهيم بن المهاجر -وهو ابن جابر البجلي- صدوق لين الحفظ؛ فهو علة الحديث. اهـ.

(2)

المحرر الوجيز (2/ 521).

(3)

سورة الأنفال، الآية:34.

(4)

كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.

(5)

أخرجه البخاري (6307)، والترمذي (3259).

(6)

نقله ابن بطال في شرح الصحيح (10/ 130) والقاضى عياض في إكمال المعلم (8/ 197).

ص: 580

2512 -

وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن جَابر بن عبد الله رضي الله عنه عَن أَبِيه عَن جده قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ واذنوباه واذنوباه فَقَالَ هَذَا القَوْل مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قل اللَّهُمَّ مغفرتك أوسع من ذُنُوبِي ورحمتك أَرْجَى عِنْدِي من عَمَلي فَقَالَهَا ثمَّ قَالَ عد فَعَاد ثمَّ قَالَ عد فَعَاد ثمَّ قَالَ قُم فقد غفر الله لَك رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ رُوَاته مدنيون لَا يعرف وَاحِد مِنْهُم بِجرح

(1)

.

2513 -

وَعَن الْبَراء رضي الله عنه قَالَ لَهُ رجل يَا أَبَا عمَارَة وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة الْبَقَرَة 591 أهوَ الرجل يلقى الْعَدو فَيُقَاتل حَتَّى يقتل قَالَ لَا وَلَكِن هُوَ الرجل يُذنب الذَّنب فَيَقُول لَا يغفره الله رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا

(2)

.

قوله: وعن محمد بن عبد الله بن محمد بن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن أبيه عن جده جابر بن عبد الله [هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بالراء، ابن عمرو بن سواد بن سلمة، بكسر اللام، ابن سعد بن على ابن أسد بن ساردة، بالسين

(1)

الحاكم (1/ 543)، والبيهقي في شعب الإيمان (7126)، حديث منكر؛ تفرد به عبيد الله بن محمد بن حنين أو عبد الله بن محمد بن حبيب وهو مجهول، وعبد الله بن محمد بن جابر لا تعرف حاله، ومحمد بن جابر قال فيه ابن سعد: لا يحتج به. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4101).

(2)

الحاكم (2/ 275)، والبيهقي في الشعب (7093).

ص: 581

المهملة، ابن تزيد، بالتاء المثناة فوق، ابن جشم بن الخزرج الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى. وهو أحد المكثرين الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثا، وانفرد البخاري بستة وعشرين ومسلم بمائة وستة وعشرين، وروى عن أبى بكر، وعمر، وعلى، وأبى عبيدة، ومعاذ، وخالد بن الوليد، وأبى هريرة، رضى الله عنهم. روى عنه جماعات من أئمة التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، ومحمد الباقر، وعطاء، وسالم بن أبى الجعد، وعمرو بن دينار، ومجاهد، ومحمد بن المنكدر، وأبو الزبير، والشعبي، وخلائق، ومناقبه كثيرة، استشهد أبوه يوم أحد، فأحياه الله تعالى وكلمه، وقال: يا عبد الله، ما تريد؟ فقال: أن أرجع إلى الدنيا فأستشهد مرة أخرى، وثبت في صحيح البخاري، عن جابر قال: دفنت أبى يوم أحد مع رجل، ثم استخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه. وثبت فى صحيح مسلم، عن جابر، قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعنى أبى، فلما قتل أبى يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة قط، وفي صحيح البخاري في كتاب المبعث، عن جابر بن عبد الله، رضى الله عنه، قال: أنا وأبى وخالى من أصحاب العقبة. توفى جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، رضى الله عنه. وكان ذهب بصره فى آخر عمره. روينا فى صحيحى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: قال لنا رسول

ص: 582

الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: "أنتم اليوم خير أهل الأرض"، وكنا ألفا وأربعمائة. قال جابر: لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وحيث أطلق جابر فى هذه الكتب فهو جابر بن عبد الله، وإذا أراد أبن سمرة قيده

(1)

].

قوله: قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: واذنوباه واذنوباه، الحديث وفي معنى الحديث، يقول بعضهم:

يَا كَبِيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللهِ مِنْ ذَنْبِكَ أَكْبَرْ

أَكْبَرُ الأَشْيَاءِ فِي أَصْغَرِ عَفْوِ اللهِ يَصْغُرْ

(2)

وقال آخر:

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً

فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

أَدعوكَ رَبِّ كما أَمَرتَ تَضَرُّعًا

فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ

إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ

فَمَنْ ذَا الذِي يَرْجُو وَيَدعُو المُجرِمُ

ما للفقير وَسيلَةٌ إِلّا الرَجا

وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ

(3)

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 142 - 143 ترجمة 100).

(2)

ذكره ابن أبي الدنيا في المحتضرين (345).

(3)

انظر: ديوان أبي نؤاس: 618.

ص: 583