المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الترغيب في تعاهد القرآنه وتحسين الصوت به - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ٧

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب قراءة القرآن

- ‌الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة

- ‌الترهيب من نسيان القرآن بعد تعلمه وما جاء فيمن ليس في جوفه منه شيء

- ‌الترغيب في دعاء يدعى به لحفظ القرآن

- ‌الترغيب في تعاهد القرآنه وتحسين الصوت به

- ‌الترغيب في قراءة سورة الفاتحة وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمران وما جاء فيمن قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها

- ‌الترغيب في قراءة آية الكرسي وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قراءة سورة الكهف أو عشر من أولها أو عشر من آخرها

- ‌التَّرْغِيب فِي قِرَاءَة سُورَة يس وَمَا جَاءَ فِي فَضلهَا

- ‌الترغيب في قراءة سورة تبارك الذي بيده الملك

- ‌الترغيب في قراءة {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} وما يذكر معها

- ‌الترغيب في قراءة إذا زلزلت وما يذكر معها

- ‌الترغيب في قراءة ألهاكم التكاثر

- ‌الترغيب في قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

- ‌الترغيب في قراءة المعوذتين

- ‌كتاب الذكر والدعاء

- ‌الترغيب في الإكثار من ذكر الله سرا وجهرا

- ‌الترغيب في حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تعالى

- ‌الترهيب من أن يجلس الإنسان مجلسا لا يذكر الله فيه ولا يصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌الترغيب في كلمات يكفرنا لغط المجلس

- ‌الترغيب في قول لا إله إلا الله وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له

- ‌الترغيب في التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد على اختلاف أنواعه

- ‌الترغيب في جوامع من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير

- ‌الترغيب في قول لا حول ولا قوة إلا بالله

- ‌الترغيب في أذكار تقال بالليل والنهار غير مختصة بالصباح والمساء

- ‌الترغيب في آيات وأذكار بعد الصلوات المكتوبات

- ‌الترغيب فيما يقوله ويفعله من رأى في منامه ما يكره

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن من يأرق أو يفزع بالليل

- ‌الترغيب فيما يقول إذا خرج من بيته إلى المسجد وغيره وإذا دخلهما

- ‌الترغيب فيما يقوله من حصلت له وسوسة في الصلاة وغيرها

- ‌الترغيب في الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار

- ‌الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في كلمات يستفتح بها الدعاء وبعض ما جاء في اسم الله الأعظم

- ‌الترغيب في الدعاء في السجود ودبر الصلوات وجوف الليل الأخير

- ‌[الترهيب من استبطاء الإجابة وقوله دعوت فلم يستجب لي]

- ‌الترهيب من رفع المصلي رأسه إلى السماء وقت الدعاء وأن يدعو الإنسان وهو غافل

- ‌الترهيب من دعاء الإنسان على نفسه وولده وخادمه وماله

- ‌الترغيب في إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والترهيب من تركها عند ذكره صلى الله عليه وسلم كثيرا دائما

- ‌كتاب البيوع(1)وغيرها

- ‌مشروعية البيع:

- ‌التَّرْغِيب فِي الاكْتِسَاب بِالْبيع وَغَيره

- ‌الترغيب في البكور في طلب الرزق وفيه وما جاء في نوم الصبحة

- ‌[الترغيب في ذكر اللّه تعالى في الأسواق ومواطن الغفلة]

الفصل: ‌الترغيب في تعاهد القرآنه وتحسين الصوت به

‌الترغيب في تعاهد القرآنه وتحسين الصوت به

2227 -

عَن ابن عمر رضي الله عنهما أَن رسُول الله صلى الله عليه وسلم قالَ إِنَّمَا مثل صاحب الْقُرْآن كمثل الابِل المعقلة إِن عَاهَدَ عَلَيْهَا أمْسكهَا وَإِن أطلقها ذهبت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة وَإِذا قَامَ صَاحب الْقُرْآن فقرأه بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار ذكره وَإِذا لم يقم بِهِ نَسيَه

(1)

.

قوله: عن ابن عمر رضي الله عنهما تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم "إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت" قال القاضي عياض رحمه الله

(2)

: معنى صاحب القرآن أي الذي ألفه والمؤالفة المصاحبة ومنه فلان صاحب فلان وأصحاب الجنة وأصحاب النار وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى وأصحاب الصفة وأصحاب إبل وغنم وصاحب غنم وصاحب كنز وصاحب عبارة.

وقوله الذي ألفه يصدق بأن يألف تلاوته في المصحف مع كونه غير حافظ له لكن الظاهر أن المراد بصاحب القرآن حافظه وقد صرح أبو العباس القرطبي باعتبار الحفظ في ذلك فقال: وصاحب القرآن هو الحافظ له المشتغل به الملازم لتلاوته

(3)

.

(1)

البخاري (5032)، ومسلم (789)، ومالك (541)، وابن حبان (764)، وأحمد (5923)، والنسائي في الكبرى (924).

(2)

إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 156) بمعناه وانظر شرح النووي على مسلم (6/ 77).

(3)

طرح التثريب (3/ 181).

ص: 98

قوله صلى الله عليه وسلم "كمثل الإبل" الإبل لا واحد لها من لفظها وهي مؤنثة وتصغيرها أبيلة وربما قالوا أبل بسكون بالباء بالتخفيف حكاه الجوهري

(1)

اهـ من خط المؤلف رحمه الله.

قوله "المعقلة" والمعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة والقاف المشددة هي المشدودة بالعقل بضم العين والقاف وهو جمع عقال بكسر العين والمراد به الحبل الذي يشد به ركبة البعير شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بالعقال الذي يمنع البعير من الشراب ما دام الدرس موجودا فالحفظ مستمر وما دام العقال موثقا فالبعير محفوظ وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوانات الإنسية شردا أو نفورا وتحصيلها بعد نفورها أشد وأصعب وتحصيل غيرها بعد نفور ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش" الحديث

(2)

، وقال فيما روي عنه "إن على ذروة كل بعير شيطان"

(3)

.

(1)

الصحاح (4/ 1618).

(2)

أخرجه البخاري (2488) و (2507) و (3075) و (5498) و (5544)، ومسلم (20 - 1968) عن رافع بن خديج.

(3)

طرح التثريب (3/ 101). والحديث: أخرجه الدارمى (2709)، والنسائي في الكبرى (10265)، وابن خزيمة (2546)، وابن حبان (1703) و (2694) عن حمزة بن عمرو. قال أبو عبد الرحمن: أسامة بن زيد ليس بالقوي في الحديث. قال الألباني: حسن صحيح - حقيقة الصيام (48). وأخرجه ابن خزيمة (2547) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في (حقيقة الصيام 63).

ص: 99

قوله صلى الله عليه وسلم "إن عاهد عليها أمسكها" المعاهدة على الشيء والتعاهد عليه الاحتفاظ به والملازمة له وفي رواية البخاري "إن تعاهد عليها أمسكها" ومنه الحديث "أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر"

(1)

ففي هذا الحديث الحث على تعاهد القرآن وتلاوته ودراسته والتحذير من تعرضه للنسيان بإهمال تلاوته وفيه استحباب ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد

(2)

.

2228 -

وَعَن عبد الله بن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بئْسَمَا لأحدهم يَقُول نسيت آيَة كيْت وَكيْت بل هُوَ نسي استذكروا الْقُرْآن فَلَهو أَشد تفصيا من صُدُور الرِّجَال من النعم بعقلها رَوَاهُ البُخَارِيّ هَكَذَا وَمُسلم مَوْقُوفا

(3)

.

قوله: وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "بئسما لأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت" الحديث.

فائدة: الإبل من الحيوان العجيب وإن كان عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم له وهو أنه حيوان عظيم الجسم شديد الانقياد ينهض بالحمل الثقيل ويبرك به ويأخذ زمامه فأرة تذهب به إلى حيث شاءت، قال ابن عطيه

(4)

في تفسير

(1)

أخرجه البخاري (1169) عن عائشة.

(2)

طرح التثريب (3/ 101 - 102) وشرح النووي على مسلم (6/ 84).

(3)

البخاري (5032)، و مسلم (790)، والترمذي (2942)، وأحمد (3620).

(4)

تفسير ابن عطية (5/ 474).

ص: 100

قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)}

(1)

قال الثعلبي في بعض التفاسير

(2)

: إن فأرة جرت بزمام ناقة فتبعتها حتى دخلت الجحر فبركت الناقة وأذنت رأسها من فم الحجر ويتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان ويتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان فيه، مع مأكوله ومشروبه وملبوسه وظروفه ووسائده، كأنه في بيته ويتخذ للبيت سقف وهو يمشي بكل هذه. ولهذا قال تعالى:{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)} وقد جعلها الله تعالى طوال الأعناق لتثور بالأثقال، وعن بعض الحكماء، أنه حدث عن الإبل وعن بديع خلقها وكان قد نشأ بأرض لا إبل فيها، ففكر ساعة ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وحيث أراد الله تعالى بها أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش، حتى إن ظمأها ليرتفع إلى العشر. وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز، مما يرعاه سائر البهائم. وقال تعالى:{وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)}

(3)

قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفن البر قال ذو الرّمة: سفينة بر تحت خدي زمامها وإنما جعل الله تعالى أعناقها طوالا، لتستعين بها على النهوض، بالحمل الثقيل، وفي الحديث لا تسبوا الإبل فإنها من نفس الله تعالى أي مما يوسع الله تعالى به على الناس حكاه ابن سيده

(4)

، ذكره في حياة

(1)

سورة الغاشية، الآية:17.

(2)

تفسير الثعلبى (10/ 189).

(3)

سورة المؤمنون، الآية:23.

(4)

المحكم والمحيط الأعظم (8/ 526).

ص: 101

الحيوان

(1)

والله أعلم.

فائدة أيضا: تكره الصلاة في أعطان الإبل وهي الأمكنة التي يأوي إليها الإبل للشرب روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضأوا منها".

وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: "لا تتوضؤا منها". وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها مأوى الشياطين" وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: "صلوا فيها فإنها مباركة"

(2)

.

وروى النسائي وابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الإبل خلقت من الشياطين"

(3)

.

قوله عن عبد الله بن مسعود: تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم "بئسما لأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت" أي آية كذا وكذا وهو بفتح التاء على المشهور حكى الجوهري فتحها وكسرها عن أبي عبيدة

(4)

.

(1)

حياة الحيوان (1/ 27).

(2)

أخرجه أبو داود (184) و (493)، والترمذي (81)، وابن خزيمة (32)، وأبو يعلى (1709)، والبيهقي في معرفة السنن 1/ 453 والطيالسي (734) و (735) وابن الجارود (26)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 384. صحيح أبي داود - الأم (1/ 337).

(3)

أخرجه بتمامه ابنُ حبان (5657) والنسائي في المجتبى 7/ 185 وأخرجه أبو داود (2845)، والترمذي (1486)، وابن ماجه (3205) وقال الترمذي: حسن صحيح.

(4)

الصحاح (1/ 263).

ص: 102

في هذا الحديث كراهة قول نسيت آية كذا وكذا وهي كراهة تنزيه وإنه لا يكره قول أنسيتها وإنما نهى عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها وقد قال الله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}

(1)

(2)

وقال القاضي عياض

(3)

: أولى ما يتأول هذا الحديث أن معناه ذم الحال لا ذم القول أي بئست الحالة حالة من حفظ القرآن فغفل عنه حتى نسيه

(4)

ا هـ.

وقال صاحب المغيث في حل مشكل القرآن والحديث

(5)

: النسيان هو ذهاب الحفظ كره نسبته إلى نفسه لمعنيين:

أحدهما: أن الله تعالى الذي أنساه إياه لأنه المقدر للأشياء كلها.

والثاني: أن أصل النسيان الترك فكره له أن يقول تركت القرآن أو قصدت إلى نسيانه لما في ذلك من الكراهة ولأن ذلك لم يكن باختياره قد أنساه الله تعالى ونساه إياه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "بل هو نسي".

قوله بل هو نسي قال القاضي عياض

(6)

: ضبطناه بالتخفيف والتشديد قال صاحب المغيث ولو روي نسي بالتخفيف يكون معناه أنه ترك من الخير

(1)

سورة طه، الآية:126.

(2)

شرح النووي على مسلم (6/ 76).

(3)

إكمال المعلم (3/ 155).

(4)

شرح النووي على مسلم (6/ 76).

(5)

المجموع المغيث (3/ 294 - 295).

(6)

إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 155)، ومشارق الأنوار (2/ 27).

ص: 103

وحرم منه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "بل هو نسي" حديث إنما أنسى لأبين أي لأذكر لكم ما سيلزم الناس لشيء من عبادته وأفعل ذلك فتقتدوا بي

(1)

فقوله أنسي هو بتشديد السين لا غير.

تنبيه: قال الخطابي رحمه الله: أحدهما: أن الله تعالى الذي أنساه إياه لأنه المقدر للأشياء كلها.

والثاني: أن أصل النسيان الترك فكره له أن يقول تركت القرآن أو قصدت إلى نسيانه لما في ذلك من الكراهة ولأن ذلك لم يكن باختياره قد أنساه الله تعالى ونساه إياه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "بل هو نسي" قوله بل هو نسي

(2)

قال القاضي عياض

(3)

: ضبطناه بالتخفيف والتشديد قال صاحب المغيث ولو روي نسي بالتخفيف يكون معناه أنه ترك من الخير وحرم

(4)

.

تنبيه: قوله "بل هو نسي" قال الخطابي رحمه الله: يحتمل أن يكون خاصا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون معنى نسي نسخت تلاوته نهاهم عن هذا القول لئلا يتوهم الضياع على محكم القرآن وأراهم أن ذلك من قبل الله تعالى لما رأى في نسخ التلاوة من الحكمة

(5)

والله أعلم.

(1)

المجموع المغيث (3/ 295)، والنهاية (5/ 51).

(2)

لم أعثر عليه في كتب الخطابى إنما ذكره صاحب المجموع المغيث (3/ 294 - 295).

(3)

إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 155).

(4)

المجموع المغيث (3/ 295).

(5)

أعلام الحديث (3/ 1946).

ص: 104

فائدة فيها فوائد: في الحديث سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ من الليل فقال يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطها من سورة كذا وكذا، وفي رواية كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع قراءة رجل في المسجد فقال "رحمه الله لقد أذكرني آية كنت نسيتها"

(1)

في هذه الألفاظ فوائد منها جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد ولا كراهة فيها إذا لم يؤذ أحدأ ولا تعرض للرياء والإعجاب ونحو ذلك وفيه الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيرا وإن لم يقصده ذلك، وفيه أن الاستماع للقراءة سنة وفيه جواز قول سورة كذا كسورة البقرة، ونحوها ولا التفات إلى من خالف في ذلك فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على استعماله، وقوله كنت أنسيتها فيه دليل على جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم فيما قد بلغه إلى الأمة

(2)

قال القاضي عياض رحمه الله

(3)

: جمهور المحققين على جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم ابتداء فيما ليس طريقه الإبلاغ واختلفوا فيما طريقه الإبلاغ والتعليم ولكن من جوزه قال لا يقر عليه بل لابد أن يتذكره أو يذكره واختلفوا هل من شرط ذلك الهوانم يصح على التراضي قبل وفاته صلى الله عليه وسلم قال وأما نسيان ما بلغه كما في هذا الحديث وفي باب السهو من صحيح مسلم تقدم الكلام فيما يجوز من السهو وما لا يجوز

(4)

والله أعلم.

(1)

صحيح البخاري (2655).

(2)

شرح النووي على مسلم (6/ 76).

(3)

ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 513).

(4)

شرح النووي على مسلم (6/ 76 - 77).

ص: 105

قوله صلى الله عليه وسلم: "استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها" الحديث، وفي رواية "من قلوب الرجال"، تفصيا بالتاء ثالثة الحروف وبالفاء والصاد المهملة والتفصي معناه التخلص والانفصال أي أشد خروجا وهو بمعنى الرواية الأخرى أشد تفلتا أي أسرع تخلصا وذهابا من النعم المعقلة إذا أطلقها صاحبها ولا يعقل من النعم غير الإبل

(1)

يقال تفصى اللحم عن العظم وتفصى من البلية أي تخلص

(2)

ويقال تفصيت من الأمر تفصيا إذا خرجت منه وتخلصت قاله في النهاية

(3)

، والاسم الفصية

(4)

.

قوله: "من النعم بعقلها" والنعم أصلها الإبل والبقر والغنم والمراد هنا الإبل خاصة لأنها التي تعقل والعقل بضم العين والقاف ويجوز إسكان القاف كنظائره وهو جمع عقال ككتاب وكتب وهو الحبل الذي يعقل به البعير ووقع في هذه الرواية بعقلها وفي رواية "من عقله" وفي رواية "في عقلها" وكله صحيح والمراد برواية الهاء من كما في قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه}

(5)

على أحد القولين في معناه، وقوله في رواية "عقله" بتذكير النعم وهو صحيح كما ذكرنا وجمع النعم أنعام

(6)

.

(1)

شرح النووي على مسلم (6/ 77).

(2)

مقاييس اللغة (4/ 506).

(3)

النهاية (3/ 452).

(4)

المصدر السابق.

(5)

سورة الإنسان، الآية:6.

(6)

شرح النووي على مسلم (6/ 77).

ص: 106

2229 -

وَعَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ رضي الله عنه: عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ تَعَاهَدُوا الْقُرْآن فوالذي نفس مُحَمَّد بيَدِهِ لَهو أَشد تفلتا من الإبل فِي عقلها رَواهُ مُسلم

(1)

.

قوله: وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله "تعاهدوا القرآن" الحديث، تعاهد الشيء محافظته وتجديد العهد به والمراد منه الأمر بالمواظبة على تلاوته والمداومة على تكراره ودرسه لكي لا ينسى.

قوله صلى الله عليه وسلم "فوالذي نفس محمد بيده" تقدم الكلام على ذلك.

قوله صلى الله عليه وسلم "لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها" التفلت والإفلات والانفلات التخلص من الشيء فجأة في غير تمكث ومنه الحديث أن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة أي تعرض لي في صلاتي فجأة قاله في النهاية

(2)

، ومعنى الحديث أي أسرع تخلصا وذهابا من الإبل المعقلة إذا أطلقها صاحبها

(3)

فإنها تتفلت حتى لا تكاد تلحق

(4)

.

العقال هو الحبل الذي يشد به البعير وسط الذراع

(5)

وتقدم تفسير ذلك أيضًا.

(1)

البخاري (5033)، ومسلم (791).

(2)

النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 467).

(3)

تحفة الأبرار (1/ 538).

(4)

الميسر (2/ 507).

(5)

الميسر (2/ 507).

ص: 107

2230 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا أذن الله لشَيْء كمَا أذن لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بالْقُرْآنِ يجْهر بهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ

(1)

.

قَالَ الْحَافِظ أذن بِكَسْر الذَّال أَي مَا اسْتمع لشَيْء من كَلَام النَّاس كمَا اسْتمع الله إِلَى من يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ أَي يحسن بِهِ صَوته وَذهب سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَغَيره إِلَى أَنه من الاسْتِغْنَاء وَهُوَ مَرْدُود

2231 -

وروى ابْن جرير الطَّبَرِيّ هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد صَحِيح وَقَالَ فِيهِ مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ حسن الترنم بِالْقُرْآنِ.

2232 -

وروى الإِمَام أَحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن فضَالة بن عبيد أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لله أَشد أذنا للرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من فيحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا

(2)

.

الْقَيْنه بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت بعدهمَا نون هِيَ الأمة الْمُغنيَة قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم "ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به " الحديث، قال الحافظ رحمه الله

(3)

: أذن بكسر الذال أي ما استمع

(1)

البخاري (7544)، ومسلم (792)، وأبو داود (1473)، وابن حبان (751).

(2)

أحمد (23947)، وابن ماجه (1340)، وابن حبان (754)، والحاكم (1/ 571)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: بل هو منقطع، والبيهقي (10/ 230)، والطبراني في الكبير (772)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4630).

(3)

أي المنذري.

ص: 108

الله لشيء من كلام الناس كما استمع إلى من يتغنى بالقرآن أي يحسن به صوته اهـ.

قال غيره: أذن هو بكسر الذال المعجمة وهو مشتق من الإذن وهو الاستماع ومنه قوله تعالى {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا}

(1)

ولا يجوز أن يحمل على الاستماع بمعنى الإصغاء فإنه مستحيل في حق الله تعالى بل هو مجاز ومعناه الكناية عن تقريبه القاري وإجزال ثوابه لأن سماع الله تعالى لا يختلف فوجب تأويله وهو إشارة إلى الرضا والقبول

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم "كما أذن لنبي حسن الصوت" وإنما خص بذلك صوت النبي صلى الله عليه وسلم لأن صوت النبوة ألذ وأحلى لصفاء معدنه وقرب متناوله.

قوله "يتغنى بالقرآن" يجهر به وقال في النهاية

(3)

: أي يتلوه يجهر به. يقال منه أذن يأذن أذنا بالتحريك.

وقيل: إن قوله يجهر به تفسير لقوله يتغنى

(4)

قال النووي

(5)

وغيره التغني بالقرآن معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون تحسين الصوت به، ونقل بعض العلماء الاتفاق على استحباب

(1)

سورة الانشقاق، الآية:2.

(2)

شرح النووي على مسلم (6/ 78).

(3)

النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 33).

(4)

قاله أحمد بن حنبل قال صالح: قلت: قوله: ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به، ما معناه؟ قال أبي: إذا رفع صوته فقد تغنى به. مسائل صالح (288).

(5)

المجموع شرح المهذب (20/ 248)، وشرح النووي على مسلم (6/ 78).

ص: 109

تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها، ونقل بعض العلماء الاتفاق على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها

(1)

وقال الإمام الشافعي وموافقوه معناه: تحزين القراءة وترقيقها، ويشهد له الحديث الآخر:"زينوا القرآن بأصواتكم"

(2)

وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء، وقال الهروي: معنى يتغني به يجهر به

(3)

، وقال أبو عبيد: والأحاديث الواردة في ذلك فمحمولة على التحزين والتشويق

(4)

، قال الحليمي

(5)

: والذي يظهر بدلالة الأخبار أنه أرادبالتغني أن يحسن القارئ صوته مكان ما يحسن المغني صوته بغنائه إلا أنه يميل به نحو التحزن دون التطريب أي قد عوض الله تعالى من غناء الجاهلية خيرا منه وهو القرآن فمن لم يحسن صوته بالقرآن ولم يرض به بدلا من ذلك الغناء فليس منا، إلا أن قراءة القرآن لا يدخلها من التغني وفضول الألحان وترديد الصوت ما يلبس المعني ويقطع أوصال الكلام كما قد يدخل ذلك كله الغناء وإنما يليق

(1)

نقله القاضي عياض كما في إكمال المعلم (3/ 160)، وشرح النووي على مسلم (6/ 80).

(2)

أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص 68 و 69)، وابن ماجه (1342)، وأبو داود (1468)، والنسائي في المجتبى 2/ 413 (1027) و 2/ 414 (1028) والكبرى (1089) و (1090) و (7996) عن البراء. وصححه الألباني في الصحيحة (772)، صحيح أبي داود (1320)، تخريج المشكاة (2199).

(3)

شرح النووي على مسلم (6/ 79).

(4)

فضائل القرآن (1/ 333)، ونقله القاضي في إكمال المعلم (3/ 160)، والتذكار (ص 126)، وشرح النووي على مسلم (6/ 80).

(5)

المنهاج (2/ 230).

ص: 110

بالقرآن حسن الصوت والتحرير دون ما عداهما، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس صوتا بالقرآن ققال:"من إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه أنه يخشى الله تعالى"

(1)

ذكره القرطبي في التذكار

(2)

.

تنبيه: واختلفوا في القراءة بالألحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم وأباحها أبو حنيفة وجماعات من

(1)

روى من حديث جابر وابن عباس وابن عمر وعائشة ومرسل طاووس:

أما حديث ابن عمر: أخرجه عبد بن حميد (802)، والبزار (6136)، والمروزي في مختصر قيام الليل (ص 138)، والرويانى (1415)، والطبراني في الأوسط (2/ 311 رقم 2074) و (6/ 208 رقم 6205) عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: أي الناس أحسن قراءة؟ قال: "الذي إذا سمعت قراءته رأيت أنه يخشى الله عز وجل".

وأما حديث جابر: أخرجه ابن ماجه (1339)، والآجرى في أخلاق حملة القرآن (78) بلفظ:"إن أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله".

وأما حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير (11/ 7 رقم 10852) بلفظ: "إن أحسن الناس قراءة من إذا قرأ يتحزن". قال الهيثمي في المجمع 7/ 170: رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه ضعف.

وأما حديث عائشة: أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (2/ 58) بلفظ: إن أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله.

وأما مرسل طاووس: أخرجه عبد الرزاق (4185)، وابن أبي شيبة في المصنف 2/ 257 (8742) عن طاوس، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أحسن قراءة؟ قال: "الذي إذا رأيته يقرأ رأيت أنه يخشى الله"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1450) والمشكاة (2209) والصحيحة (1583).

(2)

التذكار (ص 131).

ص: 111

السلف للأحاديث ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية وإقبال النفوس على استعماله، قال الشافعي في مواضع أكره القراءة بالألحان، وقال في موضع: لا أكرهها، قال النووي

(1)

: قال أصحابنا: ليس له فيها خلاف وإنما هو اختلاف حالين فحيث كرهها أراد إذا هو مطط القارئ وإخراج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص أو مد غير ممدود أو أدغم ما لا يجوز إدغامه ونحو ذلك وحيث أباحها إذا لم يكن فيها تغير لوضع الكلام أ. هـ.

فائدة: ذكر الحافظ أبو الحسن زين العبدري وأبو عبد الله الترمذي الحكيم من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم" الحديث

(2)

،

(1)

شرح النووي على مسلم (6/ 80).

(2)

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (234)، وابن وضاح في البدع (254)، والمروزي في مختصر قيام الليل (ص 135)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (1340)، والطبراني في الأوسط (7/ 183 رقم 7223)، وابن عدى (2/ 545)، والبيهقي في الشعب (4/ 208 رقم 2406).

قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن حذيفة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: بقية. قال الذهبى في الميزان 1/ 506: تفرد عنه بقية، ليس بمعتمد والخبر منكر. وقال الهيثمي في المجمع 7/ 169: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه راو لم يسم وبقية أيضا. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار 3/ 223: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1067).

ص: 112

اللحون: جمع لحن وهو التطريب وترجيح الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء، قال القرطبي: قال علماؤنا: ويشبه هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرءون بها ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والترجيع في القراءة ترديد الحرف كقراءة النصارى

(1)

.

قول الحافظ: وذهب سفيان بن عيينة وغيره إلى أنه من الاستغناء وهو مردود أ. هـ.

قال أبو عبيد: قوله "من لم يتغن" التغني هو الاستغناء والتعفف عن مسألة الناس واستئكالهم بالقرآن وأن يكون في نفسه بحمله القرآن غنيا وإن كان من المال معدما، قال أبو عبيد: ليس للحديث عندي وجه غيره هذا ويدل عليه ما روى عن عبد الله: من قرأ سورة آل عمرأن فقد غنى ويؤكد هذا أيضا ما روى عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه من لم يستغن بالقرآن فلا أغناه الله"

(2)

وقيل: فيه غير ذلك

(3)

، قال القرطبي

(4)

: هذا الذي اختاره أبو عبيد هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وقد قيل: إن معنى يتغنى بالقرآن يستغني به من الاستغناء الذي هو ضد

(1)

التذكار (ص 130).

(2)

لم أعثر عليه. قال ابن السبكي: (6/ 360) حديث من لم يستغن بآيات الله فلا أغناه الله لم أجد له إسنادًا.

(3)

غريب الحديث (2/ 169 - 172)، وفضائل القرآن (2/ 10).

(4)

ينظر: تفسير القرطبي (1/ 15).

ص: 113

الافتقار لا من الغناء، قال الجوهري: تغني القرآن بمعنى استغنى وإلى هذا التأويل ذهب أيضا وكيع بن الجراح، وقد روي عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه أي: يستغني به عما سواه من الأحاديث والكتب وإلى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لاتباعه الترجمة في كتابه بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ}

(1)

والمراد الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم، قاله أهل التأويل، وقيل: إن معنى يتغنى به يتحزن بأي يظهر في قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته وليس من الغنية لأنه لو كان من الغنية لقال يتغانى به ولم يقل يتغنى به، وسئل الإمام الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغناء لقال من لم يستغن ولكن لما قال: "يتغنى" علمنا أنه أراد التغني قال الطبري المعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيح، قال الشاعر:

تغَنَّ بِالشِّعْرِ مَهْمَا كنْتَ قَائِلَهُ

إِنَّ الْغِنَاءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ

(2)

وعن حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أبطأت على عهد رسول الله ليلة بعد العشاء ثم جئت فقال، أين كنت؟ قالت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك، لم أسمع مثل قراءته قط وصوته [من أحد] قالت: فقام رسول الله

(1)

سورة العنكبوت، الآية:51.

(2)

التذكار (ص 127).

ص: 114

وقمت معه حتى استمع له ثم التفت إليّ فقال: هذا سالم مولى أبي حذيفة: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا، انفرد ابن ماجه

(1)

، ورجال إسناده ثقات سالم مولى أبي حذيفة هو أبو عبد الله سالم بن عبيد بن ربيعة، كذا نسبه ابن مندة، وقال أبو نعيم: هذا وهم فاحش قال غيره: هو سالم بن معقل وهو مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن قصي القرشي العبشي، كان سالم من أهل فارس من اصطخر وهو من فضلاء الصحابة والمهاجرين وعتقته مولاته بثينة، امرأة أبي حذيفة الأنصاري فتبناه أبو حذيفة فيقال له قرشي وأنصاري وفارسي لما ذكرناه

(2)

، قال: وأما ادعاء الزاعم إن تغنيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها ولا يعلم أن أحدا من أهل اللغة قاله في التذكار

(3)

والله أعلم.

قول الحافظ: وروي ابن جرير الطبري هذا الحديث يترنم بالقرآن، الترنم التطريب والتغني وتحسين الصوت بالتلاوة، ويطلق على الحيوان والجماد يقال: ترنم الحمام والقوس، قول الحافظ: وروي الإمام أحمد وابن ماجه غيره عن فضالة بن عبيد تقدم الكلام على مناقبه رضي الله عنه.

(1)

أخرجه سنن ابن ماجه (1338) وأحمد (25320) والحاكم 3/ 225، وأبو نعيم في الحلية 1/ 371، والبيهقي في الشعب (2148) والفاكهي في أخبار مكة (1729) محمَّد بن نصر المروزي في قيام الليل (153)، ابن المبارك في الجهاد (120). قال في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (1/ 158) هَذَا إِسْنَاد صحِيح رِجَاله ثِقَات.

(2)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 206 ترجمة 195).

(3)

التذكار (ص 127).

ص: 115

قوله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" وأصله أن المستمع يميل بإذنه على جهة المستمع، تقول العرب: أذن بكسر الذال يأذن بفتحها في المستقبل إذنا بفتح الهمزة، والذال في المصدر إذا أصغى واستمع، وهذا المعنى في حق الله مجاز، وإنما هو من باب التوسع على ما جرى من عرف التخاطب وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ وإجزال [ثوابه ووجه] هذا [التوسع] أن الإصغاء إلى الشيء [قبول] له واعتناء به ويترتب على ذلك إكرام المصغي إليه فعبر عن الإكرام بالإصغاء [إذ هو عنه]، وفائدة هذا الخير حث القارئ على إعطاء القراءة حقها في ترتيلها وتحسينها [وتطيبها بالصوت] الحسن ما أمكن، أ. هـ قاله القرطبي

(1)

.

قال الحافظ

(2)

: القينة هي الأمة المغنية وقال المنذري أيضا في حواشي مختصر سنن أبي داود: والقينة الأمة المغنية أو غير مغنية

(3)

وقال أبو عمرو: وكل عبد عند العرب قين، والأمة قينة وبعض الناس يظن القينة المغنية خاصة وليس كذلك

(4)

، وقال غيره: سميت قينة لأنها تصلح البيت وتزينه والقينة الماشطة، والقينة المغنية وذلك راجع إلى الإصلاح والتزيين

(5)

.

(1)

المفهم (7/ 54).

(2)

فتح الباري لابن حجر (9/ 71).

(3)

المحكم (6/ 509)، وتهذيب الأسماء واللغات (4/ 107).

(4)

الصحاح (6/ 2186)، وتهذيب الأسماء واللغات (4/ 107).

(5)

انظر الصحاح (6/ 2186)، والميسر (2/ 662) والمفهم (19/ 41).

ص: 116

2233 -

وَعَن الْبَراء بن عَازِب رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيُّ وَابْن مَاجَه

(1)

.

قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ هَكَذَا فسره غير وَاحِد من أَئِمَّة الحَدِيث وَزَعَمُوا أَنه من بَاب المقلوب كَمَا قَالُوا عرضت النَّاقة على الْحَوْض أَي عرضت الْحَوْض على النَّاقة وكقولهم إِذا طلعت الشعرى واستوى الْعود على الحرباء أَي اسْتَوَت الحرباء على الْعود ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن شُعْبَة قَالَ نهاني أَيُّوب أَن أحدث زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ قَالَ وَرَوَاهُ معمر عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة فَقدم الأَصْوَات على الْقُرْآن وَهُوَ الصَّحِيح أخبرناه مُحَمَّد بن هَاشم حَدثنَا الديري عَن عبد الرَّزَّاق أَنبأَنَا معمر عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْسَجَة عَن الْبَراء أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ وَالْمعْنَى اشغلوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ والهجوا بِهِ واتخذوه شعارا وزينة انْتهى

(2)

.

قوله: وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، تقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم" كذا فسره غير واحد من أئمة الحديث وزعموا أنه من باب المقلوب إلى آخره.

(1)

أبو داود (1468)، والنسائي في الكبرى (1088)، وابن ماجه (1342)، وأحمد (18494)، والبخاري في خلق أفعال العباد (250)، وابن حبان (749)، والحاكم (1/ 571)، والبيهقي في شعب الإيمان (2140)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3580).

(2)

معالم السنن، للخطابي (2/ 137)، والمفاتيح شرح المصابيح، للمظهري (3/ 105).

ص: 117

تنبيه: قوله كقولهم إذا طلعت الشعرى واستوى العود على الحرباء أي استوى الحرباء على العود، والحرباء: أكبر من العصاة، وهو مستقبل الشمس يدور معها كيف دارات ويتلون، ألوانا بحر الشمس، وذكر الشيخ جمال الدين بن هشام في شرح بانت سعاد: إن للحرباء سناما كسنام البعير وأنه يكون ألوانا وهي تتشكل بشكل الشجرة التي تكون عليها حتى تنكاد تختلط بلونها فإذا قرب منه الذباب ونحو اختطفته بلسانها

(1)

، أ. هـ.

قال الحافظ

(2)

: قال الخطابي: وراوه البخاري تعليقا في أواخر صحيحه والحاكم في المستدرك في فضائل القرآن وزاد في بعض طرقه فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا كلهم من رواية البراء بن عازب، قول الحافظ رحمه الله

(3)

: ثم يروي بإسناده عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث: "زينوا القرآن بأصواتكم" أ. هـ.

قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتناول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الألحان المبتدعة ولهذا نهاه أن يحدث به

(4)

،أ. هـ.

(1)

شرح قصيدة بانت سعاد (ص 265) وحياة الحيوان (1/ 329 - 330). انظر شرحه لقول

كعب: يَوْمًا يَظَلُّ به الحِرْباءُ مُصْطَخِدًا

كأنَّ ضاحِيَة بالشَّمْسِ مَمْلولُ.

(2)

ينظر المرجع القادم.

(3)

فتح الباري لابن حجر (13/ 519).

(4)

فضائل القرآن (1/ 336).

ص: 118

قول الحافظ: حدثنا الدبري عن عبد الرزاق، الدبري: اسمه إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري منسوب إلى دبرة، ودبرة قرية من اليمن من قرى صنعاء وهو ثقة حافظ، أدخله الإمام أبو جعفر العقيلي في كتابه صحيح الحديث الذي ألفه، وقد رحل إليه للقراءة عليه جماعة من أهل المشرق وأهل الأندلس من أهل المشرق أبو سعيد بن الأعرابي، ومن أهل الأندلس الإمام أبو عمر أحمد بن خالد بن يزيد يعرف بابن الجباب، أ. هـ.

قوله: وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، تقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "زينوا أصواتكم بالقرآن"، قال الحافظ المنذري: والمعنى: اشغلوا أصواتكم بالقرآن والهجو ابه واتخذوه شعارا وزينة، أ. هـ، وقيل: معناه الحض على قراءة القرآن والدءوب عليه، وروي عن عمر أنه قال: حسنوا أصواتكم بالقرآن، وقيل: المعنى: زينوا القراءة بأصواتكم فيكون القرآن بمعنى القراءة، [كما قال تعالى:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}

(1)

أي قراءة الفجر. وقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)}

(2)

. أي قراءته. وكما ثبت] في صحيح مسلم عن عبد الله وقال: إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا، وقال الشاعر في عثمان في بيت وفي آخره يقطع الليل تسبيحا

(1)

سورة الإسراء، الآية:78.

(2)

سورة القيامة، الآية:18.

ص: 119

وقرآنا أي قراءة فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها فيكون خبرا لها

(1)

والله أعلم قاله في الديباجة

(2)

.

2234 -

وَرُوِيَ عَن سعد بن أبي وَقاص رضي الله عنه: قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن هَذَا الْقُرْآن نزل بحزن فَإِذا قرأتموه فابكوا فَإِن لم تبكوا فتباكوا وَتَغَنوا بِهِ فَمن لم تتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ منا رَوَاهُ ابْن مَاجَه

(3)

.

قوله: وروي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: " [إن هذا القرآن] نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" الحديث، رواه ابن ماجه بإسناد جيد، ورواه أبو يعلى الموصلي: التباكي تكلف البكاء والبكاء يمد ويقصر إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع [وخروجها]

(4)

قال النووي

(5)

في الأذكار: ينبغي لقارئ القرآن أن يكون شأنه الخضوع والتدبر والخضوع فهذا هو المقصود والمطلوب وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب وقد كان جماعة من السلف يكررون الآية الليل كله، وصعق جماعة منهم عند القراءة

(1)

انظر التذكار (ص 124 - 125).

(2)

كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.

(3)

ابن ماجه (1337)، وأبو يعلى (685)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (85)، والبيهقي (10/ 231)، قال البوصيري في الزوائد (1/ 434)، هذا إسناد فيه: أبو رافع، واسمه: إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2025).

(4)

الصحاح (6/ 2284)، والمطلع على ألفاظ المقنع (ص 154).

(5)

الأذكار (ص 107).

ص: 120

وماتوا، ويستحب البكاء والتباكي لمن لم يقدر على البكاء فإن ذلك صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى:{وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)}

(1)

قال السيد الجليل إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء قراءة القرآن بالتدبر وفضاء البطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين، وقال الغزالي بعد ذكر الحديث

(2)

: يستحب البكاء مع القراءة، قال صالح المري: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟، وقال ابن عباس: إذا قرأ سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه، وطريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن.

وفي سند هذا الحديث عبد الرحمن بن السائب، وكان حسن الصوت بالقرآن، قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كف بصره فسلمت عليه فقال: من أنت؟ فأخبرته فقال: مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن هذا القرآن نزل بحزن"

(3)

فذكر الحديث، أ. هـ.

(1)

سورة الإسراء، الآية:109.

(2)

إحياء علوم الدين (1/ 277).

(3)

أخرجه ابن ماجه ت (1337) وأبو يعلى (689)، والآجري في أخلاق أهل القرآن (85)، والبيهقي 10/ 231، وأخرجه مختصرًا أبو داود (1469) و (1470) وهو أيضا في مسند أحمد (1476)، وصحيح ابن حبان (120). ضعيف الجامع الصغير وزيادته (2025).

ص: 121

قوله صلى الله عليه وسلم: "وتغنوا به فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا" الحديث، معنى يتغن: يحسن صوته بالقرآن، أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن وقال أبو عبيد ومحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت محمولة على التحزين والتخويف والتشويق

(1)

.

لطيفة: استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا يذم بل يحمد، وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعري واستمع قراءته فروي ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فسمع قراءة رجل، فقال: من هذا؟ فقيل: عبد الله بن قيس، قال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود، وخرجه مسلم

(2)

عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عبد الله بن قيس الأشعري أعطى مزمارا من مزامير آل داود، وفي رواية أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله لأبي موسى: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، وخرجه البخاري

(3)

أيضًا، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قراءة أبي موسى فأخبر بذلك فقال: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا

(4)

، وكان عمر رضي الله عنه يأمره إذا

(1)

فضائل القرآن (1/ 333)، والتذكار (ص 126).

(2)

صحيح مسلم (793).

(3)

صحيح البخاري (5048).

(4)

أخرجه البزار (3160)، والنسائي في الكبرى (8201)، وأبو يعلى (7279)، وابن حبان (7197)، والحاكم (3/ 466). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في الصحيحة (3532).

ص: 122

حضر عنده من الصحابة أن يسمعهم قراءته فيقرأ وهم يسمعون

(1)

، قال العلماء: المراد هنا الصوت الحسن وأصل الزمر الغناء

(2)

.

وقوله: "من مزامير آل داود" أراد من مزامير داود نفسه والآل صلة

(3)

، وآل فلان يطلق على نفسه

(4)

، وقال العلماء: المزمار والمزمور الصوت الحسن وبه سميت الزمر مزمار وكان داود صلى الله عليه وسلم حسن الصوت جدا شبه حسن صوته وحلاوة نغمته بصوت المزمار وداود النبي صلى الله عليه وسلم إليه المنتهي في حسن الصوت بالقراءة

(5)

، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ورجع قراءته

(6)

.

وقوله: "لحبرته لك تحبيرا" التحبير التزيين والتحسين

(7)

، يقال: حبرت الشيء تحبيرا إذا حسنته

(8)

وهذا محمول من أبي موسى على أنه كان يزيد في رفع صوته وتحسين ترتيله حتى يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ويعرفه أنه قبل عنه كيفية أداء القراءة وأنه متمكن منها فيحمده النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو له فيحصل له فضيلة

(1)

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (228)، والدارمى (3536) و (3538)، وأبو عوانة (4328) وابن حبان (7196).

(2)

شرح النووي على مسلم (6/ 80).

(3)

غريب الحديث (1/ 37)، وكشف المشكل (1/ 415)، والنهاية (1/ 81).

(4)

شرح النووي على مسلم (6/ 80).

(5)

النهاية (2/ 312).

(6)

أخرجه البخاري (4281) و (5034) و (5047) و (7540)، ومسلم (237 و 238 و 239 - 794) عن عبد الله بن مغفل.

(7)

التذكار (ص 124).

(8)

النهاية (1/ 327).

ص: 123

[ومنقبة] كما فعل بأُبيّ حيث سأله فأجابه بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليهنك العلم أبا المنذر" ويحتمل أن يكون ذلك ليبالغ في حالة يطيب بها القرآن له فإن الإنسان قد يتساهل مع نفسه في أموره ويعتني بها عند مشاركة غيره فيها وإن كان مخلصا في أصل عمله

(1)

.

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود السجستاني: لأبي موسى مع حسن صوته فضيلة ليست لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هاجر ثلاث هجرات هجرة من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وهجرة من مكة إلى الحبشة، وهجرة من [الحبشة إلى المدينة]، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على زبيد وعدن وساحل اليمن، واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة والبصرة، روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وستون حديثا، توفي سنة خمس، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة

(2)

.

ومعناه: لو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها كما كان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقرآن

(3)

، هذا كان سماع القوم فمن حرم هذا السماع أو من كرهه وهل هذا إلا سماع خواص الأولياء فلابد للروح من سماع طيب تتغذى به قاله القرطبي في التذكار، فأين هذا من سماع المكاء والتصدية وقرآة الشيطان وآلات الملاهي أ. هـ.

(1)

المفهم (7/ 57).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات (2/ 268).

(3)

التذكار (ص 124).

ص: 124

تنبيه: اختلف العلماء في التطريب في القراءة والترجيح فيها فمنع من ذلك، وأنكره مالك بن أنس وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين والنخعي وغيرهم وكرهه الإمام أحمد بن حنبل كما كرهه مالك وأجاز ذلك طائفة منهم الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك والنضر بن شميل واختاره الطبرى وابن العربي وغيرهما، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم:"زينوا أصواتكم بالقرآن" وبقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" أخرجه مسلم وبقول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا، وبما رواه عبد الله بن المغفل قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته، قال الإمام القرطبي: والقول الأول أصح إن شاء الله، وبيان ما روي عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: ما هذا ما هكذا يفعلون وكان رضي الله عنه إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه

(1)

، أ. هـ، وتقدم الكلام على ذلك أيضا واختلاف العلماء في ذاك مبسوطا.

2235 -

وَرُوِيَ عَن جَابر رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن من أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذا سمعتموه يقْرَأ حسبتموه يخْشَى الله رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا

(2)

.

(1)

التذكار (ص 121 - 122).

(2)

ابن ماجه (1339)، قال البوصيري في الزوائد (1/ 436)، هذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن إسماعيل عبد الله بن جعفر، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2202).

ص: 125

قوله: وروي عن جابر تقدم الكلام على جابر.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله" خشية الله تعالى عبارة [عن خوف مقرون بمعرفة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إني أتقاكم لله، وأشدكم له خشية" فالخوف حركة، والخشية انجماع، وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما: حركة للهرب منه، هي حالة الخوف، والثانية: سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه، وهي الخشية، ومنه: انخشى الشيء، والمضاعف والمعتل أخوان، كتقضي البازي وتقضض

(1)

].

قوله: وروي عن ابن أبي مليكة، ابن أبي مليكة اسمه [عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مره القرشي التيمي، أبو بكر، ويقال: أبو محمد، المكي الأحول. كان قاضيا لعبد الله بن الزبير، ومؤذنا له، قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال البخاري وغير واحد: مات سنة سبع عشرة ومئة

(2)

].

2236 -

وَعَن ابْن أبي مليكَة قَالَ قَال عبيد الله بن أبي يزِيد رضي الله عنه مر بِنَا أَبُو لبَابَة فاتبعناه حَتَّى دخل بَيته فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَإِذا رجل رث الْهَيْئَة يَقُول سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ قَالَ فَقلت لابْنِ أبي مليكَة يَا أَبَا مُحَمَّد أَرَأَيْت إِن لم يكن حسن الصَّوْت قَالَ يُحسنهُ مَا اسْتَطَاعَ وَرَوَاهُ أَبُو

(1)

مدارج السالكين (1/ 508).

(2)

تهذيب الكمال (15/ ترجمة 3405).

ص: 126

دَاوُد

(1)

، وَالْمَرْفوع مِنْهُ فِي الصَّحِيحيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة

(2)

.

قوله: قال عبيد الله بن أبي يزيد [المكي، مولى آل قارظ بن شيبة الكناني، حلفاء بني زهرة، وقال البخاري: مولى أهل مكلة، ويقال: مولى رهم من بني كنانة قال يحيى بن معين: ثقة.

وكذلك قال علي بن المديني، وأحمد بن عبد الله العجلي، وأبو زرعة، والنسائي، ومحمد بن سعد، زادة كثير الحديث، وقال سفيان بن عيينة: مات سنة ست وعشرين ومئة، وله ست وثمانون سنة

(3)

].

قوله: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حت دخل بيته فدخلنا عليه فإذا رجل رث الهيئة، رث بالثاء المثلثة وأبو لبابة اأسمه [بشير بن عبد المنذر أبو لبابة الأنصاري الأوسي ثم من بني عمرو بن عوف، ثم من بني أمية بن زيد، وهو بشير بن عبد المنذر بن زنبر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وقيل: اسمه رفاعة، وهو بكنيته أشهر، قال الحاكم أبو أحمد: يقال: شهد بدرًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: رده رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى بدر من الروحاء، واستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره، فكان كمن شهدها وأمه نسيبة بنت زيد بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف وقال أبو عمر بن عبد البر: شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وما

(1)

أبو داود (1471)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5442).

(2)

البخاري (7527)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (1211).

(3)

تهذيب الكمال (19/ ترجمة 3697).

ص: 127

بعدها من المشاهد، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في غزوة الفتح، مات في خلافة علي، وقال غيره: مات بعد الخمسين].

قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" أي يلهج بتلاوته كما يلهج سائر الناس بالغناء والطرب، كذا قال الهروي والخطابي

(1)

ومن تقدمهما والصحيح أنه من تحسين الصوت ويؤيده الرواية الأخرى، يتغنى بالقرآن أي يجهر به ويحسن به صوته وقيل معناه تحسين القراءة وترجيع الصوت به يقال تغنى بمعنى جهر أي رفع صوته يقال جهر وأجهر والجهر والإجهار لغتان فمعنى اجهر أي أرفع صوته فالمراد بقوله يجهر به هو إخراج القرآن في التلاوة عن مساق المحادثة بالأخبار [بإلذاذ] أسماعهم بحسن الصوت وترجيعه [لا الجهر المنهى] عنه الجافي على المسامع كما قال الله عز وجل في النبي صلى الله عليه وسلم:{وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ}

(2)

(3)

قاله في الحواشي، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.

(1)

معالم السنن (1/ 291).

(2)

سورة الحجرات، الآية:3.

(3)

قاله ابن بطال كما في شرح الصحيح (10/ 543).

ص: 128