المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب في الأذى يصيب الذيل - فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود - جـ ٤

[ياسر فتحي]

فهرس الكتاب

- ‌112 م- باب من قال: المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر

- ‌113 - باب من قال: تغتسل كل يوم مرة، ولم يقل: عند الظهر

- ‌1)].***114 -باب من قال: تغتسل بين الأيام

- ‌115 - باب من قال: توضأ لكل صلاة

- ‌1).***116 -باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث

- ‌117 - باب في المرأة ترى الكدرة والصفرة بعد الطهر

- ‌118 - باب المستحاضة يغشاها زوجها

- ‌119 - باب ما جاء في وقت النفساء

- ‌(19/ 239 - 240)].120 -باب الاغتسال من الحيض

- ‌121 - باب التيمم

- ‌(111).***122 -باب التيمم في الحضر

- ‌123 - باب الجنب يتيمم

- ‌124 - باب إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم

- ‌125 - باب في المجروح [وفي نسخة: المجدور] يتيمم

- ‌126 - باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي، في الوقت

- ‌127 - باب في الغسل يوم الجمعة

- ‌1)].***128 -باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة

- ‌129 - باب في الرجل يُسْلِم فيؤمر بالغسل

- ‌(12/ 88).***130 -باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها

- ‌131 - باب الصلاة في الثوب الذي يصيب أهله فيه

- ‌132 - باب الصلاة في شُعُر النساء

- ‌133 - باب في الرخصة في ذلك

- ‌134 - باب المني يصيب الثوب

- ‌(1/ 125).***135 -باب بول الصبي يصيب الثوب

- ‌(1/ 245).***136 -باب الأرض يصيبها البول

- ‌137 - باب في طهور الأرض إذا يبست

- ‌باب في الأذى يصيب الذيل

- ‌باب في الأذى يصيب النعل

- ‌138 - باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب

- ‌139 - باب البصاق يصيب الثوب

- ‌2 - كتاب الصلاة

- ‌1 - باب فرض الصلاة

- ‌2 - باب في المواقيت

- ‌3 - باب في وقت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان يصليها

- ‌4 - باب في وقت صلاة الظهر

الفصل: ‌باب في الأذى يصيب الذيل

ومنها: أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين.

وإذا كان كذلك، فالراجح في هذه المسالة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان، زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها،

".

وقد تأول بعضهم حديث الباب بقوله: تبول خارج المسجد، وتقبل وتدبر في المسجد بعد ما بالت [صحيح ابن خزيمة (1/ 151)، وانظر: صحيح ابن حبان (4/ 538)، معالم السنن (1/ 101)، سنن البيهقي (1/ 243)، مشارق الأنوار (1/ 253)، فتح الباري (1/ 335)، وغيرها].

قلت: وسياق الحديث يرد هذا التأويل، فإنه إذا كان كذلك؛ أي: أنها تبول خارج المسجد، فما الفائدة إذن من قوله:"فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك"، وهل مجرد الإقبال والإدبار في المسجد يقتضي تنجيسًا حتى يتوهم أنهم كانوا يرشون مواضع أرجلها، أم أن المراد أنهم تركوا رش آثار بولها بعد جفافها، وهذا ظاهر، والله أعلم.

وبهذا يظهر صحة استدلال أبي داود بهذا الحديث لما ترجم له.

وانظر: السيل الجرار (1/ 37)، إغاثة اللهفان (1/ 149 و 155)، الأسرار المرفوعة (1/ 203).

***

‌باب في الأذى يصيب الذيل

383 -

. . . مالك، عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر؟ فقالت أم سلمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطهره ما بعده".

• حديث جيد؛ بل صحيح.

رواه مالك في الموطأ [(49 - رواية يحيى بن يحيى الليثي)، و (34 - رواية القعنبي)، و (57 - رواية أبي مصعب الزهري)، و (29 - رواية الحدثاني)، و (95 - رواية عبد الرحمن بن القاسم)، و (299 - رواية محمد بن الحسن الشيباني)].

وأخرجه من طريقه: أبو داود (383)، والترمذي (143)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي (125 و 126)، والنسائي في حديث مالك [تهذيب الكمال (26/ 169)]، وابن ماجه (531)، والدارمي (1/ 206/ 742)، والشافعي في المسند (50)، وإسحاق (4/ 90 و 161 - 162/ 1857 و 1941)، والطبراني في الكبير (23/ 359/ 845)، والجوهري في مسند الموطأ (267)، والدارقطني في الأفراد (5/ 403/ 5863 - أطرافه)، والحاكم في المعرفة (69 - 70)، وأبو نعيم في الحلية (6/ 338)، والبيهقي في السنن

ص: 321

الكبرى (2/ 406)، وفي المعرفة (2/ 228/ 1234)، وفي الخلافيات (1/ 132/ 6)، وابن عبد البر في التمهيد (5/ 108 - 109)، والبغوي في شرح السُّنَّة (1/ 390/ 301)، وابن بشكوال في الغوامض (1/ 456/ 424)، والمزي في التهذيب (26/ 169).

وعلقه العقيلي في الضعفاء (2/ 257).

هكذا رواه عن مالك جمهور أصحابه، مثل: معن بن عيسى، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن يوسف التنيسي، والإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن وهب، وأبو مصعب الزهري، وسويد بن سعيد الحدثاني، ويحى بن حسان، ويشر بن عمر الزهراني، وروح بن عبادة، وخلف بن هشام البزاز، وموسى بن أعين، وهشام بن عمار (16).

خالفهم فوهم:

1 -

أبو رجاء قتيبة بن سعيد [ثقة ثبت]، فقال:"عن أم ولد لعبد الرحمن بن عوف"[الترمذي (143)].

2 -

عبد الله بن المبارك [ثقة ثبت إمام]، فقال:"عن أم ولد لهود بن عبد الرحمن بن عوف"، ذكره الترمذي وقال:"وهو وهم؛ وليس لعبد الرحمن بن عوف ابن يقال له: هود، وإنما هو: عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أم سلمة، وهذا الصحيح".

3 -

إسحاق بن سليمان الرازي [ثقة فاضل]، فقال:"عن أم ولد لهود بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف"، ذكره ابن عبد البر، وقال:"وهذا خطأ، والصواب ما في الموطأ".

4 -

الحسين بن الوليد النيسابوري [ثقة]، قال: ثنا مالك بن أنس، عن محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن حميدة: أنها سالت أم سلمة [وعند ابن عبد البر في التمهيد: "سألت عائشة" وهو وهم]، فقالت: إني امرأة طويلة الذيل فامر بالمكان القذر؟ فقالت أم سلمة: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "يطهره ما بعده".

أخرجه النسائي في حديث مالك [تهذيب الكمال (26/ 169) و (35/ 159)]، ومن طريقه: ابن عبد البر في التمهيد (5/ 108)، وابن بشكوال في الغوامض (1/ 457/ 425).

قال ابن عبد البر: "أخطأ فيه".

وقال المزي: "وقال سائر الرواة عن مالك: عن محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أم سلمة".

قلت: وهو الصواب، وما سواه وهم. والمحفوظ: ما رواه جماعة الحفاظ من أصحاب مالك.

• وتابع الإمام مالكًا عليه:

1 -

عبد الله بن إدريس [ثقة فقيه عابد]، قال: حدثنا محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قالت: كنت أجر ذيلي، فأمر

ص: 322

بالمكان القذر، والمكان الطيب، فدخلت على أم سلمة فسألتها عن ذلك؟ فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يطهره ما بعده".

أخرجه ابن الجارود (142)، وأحمد (6/ 290)، وإسحاق (4/ 89 - 90/ 1856)، وابن أبي شيبة (1/ 58 - 59/ 615)، وأبو يعلى (12/ 356 و 416/ 6925 و 6981)، والطبراني في الكبير (23/ 359/ 846).

2 -

صفوان بن عيسى [ثقة]، قال: أخبرنا محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، قال: حدثتني أم ولد لابن عبد الرحمن بن عوف، قالت: كنت امرأة لي ذيل طويل، وكنت آتي المسجد، وكنت أسحبه، فسألت أم سلمة، قلت: إني امرأة ذيلي طويل، وإني آتي المسجد، واني أسحبه على المكان القذر، ثم أسحبه على المكان الطيب؟ فقالت أم سلمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مرت على المكان القذر، ثم مرت على المكان الطيب، فإن ذلك طهور".

أخرجه أحمد (6/ 316)، قال: حدثنا صفوان به.

3 -

أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد [ثقة ثبت]، عن محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن، قالت: كنت أطيل ذيلي، فأمر في المكان القذر، والمكان الطيب، فدخلت على أم سلمة فسألتها؟ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطهره ما بعله".

أخرجه ابن المنذر (2/ 170/ 736)، والمزي في التهذيب (26/ 170).

• وقد اختلفت أقوال العلماء ومواقفهم في هذا الحديث:

وقع في سنن الدارمي: "قلت لأبي محمد [يعني: الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي]: تأخذ بهذا؟ قال: لا أدري".

وقال ابن المنذر: "وفي إسناده مقال، وذلك: أنه عن امرأة مجهولة، أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، غير معروفة برواية الحديث".

وقال الخطابي في معالم السنن (1/ 102)؛ بأن في إسناده مقال؛ لأنه "عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن، وهي مجهولة، لا يعرف حالها في الثقة والعدالة".

وقال البيهقي في الخلافيات (1/ 135): "أم ولد إبراهيم: لم يخرج حديثها في الصحيح".

ووافق المنذري في مختصر سنن أبي داود (1/ 227) الخطابي على ما قال، وقال:"وما قاله ظاهر".

وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الصغرى (1/ 240): "أم ولد إبراهيم هذه: لا أدري من هي

"، وانظر: بيان الوهم (5/ 21).

وقال النووي في المجموع (1/ 144): "ضعيف؛ لأن أم ولد إبراهيم: مجهولة".

وذكره في قسم الضعيف من الخلاصة (437).

ص: 323

وقال ابن حجر في التقريب (781) في أم ولد عبد الرحمن بن عوف [كذا] قال: "لا تعرف"، وقال في حميدة (763):"مقبولة".

وقال الذهبي في الميزان (4/ 606): "تفرد عنها محمد بن إبراهيم التيمي".

وفي الجهة المقابلة:

فإن هذا الحديث أدخله مالك في موطئه، واحتج به أبو داود، وانتقاه ابن الجارود، ولم يضعفه الترمذي.

وأخذ بهذا الحديث وأفتى به: مالك، والشافعي، وأحمد؛ لكن تأولوه على النجاسة اليابسة دون الرطبة وسيأتي نقل كلامهم.

ولو كان ضعيفًا عندهم لما احتاجوا إلى التأويل.

ونص على تقويته العقيلي، فقال في الضعفاء الكبير (2/ 257):"وهذا إسناد صالح جيد".

وهو عندي كما قال؛ فإن العقيلي كثيرًا ما يجرح الرواة بالجهالة، ويرد أحاديثهم بذلك، إلا أنه هنا قبل حديث مالك هذا، مع أن في إسناده أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ولم يرو عنها سوى محمد بن إبراهيم التيمي، ولا يعرف لها غير هذا الحديث.

وما أحسن ما قاله العلامة أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي (1/ 266) حيث قال: "والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "هذا الحديث مما رواه مالك فصح، وإن كان غيره لم يره صحيحًا" [عارضة الأحوذي (1/ 192)].

والعلة فيه جهالة أم الولد هذه، وقال الذهبي في الميزان:"حميدة: سألت أم سلمة، هي أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، تفرد عنها محمد بن إبراهيم التيمي"، وأما ابن حجر في التهذيب فإنه لم يجزم بأن حميدة هي أم الولد، بل جوز ذلك فقط، وقال في التقريب إنها مقبولة، وهذا هو الراجح، فإن جهالة الحال في مثل هذه التابعية لا يضر، وخصوصًا مع اختيار مالك حديثها، واخراجه في موطئه، وهو أعرف الناس بأهل المدينة، وأشدهم احتياطًا في الرواية عنهم".

قلت: وهذا تحقيق علمي دقيق؛ فإن إخراج الإمام مالك لهذا الحديث في موطئه بإسناد مدني متصل، مما يجعل النفس تطمئن إلى قبول هذا الحديث، فإن الإمام مالك هو الحكم في حديث أهل المدينة، وفي رجالها، وإخراجه لهذا الحديث في الموطأ مما يعني توثيقًا ضمنيًّا لرجاله فإنه لا يروي إلا عن ثقة عنده، وهذا مما يقوي حال أم ولد إبراهيم، ويرفع من شأنها، ويقوي حديثها هذا؛ لاختيار مالك له وإيداعه في موطئه، وأم ولد إبراهيم هذه: تابعية سألت أم سلمة في مسألة تتعلق بأحكام النساء وذيولهن، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الذي كانت عنده: تابعي، وُلد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: له رؤية،

ص: 324

وقال يعقوب بن شيبة: "كان ثقة، يعد في الطبقة الأولى من التابعين، ولا نعلم أحدًا من ولد عبد الرحمن روى عن عمر سماعًا غيره [التهذيب (1/ 74)].

والراوي عنها: محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: مدني تابعي ثقة، فهذه القرائن مجتمعة مما ترفع من شأن هذه التابعية، ومما يدعونا إلى قبول حديثها هذا: أنها لم تنفرد به، وأنها توبعت عليه، فحديث الأشهلية شاهد صدق لحديثها، يدل على أنها حفظت وبلغت كما سمعت.

فلهذا كله فإنني أميل إلى قول العقيلي: "هذا إسناد صالح جيد"، وانظر فيما تقدم: حالة إسنادية شبيهة بتلك، وهي حديث سؤر الهرة المتقدم برقم (75).

***

384 -

. . . عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن امرأة من بني عبد الأشهل، قالت: قلت: يا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قال:"أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ "، قالت: قلت: بلى، قال:"فهذه بهذه".

• حديث حسن.

أخرجه ابن ماجه (533)، وابن الجارود (143)، وأحمد (6/ 435)، وابن أبي شيبة (1/ 59/ 616)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (6/ 178/ 3406)، والطبراني في الكبير (25/ 184/ 452)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (6/ 8078/3584)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 434)، وفي الخلافيات (1/ 135/ 7)، وابن عبد البر (5/ 110).

هكذا رواه زهير بن معاوية، وإسرائيل بن أبي إسحاق، وشريك بن عبد الله النخعي.

وخالفهم فوهم: قيس بن الربيع، فرواه عن عبد الله بن عيسى، عن سالم بن عبد الله، عن امرأة من بني عبد الأشهل، قالت:

فذكر نحوه، وهكذا قال:"سالم بن عبد الله"، وهو خطأ.

أخرجه عبد الرزاق (1/ 33/ 105)، ومن طريقه: الطبراني في الكبير (25/ 184/ 453)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (8079).

قال الخطابي في معالم السنن (1/ 102) بعد حديث أم سلمة والأشهلية: "وفي إسناد الحديثين مقال: لأن الأول: عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن، وهي مجهولة، لا يعرف حالها في الثقة والعدالة، والحديث الآخر: عن امرأة من بني عبد الأشهل، والمجهول: لا تقوم به الحجة في الحديث".

وتعقبه المنذري فقال: "وما قاله في الحديث الأول: ظاهر، وأما ما قاله في الحديث الثاني: ففيه نظر؛ فإن جهالة اسم الصحابي غير مؤثرة في صحة الحديث".

ص: 325

وقال البيهقي في الخلافيات: "ليس لهذه المرأة ذكر في الصحيح، ولا لها اسم معلوم، ولا نسب معروف".

ويقال فيه ما قاله المنذري في كلام الخطابي، بأن جهالة اسم الصحابي لا تضر.

قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات: وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي: تابعي ثقة، وأبوه: صحابي صغير، وليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر سماع موسى من المرأة الأشهلية.

إلا أنه يبقى شاهدًا جيدًا لحديث أم سلمة المتقدم.

• وله شاهد آخر في المعنى إلا أنه لا يصح، ولا يصلح مثله من الشواهد:

يرويه إبراهيم بن إسماعيل اليشكري، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله! إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرض يطهر بعضها بعضًا".

أخرجه ابن ماجه (532)، وابن عدي في الكامل (1/ 236)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 406)، وفي المعرفة (2/ 229/ 1235).

قال ابن عدي بعد أن أخرجه في آخر جملة أحاديث أنكرها على إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، قال:"ولم أجد له أوحش من هذه الأحاديث".

وقال البيهقي في الكبرى: "وهذا إسناد ليس بالقوي".

وقال في المعرفة: "وهذا إسناد ضعيف".

وقال ابن حجر في التلخيص (1/ 278): "وهذا إسناد ضعيف".

قلت: هو حديث منكر، لتفرد إبراهيم بن إسماعيل اليشكري به، عن ابن أبي حبيبة، واليشكري هذا: مجهول الحال، قاله ابن حجر في التقريب (57)، وقال الذهبي في الميزان (1/ 20)، وفي المغني (1/ 10):"لا يعرف حاله"، قلت: لم يرو عنه سوى اثنين أو ثلاثة ولم يوثق، فهو غير معروف بالطلب، وتفرد مثله في مثل هذه الطبقة المتأخرة يعد منكرًا.

وشيخه: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة: ضعيف، وقد تفرد هنا بإسناد اتفق عليه الشيخان، وهو: داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة، فقد أخرجا به حديث العرايا [البخاري (2190 و 2382)، مسلم (1541)]، وانفرد مسلم بإخراج حديث ذي اليدين بهذا الإسناد [مسلم (573)].

• وحاصل ما تقدم: أن حديث أم سلمة صحيح بشاهده من حديث الأشهلية، والله أعلم.

• وأما معنى الحديث:

فقد تأوله الجمهور على اليابس من النجاسة دون الرطب:

1 -

فقد قال مالك: "معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدرع: "يطهره ما بعده": هذا في القشب اليابس"[المدونة (1/ 19)].

ص: 326

وقال ابن عبد البر في التمهيد (5/ 109): "قال مالك: معناه في القشب اليابس والقذر الجاف الذي لا يتعلق منه بالثوب شيء، فإذا كان هكذا كان ما بعده من المواضع الطاهرة حينئذ تطهيرًا له، وهذا عنده ليس تطهيرًا من نجاسة؛ لأن النجاسة عنده لا يطهرها إلا الماء، وإنما هو تنظيف لأن القشب اليابس ليس ينجس ما مسه

"، وانظر: الاستذكار (1/ 171)، والعارضة (1/ 192).

2 -

وقال الشافعي في قوله: "يطهره ما بعده": "إنما هو ما جُرَّ على ما كان يابسًا، لا يعلق بالثوب منه شيء، فأما إذا جر على رطب، فلا يطهر إلا بالغسل، ولو ذهب ريحه ولونه وأثره"[الأوسط (2/ 171)، معالم السنن (1/ 102)، وانظر: غريب الحديث للخطابي (3/ 109)، النهاية لابن الأثير (3/ 147)، المجموع للنووي (1/ 144)].

3 -

وقال أحمد في مسائل ابنه صالح (1037)، وأبي بكر الأثرم [التمهيد (5/ 109)، الاستذكار (1/ 171)،:"حديث أم سلمة: "يطهره ما بعده": ليس هذا عندي على أنه إذا أصابه بول ثم مر بعده على الأرض أنها تطهره، ولكنه يمر بالمكان يتقذره فيمر بعده بمكان هو أطيب منه، فيطهره الطيب".

وانظر: مسائل إسحاق بن منصور الكوسج (51).

وأما أبو حنيفة وأصحابه فحملوه على ظاهره، قال ابن عبد البر في الاستذكار (1/ 171):"وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: كل ما أزال عين النجاسة فقد طهرها، والماء وغيره في ذلك سواء"، وزاد في التمهيد (5/ 109):"وهو قول داود، وبه قال جماعة من التابعين، ومن حجتهم: الحديث المذكور في هذا الباب، في ذيل المرأة".

قلت: وهذا هو الصواب، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتقدم نقل بعض كلامه في هذه المسألة تحت الحديث رقم (382)، ومما لم ينقل: ما قاله في المجموع (21/ 481): "قد جعل [يعني: النبي صلى الله عليه وسلم] التراب يطهر أسفل النعل، وأسفل الذيل، وسماه طهورًا".

وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 147): "وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن ترخي ذيلها ذراعًا، ومعلوم أنه يصيبه القذر ولم يأمرها بغسل ذلك، بل أفتاهن بأنه تطهره الأرض".

وكان قال قبل ذلك: "وكذلك ذيل المرأة -على الصحيح-"؛ يعني: تطهره الأرض، ثم احتج بحديث أم سلمة.

• قلت: وفي حديث الأشهلية، ما يؤكد حمل حديث أم سلمة على ظاهره من يابس النجاسة ورطبها، ففيه قولها: فكيف نفعل إذا مطرنا؟؛ يعني: أنها تمر عليها حال كونها رطبة، وقد أصابها المطر، والله أعلم.

***

ص: 327