المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌قصة الهجرة ثم أُذِنَ للنبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى - قصة الحياة

[عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الله جل وعلا

- ‌بدء الخلق

- ‌السموات والأرض

- ‌النجوم والبروج

- ‌حساب الزمان والسنين

- ‌خلق الملائكة والجن والإنس

- ‌رحمة الله

- ‌قصة آدم عليه السلام

- ‌إخبار الله الملائكة بخلق البشر

- ‌سجود الملائكة لآدم واستكبار إبليس

- ‌خلق حواء وإسكانها الجنة مع آدم

- ‌إغواء الشيطان لآدم وزوجه

- ‌توبة آدم وحواء

- ‌هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض

- ‌وجود إبليس وذنوب البشر لحكمة

- ‌إكرام الله بني آدم وإنعامه عليهم

- ‌تحذير البشر من عدوهم الشيطان

- ‌وفاة آدم عليه السلام

- ‌ذرية آدم وتربص الشيطان بهم

- ‌نوح عليه السلام

- ‌ هود عليه السلام

- ‌ صالح عليه السلام

- ‌ إبراهيم عليه السلام

- ‌هجرة إبراهيم إلى الشام

- ‌قصة إبراهيم وسارة مع ملك مصر

- ‌رجوع الخليل من مصر إلى الشام

- ‌انتقال لوط إلى قرية سدوم

- ‌ولادة إسماعيل بمكة وقصة زمزم

- ‌إرسال لوط عليه السلام

- ‌مجيء إبراهيم إلى مكة لتفقد حال ابنه

- ‌إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة

- ‌قصة الذبيح إسماعيل ومناسك الحج

- ‌بشارة إبرهيم بإسحاق عليهما السلام

- ‌إهلاك قوم لوط في قرى سدوم

- ‌إرسال شعيب عليه السلام إلى أهل مدين

- ‌إسحاق عليه السلام

- ‌قصة ذي القرنين

- ‌فضائل خليل الله إبراهيم ووفاته

- ‌يعقوب (إسرائيل) عليه السلام

- ‌أيوب عليه السلام

- ‌يوسف بن يعقوب عليه السلام

- ‌مكوث بني إسرائيل في مصر

- ‌اضطهاد بني إسرائيل من فرعون

- ‌موسى وهارون عليهما السلام

- ‌بعثة مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، صَفِيُّ اللهِ

- ‌تكذيب فرعون وقومه بالآيات المعجزات

- ‌إهلاك قارون

- ‌نصيحة مؤمن آل فرعون

- ‌إصرار فرعون على استئصال المؤمنين

- ‌خروج موسى ببني إسرائيل من مصر

- ‌هلاك فرعون وجنده

- ‌بنو إسرائيل بعد نجاتهم من فرعون

- ‌ذهاب موسى لميقات ربه

- ‌إنزال الله التوراة على موسى

- ‌قصة السامري والعجل

- ‌رجوع موسى إلى بني إسرائيل

- ‌قصة موسى مع الخضر عليهما السلام

- ‌حياء موسى وإيذاء بني إسرائيل له

- ‌قصة البقرة

- ‌رفض بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة

- ‌وفاة موسى عليه السلام

- ‌يوشع بن نون عليه السلام

- ‌كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا

- ‌حِزْقِيلَ بن بُوذَى

- ‌إِلْيَاسُ عليه السلام

- ‌الْيَسَعُ عليه السلام

- ‌من الأنبياء والأقوام الذين أشير إليهم

- ‌قصة أصحاب الكهف

- ‌قصة أصحاب السبت

- ‌قصة طالوت وجالوت

- ‌داود عليه السلام

- ‌سليمان عليه السلام

- ‌يونس عليه السلام

- ‌قصة النبي شِعْيَا بْنُ أَمْصِيَا

- ‌الخراب الأول لبيت المقدس

- ‌قصة بختنصر مع دانيال عليه السلام

- ‌قصة عُزَيْر عليه السلام

- ‌اختلاف بني إسرائيل

- ‌تحريف اليهود التوراة

- ‌زكريا ويحيى وآل عمران

- ‌المسيح عيسى بن مريم عليه السلام

- ‌نزول الإنجيل على المسيح ابن مريم

- ‌ميثاق الأنبياء بالإيمان بمحمد ونصرته

- ‌كفر اليهود بالمسيح ابن مريم عليه السلام

- ‌قتل يحيى بن زكريا عليه السلام

- ‌قصة رفع المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام إلى السماء

- ‌زعم اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه

- ‌الخراب الثاني لبيت المقدس

- ‌شاؤول اليهودي (بولس) يحرف دين النصارى

- ‌إنجيل برنابا ينقض تحريفات بولس

- ‌تحريف الإنجيل واختلاف نُسَخه

- ‌بنو إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه وتركوا التوراة

- ‌تحريف النصارى دينهم وتفرقهم

- ‌تغيير الملك قسطنطين دين النصارى

- ‌اضطهاد الآريوسيين الموحدين

- ‌قصة سبأ وسد مأرب

- ‌قِصَّةُ تُبَّعٍ أَبِي كَرِبٍ

- ‌قِصَّةُ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ بنجران

- ‌تسلط الأحباش النصارى على اليمن

- ‌قصة أصحاب الفيل

- ‌ولادة رسول الله محمد ونشأته

- ‌زواج النبي من خديجة بنت خويلد

- ‌وضع الحجر الأسود في مكانه

- ‌حال الأرض قبل بعثته عليه الصلاة والسلام

- ‌بعثة محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌إرسال النبي للناس كافة

- ‌نزول وحي القرآن عليه

- ‌من معجزاته وخصاله عليه الصلاة والسلام

- ‌الدَّعْوَةُ في مكة

- ‌الهجرة إلى الحبشة ومحاولة منعها

- ‌حصار الشِّعْب

- ‌وفاة أبي طالب وخديجة (عام الحزن)

- ‌اشتداد أذى قريش على رسول الله

- ‌خروجه عليه الصلاة والسلام إلى الطائف

- ‌العودة لمكة وبيعتا العقبة

- ‌انشقاق القمر

- ‌رحلة الإسراء والمعراج (1 ق هـ)

- ‌اتفاق مشركي قريش على قتل النبي

- ‌قصة الهجرة

- ‌السنة الأولى من الهجرة (1 هـ)

- ‌بناء مسجد قباء والمسجد النبوي

- ‌فرح أهل المدينة

- ‌دعوة يهود المدينة للإسلام

- ‌الدعاء للمدينة بالصحة

- ‌المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

- ‌كتابة الصحيفة

- ‌قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه

- ‌مشروعية الأذان

- ‌السنة الثانية من الهجرة

- ‌صيام عاشوراء

- ‌إعلان قريش الحرب على المدينة

- ‌بدء الغزوات

- ‌تحويل القبلة إلى الكعبة

- ‌فرض الصيام وزكاة الفطر

- ‌غزوة بدر الكبرى

- ‌وفاة رقية بنت محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌إجلاء يهود بني قينقاع

- ‌غزوة السويق

- ‌السنة الثالثة من الهجرة

- ‌مقتل كعب بن الأشرف

- ‌غزوة أحد

- ‌غزوة حمراء الأسد

- ‌السنة الرابعة من الهجرة

- ‌يوم الرجيع واستشهاد خبيب

- ‌حادثة بئر معونة

- ‌إجلاء يهود بني النضير

- ‌السنة الخامسة من الهجرة

- ‌غزوة دومة الجندل

- ‌غزوة المريسيع (بني المصطلق)

- ‌حادثة الإفك

- ‌غزوة الخندق (الأحزاب)

- ‌نزول آية الحجاب

- ‌غزوة بني قريظة

- ‌السنة السادسة من الهجرة

- ‌غزوة ذِي قَرَد وقصة سلمة بن الأكوع

- ‌سرية الخبط (سِيف البحر)

- ‌خروج عمرو بن العاص إلى الحبشة

- ‌قصة صلح الحديبية

- ‌نزول سورة الفتح

- ‌قدوم المهاجرات من مكة

- ‌قصة أبي بصير

- ‌السنة السابعة من الهجرة

- ‌دعوة الملوك إلى الإسلام

- ‌دعوة ملك الحبشة وإسلامه

- ‌دعوة ملك الغساسنة في الشام

- ‌دعوة قيصر ملك الروم

- ‌دعوة كسرى ملك الفرس

- ‌دعوة المقوقَس ملك القبط في مصر

- ‌دعوة هَوْذة الحنفي ملك اليمامة بنجد

- ‌غزوة خيبر

- ‌تسميم اليهود طعام النبي في خيبر

- ‌عودة المهاجرين من الحبشة

- ‌تحريم المدينة والدعاء لأهلها بالبركة

- ‌غزوة ذات الرقاع جهة نجد

- ‌إرسال السرايا إلى عَجُز وفدك والميفعة وغطفان والغابة

- ‌عمرة القضاء

- ‌السنة الثامنة من الهجرة

- ‌وفاة زينب بنت محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص

- ‌إرسال السرايا إلى بني الملوح وقضاعة وهوازن

- ‌غزوة مؤتة

- ‌غزوة ذات السلاسل

- ‌فتح مكة وهدم الأصنام

- ‌غزوة حنين

- ‌تتبع الفارين في أوطاس ونخلة وثقيف

- ‌قسمة الغنائم في الجعرانة

- ‌الإحرام بالعمرة من الجعرانة

- ‌دعوة ملك البحرين (الأحساء)

- ‌دعوة ملك عُمان

- ‌السنة التاسعة من الهجرة (عام الوفود)

- ‌وفاة النجاشي أصحمة

- ‌غزوة تبوك

- ‌المرور بمساكن ثمود في الحِجْر

- ‌من الأحداث في تبوك

- ‌العودة ومحاولة المنافقين قتل النبي

- ‌قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا

- ‌وفاة أم كلثوم بنت محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌وفاة كبير المنافقين ابن سلول

- ‌قدوم الوفود ومنهم نصارى نجران

- ‌حج أبي بكر بالناس والبراءة من المشركين

- ‌السنة العاشرة من الهجرة

- ‌وفاة إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام

- ‌كسوف الشمس وصلاة وخطبة عظيمة

- ‌حجة الوداع

- ‌اكتمال إبلاغ الدين

- ‌السنة الحادية عشر من الهجرة

- ‌وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌من جوامع ما أخبر به النبي أصحابه

- ‌فطرة الإنسان

- ‌التحذير من الشرك والرياء

- ‌ركائز دين الإسلام ومعالمه

- ‌افتراق المسلمين في دينهم

- ‌لكل نبيّ حواريّون وسيَخْلُفُهُم مُبَدِّلون

- ‌الإسلام محفوظ بعلماء مجدِّدِين

- ‌الأمر بالتَّمَسُّكِ بالسُّنَّة والجَمَاعَة

- ‌التحذير من الابتداع في الدين

- ‌أهمية صلاح القلب والنيّة

- ‌عدل الله وغناه عن خلقه

- ‌حفت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات

- ‌الحساب على الأعمال

- ‌الأعمال بالخواتيم

- ‌القضاء والقدر والأخذ بالأسباب

- ‌الإيمان تصديق وعمل وأخلاق

- ‌الزينة وحفظ العرض والنسل

- ‌خطر النفاق وسوء الأخلاق

- ‌الدّين: النَّصِيحَة

- ‌وجوب إنكار المنكرات

- ‌الحسنات يذهبن السيئات

- ‌أبواب الخير والصدقات

- ‌فضائل ذكر الله

- ‌آداب الطعام

- ‌التداوي وحفظ الصحة

- ‌علاج العين والاستشفاء بالرقى

- ‌أسباب إجابة الدعاء ومنعه

- ‌قتال الطائفة التاركة للصلاة أو الزكاة

- ‌الإخبار بالفتن التي ستقع للصحابة

- ‌ظهور الخوارج وقتالهم

- ‌تداعي الأمم الكافرة على المسلمين

- ‌دعوة الكفار وقتال المعتدين

- ‌بقاء طائفة منصورة من المجاهدين

- ‌أمور ستقع قبل قيام الساعة

- ‌خراب المدينة وأحداث آخر الزمان

- ‌ظهور مهدي من العِتْرَة

- ‌مصالحة الروم والغزو معهم وغدرهم

- ‌وقوع الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى في الْغُوطَة

- ‌فتح القسطنطينية

- ‌خروج الدجال يتبعه يهود وشياطين

- ‌نزول عيسى ابن مريم وقتله الدجال

- ‌انهزام اليهود وقتلهم

- ‌إفساد يأجوج ومأجوج ثم مقتلهم

- ‌مطر يغسل الأرض ويعيد بَرَكَتَها

- ‌الإسلام يعم الأرض في زمن المسيح

- ‌طلوع الشمس من مغربها

- ‌خروج الدابة

- ‌نار تخرج من عدن تحشر الناس للشام

- ‌ريح طيبة تقبض أرواح المؤمنين

- ‌اختفاء أثر الإسلام ورفع القرآن

- ‌تقوم الساعة على شرار الناس

- ‌نفخة الصعق

- ‌الحياة البرزخية في القبر

- ‌نزول ماء الحياة ونمو الأجساد

- ‌نفخة البعث

- ‌أول من تنشق عنه الأرض

- ‌دنو الشمس

- ‌انتظار فصل القضاء

- ‌إخراج بعث النار وهول الموقف

- ‌الحوض

- ‌الشفاعة في الخلاص من كرب المحشر

- ‌الميزان

- ‌العرض والحساب

- ‌الأرض والسماوات يوم القيامة

- ‌كل أمة تتبع ما كانت تعبد

- ‌دخول أهل النار النار

- ‌بقاء أمة التوحيد يقودهم ربهم إلى الجنة

- ‌إعطاء المؤمن نوره والمنافق قبل الصراط

- ‌المرور على الصراط

- ‌القنطرة بعد الصراط

- ‌دخول أهل الجنة الجنة

- ‌شفاعة النبي فيمن دخل النار مِن أمته

- ‌شفاعة المؤمنين في إخوانهم

- ‌يعتق الله من النار مَن كانت له ذرّة توحيد

- ‌ذبح الموت بين الجنة والنار

- ‌الخلود الأبدي

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌ ‌قصة الهجرة ثم أُذِنَ للنبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى

‌قصة الهجرة

ثم أُذِنَ للنبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، قال تعالى:{وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين} . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ

(1)

مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي

(2)

إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ، أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى

(3)

، يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ

(4)

، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ

(5)

خَبَثَ الْحَدِيدِ.

قالت عائشة رضي الله عنها: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً قبل الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكِ الْغِمَادِ

(6)

، لقيه ابْنُ الدَّغِنَةِ، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟، فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فارجع فاعبد ربك ببلدك، وأنا لك جار، فرجع، وارتحل معه ابْنُ الدَّغِنَةِ، فطاف ابْنُ الدَّغِنَةِ عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابْنُ الدَّغِنَةِ لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه - وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن - فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فقدم عليهم،

(1)

أي: أمرني ربي بالهجرة.

(2)

أي: ظني واعتقادي.

(3)

أي: تغلبهم، وكنى بالأكل عن الغلبة، لأن الآكل غالب على المأكول. أي: يفتح أهلها القرى، فيأكلون أموالهم، ويسبون ذراريهم.

(4)

أي: أن بعض المنافقين يسميها يثرب، واسمها الذي يليق بها المدينة، وفهم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب، وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين.

(5)

الكير: قربة من جلد أو نحوه يستخدمها الحداد وغيره للنفخ في النار لإذكائها.

(6)

(برك الغماد) -بكسر الباء وفتحها وإسكان الراء- في أقاصي هجر، والغماد بضم الغين وكسرها.

ص: 236

فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابْنُ الدَّغِنَةِ إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين - وهما الحرتان -، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة. فاستأذن أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج حين اشتد عليه الأذى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحباً، فإني أرجو أن يؤذن لي "، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟، قال:" نعم، إني لأرجو ذلك "، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر - وهو الخبط -، قالت: فلما أذن له في الخروج إلى المدينة؛ أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ظهراً متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فلما رآه أبو بكر جاء ظهراً قال: ما جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة، إلا لأمر حدث، فلما دخل عليه قال لأبي بكر:"أخرج من عندك "، فقال أبو بكر: يا رسول الله ليس عليك عين، إنما هما ابنتاي - يعني عائشة وأسماء -، إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال:" فإني قد أذن لي في الخروج إلى المدينة "، فقال أبو بكر: يا رسول الله الصحبة؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الصحبة "، قالت عائشة: فلقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح، قال: يا رسول الله، عندي ناقتان قد كنت أعددتهما للخروج فخذ إحداهما. قال:" قد أخذتها بالثمن ". فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم إحداهما - وهي الجدعاء -.

ص: 237

قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب - فبذلك سميت ذات النطاقين - ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فتواريا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلام شاب، ثقف، لقن، فيرحل من عندهما سحرا، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يُكادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلهما

(1)

ثم يسرح بها عامر بن فهيرة بغلس، فلا يفطن به أحد من الرعاء، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.

قال أبو بكر رضي الله عنه: نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار، فقلت يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه؛ أبصرنا، تحت قدميه، فقال:" يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما؟ "، قال تعالى:{إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن، إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم} .

واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديِل هادياً خريتاً

(2)

قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل الدِّيلِيُّ، فأخذ بهم أسفل مكة، وهو طريق الساحل.

قال أبو بكر: أخذ علينا بالرصد، فخرجنا ليلاً، فأسرينا ليلتنا ويومنا، حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فعطش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة، فسويت بيدي مكاناً ينام فيه النبي صلى الله عليه وسلم في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت له: اضطجع يا رسول الله، فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم،

(1)

بِكَسْر الرَّاء: اللَّبن.

(2)

الخريت: الماهر في معرفة الطرق. وهو عبدالله بن أُرَيْقِط.

ص: 238

ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحداً، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فسألته: لمن أنت يا غلام؟، فقال: لرجل من قريش سماه، فعرفته، فقلت له: هل في غنمك من لبن؟، قال: نعم، قلت له: فهل أنت حالب لنا؟، قال: نعم. فأخذ شاة من غنمه، فقلت له: انفض الضرع من التراب والشعر والقذى، فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها، يشرب ويتوضأ، فصببت على اللبن، حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فقلت له حين استيقظ: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت. ثم ارتحلنا بعدما مالت الشمس، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له. فقلت: أتينا يا رسول الله. فقال: " لا تحزن، إن الله معنا".

فلما دنا؛ التفت نبي الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليه فقال: اللهم اصرعه "، فصرعه الفرس، فساخ في الأرض إلى بطنه ثم قامت تحمحم.

وحكى سراقة بن جعشم رضي الله عنه تلك الواقعة وكان مشركاً قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما، من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفا أسوِدة بالساحل، أراها محمداً وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي

(1)

، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها،

(1)

الزج: الحديد الذي في أسفل الرمح و (رفعتها) أي أسرعت بها السير و (التقريب) السير دون العدو وفوق العادة. وهو أن ترفع الفرس يديها وتضعهما معا.

ص: 239

ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة، إذا لأثر يديها عثان

(1)

ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره. فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها، أضرهم أم لا؟، فخرج الذي أكره أن لا أضرهم فعصيت الأزلام، وركبت فرسي تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها، فناديتهم بالأمان فوقفوا.

ووثب سراقة عن فرسه، وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، ولك علي لأعمين على من ورائي، وهذه كنانتي، فخذ سهماً منها، فإنك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، قال:" لا حاجة لي في إبلك"، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فنجا.

قال سراقة: فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني شيئاً، فقلت: يا نبي الله، مرني بما شئت، قال:" فقف مكانك، لا تتركن أحداً يلحق بنا، أخف عنا "، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أديم.

فجعل سراقة لا يلقى أحداً إلا قال: قد كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحداً إلا رده، قال أبو بكر: فوفى لنا. فكان أول النهار جاهدا على نبي الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر النهار مسلحة له.

(1)

العثان: هو الدخان من غير نار.

ص: 240

وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر رضي الله عنه وكان أبو بكر يختلف إلى الشام، وكان يعرف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف. فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟، فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم و لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجاراً قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض. وقدما المدينة ليلاً.

(1)

فلما دنوا من المدينة، نزلا الحرة، ثم بعثا رجلاً من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار.

وكان المسلمون بالمدينة سمعوا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون

(2)

كل غداة إلى الحرة فينتظرونه، حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهود على أطم

(3)

من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بظهر الحرة، واستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فجاءوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وحفوا حولهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، جاء نبي الله.

فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك.

(1)

يعني: أنهم وصلوا إليها ليلًا، إلا أنهم أقاموا خارجًا منها، ثم دخلوها نهارًا، وهذا مبيَّن في حديث عائشة رضي الله عنها. وقد أطبق أهل السِّير على: أنه دخل المدينة يوم الإثنين، وأكثرهم يقول: لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ضحى ذلك اليوم، وقيل: عند استواء الشمس منه.

(2)

الغدو: السير والذهاب أول النهار.

(3)

الأطم: البناء المرتفع.

ص: 241