الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قصة صلح الحديبية
ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتمر سنة ست من الهجرة في ذي القعدة قبل أن يحج؛ أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة. ورُوِيَ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ رَأَى فِي مَنَامه قبل خُرُوجه إِلَى الْحُدَيْبِيَة كَأَنَّهُ وَأَصْحَابه قد دخلُوا مَكَّة آمِنين وَقد حَلقُوا وَقصرُوا فَقص الرُّؤْيَا عَلَى أَصْحَابه فَفَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا وَحَسبُوا أَنهم دَاخِلُوهَا فِي عَامهمْ. واستنفر من حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب وظنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لن يرجعوا وأنهم سيهلكون. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية
(1)
في بضع عشرة مائة من أصحابه يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً
(2)
، وساق معه الهدي
(3)
سبعين بدنة، فلما أتى ذا الحليفة؛ قلد الهدي وأشعره
(4)
وأحرم منها بعمرة، وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بُدْنِهِ جملاً كان لأبي جهل في رأسه برة
(5)
فضة يغيظ بذلك المشركين. وبعث عينا له من خزاعة بين يديه يخبره عن قريش، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط - قريب من عسفان -؛ أتاه عينه الخزاعي، فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ
(6)
، قد لبسوا جلود النمور، وجمعوا لك الأحابيش
(7)
، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قدموا إلى كُرَاعِ الْغَمِيمِ
(8)
وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، ومانعوك.
(1)
الحديبية: اسم بئر تقع على بعد اثنين وعشرين كيلاً إلى الشمال الغربي من مكة، وتعرف الآن بالشميسي، وفيها حدائق الحديبية، ومسجد الرضوان، وأطرافها تدخل في حدود الحرم المكي، ومعظمها من الحل خارجه.
(2)
وكانوا على استعداد لقتال من اعترض سبيلهم، كما سيأتي في استشارة النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة -وهم في الطريق-في الإغارة على ديار من تحالف من القبائل مع قريش الذين خرجوا لقتالهم وصدهم عن دخول مكة، وكما في لبس المغيرة المغفر.
(3)
الهدي: ما يهدى إلى الحرم من النعم والذبائح.
(4)
الإشعار: شق أحد جنبي البدنة، حتى يسيل دمها، وجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هدي.
(5)
البرة: حلقة تجعل في أنف البعير.
(6)
جمع عائذ، وهي الناقة التي معها ولدها. يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان ليزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يناجزوك في زعمهم.
(7)
الأحابِيشُ: هم أحياء من قبيلةِ القَارَّةِ، انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا، والتحبُّش: التجّمع، وقِيل: حالفُوا قُريشًا تحتِ جَبَل يُسمى حُبْشيًا فسُمُّوا بذلك.
(8)
كُرَاعَ الْغَمِيمِ: اسْمُ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم، دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا، قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له، حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة
(1)
، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي أيها الناس، أترون أن أميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم أن يصدونا عن البيت فنصيبهم؟، فإن قعدوا، قعدوا موتورين
(2)
محروبين
(3)
، وإن يَجِيئُوا
(4)
، تكن عنقاً قطعها الله، أو ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ "، فقال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامداً لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "امضوا على اسم الله".
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: حضرت العصر
(5)
يوم الحديبية وليس معنا ماء غير فضلة، فجهش
(6)
الناس نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:" ما لكم؟ "، قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" هل في القوم من ماء؟ "، فجاء رجل بإداوة
(7)
فيها شيء من ماء، " فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح
(8)
ووضع كفه في الماء والقدح، ثم قال: بسم الله، ثم قال: أسبغوا الوضوء "، قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري، لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوضأ الناس وشربوا أجمعون، لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا ألفا وأربع مائة. ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فرغ الوضوء ".
حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم
(9)
في خيل لقريش طليعة
(10)
؛ فخذوا ذات اليمين". فسلكوا ذات اليمين، بين ظهري الحمض
(11)
، على طريق تخرجه على ثنية المرار
(12)
والحديبية، من أسفل مكة، فوالله ما شعر بهم خالد، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش
(13)
قد خالفوا عن طريقهم، نكصوا راجعين إلى قريش نذيراً لقريش، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها؛ بركت به راحلته،
(1)
السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، أراد: حتى يفرق بين رأسي وجسدي.
(2)
الموتور: المقطوع، أي: الذي قطع حقه ولم يدركه، وقد تطلق على صاحب الدم الذي لم يأخذ بثأره.
(3)
المحروب: المهزوم المهموم.
(4)
في بعض النسخ: نَجَوْا. وفي بعضها: يحنون، وفي بعضها: يجيئون، من المجيء. وفي بعضها: جَاؤُوا.
(5)
أي: وقت صلاتها.
(6)
الجهش: أن يفزع الإنسان إلى الإنسان ويلجأ إليه.
(7)
الإداوة: إناء صغير من جلد يحمل فيه الماء وغيره.
(8)
القدح: من الآنية، يروي الرجلين.
(9)
الغميم: موضع قريب من مكة بين رابغ والجحفة.
(10)
الطليعة: مقدمة الجيش، أو الذي ينظر للقوم، لئلا يدهمهم عدو.
(11)
الحمض: ما ملح وأمرّ من النبات، وهي كالفاكهة للإبل.
(12)
الثنِيَّة: هو الطريق العالي في الجبل. و المِرارُ: بكسر الميم، وبضمها: موضعٌ بين مكة والمدينة من طريق الحديبية.
(13)
القترة: الغبار أو شبه الدخان.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حل حل.
(1)
فقال الناس: خلأت القصواء، خلأت القصواء.
(2)
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما خلأت القصواء، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، ثم قال: والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة
(3)
يعظمون بها حرمات الله
(4)
إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد
(5)
قليل الماء يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبثه الناس أن نزحوه.
قال البراء بن عازب رضي الله عنه: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة - والحديبية بئر - فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة فشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته
(6)
ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب
(7)
من تلك القلب فغرزه فيه، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير
(8)
البئر، ثم قال:"ائتوني بدلو من مائها"، فأتي به، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ثم مجه في البئر ودعا. ثم قال:"دعوها ساعة ". فتركناها غير بعيد، ثم استقينا فجاش الماء بالرواء، حتى ضرب الناس عنه بعطن
(9)
، حتى روينا وروت ركائبنا حتى ارتحلنا.
قال عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه: هبط ثمانون رجلاً من أهل مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم الحديبية من جبل التنعيم متسلحين عند صلاة الفجر يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليقتلوهم، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله عز وجل بأبصارهم، فقدمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أماناً؟ "، قالوا: لا، فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهم، فأنزل الله عز وجل:{وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم، وكان الله بما تعملون بصيراً} .
(1)
حل: صوت تزجر به الدابة لتحمل على السير.
(2)
خلأت: بركت من غير علة. و خَلَأَ: إذا بَرَكَ فلم يَقم. والقصواء: الناقة المقطوعة الأذن، وكان ذلك لقباً لناقة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل أنها لم تكن مقطوعة الأذن، وقال بعضهم بل مقطوعة.
(3)
أي: خصلة.
(4)
أي: من ترك القتال في الحرم.
(5)
أي: حفيرة فيها ماء قليل، يقال: ماء مثمود: أي قليل، فيكون لفظ قليل بعد ذلك تأكيدا، لدفع توهم أن يراد لغة من يقول: إن الثمد الماء الكثير.
وقيل: الثمد: ما يظهر من الماء في الشتاء، ويذهب في الصيف.
(6)
الكنانة: جعبة صغيرة من جلد، تحمل فيها السهام.
(7)
القليب: البئر التي لم تطو.
(8)
الشفير: الجانب والناحية.
(9)
العَطَنُ: مَبْرَكُ الإِبِلِ، يَقُولُ: حَتَّى رَوِيَتِ الإِبِلُ فَأَنَاخَتْ.
فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح
(1)
لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤي
(2)
، وعامر بن لؤي نزلوا أعداد
(3)
مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل
(4)
وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم
(5)
الحرب فأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة
(6)
، ويخلوا بيني وبين الناس
(7)
فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا
(8)
وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره
(9)
"، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فرجعوا إلى قريش، فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدا لم يأت لقتال، إنما جاء زائراً لهذا البيت، معظما لحقه، فاتهموهم - وكانت خزاعة في عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها، لا يخفون على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كان بمكة - قالوا: وإن كان إنما جاء لذلك، فلا والله لا يدخلها أبداً علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب، ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هذا رجل غادر "، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثوا إليه الحلس بن علقمة الكناني - وهو يومئذ سيد الأحابيش - فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هذا من قوم يعظمون الهدي؛ فابعثوا الهدي في وجهه"، فبعثوا الهدي، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله،
(1)
العيبة: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح له، والأمانة على سره، كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر، بالعيبة التي هي مستودع الثياب.
(2)
إنما اقتصر على ذكر هذين، لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع، ترجع أنسابهم إليهما.
(3)
الأعداد: جمع عد، وهو الماء الذي لا انقطاع له، وقول بديل هذا يشعر بأنه كان بالحديبية مياه كثيرة، وأن قريشا سبقوا إلى النزول عليها، فلهذا عطش المسلمون حيث نزلوا على الثمد المذكور.
(4)
العوذ: جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل: الأمهات اللاتي معها أطفالها، يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل، ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال، والمراد أنهم خرجوا منهم بنسائهم وأولادهم، لإرادة طول المقام، وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعم، وسميت كل أنثى بذلك وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها، لأنها تعطف عليه بالشفقة والحنو، كما قالوا: تجارة رابحة، وإن كانت مربوحا فيها.
(5)
(نهكتهم) بكسر الهاء أي: أبلغت فيهم حتى أضعفتهم، إما أضعفت قوتهم وإما أضعفت أموالهم.
(6)
أي: جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها.
(7)
أي: من كفار العرب وغيرهم.
(8)
أي: إن أظهر أنا على غيرهم، فإن شاءوا أطاعوني، وإلا فلا تنقضي مدة الصلح إلا وقد جموا، أي: استراحوا وقووا.
(9)
أي: في نصر دينه.
واستقبله الناس يلبون، قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فرجع ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى، فقال: يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صده الهدي في قلائده، قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، فقالوا: اجلس: إنما أنت أعرابي لا علم لك، فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد.
(1)
وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي، قالوا: صدقت. قال: فهل تتهموني؟، قالوا: لا، فقال: إِنَّ هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته. فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من قوله لبديل
(2)
، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت قومك؟، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله
(3)
قبلك؟، وإن تكن الأخرى
(4)
فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوباشاً
(5)
من الناس لكأني بهم قد انكشفوا عنك غداً - قال: وأبو بكر الصديق رضي الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد - فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات
(6)
، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من هذا يا محمد؟، قال:" هذا ابن أبي قحافة "، قال: والله لولا يد
(7)
كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، ولكن هذه بها
(8)
، ثم تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيف
(9)
وعليه المغفر
(10)
- فضرب يده بنصل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل والله أن لا ترجع إليك. فرفع عروة رأسه، فقال: ويحك ما أفظك وأغلظك. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من هذا يا محمد؟، قال: هذا ابن أخيك، المغيرة بن شعبة، فقال: أَيْ غُدَرُ!!
(11)
أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ هل غسلتُ سوأتك إلا بالأمس؟
(12)
.
(1)
أم عروة هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد بقوله:" ألستم بالوالد ": أنكم حي قد ولدوني في الجملة، لكون أمي منكم.
(2)
أي: أخبره أنه لم يأت يريد حرباً.
(3)
أي: أهلك أهله بالكلية.
(4)
قال: " وإن تكن الأخرى " تأدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: وإن تكن الغلبة لقريش لا آمنهم عليك.
(5)
الأوباش: الأخلاط من السفلة.
(6)
البظر: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، واللات: اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة، بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار.
(7)
أي: نعمة ومعروف.
(8)
أي: جازاه بعدم إجابته عن شتمه، بيده التي كان أحسن إليه بها، وبين الزهري في هذا الحديث أن اليد المذكورة، أن عروة كان تحمل بدية، فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن.
(9)
فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسيف بقصد الحراسة ونحوها من ترهيب العدو، ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس، لأن محله ما إذا كان على وجه العظمة والكبر.
(10)
في رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير: "أن المغيرة لما رأى عروة مقبلاً لبس لأمته وجعل على رأسه المغفر ليستخفي من عروة عمه".
(11)
(غُدَر) مبالغة في وصفه بالغدر.
(12)
يعني أنه سعى وأنهى لتوه دفع دية من قتلهم ابن أخيه المغيرة غدراً.
وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم
(1)
، ثم جاء فأسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال، فإنه مال غدر، لا حاجة لنا فيه"
(2)
. فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما كلم به أصحابه، فأخبره أنه لم يأت يريد حرباً، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، ولا يبصق بصاقة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإذا أمرهم؛ ابتدروا أمره، وإذا تكلموا، خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر
(3)
تعظيما له. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى، والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً صلى الله عليه وسلم والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا، خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له فلقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له:"الثعلب"، فلما دخل مكة، عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني، عثمان بن عفان رضي الله عنه، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائراً لهذا البيت، معظماً لحرمته، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه.
(1)
وهم ثلاثة عشرة من ثقيف من بني مالك خرجوا للمقوقس بمصر بهدايا، فأحسن إليهم وأعطاهم وقصر بالمغيرة، لأنه ليس من القوم، بل من أحلافهم فغار منهم، ولم يواسه أحد منهم فلما كانوا ببعض الطريق شربوا الخمر وناموا فوثب المغيرة فقتلهم كلهم، وأخذ أموالهم ثم جاء إلى المدينة فأسلم. فقال أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم وجئت بأسلابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء". أَيْ لَا أَتَعَرَّض لَهُ لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ غَدْرًا.
(2)
يستفاد منه أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدراً، لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدى إلى أهلها، مسلما كان أو كافرا، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه، فيرد إليهم أموالهم، ويستفاد من القصة أن الحربي إذا أتلف مال الحربي، لم يكن عليه ضمان.
(3)
أحد البصر: نظر بإمعان وتدقيق.
فخرج عثمان حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته، وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قُتل.
وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى:"هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده.
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحاً قريباً} . قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربع مائة، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة وهي سمرة -. بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. فبايعناه كلنا إلا الجد بن قيس، اختبأ تحت بطن بعير، ونحرنا يومئذ سبعين من البدن، لكل سبعة جزور. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أنتم اليوم خير أهل الأرض". قال جابر: لو كنت أبصر، لأريتكم موضع الشجرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لن يدخل النار رجل شهد بدراً والحديبية، لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ".
ثم إن قريشاً بعثوا سهيل بن عمرو- أحد بني عامر بن لؤي - فقالوا: ائت محمداً فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبداً، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" سهل الله أمركم، لقد سهل من أمركم، قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل "، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا، حتى جرى بينهما الصلح،
فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أوليس برسول الله صلى الله عليه وسلم؟، أولسنا بالمسلمين؟، أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟، فقال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه
(1)
حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله، فقال عمر: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟، قال:" بلى "، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟، فقال:" أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره وهو ناصري "، فقال له عمر: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟، قال:"بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ "، قال: لا، قال:" فإنك آتيه، ومتطوف به"، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل بن عمرو: أما "بسم الله الرحمن الرحيم"، فما ندري ما " بسم الله الرحمن الرحيم"، أما "الرحمن"، فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا " بسم الله الرحمن الرحيم "، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اكتب باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو ". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، لاتبعناك وما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: اسمك واسم أبيك، محمد بن عبد الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة،
(2)
وأنه لا إسلال ولا إغلال
(3)
، وعلى أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى قريشاً ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه. فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟، قال:" نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم، سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً ".
(1)
المراد بـ "إلزم غرزه": التمسك بأمره وترك المخالفة له كالذي يمسك بركاب الفارس فلا يفارقه. والغرز هو: ركاب كور الجمل، وقيل: هو الكور مطلقاً مثل الركاب للسرج.
(2)
أي: أمراً مطوياً في صدور سليمة، وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة بما تقدم بينهم من أسباب الحرب وغيرها، والمحافظة على العهد الذي وقع بينهم.
(3)
أي: لا سرقة، ولا خيانة، فالإسلال من السلة، وهي: السرقة،
والإغلال: الخيانة، تقول: أغل الرجل، أي: خان، أما في الغنيمة، فيقال: غل، بغير ألف.
والمراد: أن يأمن بعضهم من بعض في نفوسهم وأموالهم، سرا وجهرا.
وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه - فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم -. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به"، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخِذنا ضغطة، ولكن ترجع عنا عامنا هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثاً، معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب
(1)
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب؛ إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده
(2)
- وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه، دخلَ الناسَ من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا - فلما رأى سهيل أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، ثم قال: يا محمد، قد لجت
(3)
القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال:" صدقت. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نقض الكتاب بعد"، قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأجزه لي"، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: "بلى فافعل"، قال: ما أنا بفاعل. فقام إليه فأخذ بتلبيبه،
(4)
فصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني وقد جئت مسلماً؟، ألا ترون ما قد لقيت؟ - وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله - فزاد الناس شراً إلى ما بهم، وقالوا: سبحان الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله عز وجل جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه عهداً، وإنا لن نغدر بهم "، فوثب عمر بن الخطاب إلى أبي جندل، فجعل يمشي إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه. ونفذت القضية.
(1)
جمع قراب، وهو غمد السيف.
(2)
أي: يمشي مشيا بطيئاً بسبب القيد.
(3)
أي: وجبت.
(4)
أخذ بتلبيبه، وتلابيبه: إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره، ثم جررته. وكذلك إذا جعلت في عنقه حبلا أو ثوبا ثم أمسكته به، واللبة: موضع الذبح، والتاء في التلبيب زائدة.
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب؛ قال لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا ". قال: فوالله ما قام منهم رجل، ثم عاد بمثلها، فما قام رجل، ثم عاد بمثلها، فما قام رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة رضي الله عنها فقال: يا أم سلمة، ما شأن الناس؟، قالت: يا رسول الله، قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان، فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحداً، حتى أتى هديه فنحره بالحديبية قبل أن يحلق، ثم دعا حالقه فحلق. فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً. حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. فحلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟، قال:" اللهم اغفر للمحلقين "، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال:" اللهم اغفر للمحلقين "، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال:" وللمقصرين ". قالوا: فما بال المحلقين يا رسول الله ظاهرت لهم الرحمة ثلاثاً
(1)
وللمقصرين واحدة؟، قال:" إنهم لم يشكّوا".
(2)
(1)
أي: أعنتهم وأيدتهم بالدعاء لهم ثلاث مرات.
(2)
أي: ما عاملوا معاملة من يشك في أن الاتباع أحسن، وأما من قصر فقد عامل معاملة الشاك في ذلك، حيث ترك فعله صلى الله عليه وسلم.