المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الله جل وعلا

- ‌بدء الخلق

- ‌السموات والأرض

- ‌النجوم والبروج

- ‌حساب الزمان والسنين

- ‌خلق الملائكة والجن والإنس

- ‌رحمة الله

- ‌قصة آدم عليه السلام

- ‌إخبار الله الملائكة بخلق البشر

- ‌سجود الملائكة لآدم واستكبار إبليس

- ‌خلق حواء وإسكانها الجنة مع آدم

- ‌إغواء الشيطان لآدم وزوجه

- ‌توبة آدم وحواء

- ‌هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض

- ‌وجود إبليس وذنوب البشر لحكمة

- ‌إكرام الله بني آدم وإنعامه عليهم

- ‌تحذير البشر من عدوهم الشيطان

- ‌وفاة آدم عليه السلام

- ‌ذرية آدم وتربص الشيطان بهم

- ‌نوح عليه السلام

- ‌ هود عليه السلام

- ‌ صالح عليه السلام

- ‌ إبراهيم عليه السلام

- ‌هجرة إبراهيم إلى الشام

- ‌قصة إبراهيم وسارة مع ملك مصر

- ‌رجوع الخليل من مصر إلى الشام

- ‌انتقال لوط إلى قرية سدوم

- ‌ولادة إسماعيل بمكة وقصة زمزم

- ‌إرسال لوط عليه السلام

- ‌مجيء إبراهيم إلى مكة لتفقد حال ابنه

- ‌إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة

- ‌قصة الذبيح إسماعيل ومناسك الحج

- ‌بشارة إبرهيم بإسحاق عليهما السلام

- ‌إهلاك قوم لوط في قرى سدوم

- ‌إرسال شعيب عليه السلام إلى أهل مدين

- ‌إسحاق عليه السلام

- ‌قصة ذي القرنين

- ‌فضائل خليل الله إبراهيم ووفاته

- ‌يعقوب (إسرائيل) عليه السلام

- ‌أيوب عليه السلام

- ‌يوسف بن يعقوب عليه السلام

- ‌مكوث بني إسرائيل في مصر

- ‌اضطهاد بني إسرائيل من فرعون

- ‌موسى وهارون عليهما السلام

- ‌بعثة مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، صَفِيُّ اللهِ

- ‌تكذيب فرعون وقومه بالآيات المعجزات

- ‌إهلاك قارون

- ‌نصيحة مؤمن آل فرعون

- ‌إصرار فرعون على استئصال المؤمنين

- ‌خروج موسى ببني إسرائيل من مصر

- ‌هلاك فرعون وجنده

- ‌بنو إسرائيل بعد نجاتهم من فرعون

- ‌ذهاب موسى لميقات ربه

- ‌إنزال الله التوراة على موسى

- ‌قصة السامري والعجل

- ‌رجوع موسى إلى بني إسرائيل

- ‌قصة موسى مع الخضر عليهما السلام

- ‌حياء موسى وإيذاء بني إسرائيل له

- ‌قصة البقرة

- ‌رفض بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة

- ‌وفاة موسى عليه السلام

- ‌يوشع بن نون عليه السلام

- ‌كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا

- ‌حِزْقِيلَ بن بُوذَى

- ‌إِلْيَاسُ عليه السلام

- ‌الْيَسَعُ عليه السلام

- ‌من الأنبياء والأقوام الذين أشير إليهم

- ‌قصة أصحاب الكهف

- ‌قصة أصحاب السبت

- ‌قصة طالوت وجالوت

- ‌داود عليه السلام

- ‌سليمان عليه السلام

- ‌يونس عليه السلام

- ‌قصة النبي شِعْيَا بْنُ أَمْصِيَا

- ‌الخراب الأول لبيت المقدس

- ‌قصة بختنصر مع دانيال عليه السلام

- ‌قصة عُزَيْر عليه السلام

- ‌اختلاف بني إسرائيل

- ‌تحريف اليهود التوراة

- ‌زكريا ويحيى وآل عمران

- ‌المسيح عيسى بن مريم عليه السلام

- ‌نزول الإنجيل على المسيح ابن مريم

- ‌ميثاق الأنبياء بالإيمان بمحمد ونصرته

- ‌كفر اليهود بالمسيح ابن مريم عليه السلام

- ‌قتل يحيى بن زكريا عليه السلام

- ‌قصة رفع المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام إلى السماء

- ‌زعم اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه

- ‌الخراب الثاني لبيت المقدس

- ‌شاؤول اليهودي (بولس) يحرف دين النصارى

- ‌إنجيل برنابا ينقض تحريفات بولس

- ‌تحريف الإنجيل واختلاف نُسَخه

- ‌بنو إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه وتركوا التوراة

- ‌تحريف النصارى دينهم وتفرقهم

- ‌تغيير الملك قسطنطين دين النصارى

- ‌اضطهاد الآريوسيين الموحدين

- ‌قصة سبأ وسد مأرب

- ‌قِصَّةُ تُبَّعٍ أَبِي كَرِبٍ

- ‌قِصَّةُ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ بنجران

- ‌تسلط الأحباش النصارى على اليمن

- ‌قصة أصحاب الفيل

- ‌ولادة رسول الله محمد ونشأته

- ‌زواج النبي من خديجة بنت خويلد

- ‌وضع الحجر الأسود في مكانه

- ‌حال الأرض قبل بعثته عليه الصلاة والسلام

- ‌بعثة محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌إرسال النبي للناس كافة

- ‌نزول وحي القرآن عليه

- ‌من معجزاته وخصاله عليه الصلاة والسلام

- ‌الدَّعْوَةُ في مكة

- ‌الهجرة إلى الحبشة ومحاولة منعها

- ‌حصار الشِّعْب

- ‌وفاة أبي طالب وخديجة (عام الحزن)

- ‌اشتداد أذى قريش على رسول الله

- ‌خروجه عليه الصلاة والسلام إلى الطائف

- ‌العودة لمكة وبيعتا العقبة

- ‌انشقاق القمر

- ‌رحلة الإسراء والمعراج (1 ق هـ)

- ‌اتفاق مشركي قريش على قتل النبي

- ‌قصة الهجرة

- ‌السنة الأولى من الهجرة (1 هـ)

- ‌بناء مسجد قباء والمسجد النبوي

- ‌فرح أهل المدينة

- ‌دعوة يهود المدينة للإسلام

- ‌الدعاء للمدينة بالصحة

- ‌المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

- ‌كتابة الصحيفة

- ‌قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه

- ‌مشروعية الأذان

- ‌السنة الثانية من الهجرة

- ‌صيام عاشوراء

- ‌إعلان قريش الحرب على المدينة

- ‌بدء الغزوات

- ‌تحويل القبلة إلى الكعبة

- ‌فرض الصيام وزكاة الفطر

- ‌غزوة بدر الكبرى

- ‌وفاة رقية بنت محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌إجلاء يهود بني قينقاع

- ‌غزوة السويق

- ‌السنة الثالثة من الهجرة

- ‌مقتل كعب بن الأشرف

- ‌غزوة أحد

- ‌غزوة حمراء الأسد

- ‌السنة الرابعة من الهجرة

- ‌يوم الرجيع واستشهاد خبيب

- ‌حادثة بئر معونة

- ‌إجلاء يهود بني النضير

- ‌السنة الخامسة من الهجرة

- ‌غزوة دومة الجندل

- ‌غزوة المريسيع (بني المصطلق)

- ‌حادثة الإفك

- ‌غزوة الخندق (الأحزاب)

- ‌نزول آية الحجاب

- ‌غزوة بني قريظة

- ‌السنة السادسة من الهجرة

- ‌غزوة ذِي قَرَد وقصة سلمة بن الأكوع

- ‌سرية الخبط (سِيف البحر)

- ‌خروج عمرو بن العاص إلى الحبشة

- ‌قصة صلح الحديبية

- ‌نزول سورة الفتح

- ‌قدوم المهاجرات من مكة

- ‌قصة أبي بصير

- ‌السنة السابعة من الهجرة

- ‌دعوة الملوك إلى الإسلام

- ‌دعوة ملك الحبشة وإسلامه

- ‌دعوة ملك الغساسنة في الشام

- ‌دعوة قيصر ملك الروم

- ‌دعوة كسرى ملك الفرس

- ‌دعوة المقوقَس ملك القبط في مصر

- ‌دعوة هَوْذة الحنفي ملك اليمامة بنجد

- ‌غزوة خيبر

- ‌تسميم اليهود طعام النبي في خيبر

- ‌عودة المهاجرين من الحبشة

- ‌تحريم المدينة والدعاء لأهلها بالبركة

- ‌غزوة ذات الرقاع جهة نجد

- ‌إرسال السرايا إلى عَجُز وفدك والميفعة وغطفان والغابة

- ‌عمرة القضاء

- ‌السنة الثامنة من الهجرة

- ‌وفاة زينب بنت محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص

- ‌إرسال السرايا إلى بني الملوح وقضاعة وهوازن

- ‌غزوة مؤتة

- ‌غزوة ذات السلاسل

- ‌فتح مكة وهدم الأصنام

- ‌غزوة حنين

- ‌تتبع الفارين في أوطاس ونخلة وثقيف

- ‌قسمة الغنائم في الجعرانة

- ‌الإحرام بالعمرة من الجعرانة

- ‌دعوة ملك البحرين (الأحساء)

- ‌دعوة ملك عُمان

- ‌السنة التاسعة من الهجرة (عام الوفود)

- ‌وفاة النجاشي أصحمة

- ‌غزوة تبوك

- ‌المرور بمساكن ثمود في الحِجْر

- ‌من الأحداث في تبوك

- ‌العودة ومحاولة المنافقين قتل النبي

- ‌قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا

- ‌وفاة أم كلثوم بنت محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌وفاة كبير المنافقين ابن سلول

- ‌قدوم الوفود ومنهم نصارى نجران

- ‌حج أبي بكر بالناس والبراءة من المشركين

- ‌السنة العاشرة من الهجرة

- ‌وفاة إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام

- ‌كسوف الشمس وصلاة وخطبة عظيمة

- ‌حجة الوداع

- ‌اكتمال إبلاغ الدين

- ‌السنة الحادية عشر من الهجرة

- ‌وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌من جوامع ما أخبر به النبي أصحابه

- ‌فطرة الإنسان

- ‌التحذير من الشرك والرياء

- ‌ركائز دين الإسلام ومعالمه

- ‌افتراق المسلمين في دينهم

- ‌لكل نبيّ حواريّون وسيَخْلُفُهُم مُبَدِّلون

- ‌الإسلام محفوظ بعلماء مجدِّدِين

- ‌الأمر بالتَّمَسُّكِ بالسُّنَّة والجَمَاعَة

- ‌التحذير من الابتداع في الدين

- ‌أهمية صلاح القلب والنيّة

- ‌عدل الله وغناه عن خلقه

- ‌حفت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات

- ‌الحساب على الأعمال

- ‌الأعمال بالخواتيم

- ‌القضاء والقدر والأخذ بالأسباب

- ‌الإيمان تصديق وعمل وأخلاق

- ‌الزينة وحفظ العرض والنسل

- ‌خطر النفاق وسوء الأخلاق

- ‌الدّين: النَّصِيحَة

- ‌وجوب إنكار المنكرات

- ‌الحسنات يذهبن السيئات

- ‌أبواب الخير والصدقات

- ‌فضائل ذكر الله

- ‌آداب الطعام

- ‌التداوي وحفظ الصحة

- ‌علاج العين والاستشفاء بالرقى

- ‌أسباب إجابة الدعاء ومنعه

- ‌قتال الطائفة التاركة للصلاة أو الزكاة

- ‌الإخبار بالفتن التي ستقع للصحابة

- ‌ظهور الخوارج وقتالهم

- ‌تداعي الأمم الكافرة على المسلمين

- ‌دعوة الكفار وقتال المعتدين

- ‌بقاء طائفة منصورة من المجاهدين

- ‌أمور ستقع قبل قيام الساعة

- ‌خراب المدينة وأحداث آخر الزمان

- ‌ظهور مهدي من العِتْرَة

- ‌مصالحة الروم والغزو معهم وغدرهم

- ‌وقوع الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى في الْغُوطَة

- ‌فتح القسطنطينية

- ‌خروج الدجال يتبعه يهود وشياطين

- ‌نزول عيسى ابن مريم وقتله الدجال

- ‌انهزام اليهود وقتلهم

- ‌إفساد يأجوج ومأجوج ثم مقتلهم

- ‌مطر يغسل الأرض ويعيد بَرَكَتَها

- ‌الإسلام يعم الأرض في زمن المسيح

- ‌طلوع الشمس من مغربها

- ‌خروج الدابة

- ‌نار تخرج من عدن تحشر الناس للشام

- ‌ريح طيبة تقبض أرواح المؤمنين

- ‌اختفاء أثر الإسلام ورفع القرآن

- ‌تقوم الساعة على شرار الناس

- ‌نفخة الصعق

- ‌الحياة البرزخية في القبر

- ‌نزول ماء الحياة ونمو الأجساد

- ‌نفخة البعث

- ‌أول من تنشق عنه الأرض

- ‌دنو الشمس

- ‌انتظار فصل القضاء

- ‌إخراج بعث النار وهول الموقف

- ‌الحوض

- ‌الشفاعة في الخلاص من كرب المحشر

- ‌الميزان

- ‌العرض والحساب

- ‌الأرض والسماوات يوم القيامة

- ‌كل أمة تتبع ما كانت تعبد

- ‌دخول أهل النار النار

- ‌بقاء أمة التوحيد يقودهم ربهم إلى الجنة

- ‌إعطاء المؤمن نوره والمنافق قبل الصراط

- ‌المرور على الصراط

- ‌القنطرة بعد الصراط

- ‌دخول أهل الجنة الجنة

- ‌شفاعة النبي فيمن دخل النار مِن أمته

- ‌شفاعة المؤمنين في إخوانهم

- ‌يعتق الله من النار مَن كانت له ذرّة توحيد

- ‌ذبح الموت بين الجنة والنار

- ‌الخلود الأبدي

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌فتح مكة وهدم الأصنام

‌فتح مكة وهدم الأصنام

ثم كانت غزوة فتح مكة في رمضان، وكان سببها أن المشركين قد نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغاروا مع بني بكر فِي شَهْرِ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ على إحدى القبائل المحالفة للرسول عليه الصلاة والسلام وهي قبيلة خزاعة -، ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر واستنصرته خزاعة؛ أمر الناس بالتجهز دون أن يخبرهم بوجهته. وقال:"اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها"، وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قوامها ثمانية رجال، تحت قيادة أبي قتادة بن رِبْعِي، إلى بطن إضَم، فيما بين ذي خَشَب وذي المروة، على ثلاثة بُرُد من المدينة، في أول هذا الشهر الكريم؛ ليظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار، وواصلت هذه السرية سيرها، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة، فسارت إليه حتى لحقته. وَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ رضي الله عنه كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا، وجاء الوحي فأرسل رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عليّاً وَالزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ وَأَبَا مِرْثَدٍ الغَنَوِيَّ إلى رَوْضَةَ خَاخٍ ليحضروا الصَحِيفَةٌ فأتوا بها إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِحَاطِبٍ:"يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ".

قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، -أَيْ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا-، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ.

ص: 333

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقكُمْ". فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} . وقد خَرَجَ صلى الله عليه وسلم فِي عاشر رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ فَسَارَ هُوَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، وَهْوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ - فأَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا. وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الجُحْفَةَ لَقِيَهُ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِالمُطَّلِبِ رضي الله عنه مُهَاجِرًا بِأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ إِلَى المَدِينَةِ، وَمَا كَانَ يَعْلَمُ عَنْ أَمْرِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهِ فَرَحًا عَظِيمًا. ثم مضى حتى نزل بمر الظهران وهو واد قريب من مكة

(1)

، وأَخَذَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم -وَهُمْ فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ- يَجْنُونَ ثَمَرَ الكَباثِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ"، قَالَ: فَقُلْنَا: أَكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا". وَكَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى دِقَّةِ سَاقَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، وَهُوَ يَرْقَى فِي الشَّجَرَةِ، فَيَضحَكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ " قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ-صلى الله عليه وسلم:"وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ". وأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإِيقَادِ النِّيرَانِ ليلاً، فَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ، فَكَانَ مَنْظَرًا مَهِيبًا، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الحَرَسِ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه.

(1)

ويسمى اليوم: وادي فاطمة.

ص: 334

وخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ -وَمَعَهُ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ- يَلْتَمِسُونَ الأَخْبَارَ فرأى جيش النبي صلى الله عليه وسلم قبل دخوله مكة، فهاله ما رأى. ثم أسلم في أثناء ذلك. ثم جاء إلى قومه وصرخ فيهم محذراً لهم بأن لا قبل لهم بجيش محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لهم ما قاله عليه الصلاة والسلام:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن". فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. ونزل جَيْشِ المُسْلِمِينَ بِذِي طُوَى، وأَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ تَنْظِيمَ وَتَرْتِيبَ جَيْشِهِ، وَعَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأُمَرَائِهِ:"لَا تُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَكُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَأَنْ لَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَتْبَعُوا مُدْبِرًا"، وَاسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشَرَةً مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الأَمَانِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا، وَأَتْبَاعًا مِنْ بَنِي بَكْرٍ وَبَنِي الحَارِثِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ وَهُذَيْلٍ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَكُوُنوا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، وَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الذِي سُئِلْنَا، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم دعى الأنصار وقال:"تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُريْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ، احْصُدُوهُمْ حَصْدًا، حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا". وقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم بعض المشركين يوم الفتح. ودَخَلَ خالدٌ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَلَقِيَهُ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو بِالخَنْدَمَةِ، فِي جَمْعٍ مِنْ أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهَا، فَمَنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ، وَشَهَرُوا السِّلَاحَ، وَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدٌ رضي الله عنه، فَقتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَانْهَزَمُوا، وَاسْتَمَرَّ خَالِدٌ رضي الله عنه يَدْفَعُهُمْ حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ القَتْلُ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَلَمَّا رَاَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، صَاحَ بِهِمْ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَ الدُّورَ، وَيُغْلِقُونَ أَبْوَابَهَا عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى خَالِدٍ رضي الله عنه يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ عَنِ القَتْلِ، فَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَامَهُ رَسُولُ اللَّه-صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ لَه:"لِمَ قَاتَلْتَ، وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنِ القِتَالِ؟ ". فَقَالَ: هُمْ بَدَؤُونَا بِالقِتَالِ، وَوَضَعُوا فِينَا السِّلَاحَ، وَأَشْعَرُونَا بِالنَّبْلِ، وَقَدْ كَفَفْتُ يَدِيَ مَا اسْتَطَعْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم:"قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"كُفُّوا عَنِ السِّلَاحِ إِلَّا خُزَاعَةَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ"، فَأُذِّنَ لَهُمْ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ،

ص: 335

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كفُّوا السِّلَاحَ". ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كَدَاءَ فِي كَتِيبتِهِ الخَضْرَاءِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ رضي الله عنهم، وَذَلِكَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ رَاكِبٌ نَاقَتَهُ القَصْوَاءَ مُرْدِفًا أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ رضي الله عنهما خَلْفَهُ، عَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، وَاضِعًا رَأْسَهُ الشَّرِيفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ تَوَاضُعًا للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الفَتْحِ، حَتَّى إِنَّ لِحْيَتَهُ لَتَكَادُ تَمَسُّ وَسَطَ رَحْلِهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ يُرَجِّعُ بِهَا صَوْتَهُ، وسمي عام الفتح. واغْتَسَلَ فِي دَارِ أمِّ هَانِئٍ رضي الله عنها ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي بَيْتِهَا، وَذَلِكَ ضُحًى. ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَخَلْفَهُ وَحَوْلَهُ، يُهَلِّلُونَ وَيُكَبِّرُونَ، فَأَقْبلَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنٍ في يَدِهِ، ووجد عليه الصلاة والسلام حول البيت ثلاثمائة وستين نصباً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول:"جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد". وأحضر له عثمان بن طلحة مفتاح الكعبة، وطهرت الكعبة من الأصنام والصور، ثُمَّ أَغْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَابَ الكَعْبَةِ، وَمَا كَانَ مَعَهُ فِيها إِلَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، وَبِلَالُ بنُ رَبَاحٍ، وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ، وَصَلَّى فِيهِا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ. وخطب في أهل مكة ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِل بِكُمْ؟ ". قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإخْوَتهِ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلقاءُ" فَعَفَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُمْ جَمِيعًا، وَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ.

ثم دَفْعُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِفْتَاحَ الكَعْبَةِ إِلَى عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ، وَنَزَلَ فِي هَذَا المَوْقِفِ قَوْلُه تَعَالَى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} . ويَوْمَ الفَتْحِ صَلَّى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وحرم-صلى الله عليه وسلم بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ، وحرّم نِكَاحِ المُتْعَةِ تَحْرِيمًا نِهَائِيًّا. وأسلم أبو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما.

ص: 336

وتَخَوُّفَ الأَنْصَارُ مِنْ بَقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، وَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ".

وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِمَكَّةَ لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَلَسَ لَهُمْ عَلَى الصَّفَا، ثم بَايَعَ النِّسَاءَ، وفِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ. وأقام صلى الله عليه وسلم عام الفتح بمكة تسعة عشر يوماً على الأرجح.

وفي رمضان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى سواع ليهدمه، وسواع صنم لقوم نوح عليه السلام، ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية، وظل هذا الوثن منصوبًا تعبده هذيل وتعظمه، حتى إنهم كانوا يحجون إليه، حتى فتحت مكة ودخلت هذيل فيمن دخل في دين الله أفواجاً، وكان موضعه برهاط على قرابة 150 كيلو متراً شمال شرقي مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه قال: لا تقدر على ذلك قال: لم؟ قال: تُمنع. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئاً، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.

ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من هذا الشهر الكريم ليهدمها وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وهي أعظم أصنامهم. وكان سدنتها بني شيبان؛ فخرج إليها خالد في ثلاثين فارساً حتى انتهى إليها، فهدمها. ولما رجع إليها سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل رأيت شيئاً؟ " قال: لا، قال:"فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها". فرجع خالد متغيظاً قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:"نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً".

ص: 337

وفي شوال لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام لا مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا. وظن أنهم يعيبون الإسلام. فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيرًا، فأَمَر يومًا أن يَقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا له، فرفع صلى الله عليه وسلم يديه وقال:"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" مرتين. وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا، فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم.

ص: 338