الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسيح عيسى بن مريم عليه السلام
ووُلِد المسيح عيسى ابن مريم الصدِّيقة بمعجزة إلهية؛ فقد خُلق بكلمة من الله، من غير أب، حيث تنحّت مريم عليها السلام عن أهلها
(1)
، وانفردت بمكان على جهة الشرق منهم.
(2)
فاتخذت لنفسها من دون قومها ساترًا يسترها حتى لا يروها حال عبادتها لربها، فبعث الله إليها جبريل عليه السلام، فتمثل لها في صورة إنسان سَوِيّ الخِلقة، فخافت أنه يريدها بسوء. فلما رأته في صورة إنسان سَوِيّ الخَلْق يتّجه إليها قالت: إني أستجير بالرحمن منك أن ينالني منك سوء -يا هذا- إن كنت تقيًّا تخاف الله. فقال لها: أنا لست بشرًا، إنما أنا رسول من ربك أرسلني إليك لأهب لك ولدًا طيّبًا طاهرًا. قالت مريم متعجبة: كيف يكون لي ولد ولم يقربني زوج ولا غيره، ولست زانية حتى يكون لي ولد؟! فقال لها جبريل: الأمر كما ذكرت من أنك لم يمسسك زوج ولا غيره ولم تكوني زانية، لكن ربك سبحانه قال أن الخلق من غير أب هيّن عليه، وليكون الولد الموهوب لك علامة للناس على قدرة الله، ورحمة منه لك ولمن آمن به، وكان خَلْق ولدك هذا قضاء من الله مقدّرًا، مكتوبًا في اللوح المحفوظ. فَأَخَذَ بِكُمِّهَا فَنَفَخَ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا وَكَانَ مَشْقُوقًا مِنْ قُدَّامِهَا فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَهَا فَحَمَلَتْ به بعد نفخ الملَك.
فَأَتَتْهَا أُخْتُهَا امْرَأَةُ زَكَرِيَّا
(3)
لَيْلَةً تَزُورُهَا فَلَمَّا فَتَحَتْ لَهَا الْبَابَ الْتَزَمَتْهَا فَقَالَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا: يَا مَرْيَمُ أَشَعَرْتِ أَنِّي حُبْلَى؟ فَقَالَتْ مَرْيَمُ أَيْضًا: أَشَعَرْتِ أَنِّي حُبْلَى؟، فَقَالَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا: فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي فِي بَطْنِكِ
(4)
.
فَوَلَدَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا يَحْيَى
(5)
، وَلَمَّا بَلَغَ أَنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إِلَى جَانِبِ الْمِحْرَابِ فتنحت بحملها إلى مكان بعيد عن الناس. فألجأها المخاض إلى ساق نخلة، فقالت -اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ-: يا ليتني متّ قبل هذا اليوم، وكنت شيئًا لا يُذْكَر حتى لا يُظَن بي السوء. فناداها جبريل
(6)
من تحتها في أسفل الوادي: لا تحزني، قد جعل ربك تحتك جدول ماءٍ تشربين منه.
(1)
روي أنها خَرَجَتْ إِلَى جَانِبِ الْمِحْرَابِ بِحَيْضٍ أَصَابَهَا فَلَمَّا طَهُرَتْ إِذْ هِيَ بِرَجُلٍ مَعَهَا {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} ، وَهُوَ جِبْرِيلُ عليه السلام.
(2)
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَ اتَّخَذَتِ النَّصَارَى الْمَشْرِقَ قِبْلَةً، قَوْلُ الله: انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، وَاتَّخِذُوا مِيلادَ عِيسَى قِبْلَةً". ولا يعارض هذا ما ذكره غيره: أن الملك قسطنطين أمر النصارى بجعل القبلة لمشرق الشمس لما أفسد على النصارى دينهم.
(3)
قال ابن كثير: جاء فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: «فَمَرَرْتُ بِابْنَيِ الْخَالَةِ: يَحْيَى وَعِيسَى» وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ; فَإِنَّ أُمَّ يَحْيَى أَشْيَاعُ بِنْتُ عِمْرَانَ أُخْتُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ.
وأيضاً جاء التصريح أنها (أختها) فيما راوه الحاكم في المستدرك على الصحيحين: (فَأَتَتْهَا أُخْتُهَا امْرَأَةُ زَكَرِيَّا) وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وقال الذهبي: على شرط مسلم.
خلافاً لقول بعض المؤرخين أن أشياع هي خالة مريم وليست خالة عيسى.
(4)
قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ لِفَضْلِ عِيسَى عَلَى يَحْيَى.
(5)
قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وُلِدَ يَحْيَى قَبْلَ عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
(6)
وقيل أن الذي ناداها ابنها عيسى من تحت قدميها، وعلمت بذلك أنه يتكلم، وكان ذلك سبباً لإشارتها إليه حين سألها قومها عن سبب حملها.
وأمسكي بجذع النخلة وهزيه تساقط عليك رطبًا طريًّا يُجنى من ساعته. فكلي من الرطب، واشربي من الماء، وطيبي نفسًا بمولودك
(1)
ولا تحزني، فإن رأيت من الناس أحدًا فسألك عن خبر المولود فقولي له: إني أوجبت على نفسي لربي صمتًا عن الكلام، فلن أكلم اليوم أحدًا من الناس. فجاءت مريم بابنها إلى قومها تحمله، فقال لها قومها مستنكرين: يا مريم، لقد جئت أمرًا عظيمًا مفترى، حيث جئت بولد من غير أب. يا شبيهة هارون في العبادة
(2)
ما كان أبوك زانيًا، ولا كانت أمك زانية، فأنت من بيت طاهر معروف بالصلاح، فكيف تأتين بولد من غير أب؟! فأشارت إلى ابنها عيسى عليه السلام وهو في المهد، فقال لها قومها متعجبين: كيف نكلّم صبيًّا وهو في المهد؟! فقال عيسى عليه السلام: إني عبد الله، قد قضى أن ينزل عليّ كتابه الإنجيل، وجعلني نبيًّا من أنبيائه. وجعلني مباركاً كثير النفع للعباد أينما كنت، وأمرني بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة طيلة حياتي. وجعلني بارًّا بأمي، ولم يجعلني متكبرًا عن طاعة ربي، ولا عاصيًا له. والسلام عليّ والأمان من الشيطان وأعوانه يوم ميلادي ويوم موتي ويوم أُبعَثُ حيًّا يوم القيامة، فلا يتخبّطْني الشيطان ولا يضرني.
وقد بعثه الله نبياً ورسولاً إلى بني إسرائيل، يدعو إلى توحيد الله، ويبشر بمقدم خاتم النبيين، وأيّده بالمعجزات العظيمة، فكان يصنع من الطين ما يشبه الطيور ثمَّ ينفخ فيها فتصبح طيوراً بإذن الله وقدرته، ويمسح الأكمه -وهو من وُلد أعمى- فيبرأ بإذن الله، ويمسح الأبرص فيذهب الله عنه برصه، ويمرُّ على الموتى فيناديهم فيحييهم الله تعالى، واستجاب الله له بإنزال المائدة من السماء عندما طلب الحواريون
(3)
من عيسى إنزالها، وكانت على الحال التي طلبها عيسى عيداً لأولهم وآخرهم، وكان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم من طعام. ورَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليه السلام رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟، قَالَ: كَلَّا، وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا سَرَقْتُ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ بَصَرِي.
(1)
وروي أنه لَمَّا وُلِدَ عِيسَى لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ صَنَمٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَّا وَقَعَ سَاجِدًا لِوَجْهِهِ.
(2)
وهو رجل صالح، وكانوا يسمّون بأسماء أنبيائهم.
(3)
الحواري: الناصر أو الوزير، وهو بمعناه، وهو اسم لكل من نصر نبيًّا، وبه سمي أصحاب عيسى بذلك فإنه لما قَالَ لقومه:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ} .