الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نصيحة مؤمن آل فرعون
وقال فرعون لجلسائه: اتركوني أقتل موسى عقابًا له، وليدع ربه أن يمنعه مني، إني أخاف أن يغيِّر دينكم الذي أنتم عليه، أو أن يظهر في الأرض الفساد بالقتل والتخريب. وقال موسى عليه السلام لمَّا علم بتهديد فرعون له: إني التجأت واعتصمت بربي وربكم من كل متكبر عن الحق والإيمان به، لا يؤمن بيوم القيامة، وما فيه من حساب وعقاب. وقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون يكتم إيمانه عن قومه منكرًا عليهم عزمهم على قتل موسى: أتقتلون رجلًا دون جرم، غير أنه قال: ربي الله، وقد جاءكم بالحجج والبراهين الدالة على صدقه في دعواه أنه مرسل من ربه؟! وإن قُدِّر أنه كاذب فضرر كذبه عائد عليه، وإن يكن صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم به من العذاب عاجلًا، إن الله لا يوفق للحق من هو متجاوز لحدوده، مفتر عليه وعلى رسله.
يا قوم، لكم الملك اليوم غالبين في أرض مصر، فمن ينصرنا من عذاب الله إن جاءنا بسبب قتل موسى؟! قال فرعون: الرأي رأيي والحكم حكمي، وقد رأيت أن أقتل موسى؛ دفعًا للشر والفساد، وما أرشدكم إلا الصواب والسداد.
وقال الذي آمن ناصحًا قومه: إني أخاف عليكم -إن قتلتم موسى ظلمًا وعدوانًا- عذابًا مثل عذاب الأحزاب الذين تحزَّبوا على رسلهم من السابقين فأهلكهم الله. مثل قوم نوح وعاد وثمود والذين جاؤوا من بعدهم، فقد أهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم لرسله، وما الله يريد ظلمًا للعباد، وإنما يعذبهم بذنوبهم؛ جزاءً وفاقًا. ويا قوم، إني أخاف عليكم يوم القيامة، ذلك اليوم الذي ينادي فيه الناس بعضهم بعضًا بسبب قرابة أو جاه ظنًّا منهم أن هذا المسلك ينفعهم في هذا الموقف الرهيب. يوم تولون هاربين خوفًا من النار، ما لكم من مانع يمنعكم من عذاب الله، ومن يخذله الله ولا يوفقه للإيمان فما له من هادٍ يهديه؛ لأن هداية التوفيق بيد الله وحده.
ولقد جاءكم يوسف من قبل موسى بالبراهين الواضحة على توحيد الله، فما زلتم في شك وتكذيب لما جاءكم به، حتى إذا توفّي ازددتم شكًّا وارتيابًا، وقلتم: لن يبعث الله من بعده رسولًا. مثل ضلالكم هذا عن الحق يُضِل الله كل من هو متجاوز لحدود الله، شاكٌّ في وحدانيته.
وقال فرعون لوزيره هامان: يا هامان، ابْنِ لي بناءً عاليًا؛ رجاء أن أبلغ طرق السماوات الموصلة إليها، فأنظر إلى معبود موسى الذي يزعم أنه المعبود بحق، وإني لأظنُّ أن موسى كاذب فيما يدَّعيه. وقال الرجل الذي آمن من آل فرعون ناصحًا قومه ومرشدًا إياهم إلى طريق الحق: يا قوم، اتبعوني أدلُّكم وأرشدكم إلى طريق الصواب، والهداية إلى الحق. يا قوم، إنما هذه الحياة الدنيا تمتع بملذات منقطعة، فلا تغرَّنَّكم بما فيها من متاع زائل، وإن الدار الآخرة بما فيها من نعيم دائم لا ينقطع هي دار الاستقرار والإقامة، فاعملوا لها بطاعة الله، واحذروا من الانشغال بحياتكم الدنيا عن العمل للآخرة.
فرفضوا نصحه، فقال: ستذكرون ما قدمت لكم من نصح، وتتحسَّرون على عدم قبوله، وأفوِّض أموري كلها إلى الله وحده، إن الله لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء. فحفظه الله من سوء مكرهم حين أرادوا قتله.