الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من ثمرة العقل معرفة الله الضرورية والمكتسبة
من أشرف ثمرة العقل معرفة الله تعالى وحسن طاعته والكف عن معصيته وعلى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "العقل ثلاثة أجزاء: جزء معرفة الله، وجزء طاعة الله، وجزء الصبر عن معصية الله"(1)، وقال عليه الصلاة والسلام:"الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء، وماله العفة، وثمرته العلم".
فمعرفة الله العامة مركوزة في النفس وهي معرفة كل أحد أنه مفعول وأن له فاعلا فعله ونقله.
وأما معرفة الله المكتسبة، فمعرفة توحيده وصفاته، وما يجب ان يثبت له من الصفات وما يجب أن ينفى عنه، وهذه المعرفة هي التي دعت إليها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولهذا قالوا كلهم: قولوا لا إله إلا الله، ولم يدعوا إلى معرفة الله تعالى، بل دعوا إلى توحيده، وهذه المعرفة هي المكتسبة، وتكون على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: لا يكاد يدركه إلا نبي وصديق وشهيد ومن داناهم وأنها تكون بالنور الإلهي بحيث لا يعتريه شك كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} (سورة الحجرات).
والوجه الثاني: يدرك بغلبة الظن، أعني الظن الذي يفسره أهل اللغة باليقين كما قال تعالى:{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (سورة البقرة).
الوجه الثالث: يدرك بخيالات ومثل وتقليدات فيقول الله في حق هذا الصنف من الناس: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (سورة يوسف).
(1) رواه أبو نعيم عن أبي سعيد مرفوعا- وفي إسناده- سليمان بن عيسى- وضاع.
فالوجه الأول يجري مجرى إدراك الشيء من قريب ولذا قال الله في حقهم: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (سورة ق) والثاني يجري مجرى إدراك الشيء من بعيد، وقد تعتريه شبهة لكن تزول بأدنى تأمل كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (سورة الأعراف).
الثالث يجري مجرى من يرى الشيء من وراء ستر من بعيد فلا ينفك من شبهات كما أخبر تعالى عن هذه حالته بقوله: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} (سورة الجاثية).
ولأجل معرفة الله على الحقيقة يجب أن يتخلص من آفات الشرك، قال تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (سورة يوسف) وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (سورة الزمر)، وقال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (سورة البينة)، وقال تعالى:{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} (سورة الزمر)، وقال عليه الصلاة والسلام:"من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة"(1). وغاية معرفة الانسان ربه أن يعرف أجناس الموجودات وجواهرها وأعراضها المحسوسة والمعقولة، ويعرف أثر الصحة وأنها محدثة وأن محدثها ليس إياها ولا مثالها بل هو الذي يصح ارتفاعها مع بقائه تعالى: ولا يصح بقاؤه وارتفاعه، وبهذا النطر قال أبو بكر الصديق (ض)"سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته"، بل لهذا قال عليه الصلاة والسلام:"تفكروا في خلق الله، ولا تتقكروأ في ذات الله"(2).
(1) رواه البزار عن أبي سعيد- صحيح-
(2)
رواه أبو نعيم في الحلية- عن أبي هريرة- وهو حسن-
ولما كانت معرفة الله تصعب على كل إنسان لقصور فهمه جعل له من نفسه وبدنه عالما صغيرا أوجد فيه ما هو موجود في العالم الكبير ليجري ذلك من العالم مجرى مختصر كتاب بسيط يكون مع كل أحد نسخة يتأملها في الحضر والسفر، وفي الليل أو في النهار، فإن نشط وتفرغ إلى العلم نظر في العالم الكبير ليعزز علمه ويتسع فهمه وعقله وإلا فله مقنع بالمختصر الذي معه، ولذا قال الله عز وجل:{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (سورة الذاريات).
قال ابن الخطيب في تفسير هذه الآية: لو تأملتم في أنفسكم لوجدتم العجب العجاب، أنظروا مثلا كيف أنشأكم ابتداء من طين، ثم كيف خلقكم من نطفة في قرار مكين، بل أنظروا إلى النطفة نفسها، وكيف يتكون منها الجنين الذي لا يتكون إلا من الاتحاد بين جرثومة الذكر وبويضة الأنثى وبذلك تتكون الخلية، يحدث انقسام بينها إلى خليتين، ثم انقسام آخر لكل من الخليتين، ثم آخر للمنقسمين، وآخر، وآخر، وهكذا دواليك إلى أن يصل العدد إلى أربعين خلية من الخلايا، حتى يزيد مجموع الخلايا التي يتكون منها الإنسان الواحد عن سكان الكرة الأرضية أكثر من ألف مرة. وكل خلية من هذه الخلايا تعيش بمعزل عن هذه الخلايا كل منها بمثابة مصنع للإنتاج. فمنها ما ينتج الشعر، ومنها ما ينتج الأظافر، ومنها ما ينتج العظام، ومنها ما ينتج الدم وهكذا
…
ومتى نضجت هذه الخلايا، واكتمل نموها، تخصص كل منها في تكوين نوع واحد من الأنسجة والأعضاء.
ومن هذه الخلايا ما ينتج الجهاز العصبي الذي يتوقف عليه إيصال الرسائل من الحواس والأعضاء المختلفة إلى المخ، ومن المخ تنتقل إلى الرسائل التي هي بمثابة أوامر وأحكام إلى العضل والأطراف التي تتحرك بموجبها تبعا للظروف المحيطة بالإنسان وإلى الغدة الجمة، فتفرز سائلا معينا وفقا للحالة التي يجابهها الشخص كالدموع واللعاب.
مثال ذلك: إذا أبصر إنسان لصا أمامه بيده خنجر: فإن الجهاز الشخصي يوجه إلى المخ إشارة بذلك الخطر المحدق، فتتلقى الجوارح من
المخ إشارة بما يجب اتباعه وقد يشير المخ تبعا لسلوك شخص الإنسان بالفرار من اللص، أو بالهجوم عليه، وانتزاع الخنجر من يده، أو بمبادرته بطلقة من مسدس، أو ضربة من عصا ونحوها على أن الزمن الذي تستغرقه هذه الرسائل الذاهبة والآتية- يدق على أي آلة أو أداة لا سلكية لا يتجاوز ذلك الزمن إلا جزءا من مائة جزء من الثانية الواحدة. فعلاقة الحواس بالمخ علاقة ثابتة ما ثبت الوعي والإدراك اللذان يتفرع منهما التمييز والتصور والذاكرة، والتعليل والطموح، وإدراك الهدف.
ولا يخفى ما في خلقة المخ من أعاجيب وغرائب، فمن أعجب الأعاجيب إختزان العلوم والمعارف والمدارك والمحفوظات، واستخراج ما يريد من ذلك من سجلاتها المرتبة المبوبة في ظرف ربما لا يتجاوز ارتداد الطرف فبواسطته وذبذباته يعجز اللسان عن وصفها ويضيق الجنان عن الإحاطة بها.
هذا وقد دل الفحص المجهري على أن عدد الخيوط العصبية في المخ يتجاوز عشرة آلاف مليون .. كل واحد منها تدب فيه الحياة، ويحمل وظيفة عضوية يؤديها على أكمل وجه. وعلى هذا المنوال تؤدي أجسامنا - بما احتوت عليه من أعضاء- وظائفها ذات الأهداف المتباينة بغير وعي منها، الأمر الذي يدل دلالة قطعية، على أن هناك إرادة عليا تسيرها وتوجهها.
ولو لم يكن في بديع صنع الإنسان: سوى أنه يأكل الطعام، ويشرب الشراب في مدخل واحد ثم يخرج كلاهما من مخرج منفصل عن الآخر.
لكفى ذلك عجبا. وناهيك بما يفعله الجسم بالطعام والشراب حين يهضمهما ويأخذ أطايبهما ثم يلقى بنفايتهما بعد أن يستنفد وقوده، ويأخذ حاجته ويستوعب كفايته .... فتبارك الله أحسن الخالقين ....
ولو تأملتم حواسمك لوجدتم أعجب العجاب. أنظروا إلى حاسة اللمس وكيف أنكم تستطيعون بها الفرق بين الناعم والخشن، والبارد والحار، واللين والرخو، وانظروا أيضا إلى حاسة الشم، وكيف تستطيعون بواسطتها
معرفة زكي الرائحة من رديئها وطيب النهكة من فاسدها، وانظروا أيضا إلى حاسة الذوق، وكيف تستلذون بواسطتها على تذوق الأصناف والطعوم ومعرفة الحلو والحامض، والمر والمالح. وكذلك البصر وانطباع المرآة عليه وانعكاسها على صفحة المخ لتترك آثارها. وكذلك السمع، وانقلاب المسموعات إلى مفهومات وانطباعها في حافظة المخ لتزوكم به وقت حاجتكم إليه. وهكذا سائر الأعضاء بما وهب لها الله تعالى من مزايا يضيق الخاطر عن حصر فوائدها ومنافعها.
فإذا ما فكر الإنسان في خلقة نفسه، ودقة حواسه، وتأمل هذه الآيات والأدوات التي صاغها الخلاق العليم، وبرأها المدبر الحكيم.
وهل يستطيع الإنسان بما أوتي من علم ومال، وجاه وسلطان أن يستعيض عن أحدها لو سلبها أو أن يردها بعد تلفها، أو أن يفهم كنهها، ويعرف سر تركيبها.
حقا لو تأمل الإنسان بعض ذلك لما وسعه إلا أن يقول .. {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} .
ومع هاتيك الدلائل المتظاهرة على وجود الله تعالى واستناد عالمنا في نشأته على قدرته جل جلاله. ومع إطراد البراهين على ان الدين حق وأن تعاليمه مناط الرشد، وطوق النجاة. ومع ذلك كله فبين الحين والحين نسمع أمرأ مهزوز الرأي، والضمير يهرف بما لا يعرف ويظن الناس أن من أعلن الكفر بالله واليوم الآخر إنه في عداد العباقرة ذلك أن الطريقة التي تكون بها الجسم، والتي يحيا بها آنا بعد آن أروع وأبدع ألف ألف مرة من أعظم المنجزات، والكشوف التي عرفناها في هذا الزمن وغيره.