الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7) الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه.
8) الشفاعة في أهل الكبائر من أمته ممن دخلوها فيخرجون منها. وانقسم الناس في الشفاعة إلى طرفين ووسط، قسم نفوا الشفاعة وهم الخوارج والمعتزلة فنفوا شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر، وقسم أثبتوها حتى للأصنام وهم المشركون كما ذكر الله عنهم بقوله:{وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} وقسم توسطوا وهم أهل السنة فأثبتوها بشرطهما وهما: إذن الله للشافع أن يشفع والثاني رضاه عن المشفوع له ولا يرضى من العمل إلا ما كان خالصا صوابا
…
وعلى كل حال فمن أراد أن يعرف اليوم الآخر وما تشتمل عليه فأحيله على الكتاب والسنة في بقية تفاصيل الآخرة، وقد كتب أهل الإسلام من النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة فيما يتعلق باليوم الآخر، وبالجنة والنار، وصنفوا المصنفات الكثيرة المطوله والمبسوطة، وأن ذلك كله داخل في الإيمان باليوم الآخر.
رأي الأستاذ محمد عبده في الشفاعة
نقل صاحب المنار عن الأستاذ الإمام في تفسير قوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} قال ما معناه {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} لأنهم ملكه وعبيده مقهورون لسننه خاضعون لمشيئته، وهو وحده المصرف لشئونهم، والحافظ لوجودهم {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ} منهم فيحمله على ترك مقتضى ما مضت به سنته، وقضت به حكمته، وأوعدت به شريعته من تعذيب من دسى نفسه بالعقائد الباطلة، ودنسها بالأخلاق السافلة، وأفسد في الأرض، وأعرض عن السنة والفرض من ذا الذي يقدم على هذا من عبيده {إِلَّا بِإِذْنِهِ} ؟ والأمر كله له صورة وحقيقة، وليس هذا الإستثناء نصا في أن الإذن سيقع، وإنما كقوله {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} فهو تمثيل له بانفراد الله بالسلطان والملك في ذلك اليوم {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} ولهذا
قال البيضاوي في تفسير الجمل، بيان لكبرياء شأنه، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه، ويستحيل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا عن أن يعوقه عنادا أو مفاصبة ....
وقال الأستاذ الإمام ما حاصله: إن في هذا الإستثناء قطعا لأمر الشافعين المتكلمين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشكون وأهل الكتاب عامة لانفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه
…
ثم قال: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس، أو أمور الدنيا التي خلفوها، أو أمور الآخرة التي يستقبلونها، ما يدركون وما يجهلون، وهذا دليل على نفي الشفاعة بالمعنى المعروف.
فالشفاعة المعروفة التي يعلق عليها الكافرون والفاسقون آمالهم، ويظنون أن الله تعالى يرجع عن تعذيب من استحق العذاب منهم لأجل أشخاص ينتظرون شفاعتهم هي مما يستحيل على الله تعالى لأنها من شأن أهل الظلم والبغي تستلزم الجهل وهو ذو العلم المحيط {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} ومن علم شيئا منك فلا سبيل له إلا التصدي بإعلامك، فما عسى أن يقول من يريد الشفاعة عنده بالمعنى الذي يعهده الناس ويغتر به الحمقى الذين يرجون النجاة في الآخرة بدون رضاء الله تعالى في الدنيا. قال الإمام: معناه أن الشفاعة تتوقف على إذنه، وإذنه لا يعلم إلا بوحي منه تعالى. يريد أن ذلك ترق في نفيها من دليل إلى آخر أي إذا أمكن أن يكون هناك شفاعة بمعنى آخر يليق بجلال الله تعالى كالدعاء المحض، فإنه لا يجرؤ عليها أحد في ذلك اليوم العصيب إلا بإذن من الله تعالى، وإذنه تعالى مما إستأثر بعلمه فلا يعلمه غيره إلا إذا شاء إعلامه به، ثم قال وإنا نعرف إذنه بما حدده من الإحكام في كتابه، أي فمن بين أنه مستحق لعقابه، فهو مستحق له، لا يجرؤ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بين أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألم بها لم تحول وجهه عن الله تعالى إلى الباطل والفساد الذي يطبع على الروح فتسترسل في
الخطايا حتى تحيط بها، فتملك عليها أمرها، فذلك مستحق له منته إليه بوعد الله في كتابه وفضله على عباده كما سبق في علمه الأزلي. ثم قال الأستاذ الإمام: قالوا أن الإستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا بِإِذْنِهِ} واقع، وهو أن نبينا عليه الصلاة والسلام يشفع في فصل القضاء، فيفتح باب الشفاعة فيدخل فيه غيره من الشفعاء كالأنبياء والأصفياء كما ثبت في الأحاديث، وهي حالة أنكرها المعتزلة وأثبتها أهل السنة، والله تعالى يأذن لمن يشاء ويطلع على علمه باستحقاق الشفاعة من يشاء كما علم من الإستثناء، ونقول: أجمع كل من أهل السنة والمعتزلة وسائر فرق المسلمين على كمال علم الله تعالى إحاطته وذلك يستلزم إستحالة الشفاعة عنده بالمعنى المعهود كما سبق القول، وقلنا هناك أن مثل هذا الإستثناء ورد في القرآن لتأكيد النفي وبذلك نجمع بين الآيات التي تنفي الشفاعة بدون إستثناء وبين هذه، وقلنا أن ما ورد في الحديث يأتي فيه االخلاف بين السلف والخلف في المتشابهات فنفوض معنى ذلك إليه تعالى، أو يحمله على الدعاء الذي يفعل الله تعالى عقبه ما سبق في علمه الأزلي أنه سيفعله مع القطع بأن الشافع لم يغير شيئا من علمه، ولم يحدث تآثيرا ما في إرادته تعالى وبذلك يظهر كرامة الله لعبده بما أوقع الفعل عقب دعائه اهـ (1).
(1) أنظر بحث "الشفاعة" في تفسر المنار ج 1 ص 301.