المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إعراض المسلمين عن القرآن - كتاب التوحيد المسمى التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد

[عمر العرباوي]

فهرس الكتاب

- ‌أهدي هذا الكتاب

- ‌دعاء الاستفتاح

- ‌كتب للمؤلف

- ‌نصائح أقدمها إلى الشباب المسلم

- ‌المقدمة

- ‌التعريف بالتوحيد

- ‌إعراض المسلمين عن القرآن

- ‌التكاليف الشرعية العامة:منها العينية والكفائية

- ‌بماذا يكون إيمان المكلف؟وما هي الوسائل التي يستعملها ليكون مؤمنا

- ‌لا تكليف إلا بشرط العقل

- ‌من ثمرة العقل معرفة الله الضرورية والمكتسبة

- ‌البحث عن معرفة الله سبحانه وتعالى

- ‌ أقسام التوحيد

- ‌مفهوم الألوهية في الشريعة الإسلامية

- ‌التوحيد نوعان

- ‌باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

- ‌الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله

- ‌تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله

- ‌من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما

- ‌الذبائح لغير الله

- ‌من الشرك النذر لغير الله

- ‌الإستعاذة بغير الله شرك

- ‌الاستعاذة بالله من شر ما خلق

- ‌من الشرك أن يستغيث المكلف بغير الله أو يدعو غيره

- ‌العقيدة الإسلامية

- ‌بعض معالم التوحيد في العقيدة

- ‌علاقة الله بالإنسان

- ‌التعريف باسم الجلالة

- ‌ارتباط الخلق بالأسماء الثلاثة

- ‌تنزيه الله جل جلاله

- ‌الإيمان بالغيب

- ‌الإيمان بالرسل أجمعين

- ‌النبوة رحمة

- ‌الرسالة المحمدية

- ‌البعثة المحمدية على صاحبهاأفضل الصلاة وأزكى التسليم

- ‌محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌التعريف بالإيمان

- ‌الصبر من الإيمان:

- ‌الطريق إلى الله هو العلم

- ‌المؤمن يتصف بالعزة:

- ‌الإيمان بالملائكة

- ‌الإيمان بكتب الله المنزلة

- ‌الرسالة الإسلامية

- ‌دعوة نوح عليه السلام

- ‌دعوة هود عليه السلام

- ‌دعوة صالح عليه السلام

- ‌دعوة شعيب عليه السلام

- ‌دعوة إبراهيم عليه السلام

- ‌دعوة موسى عليه السلام

- ‌أسلوب القرآن في الدعوة إلى الله

- ‌الإيمان باليوم الآخر

- ‌البعث

- ‌أدلة البعث:

- ‌النفخات الثلاث:

- ‌كل شيء هالك إلا وجهه:

- ‌إختلاف الناس عند البعث:

- ‌الحساب حق

- ‌الصراط:

- ‌العرش والكرسي:

- ‌الحوض:

- ‌الشفاعة

- ‌رأي الأستاذ محمد عبده في الشفاعة

- ‌الركن السادس الإيمان بالقدر

- ‌مشيئة الله:

- ‌خلاصة في القدر والمشيئة

- ‌حكمة الإيمان بالقدر:

- ‌حرية الإنسان:

- ‌تقرير الإسلام حرية الإرادة:

- ‌مشيئة الرب، ومشيئة العبد:

- ‌الهداية والإضلال:

- ‌خاتمة القضاء والقدر

- ‌الأقدار:

- ‌القضاء:

- ‌الإنسان والأقدار

- ‌امتحان:

- ‌لا تتم مصالح إلا بمدافعة الأقدار

- ‌أمر الله:

- ‌إرادة الله:

- ‌دفع اعتراض

- ‌التوفيق والخذلان:

- ‌كلمة جامعة:

- ‌إصلاح المجتمعات الإسلامية الحالية من الإنحراف والفساد عن طريق الدين

- ‌بيان جملة من أنواع الشرك

- ‌مقام المراقبة

- ‌ذكر الله واطمئنان القلوب به

- ‌المصادر

- ‌الفهرست

الفصل: ‌إعراض المسلمين عن القرآن

‌إعراض المسلمين عن القرآن

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (سورة ص).

القرآن نور وهدى للناس ينير لهم طريق السعادة، {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} أوحاه الله إلى رسوله الكريم {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (سوره هود).

القرآن هو دعوة ربانية موجهة للإنسانية عامة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (سورة سبأ).

القرآن علاج القلوب المريضة المزمنة، والنفوس المضطربة الحائرة، والمجتمعات المنحرفة الضآلة عن طريق الحق والصواب قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (سورة يونس) سار المؤمنون على هديه فحققوا السعادة لأنفسهم في الدنيا والآخرة، وفازوا برضوان وجنة النعيم.

هذا القرآن فيه تبيان كل شيء للناس لكيلا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، وإنه بشرى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، وتحذير الكافرين والفجرة العصاة المعرضين عن القرآن بأن لهم عذابا أليما.

القرآن كله حسن وأحسن منه ما يكشف للقلوب من العجائب لمن يلقي السمع عن طريق الفهم والإستنباط.

تناول القرآن حياة الإنسان من جميع جوانبها منذ نشأته إلى دخوله الجنة أو النار. فهو القوة الفعالة التي اعتمد عليها رسول الله صلى عليه وسلم في هداية الناس.

القرآن معجزة الدهر عجز الناس كلهم على أن يأتوا بمثله أسلوبا وبلاغة وحكمة وتشريعا صالحا لكل زمان ومكان، وإخبارا بالغيب. قال تعالى:

ص: 17

{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (سورة الاسراء).

كان الناس قبل نزول القرآن في غفلة تامة وجهالة شنيعة عن معرفة الخالق إلا ما كان من بعض الأفراد القلائل

جاء القرآن فعرف الناس دلائل التوحيد، وما يحب لله تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته وما يستحيل عليه من أضدادها.

كانت العقول والأفكار مقيدة فلم تستطع أن تفهم ما في هذا الكون من الأسرار والحكم، فجاء القرآن محررا لها من القيود، وأعطى للعقل حريته في النظر والتفكير والتأمل في عجائب هذا الكون.

كان الناس قبل نزول القرآن فرقا وشيعا ومذاهب وأحزابا يعبدون آلهة شتى فقال لهم القرآن {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} والإسلام هو دين التوحيد في هذا الوجود {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ

} (آل عمران).

القرآن جاء مصححا لعقيدة التوحيد، وبالنظام الشامل لحياة الناس في كل شأن من شئونهم، بل في كل ما يحتاجون إليه من الغيبيات، وما تدركه حواسهم من المحسوسات سواء إتصلت بالدنيا التي نعيش فيها، أو الحياة الأخرى التي نحن مقبلون عليها.

كلف الله نبيه الكريم بتبليغ هذا الكتاب المقدس للناس فبلغه كما أمر، وطبقه على نفسه أحسن تطبيق، وأقام على أساسه خير أمة، وأفضل مجتمع، وأعدل دولة عرفها الناس في تاريخهم الطويل، فأصبح هذا الكتاب الرباني دستورا للأمة الإسلامية التي احتضنته بكلتا يديها، كما قال الشاعر المسلم:

دستور القرآن لا ما صاغه

متفلسف حنق وفكر عبقري

كم تحدى المفلقين بيانه

كم هز في إعجازه من منبر

شهد العدو بصدقه وجماله

خير الشهادة ما أتى من منكر

ص: 18

هو منهج صادق إذا ما ذقته

تخلو الحياة فليس أي مكدر

فهو الضياء لنا وفيه حياتنا

يهدي إلى النجاح القويم الأنور

وإذا تأمل المسلم هذا الدستور الكامل وجده، يأمر بعد توحيد الله بإقامة العدل بين الناس ومساواتهم في الحقوق والواجبات، ولا تفاضل بينهم إلا بالعمل الصالح، ويحث على الاتحاد، وعدم الشقاق، ومحو الحقد والحسد من القلوب، والتمسك بهذا الدين المتين لأنه هو الدين الوحيد لجميع الناس.

قال تعالى {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (سورة الشورى).

كون هذا الكتاب الرباني أمة عظيمة، وأودع بين يديها الأمانة العظمى أمانة تبليغ الرسالة السماوية إلى الناس كافة، وإلى مشارق الأرض ومغاربها ليكونوا جديرين بعبادة الخالق المعبود.

فإذا الأمة العربية تنطلق من الصحراء بغتة، وتبرز فجأة على مسرح الحياة بعد خفاء مهين، فحملت هذا النور الرباني فبددت به ظلمات الكفر والشرك والجهل المخيم على عقول الناس.

بماذا فضل المسلمون على سائر الأمم في القديم؟ وبماذا فضل دينهم على سائر الأديان؟ فضلتم بمعجزة الدهور، وآية العصور بكتاب الله الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (سورة فصلت) فإن جعلتموه - أيها المسلمون بين أيديكم كان قائدا لكم إلى السعادة والحرية وفي الدار الآخرة إلى مغفرة من الله ورضوانه، وإن جعلتموه وراء ظهوركم رجعتم إلى الجاهلية الجهلاء وتفقدون ما بوأكم به القرآن من العزة والكرامة والسيادة والمنزلة القصوى، ويستولي عليكم الذل والخزي في الدنيا وفي الآخرة تصيرون إلى جهنم وبئس المصير.

كيف لا يكون القرآن هكذا؟ وإنه لكتاب الهدى وسفر السعادة، وقانون الفضيلة، ودستور العدالة في كل زمان ومكان.

ص: 19

لو تدبر المسلمون القرآن وعملوا بما فيه لسيرهم سعداء في أنفسهم وأهليهم، ولو وقفوا تحت رايته لسموا سمو المجد والعلاء، وتبوءوا مكان الشرف والعزة، ولو أنهم حافظوا على أوامره لأضاءت لهم المسالك، ولما اختلفوا على أنفسم حتى أصبحوا هالكا إثر هالك يستعبدهم مالك بعد مالك، ويذيقهم العذاب فاتك بعد فاتك.

يا معجبين بالمدنية الغربية والتقاليد البشرية فكروا قليلا فإن هذه المدنية التي اعتنقتموها لم تقدر على سعادتكم وإنما يسعدكم اللجوء إلى الدين الحنيف المنزل من السماء، سار المسلمون - في العصر الحاضر- في ركاب المدنية الغربية، ونبذوا أوامر قرآنهم وراء ظهورهم. وأطلع الله رسوله على حالة المؤمنين من بعده من خلال الغيب فشكى إلى ربه بقوله عز وجل:{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (سورة الفرقان) شكى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه من أن قومه الذين أرسل إليهم بالقرآن ليتلوه عليهم قد صدوا عنه وتركوه وثبتوا على تركه وهجره، وفي شكوى النبي صلى الله عليه وسلم لربه من هجر أمته للقرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور عند الله وأبغضها إليه، وفيه تهديد ووعيد شديدين لمهاجري القرآن بإنزال العقاب بهم.

نحن المسلمين قد كان منا هجر كبير للقرآن الكريم منذ زمن طويل- وإن كنا به مؤمنين. بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القاطعة فهجرناها، وبين القرآن لنا أصول الأحكام، وأمهات مسائل الحلال والحرام، ووجوه النظر والإعتبار مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح العام والخاص فهجرناها، وبين القرآن مكارم الأخلاق ومضارها، وبين السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس، والسلامة من الخيبة بتدسيتها فهجرنا ذلك كله، وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه، ونبهنا على ما فيه من أسرار الحكمة ومصادر النعمة لننظر كي نستفيد ونعمل فهجرنا ذلك كله، ودعانا القرآن لتدبره وتفهمه والتفكر في آياته، ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه فأعرضنا عن ذلك مع أن المسلمين يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن قال تعالى:

ص: 20

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (سورة الحجر) وكذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية تالية للقرآن عاملناها بما عاملناه

هذا التفسير مأخوذ من مجالس التذكىير للشيخ عبد الحميد بن باديس طيب الله ثراه وجعل الجنة منقلبه ومثواه.

أيها المسلمون إن العمل بالقرآن الكريم واجب وتطبيق أحكامه، والتدبر في آياته فرض على كل مسلم ومسلمة لأنه أمر الله لعباده، ورسالته المبعوثة إليه، فمن لم يقرأ ويتدبر القرآن فقد استهان برسالة ربه، واستهان بمن أرسلها، ولينظر المعرض عن كتاب الله عمن أعرض ومن يقاطع؟ ومع من يسيء الأدب؟ وبرسالة من يستخف؟ إنها رسالة ربه ومولاه فينبغي قراءتها بما يناسبها من الإجلال والاحترام والإنصات قال تعالى:{وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (سورة مريم) وقد وصف الله قلوب الذين لا يتأثرون بالقرآن، ولا يخشون آيات الله، ولا تلين قلوبهم إلى ذكر الله بالقساوة فقال:{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (سورة الزمر).

فالويل لمن نأى عن النور الذي يهديه ويجلو عن بصيرته ظلام الشرك والكفر، والويل لمن لم يحذر ما يشقيه إذا خيم عليه ظلام الجهل فلم يعرف الحلال من الحرام فيسقط في حمأة الآثام قال تعالى:{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ .. } (سورة الأنعام).

فالبعد عن القرآن هو عين البعد عن الله، والبعد عن الله هو عين البعد عن الحق، والبعد عن الحق ضلال، والضلال هلاك. قال تعالى:{وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} (سورة طه).

أصبحت قلوب المسلمين معرضة لخطرات الوساوس والأوهام من هجرهم للقرآن، فالذي يثبتها على الحق ويدفع عنها الشكوك والحيرة ويربطها

ص: 21

باليقين هو القرآن الكريم. أصبحت قلوب المسملمين معرضة للإلحاد والكفر التي تظلم منها النفوس، وتقسوا منها القلوب فتحجب عنها الحقائق، وتطمس عنها سبل العرفان من هجرهم للقرآن، فالذي يزيل عنها الظلام المتراكم ويجلو عنها تلك الأصداء المتكاثفة، ويوضح لها الحق من الباطل هو القرآن الكريم.

قلوب المسلمين معرضة للضعف عن القيام بأعباء التكاليف، وما نحن مطالبون به من الأعمال من هجرهم لكتاب الله، فالذي يبعث فيها القوة والنشاط هو القرآن الكريم، فحاجتنا إلى تجديد تلاوته وتدبر آياته أكيدة جدا لتقوية قلوبنا باليقين ..

المسلمون لما هجروا القرآن أصبح لا هم لهم إلا أنفسهم ودنياهم وشهواتهم {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} (سورة الحشر) استخفوا بالدين والأخلاق {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} (سورة المجادلة).

لقد طغت الإباحة وعلا صوتها في أوساط المسلمين على كل صوت يدعو إلى الله، فضاعت الحقوق وانتهكت الحرمات، وغلب العقوق على الامتثال، وتخاذلت الهمم، وفسدت الأمم بإعراضها عن كتاب الله، وهضم الغني حق الفقير، واندثرت الفضائل، وانتثرت الرذائل فهذه نوادي ومسارح فاتنة، ومراقص ماجنة، وأفاعي كاسية عارية تتلوى، ولحوم بشرية في الشواطيء متراكة ونفوس دنيئة تتهافت على مجاري القذارة تعب منها في نهم متزاحمة، ورجال يقفزون في حلبات الرقص كقرود لاهثة، وزعم الإسلام من لا يعرفه ونبذ أوامره في سبيل شهواته، وزم الإيمان من ترك الصلاة وأصر على العصية لينال مبتغاه، ولم يخش غضب ربه، وزم التقوى والصلاح من اتخذ الموتى أولياء من دون الله. هذه عواقب من ترك كتاب الله واتبع هواه وأغراه الشيطان بطاعته {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (سورة الرعد) فإلى النجا أيها المسلمون، بادروا إلى تدبر القرآن، واسعوا

ص: 22

ما استطعتم إلى فهمه، والعمل بأوامره، والوقوف عند حدوده ونواهيه، وأنيروا قلوبكم بنوره وحكمه، واشكروا ربكم على فضله ونعمه ..

لقد آمن المسلمون الأولون وحسن إيمانهم، فمكن الله لهم في الأرض، وأن الذي مكن لهم على قلتهم لقادر أن يمكن لنا إذا آمنا وحسن إيماننا.

ذلك وعد الله لعباده ومن أوفى بعهده من الله؟ ..

وأن المسلمين يتحدثون عن الإسلام صباح مساء ويعربون في كل مناسبة عن تعظيمهم للقرآن واعتزازهم به، ولكن لا يقرأونه ولا يقيمون أحكامه، ولا يعتنون بتعاليمه، ولا يوجد شيء منه في واقع حياتهم.

فأحكامه استبدلوها بقوانين وضعية أجنبية، وتعاليمه ضربوا بها عرض الحائط وحدوده عطلوها ورموها وراء ظهورهم، ومع هذا إنهم يعتزون بالقرآن، فالآيات القرآنية تكتب بخط جميل أنيق تزين بها جدران المنازل، وتعلق في رقاب الأولاد والمرضى والمصاحف الضخمة فوق مكاتب الحكام والقضاة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله. هل هناك تكريم للقرآن أفضل من هذا التكريم؟

يا قومنا إن القرآن أنزل ليكون شرعة ومنهاجا لحياتنا فيجب أن نسير على هديه لا ندعوا إلا بدعوته ولا نعمل إلا بأوامره.

يا قومنا لم ينزل القرآن ليكون أنغاما وألحانا يتغنى به المطربون، لم ينزل القرآن ليقرأ في مجالس العزاء على بخار السجاير، وإنما أنزل ليحكم بيننا بالحق، ويهدي قلوبنا إلى معرفة الخالق لنعبده ونشكره على ما أولانا من النعم التي لا تعد ولا تحصى ..

يا قومنا منذ تركنا أحكام القرآن، وابتعدنا عن أوامره العادلة، ونحن نتخبط في الفتن ونتقلب في الفوضى ونتجرع الظلم ألوانا، ونشرب الذل كئووسا، والله لا خلاص لنا مما نحن فيه إلا بالرجوع إلى كتاب الله، والله لا يؤمن حاكم يحكم بغيره، والله لا يؤمن قاض يقضي بسواه والله لا يؤمن عالم لا يبين أحكامه وينشر هديه، ويجاهد الناس به، والله لا يؤمن من ابتغى

ص: 23

الخير في غيره. إذا دام المسلسون على هجر القرآن وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم لابد لهم من يوم يندمون فيه قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} (سورة الفرقان) يوم يعض الظالم على يديه حسرة وندامة على تفريطه وعدم اتباعه للحق مع الرسول الذي أرسل إليه، ويندم عن صحبته لخليله الذي صده عن الإيمان بالقرآن بعدما سمعه

ومما يحزن المسلم أن يرى المسلمين يسيرون من ضعف إلى أضعف، ومن جهل إلى أجهل، وهم لا يدرون السبب في ذلك، والسبب واضح هو عدم تمسكهم بالشريعة الغراء وتشبثهم بالقوانين- الوضعية الأجنبية هذا هو الذي أفسدهم وأورثهم الفرقة والذل والضعف.

فهناك فرق كبير بين المسلمين والإسلام، فالإسلام يدل عليه كتابه الجامع ورسوله العظيم، والمسلمون يدل عليهم ضعفهم وتخاذلهم وتفرقهم هذا هو الفرق بينهما.

أيها المسلمون الله الله في دينكم لا يفتننكم الشيطان عنه بأقوال المسرفين، ولا تصرفنكم المدنية الغربية عن تعاليمه السامية فإنه {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران){وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (سورة البقرة).

يظهر بين الحين والحين بعض المفكرين الذين يعيشون بيننا فيقولون يجب عزل الدين عن المجتمع وأحوال المعيشة ومحاصرته داخل جدران المساجد - حتى المساجد أخرجوه منها كما هو الشأن في أوربا، وألفت في ذلك عدة كتب وألقيت محاضرات كثيرة إمعانا من هؤلاء على شل الجانب الديني حتى يأخذ طريق الضمور في مسيرته إلى أن ينتهي الى الفناء الذي يريدونه لا قدر الله.

ص: 24

ولكم صور البعض الإسلام أنه دين التواكل والتكاسل- وهو دين الإعداد {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} وهو دين العمل والسعي {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} وهو دين العمل {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} وهودين العمارة {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} "ومن بات كالا من عمل يديه بات مغفورا له"(حديث) تصور كيف يكون هذا الدين دين التواكل ودين التراخي والكسل، واستدلوا على ذلك بالكسالى العاطلين المنتسبين إليه، واتخذوا منهم عنوانا على هذا الدين ومثالا لأبنائه

وهناك قوة عالمية متحالفة فيما بينها منذ قديم الزمن تعمل على استئصال الإسلام من الوجود، منها الصهيونية والصليبية، والشيوعية أخيرا. كلها قوات خطيرة استهدفت الإسلام بطرق شتى ملتوية، وأساليب متنوعة ماكرة في محو الإسلام من نفوس المسلمين، وما دام هذا الوضع سائدا على المسلمين لا يخلص المجتمع من التشويه والانحراف والمسخ. يجب على المسلمين أن لا يتركوا مكان القيادة، وأن لا يهملوا منهجها، وأن لا يلهثوا وراء الأمم الضاربة في التيه والضلال

يقول الأستاذ أنور الجندي في مقال له نشرته مجلة رابطة العالم الإسلامي: إن كل المخططات سواء كانت تبشيرية أو استشراقية، أو ثقافة غربية شيوعية كانت إما صهيونية وإما رأسمالية تتضافر كلها في سبيل غاية واحدة: وإن اختلفت الوسائل فتتلاقى على ضرب الفكر الإسلامي في أصالته ووحدانيته ليظل المسلمون يدورون في الفلك البشري الذي صاغته أهواء الطامعين وعباد الذهب والشهوات ودعاة الجنس والفلسفة ليعجز المسلمون عن تبليغ رسالة الله التي أنزلها رحمة للعالين، وليبتعدوا عن الأصالة الإسلامية التي تعصم النفس والعقل لأنها حصانة نفسية وفكرة قادرة على الثبات أمام الأعاصير.

هذه العناصر كلها - كانت ولا زالت تبث سمومها في المجتمع الإسلامي بدعوى التقدم والرقي، وساعد على ذلك الخواء الديني والفراغ الروحي

نشأ عن هذه المباديء التي تروج في بلدان المسلمين إنحراف عن الإسلام

ص: 25

لأنها هزت كيانهم وزينت لهم ما بين أيديهم من الصور البراقة، وشوهت الحقيقة أمام أبصارهم وبصيرتهم.

ألفت الجماهير الكفر والإلحاد والنفاق، وأصبحت تظن أن ذلك أوضاع إسلامية لا تخالفه في شيء وشاع في أوساطهم أن الإسلام مرن ومتطور يساير الأوضاع الاقتصادية والسياسية الغربية، فإذا قلت لهؤلاء المنحرفين إنما أحكام الإسلام لا تتبدل ولا تتغير ولا تعطل إلا لضرورة أجابوا بقولهم: إن أحكام الإسلام كانت لزمن غير زماننا، والإسلام يفرض على المسلم أن يجاري عصره، ويعمل بما يلائم زمانه. هذا صحيح من ناحية التقدم العلمي والتطور الصناعى الحضاري في التكنولوجيا. أما من ناحية القواعد الدينية، والكليات الأصولية، وأمهات الأحكام لا تتغير فإنها من عند الله ..

بدأ المسلمون ينحرفون في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد فكانوا يبررون نظام البنوك الربوية، والشركاتا المساهمة والتعامل معها بما حرم الله بدعوى الضرورة، وأن الإسلام يقبل بها لأنه مرن، وأباحوا اختلاط النساء بالرجال بدعوى أن ابتعاد المرأة عن العمل يتضرر من ذلك الاقتصاد الوطني، وينكرون على الشريعة تعدد الزوجات، وقطع يد السارق، ورجم الزاني المحصن إلى غير ذلك مما جاءت به الشريعة الغراء.

وكم أصاب المسلمين من بلاء ومحن بسبب المباديء الغربية التي اعتنقوها؟ وكم طعنوا في شرفهم وكرامتهم؟ وكم أوذوا في نفوسهم بسبب إعراضهم عن الإسلام؟ وكم لدغوا من الفرقة وعدم الإتحاد، ومن السياسة المرتجلة مرات ومرات- ولكنهم لم يتعظوا؟ أليس من شأن المؤمن أن لا يلدغ من جحر مرتين {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (سورة الأنعام) ليت المسلمين يلقون السمع لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي جاءهم بالهدى ودين الحق ..

أصبح المسلمون يرددون أقوالا جوفاء بلا اعتقاد ولا أعمال، ولهذا زحزحوا عن الإسلام وكادوا يخرجون عنه قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

ص: 26

آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (سورة الصف).

وهنا يبدو من هذا العرض أي عرض المباديء الغربية التي غزت الأمة واضحا جليا أنها دفعت الأمة إلى الهاوية وحققت أهدافها الإيجابية في غياب الإسلام، وهذا هو السبب الحقيقي في خروج المسلمين عن الإسلام وارتمائهم في أحضان الغرب، حتى أصبحوا مجزئين بين أرجائه وتابعين له في كل شيء.

والحقيقة التي غابت عن المسلمين، وفي مقدمتهم المسيرون أن ليس أقوى في توثيق العرى الاجتماعية من الشعائر الدينية إذا هي خرجت من محيط الشكل إلى محيط الجوهر والروح، وأنطلقت من ظلام التقليد والجهل إلى نور المعرفة والإدراك

لم يبلغ المسلمون الأولون ما بلغوا من رقي وتقدم وحضارة إلا بالوحدة الإجماعية، والمشاركة الوجدانية، ولم يكن لهم ذلك إلا بوعيهم للدين وقيامهم بشعائره خير قيام، فسيرة كل واحد منهم كانت تعد مدرسة مثالية للتربية الإجماعية الرشيدة والتهذيب الإنساني الصحيح وتنمية المحبة والمودة والتعاطف

الإسلام شريعة كاملة اشتملت على العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، فأهمل المسلمون أحكامها، وعطلوا سلطان مفعولها، فأدى ذلك إلى الإنصراف عنها إلى القوانين الوضعية.

الشريعة الإسلامية لها دعائم قوية وأحكام تفصيلية تجعلها صالحة لكل زمان ومكان، فأما أمر صلاحيتها فإنها تكفلت بذكر القواعد العامة في القرآن الكريم وتركت ما وراء ذلك من أحكام تفصيلية فرعية للإجتهاد بحسب ظروف البيئة والزمان إذا توافرت شروط الاجتهاد المعلومة ودعت الضرورة لتوسيع قاعدة بناء على شبيهات لها من قواعد الشريعة الغراء.

ص: 27

العقائد التي اشتملت عليها الشريعة يجب الإيمان بها لقيام الدليل اليقيني عليها كالتوحيد، وإرسال الرسل عليهم السلام، وإنزال الكتب، والبعث والجزاء وما اشتمل عليه اليوم الآخر إلى غير ذلك من قواعد الإيمان لكي يعود المسلمون إلى ما كانوا عليه من مجد وسؤدد. يجب عليهم أن يهتموا بالناحية الروحية والفكرية، وهذه نظرة العقلاء من المسلمين منذ زمن بعيد وهم ينادون بذلك، يجب أنما يقادوا قيادة إسلامية لا قيادة عاطفية ولا تقليدية في تفكيرها ونظامها الداخل والخارج لا ريب أن المسلمين اليوم في حاجة أكيدة إلى أسلوب جديد للدعوة، وجيل جديد من الدعاة، وقد مرت بالمسلمين فترة عصيبة توقف خلالها أسلوب الدعوة المجدي الفعال، ولم تبق منه إلا العبارات المتكررة الجوفاء، فلا تمس قلوب المسلمين ولا تحرك عواطفهم

نريد من دعاة المسملين أن يبرزوا تعاليم القرآن إلى نشاط وحركة وتطبيق. لم ينزل الله القرآن زينة يوضع فوق الرفوف، ولا تعاويذ ولا ترانيم ولا أنغاما ولكنه قانون حياة وعمل قامت عليه أمم انبعثت به إلى الوجود، وما لم تتحول تعاليم القرآن إلى أعمال إيجابية وسلوك محكم دقيق فليس ثمة مسلمون، وليست ثمة إصلاح لهذه الشعوب

ص: 28