الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علاقة الله بالإنسان
ليس من العجيب أن تكون علاقة الله بمخلوقاته - القائمة على العبودية إفرادا وإخلاصا ودواما وثباتا-، أو علاقة الإنسان به هي محور للعقيدة الإسلامية التي عرضها القرآن ..
فقد وصف القرآن الكريم باعتبار ذاته: بأن الأول والآخر والظاهر والباطن، والقيوم والواحد والحي والمتعالي، والغني والقادر، والباقي، والعظيم والقهار، والحميد والمجيد، والقوي المتين والعليم واللطيف، والحكيم والسميع والبصير، والملك القدوس، والبر الرحيم، ونور السماوات، والحق إلى غير ذلك من الصفات التي تصور الله غنيا بنفسه أبديا، واسع القدرة والمعرفة، محيطا بكل شيء، وأنه الحق وحده
…
وباعتبار صلته بمخلوقاته تحدث عنه بأنه الخالق، وبأنه المبديء والمعيد، والباريء، والمصور والمحيي والمميت، والوارث والباعث، والحافظ ومالك الملك، والولي والمقتدر، والجبار
…
إلى غير ذلك من النعوت التي تبين أنه الخالق المطلق، المدبر الحاكم، والملك. الذي لا قوة غير قوته، ولا سلطان غير سلطانه في الوجود.
وباعتبار علاقته بالإنسان: وصفه بأنه الرحمن الرحيم والغافر والغفور والغفار، والعفو والحليم والشكور (الذي يجازي الناس على حمدهم) والصبور والرؤوف الودود الرقيب والشهيد.
وباعتبار علاقة الإنسان به: نعته بأنه المهيمن والهادي والوكيل، والولي والوهاب، والرزاق والمجيب والمعطي والمغني يبسط الرزق لمن يشاء إلى غير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن صلة العبد به صلة احتياج. فالعبد محتاج إلى عفوه وتدبيره، والله هو الرقيب والحسيب عليه المهيمن على العباد جميعا يعينهم ويهديهم، فهو مصدر الرزق بأوسع معانيه
…
والله إذن هو الفاعل لكل شيء في الوجود، وإرادته هي سبب ما في الوجود كله .. هو يضل من يشاء ويهدي من يشاء
…
والإنسان المؤمن
لا يستطيع إزاء ذلك غير أن يرجو الله ويدعوه الهداية، وأن يسأله ألا يجعله من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وكانوا في الآخرة من الخاسرين ..
هذا الاعتقاد في الله جل جلاله على هذا النحو، كان واضحا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند جماعته من المهاجرين والأنصار، وكانوا يبشرون به، ويدافعون عنه. وإذا تليت آي الذكر الحكيم قالوا: آمنا به كل من عند ربنا، لم يلجأوا إلى تفتيش عن المتشابه فيه، ولم تكن بهم حاجة إلى تأويله
…
كان ذلك عنوان الجماعة المسلمة ومظهر إيمانها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حال المؤمنين حقا ..
ننقل بعض المعاني لأسماء الله الحسنى، لابن قيم الجوزية من تفسيره لفاتحة الكتاب دلالة الحمد على توحيد الأسماء والصفات وأما دلالة الأسماء الخمسة عليها، وهي: الله، والرب، والرحمان والرحيم، والملك فمبني على أصلين:
أحدهما: أن أسماء الرب تبارك وتعالى دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء وصفات وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظا لا معنى فيها لم تكن حسنى، ونفي معاني أسماء الله الحسنى من أعظم الإلحاد فيها قال تعالى:{وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة الأنفال). ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها، لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها، وأثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله، كقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} فعلم أن القوة من أسمائه، ومعناه الموصوف بالقوة، وكذلك قوله:{فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} فالعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة له لم يسم قويا ولا عزيزا.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار،
وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لاحترقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه (البصير)، وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات"، وفي حديث الإستخارة "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك" فهو قادر بقدرة، وقال تعالى لموسى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} فهو متكلم بكلام، وهو العظيم الذي له العظمة، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: "العظمة إزاري، والكبرياء ردائي"، وهو الحكيم له الحكم {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} وأجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره، أو قوته أو عزته، أو عظمته إنعقدت يمينه، وكانت مكفرة لأن هذه صفات كماله التي انشقت منها أسماؤه ..
لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسع أن يخبر عنه بأفعالها، فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويقدر ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة إستحال ثبوت حكمها ..
روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله عز وجل {الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} قال: يكذبون عليه، وهذا تفسير بالمعنى، وحقيقة الإلحاد فيها: العدول عن الصواب، وإدخال ما ليس من معانيها عليها، وإخراج حقائق معانيها عنها، هذا حقيقة الإلحاد، ومن فعل ذلك فقد كذب على الله، ففسر ابن عباس الإلحاد بالكذب، وهو غاية الملحد، في أسمائه تعالى، فإنه إذا أدخل في معانيها ما ليس منها، وخرج بها عن حقائقها أو بعضها، فقد عدل بها عن الصواب والحق، وهو حقيقة الإلحاد، فالإلحاد: إما بجحودها وإنكارها وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات الباطلة.
الأصل الثاني: إن الإسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم، فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن
الصفة، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم. فإن إسم السميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن، وكذلك اسم (العلي) واسم الحكيم وسائر أسمائه، فإن من لوازم اسم (العلي) العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدرة، وعلو القهر وعلو الذات، فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه (العلي).
وكذلك اسمه الظاهر من لوازمه: ألا يكون فوقه شيء كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" بل هو سبحانه فوق كل شيء فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم إسمه (الظاهر) ولا يصح أن يكون الظاهر هو من له فوقية القدرة فقط، كما يقال: الذهب فوق الفضة، والجوهر فوق الزجاج، لأن هذه الفوقية لا تتعلق بالظهور، بل قد يكون المفوق أظهر من الفائق، فيها. ولا يصح أن يكون ظهور القهر والغلبة فقط وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة لمقابلة الإسم (بالباطن) وهو الذي ليس دونه شيء، كما قابل الأول، الذي ليس قبله شيء، بالآخر ليس بعده شيء.
وكذلك اسم الحكيم من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله، ووضعه الأشياء في مواضعها، وإيقاعها على أحسن الوجوه، فإنكار ذلك إنكار لهذا الاسم ولوازمه، وكذلك سائر أسمائه الحسنى ..