الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (سورة القمر).
{وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (سورة الحجر). {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (سورة الشورى). {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} (سورة القمر). {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} (سورة طه). {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (سورة الاحزاب). إذا فالقدر هو القانون الحكيم الذي وضعه أحكم الحاكمين بعلمه وإرادته وحكمته ليسير على أحكامه كل شيء في هذا الوجود من السماء وما فيها إلى الأرض وما عليها، وما بين ذلك {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}
الأقدار:
قدر الله سبحانه أن تدور الأرض حول محورها أمام الشمس مرة كل أربع وعشرين ساعة، وقدر أن تدور حول الشمس مرة في كل خمسة وستين وثلاثمائة يوم وربع يوم، وقدر أن الجسم إذا قذف في الفضاء عاد إلى الأرض، إذا تلاشت القوة الدافعة، وغلبت القوة الجاذبية، وقدر أن الضوء إذا سقط على جسم انعكس عنه، وكانت زاوية الإنعكاس مساوية لزاوية السقوط، وقدر أن الماء إذا اشتدت حرارته استحال بخارا، وإذا اشتدت برودته استحال جليدا، وقدر أن النار إذا حيل بينها وبين أكسجين الهواء خبت، وقدر الفلزات تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وقدر أن الجسم المنغمس في الماء يزيغ منه بقدر حجمه، وأن الجسم الطافي عليه يزيع منه بقدر وزنه، وقدر أن الجهازين الكهربائيين إذا توافقت مفاتيحيهما، وكان أحدهما مرسلا والآخر مستقبلا، تم الإتصال بينهما مهما بعد أحدهما عن الآخر. وقدر أن الحبة الصالحة إذا ألقيت في التربة الطيبة، وأجري عليها الماء نبت منها نبات، وقدر أن نواة التمر نبتت منها نخلة ولا يمكن أن تنبت غير النخلة، فلا يمكن أن تنبت منها زيتونة مثلا، وقدر أنه إذا اتصل الذكر بالأنثى من الإنسان والحيوان والطير مع سلامة الأعضاء وموافقة الزمن والإستعداد تكون نسلا من جنسها وقدر أن يولد الإنسان طفلا، ثم يصير صبيا فمراهقا فمدركا فشابا، فكهلا،
فشيخا، فهرما، وإذا قدر له أن يرد الى أرذل العمر، وقدر أن يمنحه قدرة وإرادة يزاول بهما- بإذن ربه- مصالحه، ويسعى في كسب رزقه وجلب ما ينفعه ودفع ما يضره.
وقدر أن يمنحه أنواعا من الهدايات يميز بها النافع من الضار والخير من الشر، والهدى من الضلال، وقدر أن يرسل إليه رسله يرشدونه الى ما فيه خيره وصلاحه، وأناط بأتباعهم وطاعتهم سعادته، وبمعصيتهم والمخالفة عن أمرهم شقاوته، وقدر أن يكلفه أنواعا من التكاليف كلها، فإن نهض بها أثابه وإن لم يفعل عاقبه، وقدر أن يجعله مختارا فيما يأتي ويدع، وأن يجعل هذا الإختيار أساسا للتكاليف الشرعية، حتى إذا ذهب الإختيار سقط التكليف ولا يتسع الوقت لإيراد جميع المقادير الإلهية التي سماها ذو الجلال والإكرام بكلماته، والتي قال في شأنها في سورة لقمان:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وقال في سورة الكهف: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} .
هذه القوانين الإلهية، والنواميس الربانية، والسنن الكونية أزلية أبدية سرمدية خالدة، وضعها رب العزة قبل أن يخلق السماوات والأرض، فكانت هذه النواميس قائمة، ولم يكن في الدنيا شيء من الموجودات، بل لم تكن الدنيا قد تمخض عنها الوجود، وهذه القوانين الأزلية الأبدية لا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتحول بشهادة القرآن الكريم كما قال تعالى في سورة فاطر:{فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} ..
ذلكم هو القدر، أي القانون الأزلي الأبدي السرمدي الذي لا يعتريه تبدل ولا تغير ولا تحول، والذي لو اجتمعت كل قوى العالم السماوية والأرضية على أن تغير منه مثقال ذرة ما وجدت الى ذلك سبيلا، ولو كان بعضها لبعض ظهيرا.
ذلكم هو القدر فما القضاء؟