الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة المحمدية
وإذا كانت دعوات الأنبياء رحمات وبركات على الناس في أجيالها وأوطانها، فإن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة شاملة، وبركة عامة للناس جميعا من كل أمة، ومن كل جنس على مدى الأيام والدهور
…
أنها رسالة لا تخص أمة من الأمم، ولا تنتهي عند زمن من الأزمان، فهي ليست للعرب وحدهم وليست لعصر النبوة وحده. فما العرب فيها إلا لسانها وترجمانها وما عصر النبوة إلا مطلعها، ومجلى أنوارها، ثم هي بعد ذلك رحمة مشاعة في الناس كلهم وحظ مقسوم لجميع الأزمان {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} (سورة الأعراف) ومن أول آية نزلت من القرآن شعر النبي أنه رسول الله إلى الناس كافة إذ كانت الآية شارحة لقضية الإنسانية، من حيث أنها مخلوقة من معدن واحد، فليس لأمة ولا لشعب، فضل أو امتياز في الأصل والنشأة، ولا في الدم، أو الوطن، ولا في الزمن السابق أو اللاحق {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} فهذه أول آية يتلقاها الرسول من السماء وتفتح بها رسالته، الله هو الخالق لكل شيء، والانسان هو من مخلوقات الله، قد خلق (الانسان) من علق
…
هذا هو عنوان الرسالة المحمدية: الانسان .. الانسان مطلقا في أي زمان، وفي أي مكان
…
القرآن الكريم كله في أحكامه وتشريعاته، وفي أمره ونواهيه وفي نصائحه ووصاياه يخاطب الناس جميعا، ويدعو الناس جميعا بهذه الكلمة العامة الشاملة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} أو {يَا بَنِي آدَمَ} أو {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ} ولم يختص العرب وحدهم أو قريشا بخطاب أبدا، فلم يقل يا أيها العرب، أو يا بني إسماعيل، أو يا بني عدنان وقحطان. كما كان ذلك شأن أنبياء الله ورسله في أقوامهم، ومن أرسلوا إليهم، فكان كل نبي
يدعو قومه خاصة كما حكى القرآن الكريم ذلك في قصص الأنبياء: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} إلى غير ذلك من الآيات التي تخاطب أقوام الأنبياء.
هذه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قد حملها صاحبها- بتدبير السماء- إلى الناس كافة، فآذنهم من أول يوم بما أمرهم الله سبحانه وتعالى أن يؤذنهم به:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} وجاءت آيات الكتاب تحمل أحكام الشريعة للإنسانية كلها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} وهكذا تكررت دعوة الإسلام على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي آيات القرآن في تلك الصورة العامة للناس جميعا لا يلتبس بها شيء من التخصص بأمة دون أمة أو جيل دون جيل فهي خير مطلقا للناس جميعا ورحمة مبسوطة لكل من يتعرض لها ويمد يديه إليها.
وقد ظهرت آثار هذه الدعوة الشاملة العامة منذ اليوم الأول للإسلام، فدخل فيه العبيد والأحرار، والعرب والعجم، فكان بلال العبد وسلمان الفارسي من أول الناس إسلاما. سئل الرسول صلى الله عليه وسلم من أول من بايعك على الإسلام؟ قال:"حر وعبد". قيل أن الحر هو أبو بكر والعبد هو بلال رضي الله عنهما ..
وكان من مقررات الرسالة المحمدية دعوة النبي للملوك والقياصرة والرؤساء من غير العرب، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بكتبه ومبعوثيه إلى النجاشي
ملك الحبشية وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى المقوقس رئيس القبط في مصر، يدعوهم جميعا إلى الإيمان بالله، والاستجابة لله ولرسوله، فالملوك والسوقة، والأحرار والعبيد، والرجال والنساء كلهم مدعوون إلى الإيمان بالله، والاستجابة لداعي السماء. ثم إنه لم تمر سنوات على الدعوة الإسلامية حتى دخل في دين الإسلام كثير من الأمم والشعوب من جميع الأجناس ومن مختلف الأمم، وكان مكانهم في الإسلام بمنزلة واحدة لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة الحجرات).
الرحمة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الكريم تكلم عليها في غير ما موضع فقال مخاطبا النبي الكريم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} .
وقال سبحانه {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فالرسول مبعوث لرحمة الناس جميعا، وليس لشيء في باب الرحمة بالناس أفضل من استنقادهم من الضلال وتزكية نفوسهم وتطهيرها من الرجس، أن ذلك يعادل الحياة بعد الموت، والبصر بعد العمى، والسمع بعد الصمم {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} ؟ ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم تحمل للناس جميعا الهدى في رفق، وفي لين، فليس فيها البريق الذي يخطف الأبصار ثم يخبو، وليس فيها العنف الذي تنقطع له الأنفاس، وينقطع دونه جهد كثير من الناس إنها ليست رسالة عذاب كما كانت كثير من الرسالات قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، فكان اتباع الرسل قد تطبعوا بطبائع الوحوش الكاسرة، ولم يمتثلوأ لما جاءتهم به رسلهم الكرام وتمادوا في طغيانهم فتنتهي حياتهم بالبتر الحاسم والتدمير الكامل بالمجتمع المريض، فقد شهد كثير من الرسل مصرع أممهم، واستئصال فروعهم وأصولهم ولم ينج منهم إلا قلة تعد على رؤوس الأصابع قال تعالى: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ
وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} فالهلاك الجماعي والإبادة العامة، والاستئصال الشامل لهؤلاء المنحرفين داعية من دواعي التأمين للإنسانية، وحمايتها من عدوى هذا الانحراف الذي لا يرجى له شفاء! والذي إن عاش في الناس امتد عدواه إلى غير المصابين به ..
أما الرسالة المحمدية فإنها لم تجيء من أجل أمر عارض ولا لحالة طارئة في جيل من أجيال الناس، وإنما جاءت للناس جميعا في جميع أحوالهم. وأزمانهم
…
ولهذا لم يكن من تدبيرها تلك الاجراءات السريعة الحاسمة التي تنهي الموقف بين النبي وقومه في لحظة واحدة، ينتهي فيها كل شيء، ويسكن فيها كل شيء {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} بل إن تدبيرها قائم على ترويض الناس، وأخذهم بالرفق، وإعطائهم الدواء جرعة بعد جرعة على فترات متفاوتة، ولم يكن لرسالة عامة شاملة أن تجيء على غير التدبير والتقدير لكي تنجح في مهمتها، وتبلغ الغاية المرجوة منها.
والذي ينظر إلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم يجدها أنها تناولت الحقائق العامة، والأحوال الثابتة التي تعيش في الناس، ويعيش بها الناس في جميع الظروف والأحوال ولم تقف عند الحالات التي لا تقع إلا في النادرة الشاذة من الحياة
…
ولك أن تأخذ أي مبدأ من مباديء الإسلام، وأي حكم من أحكامه، وأن تنتقل به عبر الأزمان، وأن تطوف به في مختلف الأمم والشعوب، فإن رأيت فيه نبوا على الحياة أو مجافاة لطبائع الناس، أو تخلفا عن مواطن الخير والفلاح لمن اعتقده وعمل به- فلك أن تسيء الرأي بهذا الدين، وأن تنضم إلى الجهة المعادية له، وأنا زعيم لك إن أنت نظرت فأحسنت النظر، وقدرت فأحسنت التقدير وحكمت فعدلت في الحكم،
ووقفت إلى جانب الحق- وأن تعود بعد هذا وملء كيانك إيمانا بأن هذا الدين هو الدين الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
…
تلك هي الرسالة التي تلقاها محمد صلى الله عليه وسلم من ربه، ونصب نفسه لها، وجاهد في سبيلها واحتمل ما احتمل من ألوان الأذى والضر من أجلها، فكان له هذا النصر المبين، وكان لرسالته هذه الثمرات الطيبة المباركة في الحياة، بما غرست في القلوب من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبما رسمت للناس من مناهج الحق، والخير والإحسان، وتلك عقبى الدعوات الصادقة، والنيات الخالصة، لا يخطئها النجاح أبدا، وإن قامت في وجهها العواصف، واعترضت طريقها المعاثر، فإن يد الله قائمة عليها تشد أزرها وتثبت خطاها، وتمكن لها أسباب البقاء في الحياة.