الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المستدرك على كتاب الخزاعي رحمه الله «1» (في تشخيص الحالة العلمية على عهده عليه السلام
(وما كان عليه أصحابه في ذلك الزمان من السبق لكل فضيلة وسعة)(المدارك والأخلاق وجميل العوائد والأزياء ويتركب هذا القسم من مقصدين)
(المقصد الأول) في تشخيص الحالة العلمية على عهده عليه السلام
تعلما وتعليما وكتابة وأدواتها ونحو ذلك.
(المقصد الثاني) في تشخيص الحالة الإجتماعية، من حيث ما حازه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من السبقيات في أنواع النبوغ وسعة المدارك والكيفيات وغير ذلك وتحت كل مقصد أبواب.
الباب الأول من المقصد الأول
في ذكر أن أوسع دائرة للمعارف تناولها البشر هي القرآن الكريم الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 42] ذلك الديوان العظيم، أول من قرأ في مدرسته وتربى بهديه واتخذه هجّيرا واهتدى بتربيته الصحابة الكرام، وكيف يرى أهل الإسلام استخراج جمع العلوم منه. عقد الحافظ السيوطي في كتاب الإتقان فصلا شائقا لهذا المعنى، وهو وإن كان مسهبا. ولكن نأت به لفرائده، قال رحمه الله:
النوع الحادي والستون في العلوم المستنبطة من القرآن. قال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89] وقال صلى الله عليه وسلم: ستكون فتن. قيل: وما المخرج منها؟
قال: كتاب الله، فيه نبأ ما بعدكم، وخبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، أخرجه الترمذي وغيره. [كتاب فضائل القرآن باب 14 ص 172/ 5] .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين. قال البيهقي: يعني أصول العلم.
(1) نظرا لأن المؤلف لم ير القسم العاشر من كتاب الخزاعي لنقص النسخة التي اعتمد عليها، لذلك أضاف هذا القسم استدراكا لذلك النقص- مصححه.
وأخرج البيهقي عن الحسن قال: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة وجميع ما تقوله السنة شرح للقرآن، وقال أيضا: جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن.
ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: إني لا أحل إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في الأم. وقال الشافعي أيضا: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، وقليل من الأحكام ما تثبت بالسنة ابتداء.
قلت: ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة، لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول. وفرض علينا الأخذ بقوله.
وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عماشئتم أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر. وحدثنا سفيان عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أنه أمر بقتل المحرم الزنبور.
وأخرج البخاري عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن، المغيّرات لخلق الله تعالى. فبلغ ذلك لامرأة من بني أسد فقالت له: بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت. فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله.
فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول! قال لئن كنت قرأته، لقد وجدته، أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] قالت:
بلى فقال: إنه نهى عنه.
وحكى ابن سراقه في كتاب الإعجاز عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال يوما: ما من شيء في العالم إلا وهو في كتاب الله. فقيل له: فإن ذكر الخانات فيه؟ فقال في قوله:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ [النور: 29] فهي الخانات.
وقال بعضهم ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه الله تعالى، حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة، من قوله: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [المنافقين: 11] فإنّها رأس ثلاث وستين سورة. وعقبها التغابن ليظهر التغابن في فقده.
وقال ابن أبي الفضل المرسي في تفسيره: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم بها حقيقة، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلا ما أستاثر به
سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم؛ مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون، من علوم وسائر فنونه، فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه، وعددها وعد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته والتعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك، من حصر كلمات متشابهة، وآيات متماثلة من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه فسمّوا القراء، واعتنى النحاة بالمعرب منه من الأسماء والأفعال والحروف القابلة وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به حتى أن بعضهم أعرب مشكله وبعضهم كلمة كلمة.
واعتنى المفسرون بألفاظه فوجدوا لفظا يدل على معنى واحد ولفظا يدل على معنيين، ولفظا على أكثر. فأجروا الأول حكمه وأوضحوا المعنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني، وأعمل المعنيين كل فكره، وقال ما اقتضاه نظره.
واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية، مثل قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، واستنبطوا منه أدلة على وحدانيته تعالى، ووجوده، وبقائه، وقدمه، وقدرته، وعلمه، وتنزيهه عما لا يليق به، وسمّوا هذا العلم بأصول الدين، فتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي الخصوص، ومنها ما يقتضي العموم، وتكلموا في التخصيص، والأخبار، والنص، والظاهر، والمجمل، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والنسخ إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والإستقراء. وسموا هذا الفن بأصول الفقه.
وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر، فيما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام؛ فأسسوا أصوله وفرّعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا، وسموه بعلم الفروع والفقه أيضا.
وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، والأمم الخالية ونقلوا أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم، حتى دوّنوا بدء الدنيا وأول الأشياء، وسموا ذلك بالتاريخ والقصص.
وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تغلغل قلوب الرجال، وتكاد تدك الجبال فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت والنشر، والمعاد والمحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار، فصولا من المواعظ، وأصولا من الزواجر، فسمّوا بذلك الخطباء والوعاظ.
واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسموه تعبير الرؤيا واستنبطوا تعبير كل رؤيا من الكتاب، وإن عزّ عليهم إخراجها منه فمن السنة، وهي شارحة للكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال، ثم نظروا إلى اصطلاح الحكم والعوام في مخاطباتهم، وعرّف عادتهم، الذي أشار إليه القرآن بقوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ.
وأخذ قوم لما في آيات المواريث، من ذكر السهام وأربابها، وغير ذلك وسمي علم الفرائض، واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث والربع والسدس والثمن حساب الفرائض، ومسائل العدل. واستخرجوا منه أحكام الوصايا.
ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والبروج وعير ذلك، فاستخرجوا منه المواقيت.
ونظر الكتاب والشعراء، إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم وحسن السياق، والمبادي والمقاطع، والمخالص، والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك، واستنبطوا منه: المعاني والبيان والبديع.
ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة؛ فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق وجعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها، مثل: الفناء والبقاء، والحضور والخوف، والهيبة، والإنس والوحشه، والقبض والبسط، وما أشبه ذلك.
هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل مثل الطب، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر والمقابلة، والنجامة، وغير ذلك.
أما الطب فمداره علي حفظ الصحة، واستحكام القوة، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج، بتفاعل الكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة؛ وهي قوله: وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان: 67] وعرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله، وحدوث الصفاء للبدن بعد اعتلاله، في قوله تعالى: شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: 69] ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب، وشفاء الصدور.
وأما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر ملكوت السماوات والأرض، وما بث في العالم العلوي والسفلي، من البراهين والمقدمات ونتائج المخلوقات.
وأما الهندسة ففي قوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: 30] الآية.
وأما الجدل فقد حوت آياتة من البراهن والمقدمات والنتائج، والقول بالموجب والمعارضة، وغير ذلك شيئا كثيرا. ومناظرة إبراهيم نمرود ومحاجته قومه أصل في ذلك عظيم.
وأما الجبر والمقابلة فقد قيل: إن أوائل السور فيها عدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سابقة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقى مضروب بعضها في بعض.
وأما النجامة ففي قوله: أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: 4] وقد فسره ابن عباس بذلك.
وفيه أصول الصنائع التي تدعو الضرورة إليها كالخياطة في قوله: وَطَفِقا يَخْصِفانِ [الأعراف: 22] والحدادة آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: 96] وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:
10] الآية والبناء في آيات والنجارة وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود: 37] والغزل نَقَضَتْ غَزْلَها [النحل: 92] والنسج كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً العنكبوت: 41] والفلاحة أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
[الواقعة: 63] الآية والصيد في آيات والغوص كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: 37] وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [فاطر: 12] والصياغة وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً [الأعراف: 148] والزجاجةرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ
[النمل: 44] الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ [النور: 35] والفخارة فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ [القصص: 38] والملاحة أما السفينة الآية والكتاب علّم بالقلم والخبز أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً [يوسف: 36] والطبخ بعجل حنيذ والغسل والقصارة وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: 4] قال الحواريون وهم القصارون [والجزارة] إلا ما ذكيتم [والبيع والشراء] في آيات [والصبغ] صِبْغَةَ اللَّهِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ [والحجارة] وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [الأعراف: 74][والكيالة والوزن] في آيات [والرمي] وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60] وفيه من أسماء الأثاث وضروب المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وجميع ما وقع أو يقع في الكائنات، ما يحقق معنى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38] اهـ. كلام المرسي ملخصا.
وقال ابن سراقة: من بعض وجوه اعجاز القرآن، ما ذكره الله فيه من أعداد الحساب، والجمع والقسمة والضرب، والموافقة والتأليف والمناسبة، والتنصيف والمضاعفة، ليعلم بذلك أهل العلم بالحساب، أنه صلى الله عليه وسلم صادق، وأن القرآن ليس من عنده، إذ لم يكن ممن خالط الفلاسفة، وأهل الهندسة ولا تلقى الحساب.
وقال الراغب: إن الله لما جعل نبوة النبيين بنبينا عليه السلام مختتمة، وشرائعهم منتسخة بشريعته من وجه، ومن وجه مكملة متممة؛ جعل كتابه المنزل عليه متضمنا لثمرة كتبه التي أولاها أولئك. كما نبه بقوله: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً، فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: 4] وجعل من معجزات هذا الكتاب، أنه مع قلة الحجم يتضمن المعنى الجم، بحيت تقصر الألباب والبشرية عن احصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه بقوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: 27] فهو وإن كان لا يخلو الناظر فيه من نور ما يريه ونفح ما يوليه:
كالنور من حيث التفت رأيته
…
يهدي إلى عينيك نورا باقيا «1»
كالشمس في كبد السماء وضوؤها
…
يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
وأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن بن زياد بن انعم قال: قيل لموسى عليه السلام: يا موسى إنما مثل كتاب أحمد في الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن، كلما مخضته أخرجت زبدته.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي، في قانون التاويل في علوم القرآن:
خمسون علما وأربعمائة علم وسبعة آلاف وسبعون ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحدّ ومطلع. وهذا مطلق دون اعتبار تركيبه، وما ينهي من روابط وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله.
قال وأما علوم القرآن ثلاثة: توحيد، وتذكير، وأحكام. فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتذكير منه: الوعد، والوعيد، والجنة، والنار، وتصفية الظاهر، والباطن، والأحكام منها: التكاليف كلها، والمنافع، والمضار، والأمر والنهي، والندب. ولذلك كانت الفاتحة أم القرآن. فيها الأقسام الثلاثة.
وسورة الإخلاص ثلثه لإشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة، وهو التوحيد.
وقال ابن جرير: القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء التوحيد والأخبار والديانات. ولهذا كانت سورة الإخلاص ثلثه؛ لأنها تشمل التوحيد كله.
وقال علي بن عيسى: القرآن يشتمل على ثلاثين شيئا؛ الأعلام والتنبيه والأمر والنهي والوعيد، ووصف الجنة والنار، وتعليم الأقرار بسم الله وبصفاته وأفعاله، وتعليم الإعتراف بإنعامه، والإحتجاج على المخالفين، والرد على الملحدين، والبيان عن الرغبة والرهبة، والخير والشر، والحسن والقبيح، ونعت الحكمة وفضل المعرفة، ومدح الأبرار وذم الفجار، والتسليم والتحسر، والتوكيد والتفريع. والبيان عن ذم الإخلاق، وشرف الآداب، وعلى التحقيق أن تلك الثلاثة التي قالها ابن جرير. تشمل هذه كلها بل أضعافها فإن القرآن لا يدرك ولا تحصى عجائبه.
وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله على كل شيء، أما أنواع العلوم، فليس فيها باب ولا مسألة هي أصل إلّا وهي في القرآن الكريم، وفيه ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وتحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل، والملائكة، وعيون أخبار الأمم، كالأخبار بقصة آدم مع إبليس في إخراجه. من الجنة، ورفع إدريس وإغراق قوم نوح، وقصة عاد الأولى والثانية، وثمود، والناقة وقوم يونس، وقوم شعيب، والأولين والآخرين، وقوم لوط، وقوم تبع، وأصحاب الرس، وقصة إبراهيم في مجادلته قومه، ومناظرته نمروذ. ووضعه ابنه إسماعيل مع أمه
(1) كذا في الأصل، وبما أن البيت الثاني قافيته بائية فالصواب أن يقال: ثاقبا.
بمكة، ومنامه وقصة الذبيح، وقصة يوسف وما أبسطها «1» ، وقصة موسى في ولادته، وإلقائه في اليم، وقتل القبطي ومسيره إلى مدين، وتزوجه بنت شعيب، وكلامه تعالى بجانب الطور، ومجيئه إلى فرعون، وخروجه وإغراق عدوه، وقصة العجل، والقوم الذين خرجوا معه وأخذتهم الصاعقة، وقصة القتيل وذبح البقرة، وقصته مع الخضر، وقصته مع الجبارين، وقصة القوم الذين ساروا في سرب من الأرض، وإلى الصين، وقصة طالوت وداود مع جالوت، وفتنته وقصة سليمان وخبره مع ملكة سبأ وفتنته، وقصة القوم الذين خرجوا فرارا من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم، وقصة ذي القرنين، ومسيره إلى مغرب الشمس ومطلعها، وبنائه السد. وقصة أيوب، وذا الكفل، والياس، وقصة مريم وولادتها عيسى، وإرساله ورفعه، وقصة زكرياء وابنه يحيى، وقصة أصحاب الكهف، وقصة أصحاب الرقيم، وقصة بختنصر، وقصة الرجلين اللذين لأحدهما الجنة، وقصة أصحاب الجنة، وقصة أصحاب مؤمن آل ياسين، وقصة أصحاب الفيل، وفيه من شأن النبي صلى الله عليه وسلم دعوة إبراهيم به، وبشارة عيسى، وبعثه وهجرته، ومن غزواته سرية ابن الحضرمي في البقرة، وغزوة بدر في الأنفال، وأحد في آل عمران، وبدر الصغرى فيها، والخندق في الأحزاب، والحديبية في الفتح، والنضير في الحشر، وتبوك وحنين في براءة، وحجة الوداع في المائدة، ونكاحه زينب بنت جحش وتحريم سريته، وتظاهر أزواجه عليه وقصة الافك، وقصة الإسراء وانشقاق القمر، وسحر اليهود إياه. وفيه بدء خلق الإنسان إلى موته، وكيفية الموت وما يفعل بالروح بعد، وصعودها إلى السماء وفتح الباب للمؤمنة، والغاء الكافرة.
وعذاب القبر والسؤال فيه، ومقر الأرواح، واشراط الساعة الكبرى، وهي نزول عيسى وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج، والدابة والدخان، ورفع القرآن والخسف، وطلوع الشمس من مغربها، وغلق باب التوبة. وأحوال البعث من النفخات الثلاث، نفخة الفزع ونفخة الصعق، ونفخة القيام والحشر والنشر، وأهوال الموقف، وشدة حر الشمس وظل العرش والميزان والخوض والصراط والحساب لقوم، ونجاة آخرين وشهادة الأعضاء وإتيان الكتب بالإيمان وبالشمائل وخلف الظهر، والشفاعة والمقام المحمود، والجنة وأبوابها وما فيها؛ من الأنهار والأشجار، والثمار والحلي، والأواني والدرجات، ورؤيته تعالى والنار وأبوابها وما فيها، من الأودية وأنواع العقاب، وألوان العذاب. والزقوم والحميم، وفيه جميع أسمائه الحسنى كما ورد في حديث: ومن أسمائه مطلقا ألف اسم. ومن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم جملة، وفيه شعب الإيمان البضع والسبعون، وشرائع الإسلام والثلاثمائة والخمسة عشر، وفيه أنواع الكبائر، وكثير من الصغائر. وفيه تصديق كل حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك. مما يحتاج شرحه إلى مجلدات.
وقد افرد الناس ما تضمنه القرآن من الأحكام كتبا كالقاضي إسماعيل، وأبي بكر بن
(1) من البسط، أي ما أوسعها وليس من البساطة.
العلاء، وأبي بكر الرازي، والكيا الهراسي، وأبي بكر بن العربي، وعبد المنعم بن الفرس، وابن خويز منداد، وأفرد آخرون كتبا فيما تضمنه من علم الباطن، وأفرد ابن برجان كتابا فيما تضمنه من معاضدة الأحاديث، وقد ألفت كتابا سميته الإكليل في استنباط التنزيل، ذكرت فيه كل ما استنبط منه من مسألة فقهية، أو أصلية أو اعتقادية، وبعضا مما سوى ذلك، كثير الفائدة، جمّ العائدة، فمن أراد الشرح لما أجملته في هذا الباب فليراجعه من أراد الوقوف عليه.
(فصل) قال الغزالي وغيره: آيات الأحكام خمسمائة آية. وقال بعضهم: مائة وخمسون. قيل: ولعل مرادهم المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يستنبط منها كثير من الأحكام. قال عز الدين ابن عبد السلام في كتاب «الإمام في أدلة الأحكام» :
معظم آي القرآن لا تخلو عن أحكام مشتملة على آداب واخلاق جميلة حسنة، ثم في الآيات ما صرح فيها بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الإستنباط إما بلاضم لآية أخرى؛ كاستنباط صحة نكاح الكفار في قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وصحة صوم الجنب في وقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلى قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ [البقرة: 187] الآية وإما كاستنباط أقل الحمل ستة أشهر في قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: 14] قال ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر، وتارة بإخبار مثل قوله: أحل لكم، حرمت عليكم الميتة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وتارة لما رتب عليها في العاجل أو الآجل من خير أو شر، أو نفع أو ضر، وقد نوّع الشارع في ذلك أنواعا كثيرة ترغيبا إلى أذهانهم. فكان فعل عظّمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله لأجله، أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالإستقامة أو بالبركة أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله كالأقسام بالشفع والوتر، وبخيل المجاهدين وبالنفس اللوامة، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل، أو شكره له، أو لهدايته أياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله أو لنصرة فاعله، أو وعده بالأمر أو نصب سببا للولاية، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه أو بكونه قربة أو بصفة مدح كالحياة والنور والشفاء، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب.
وكل فعل طلب الشارع تركه، وذمه أو ذم فاعله، أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه أو نفى محبة فاعله، أو الرضى به، أو عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم، أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى، أو من القبول، أو وصفه بسوء، أو كراهة، أو استعاذة الأنبياء منه، أو أبغضوه، أو جعل سببا لنفي الفلاح، أو لعذاب عاجل، أو آجل أو لوم أو ضلالة، أو معصية أو وصف لخبث، أو رجس أو نجس، أو بكونه فسقا، أو ضلالة أو سببا لإثم، أو رجس، أو لعن، أو غضب أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حد من الحدود، أو قسوة أو خزي، أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله، أو لمحاربته، أو لاستهزائه، أو سخريته أو جعله
سببا لنسيان فاعله، أو وصفه نفسه بالصبر عليه، أو بالحلم أو بالصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث، أو احتقار أو نسبه إلى عمل الشيطان، أو تزيين الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم ككونه ظلما، أو عدوانا، أو بغيا أو إثما أو مرضا، أو تبرأ الأنبياء منه، أو من فاعله أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة، أو نهوا عن الأسف والحزن عليه، أو نصب سببا لخيبة فاعله، عاجلا أو آجلا، أو رتب عليه حرمان الجنة، وما فيها أو وصف فاعله بأنه عدو لله، أو أعلن فاعله بحرب من الله ورسوله، أو حمل فاعله إثم غيره، أو قيل فيه: لا ينبغي هذا أو لا تكون أو أمره بالتقوى عند السؤال عنه، أو أمر بفعل مضاد له أو هجر فاعله، أو لعن فاعلوه في الآخرة، أو تبرأ بعضهم من بعض، أو دعاء بعضهم على بعض، أو وصف فاعله بالضلالة أو أنه ليس من الله في شيء، أو ليس من الرسول وأصحابه، أو جعل إجتنابه سببا للفلاح، أو جعل سببا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين أو قيل: هل أنت منته؟ أو نهي الأنبياء عن الدعاء لفاعله، أو رتب عليه إبعاد أو طرد أو لفظة قتل من فاعله، أو قاتله الله أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله، ولا ينظر إليه ولا يزكيه يوم القيامة، ولا يصلح عمله ولا يهدي كيده، ولا يفلح أو قيض له الشيطان، أو جعل سببا لازاغة قلب فاعله، أو صرفه عن آيات الله، وسؤاله عن علة الفعل، فهو دليل على المنع من الفعل، ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة.
وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال، ونفي الجناح، والحرج والإثم، والمؤاخذة من الاذن، والعفو عنه، ومن الإمتنان بما في الأعيان من المنافع، ومن السكوت عن التحريم، بالإنكار على من حرم الشيء، من الأخبار بأنه خلق أو جعل لنا، والأخبار عن فعل من قبلنا غير ذام لهم عليه، فإن اقترن باخباره مدح دل على مشروعيته، وجوبا أو استحبابا اهـ كلام الشيخ عز الدين.
وقال غيره: قد يستنبط من السكوت، وقد استدل جماعة بأن القرآن غير مخلوق، أن الله ذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعا وقال: إنه مخلوق. وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ولم يقل: إنه مخلوق. ولما جمع بينهما غاير فقال: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان اهـ من الإتقان وما أتمه وأوسعه ونحوه، في مقدمة الإكليل في استنباط التنزيل راجعه أيضا.
وفي ترجمة أبي يوسف عبد السلام بن محمد بن بندار القزويني، المفسر المتوفى سنة 488، أنه أهدى إلى نظام الملك «1» أربعة أشياء، لم يكن لأحد مثلها: منها؛ مصحف بخط بعض الكتاب المجودين بالخط الواضح، وقد كتب كاتبه اختلاف القراء بين سطوره
(1) هو الوزير العالم خواجه نظام الملك السلجوقي مؤسس المدارس النظامية العشرة وأشهرها نظامية بغداد 457 هـ وكان عالما فاضلا استشهد رحمه الله عام 484 هـ في صحنة على يد أحد الحشاشين قرب همدان من بلاد الجبل في إيران وكان الإمام الغزالي من أصدقائه.
بالحمرة، وتفسير غريبه بالخضرة، وإعرابه بالزرقة، وكتب بالذهب العلامات على الآيات الوعد والوعيد وما يكتب في التعازي والتهاني اهـ.
تتمة قدمنا أن أوسع موسوعات عرفها البشر القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والموسوعات وإصطلاح اليوم الكتب المجموع فيها الكلام على عدة علوم، وأنواع فهوم كدوائر المعارف، التي قصد فيها تدوين كل ما يخطر بالبال في الماضي والحال والإستقبال، وقد علمت مما ذكرناه عن القرآن وما بين طواياه أنه يجب أن يكون أول موسوعة ودائرة معارف عرفها البشر، وقد اعترف بذلك حتى فطاحلة الفرنج الدكتور (موريس) الفرنسي: القرآن بمثابة ندوة علمية للعلماء ومعجم لغة لللغويين وآجرومية لمن أراد تقويم لسانه، وكتاب عروض لمحب الشعر وتهذيب العواطف و (انسكلوبيديا) دائرة معارف عامة للشرائع والقوانين اهـ.
وقال الدكتور (بوسورت سميت) في كتابه (حياة محمد) من حسن الحظ الوحيد في التاريخ دون غيره، أن محمدا أسس في وقت واحد ثلاثة أشياء: من عظائم الأمور وجلائل الأعمال، فإنه مؤسس لأمة وإمبراطورية وديانة، مع أنه أمي. وقلما كان يقدر أن يقرأ أو يكتب، ومع ذلك أتى بكتاب هو آية في البلاغة، ودستور للشرائع وللصلاة وللدين في آن واحد الخ كلامه.
وقد قال الإمام فخر الدين الرازي طالعة [في مقدمة] تفسيره الكبير مفاتيح الغيب:
إعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن سورة الفاتحة يمكن أن يستنبط من فوائدها عشرة آلاف عشرة آلاف مسألة، فاستبعد ذلك الحساد، فشرعت في تصنيف هذا الكتاب، وقدمت له مقدمة لتصير له كالبينة، على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول.
وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي المكي: حكى ابن عادل في تفسيره عن القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي: أنه استنبط منه بضع وسبعون ألف علم. قال: ولا يعزب عن علمك قول الأمام علي كرم الله وجهه: لو أردت أن أوقر على الفاتحة سبعين بعيرا لفعلت.
أو كما قال بل سمعت عن شيخنا البكري، أنه تكلم على بعض علوم البسملة بكرة كل يوم في سنين في الأشهر الثلاثة منها، وأنه قال في بعض مجالسه: لو أردت التكلم على ذلك العمر كله لم يف أو كما قال اهـ.
وفي ترجمة أبي الإكرام زين العابدين البكري، من مسالك الهداية لأبي سالم العياشي: نقلت من خط شيخ والدي سيدي أحمد إذ قال: إن العارف محمد البكري تكلم على نقطة البسملة في ألفي مجلس ومائتي مجلس اهـ.
ولأبي الحسن علي بن إبراهيم الحوفي كتاب في علوم القرآن، ذكره له ابن سليمان الردائي في صلته وقال: هو في مائة سفر. انظر حرف العين منها.
وبعد القرآن أول من اعترف التاريخ لهم بتدوين الموسوعات علماء الإسلام، لكن ابتداء التدوين فيها كان موضوعه والغرض منه عندهم إحصاء العلوم المستعملة، ثم وقع التوسع في الموسوعات شأن كل مرمى جديد.
وأول ما ظهر ذلك فيهم في القرن الرابع، ألّف الإمام أبو الرجاء محمد بن أحمد بن الربيع الأسواني الشافعي، المتوفي سنة 335 المترجم في يتيمة الدهر للثعالبي وغيره، قصيدة في أخبار العالم، وقصص الأنبياء، والحديث والفلسفة والطب والفقه ومختصر المزني، وغير ذلك. ذكرها له في كشف الظنون المطبوع. وفيه: أنه سئل قبل موته كم بلغت قصيدتك إلى الآن؟ فقال: ثلاثين ألفا ومائة ألف بيت، وبقي علي أشياء تحتاج إلى زيادة. انظر كشف الظنون، والطالع السعيد، للكمال الأدفوي ص 267. ولا تستغرب هذا العدد من النظم، عن أهل القرن الرابع، فقد جاء عن أهل القرن الثالث ما هو أعجب. ذكر أحمد بن يحيى ابن المرتضى: في باب ذكر المعتزلة من كتاب «المنية والأمل» في شرح كتاب الملل والنحل، في ترجمة بشر بن المعتمر الهلالي البغدادي، أن له قصيدة في أربعين ألف بيت، ردّ فيها على جميع المخالفين. وبشر هذا توفي سنة 310 كما أرخه بذلك الذهبي، وابن البخاري، وكيفما ظننا أن مادة الأعداد مبالغ فيها، فلا تكون كل واحدة من هذه القصائد إلا أكثر من عدد أبيات الإلياذة، التي عدد أبياتها زهاء 16 ألف بيت.
وألف الإمام أبو نصر الفارابي المتوفي سنة 339 كتابه في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، ووجوه الانتفاع بها، وفيه قال القاضي صاعد في طبقات الأمم: هو كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، لم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به وتقديم النظر فيه اهـ ص 62.
وقال عنه القاضي ابن الأزرق في روضة الأعلام: أحصى فيه العلوم القديمة وذكر فيه بعض علوم الإسلام اهـ وهو كتاب نادر الوجود توجد منه الآن نسخة خطية في إسبانيا، وهو مترجم إلى اللغة اللاتينية والعبرانية، ثم سمعت أنه طبع، ثم كتاب مفاتيح العلوم، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي المتوفي سنة 387 ألفه لأبي الحسن عبيد الله بن أحمد العتبي، وقد قسمه إلى مقالتين: الأولى تشتمل على اثنين وخمسين فصلا، تجتمع في ستة أبواب، وهي الفقه، الكلام، النحو، الكتابة، الشعر، العروض، الأخبار. والمقالة الثانية اشتملت على اثنين وأربعين فصلا في أبواب: الفلسفة، المنطق، الطب، علم العدد، الهندسة، النجوم، الموسيقى، الخيال، الكيمياء. وقد طبع الكتاب المذكور في ليدن سنة 1895 مسيحية، ثم في مصر وقد نقل عن هذا الكتاب المقريزي في الخطط؛ في تعريفه علم التاريخ فقال: قال محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف البلخي:
في كتاب مفاتيح العلوم: وهو كتاب جليل القدر اهـ انظر ص 15 من ج 2 ولهم خوارزمي آخر له كتاب اسمه «مفيد العلوم ومبيد الهموم» ينقل عنه أبو سالم العياشي في كتابه «الحكم
بالعدل والأنصاف» تحت عنوان قال: أبو بكر الخوارزمي الشافعي رضي الله عنه في مفيد العلوم، وهو مطبوع أيضا بمصر وأكبر جرما من الذي قبله، وكثير من القاصرين لا يفهمون؛ أن أهل القرن الرابع دونوا مدخلا للعلوم والفنون، يشتمل على الموضوعات والمصطلحات العلمية الموجودة لذلك العهد.
ثم قاضي طليطلة صاعد بن أحمد الأندلسي المتوفى سنة 462 ألف كتابه طبقات الأمم وقد طبع أخيرا ومن وقف عليه يندهش لأسلوب وضعه، وواسع اطلاعه وبحثه، وجمعه باعتبار أنه بقلم أهل المائة الخامسة.
ثم الإمام أبو حامد الغزالي عدّد أنواع العلوم وفوائدها، وموضوعاتها في كثير من كتبه، وخصوصا في كتابه فاتحة العلوم والجواهر، ولما ذكر في كتابه الجواهر وكتاب الأربعين؛ أنواع العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز، واعتذر بعد ذلك عن إعراضه عن عدّها بأن القصد إنما هو ذكر ما يتعلق بالقرآن الكريم، ويتوقف على معرفته صلاح العباد والمعاش، قال بعد ذلك فيما يرجع لجنس تلك العلوم: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها، أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم لم تخرج إلى الوجود، وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها، وعلوما قد خرجت إلى الوجود، واندرست الآن، فلم يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها. وعلوما أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها. وكانت وفاته رحمه الله سنة 505.
ثم كتاب الفنون للإمام فخر العراق والحنابلة؛ أبي الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي، المتوفي سنة 513. قال سبط ابن الجوزي في ترجمته من مراة الزمان، وهو مائتا مجلد، جمعه طول عمره قال: واختصر منه جدي عشر مجلدات: فرّقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقف المأمونية نحو سبعين. وفيها حكايات ومناظرات وغرائب وعجائب.
ثم كتاب قيد الأوابد لمحمد بن حسين الزاغوكي الشافعي المتوفي سنة 559 عن 79، وهو كما في كشف الظنون المطبوع: مجموع ذكر فيه العلوم كالتفسير وعلوم الحديث والفقه واللغة الخ الخ. ورتبها ولعلها بلغت أربعمائة مجلد، وفي رحلة الزيادي نقلا عن القاموس الجزم بأنه في أربعمائة مجلد.
ثم جامع الفنون وقامع الظنون للوادياشي البرار المتوفي سنة 596 منه الجزء التاسع في النجوم. وكتاب جامع العلوم لابن نسيب الحراني الحنبلي، المتوفي سنة 695. ذكره في كشف الظنون. وكتاب جامع العلوم للفخر الرازي المتوفي سنة 606. قال في كشف الظنون: وهو مجلد متوسط اشتمل على أربعين علما ألفه للسلطان علاء الدين تكش الخوارزمي، وهو كتاب مفيد جدا وفي ص 571 من ج 2 من كشف الظنون: أن للفخر الرازي كتاب «حدائق الأنوار في حدائق الأسرار» أورد فيه ستين علما. ومن أعظم
الموسوعات العربية التي جادت بها أقلام المسلمين في هذا التاريخ: الفتوحات المكية للشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي، وهي في 8 مجلدات ضخمة. وأود لو وفق معتن لجعل برنامج عام لمسائلها، وعلومها الكونية وفلسفتها الدينية، ليظهر للعالم العجب العجاب المنطوي في طيات هذا الكتاب العظيم.
وللسيد جلال الدين البخاري كتاب جامع العلوم ذكره صاحب الكشف أيضا.
ثم جاء بعد هؤلاء شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب البكري النويري الكندي الشافعي المتوفي سنة 732 له نهاية الارب في فنون الأدب قال في كشف الظنون في نيف وثلاثين مجلدا، قسمها إلى خمسة فنون، وكل فن إلى أبواب: الفن الأول في السماء، والآثار العلوية والأرض والعالم السفلي، ويشتمل على خمسة أقسام. الثاني في الإنسان وما يتعلق به، الثالث في الحيوان الصامت. الرابع في النبات. والقسم الخامس في أنواع الطب وفي التاريخ، والقسم التاريخي ينتهي إلى سنة 731 وهو موجود كاملا في بعض مكاتب الاستانة، والمكتبة الخديوية بمصر وقد شرع في طبعه الآن بمصر «1» .
ثم جاء المؤرخ النقاد النسابة ابن فضل الله العمري، الكاتب الدمشقي المتوفي سنة 748 له (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) في بضع وعشرين مجلدا، في الأدب والتاريخ والجغرافية والتاريخ الطبيعي، قسمه إلى قسمين: الأول في الأرض وما اشتملت عليه برا وبحرا، وهو نوعان الأول في ذكر المسالك، والثاني في ذكر الممالك. والقسم الثاني في سكان الأرض من طوائف الأمم، وتحت كل قسم أبواب. وتحت كل باب فصول. قال في كشف الظنون: هو في عشرين مجلدا كبارا، وذيله شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني، ذكره السيوطي في طبقات النحاة.
ثم جاء الإمام شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري المتوفي سنة 749 فألف كتابه المسمى: ارشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، ذكر فيه أصناف العلوم وأنواعها، وجملة ما فيه ستون علما منها عشرة أصلية: سبعة نظرية وهي المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي بأقسامها. وثلاثة عملية وهي السياسة والأخلاق وتدبير المنزل.
قال في كشف الظنون: وهو مأخذ مفتاح السعادة لطاشكبري زاده وقد ذكر في جملة العلوم أربعمائة تصنيف اهـ وقد طبع بمصر أيضا في جزء عام 1318 وعندي منه نسخة خطية سمعت في القرن الحادي عشر، على أبي مهدي عيسى الثعالبي المكي رحمه الله بمكة.
ثم الإمام عبد الرحمن بن محمد البسطامي، ألف كتابا أورد فيه غرائب وعجائب حتى أورد فيه مقدار مائة علم، وذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والعربية.
(1) وصل الطبع إلى الجزء 18 فقط. مصححه.
ثم المولى لطف الله بن حسن التوقادي المقتول سنة 900 ألف وللسلطان بايزيد كتابا جمع فيه نبذا من العلوم، ثم شرحه وسماه المطالب الإلهية.
ثم جاء الحافظ الأسيوطي فألف النقاية في أربعة عشر علما وهي مشروحة بقلم السيوطي وغيره، ومنظومة قديما وحديثا. ومن أشهر من نظمها الشهاب أحمد بن عبد الحق السنباطي المصري، من أهل القرن العاشر. وشرح هو النظم في مجلدين.
ثم جاء العلامة الأرتقي وهو في المائة العاشرة فألف مدينة العلوم، في تعريفات العلوم، وتراجم المؤلفين وهو كتاب مفيد يبحث في العلوم وأقسامها، وأشهر من ألف فيها بدأ بالخط فالكتابة وفروعها وعلومها، وتاريخ نشوئها، والشعر والأدب والعلوم الطبيعية والميكانيكية والسياسة والدين، وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر. ووقفت على نسخة من كتاب مدينة العلوم بالمغرب، وهي في مجلد وسط ولكنها منسوبة لعصام الدين أبي الخير أحمد بن الإمام مصلح الدين، وهو والله أعلم أبو الخير عصام الدين أحمد بن مصلح الدين مصطفى المعروف بطاشكبري زاده المتوفى سنة 967، والمعروف للمذكور كتابه المسمى، مفتاح السعادة ومصباح السيادة تكلم فيه على العلوم وأقسامها وتفرعها، وجعله على طرفين: الأول في خلاصة العلم؛ والثاني في تعداد العلوم وضمنه ثلاثة أقسام الهية واعتقادية وعملية، وجعل علم الأخلاق ثمرة كل العلوم. قال في كشف الظنون: ذكر فيه مائة وخمسين فنا اهـ.
قلت: وقعت لي منه نسخة خطية عتيقة فعددت العلوم المذكروة فيها فإذا هي مائة وخمسة وهذا برنامج ما فيه من العلوم لتستفاد:
الدوحة الأولى: في العلوم الآلية ولها شعبتان: الشعبة الأولى في العلوم الآلية اللفظية العربية، وهي تنقسم إلى القسم اللفظي، وإلى القسم الخطي. القسم الأول في اللفظي:
فمنها على مخارج الحروف، علم اللغة، علم الاشتقاق علم الصرف، علم التمييز، علم النحو، علم المعاني، علم المحاضرة، علم التواريخ، علم السير والمغازي، علم البيان، علم البديع، علم التصحيف، علم العروض، علم القوافي، علم قرض الشعر، علم مبادي الشعر، علم الإنشاء، علم الأمثال، علم وقائع الأمم ورسومهم على مسامرة الملوك، علم استعمالات الألفاظ، علم الأحاجي والأغلوطات، علم الترسل، علم السجلات.
القسم الثاني: من علم الأدب فيما يتعلق بالخط العربي من العلوم: علم قوانين الكتابة، علم ترتيب حروف التهجي في الكتاب، علم تحسين الحروف، علم كيفية تولد الخطوط عن أصولها، علم تراكيب الأشكال، بسائط الحروف، علم إملاء الألفاظ العربية.
الشعبة الثانية في العلوم الآلية المعنوية: علم المنطق، علم النظر والمناظرة، علم الجدل، علم الخلاف.
الدوحة الثانية في العلوم الإعتقادية: وفيها شعبتان: الشعبة الأولى في العلوم الشرعية.
الاعتقادية: علم النواميس، علم القراءة، علم التجويد، علم الوقوف على رسم المصحف، علم الناسخ والمنسوخ، علم أسباب النزول، علم غرائب القرآن، علم دفع مطاعن القرآن، علم التفسير، علم التأويل، علم إشارات القرآن، علم دلائل الإعجاز مع خواص القرآن، علم أدب الدعاء وأوقاته، علم الخواص الروحانية، علم التصرف بالحروف والأسماء، علم متن الحديث، علم رجال الحديث، علم ناسخ الحديث ومنسوخه، علم أسباب ورود الأحاديث، علم شرح الحديث علم تأويل الحديث، علم رموز الحديث وإشاراته، علم غرائب لغات الحديث، علم مطاعن الحديث، علم تلفيق الأحاديث، علم طب النبي صلى الله عليه وسلم، علم المواعظ، علم الأدعية والأوراد، علم الآثار، علم أصول الدين، علم أصول الفقه. الشعبة الثانية في العلوم الاعتقادية الحكمية والعلوم الفلسفية العلم الإلهي، علم التصوف، علم السير، علم الطير، علم الفناء والبقاء، علم الزهد والورع، علم البرزخ، علم الآخرة، علم الجفر والقضاء، علم الطبيعي، علم الطب، علم الباه، علم البيطرة والبيزرة، علم نوع النبات، علم الحيوان، علم الصيدلة، علم التشريح، علم الكحالة، علم الأطعمة والمزورات، علم الفراسة، علم الاختلاج، علم النظر في الكف، علم تعبير الرؤيا، علم قوس فزح، علم أحكام النجوم، علم الأدوار والأكوار، علم القرآآت، علم السّحر، علم الكهانة، علم كشف المدك كذا وإيضاح الشك، علم الحيل الساسانية علم الطلسمات، علم التبارج، علم استنزال الأرواح في قوالب الأشباح، علم العزائم، علم الكيميا، علم المعادن، علم معرفة الجواهر، علم الفلاحة، علم الرمل، علم الفال والقرعة.
العلوم الرياضية علم الهندسة، علم عقود الأبنية، علم المناظر، علم المرايا المحرقة، علم المراكز، علم الأثقال، علم المساحة، علم انبساط المياه، علم جر الأثقال، علم البنكامات، علم التعديل، علم الآلات الحرثية، علم الآلات الروحانية.
القسم الثاني في الهيئة علم الزيجات، والتقاويم، علم الجغرافية، علم المواقيت، علم كيفية الارصاد، علم تنظيم الارصاد، علم تسطيح الكرة، علم الآلات الظلية.
القسم الثالث العلم العددي ويسمى الارتماطيقي، علم الحساب، علم حساب التحت والميل، علم الجبر والمقابلة علم حساب الحظائر علم حساب الدور والوصايا علم حساب الدرهم والدينار علم خواص الأعداد علم التعابي العددية في الحروف، علم الحروف النورانية والظلمانية، علم التصريف بالإسم الأعظم، القسم الرابع علم الموسيقى، علم الرقص، علم الغنج.
(العلوم العلمية) وهي على قسمين: الأول: علم الفقه، علم الفرائض، علم الشروط
والسجلات، علم معرفة الساعات، علم معرفة قسم التركة، علم الموعظة، علم الأدعية والأوراد، علم الآثار.
القسم الثاني: علم الاحتساب، علم كيفية تحصيل ما لا يفي، علم كيفية ترتيب العساكر، علم الملاحة، علم الآلات الحربية.
النوع الثاني في الحكمة العملية: علم الأخلاق، علم تدبير المنزل، علم السياسة، وبها تم الكتاب فمجموع العلوم التي ذكر كما علمت 165.
وقد وقع في تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج 3 ص 316 إن عدد علومه نحو 30، وكذا جاء، في ص 316 من الجزء الثاني انظره وكأنه اشتبه عليه كتاب طاشكبري، بكتاب ولده ففي كشف الظنون: بعد أن ذكر كتاب مفتاح العلوم، ثم ترجمه ولده المولى كمال الدين محمد المتوفي سنة 1032 بإلحاقات كثيرة في مجلد كبير؛ فبلغ فيه من العلوم خمسمائة فن ولم يعرج جرجي زيدان على الذيل المذكور في التاريخ المذكور، وهو عجيب منه. ولعل الأصل والفرع؛ كل منهما يعرف بمفتاح العلوم؛ فقد يشيرون إلى الأصل، ويريدون الفرع والعكس. ولذلك وجدت صاحب كشف الظنون في فصل تقسيم العلوم؛ ذكر أيضا برنامج علوم كتاب طاشكبري، فأوصلها إلى ثلاثمائة وخمسة علوم، فلعله عنى به الذيل المذكور، أو غير ذلك. وقد وقفت على الذيل المذكور بمراكش سنة 1331، فإذا جرمه ضعف النسخة التي عندي، وقد طبع في الهند قريبا.
رأيت ذلك في بعض الإعلانات والله أعلم.
وممن فرّق بين ما للوالد والإبن الشيخ حمزة فتح الله المصري في كتاب المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية فإنه ذكر أن أحمد بن مصطفى الشهير بطاشكبري زاده له مفتاح السعادة الذي جمع فيه مائة وخمسين فنا، وزاده ابنه كمال الدين محمد المتوفي سنة 1032 حتى بلغ خمسمائة فن. انظر ص 22 من الجزء الأول وفيه أيضا: أحسن تقسيمات العلوم ما ذكره الإمام طاشكبري في مفتاح السعادة، وذكر أنه سرد من علوم النظر ثلاثمائة وخمسة، واعترض بأن في ذكره تكثيرا كذكره في فروع التفسير الأنواع المذكورة في إتقان السيوطي وأجيب بأن الإعتراض على المؤلفات سهل بالنسبة إلى تأليفها ووضعها وترصيفها، كما يشاهد في المباني الضخمة إذ يعترض على بانيها كل سخيف الفكر، لا يقدر أن يضع حجرا منها على حجر، ثم وجدت في ص 571 من كشف الظنون أن ابن طاشكبري المولى كمال الدين محمد؛ نقل مفتاح السعادة لوالده إلى التركية ببعض إلحاقات وتصرف في مجلد كبير، وإنه توفي سنة 1032 فانظره والله أعلم. وذكر أيضا أن المولى محمد أمين بن صدر الدين الشرواني المتوفي سنة 1036، جمع كتابا للسلطان أحمد العثماني أورد فيه 53 علما من أنواع العلوم العقلية والنقلية، وسماه الفوائد الخاقانية لأحمد خانية، ورتبه على ميمنة وميسرة، وساقة وقلب، على نحو ترتيب جيش السلطان، المقدمة
في ماهية العلم وتقسيمه، والقلب في العلوم الشرعية، والميمنة في العلوم الأدبية، والميسرة في العلوم العقلية، وأورد فيها ثلاثين علما، والساقة في علم آداب العلوم. وإنما اقتصر على ذلك العدد، ليكون موافقا لعدد اسم أحمد على حساب أبجد، ثم ألف بعد طاشكبري؛ الشيخ عبد القادر الطبري المكي كتابه: عيون المسائل من أعيان الرسائل، جمع فيه 40 علما، ولكن الموجود من نسخته المطبوعة أقل منها، ثم ألف بعد ذلك مصطفى حاجي خليفة المتوفي في سنة 1067 كتابه كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون، واستوعب فيه الكلام، على الفنون التي ذكرها طاشكبري زاده، في المفتاح الكبير والصغير، وما ألف فيها وكتاب الكشف هذا في مجلدين وله ذيول طبعت معه ولكن الطابعين لم يميزوا بين الأصل والفرع، فأوقعوا المطالع والناقل في الإشتباه، وسبب ذلك جهل المصححين والطابعين، أو قل المطالعين. ثم ألف بعده أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي المغربي المتوفي سنة 1101 القانون، وهو في مجلد وسط، ألفه في أحكام العلم، وأحكام العالم، وأحكام المتعلم، فهذه ثلاثة أبواب. وفي الفصل العاشر من الباب الأول: عرّف العلم وتكلم على تقسيم العلوم، فذكر أولا أنها تقسم على الجملة إلى قديمة وحديثة، وفلسفية، أو جلية أو إما قديمة أو إسلامية. قال: وهو اضبط، ثم ساق العلوم، فقسمها إلى ما رآه وهو تقسيمها إلى: فلسفية أو إسلامية، فبدأ بالفلسفيات، ثم الشرعيات، وهو كتاب مفيد جدا، فيه كثير من الأبحاث والفرائد.
وألف أيضا عصريّه أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي بلدا ولقبا المتوفي سنة 1096؛ كتابه الأقنوم في مبادي العلوم، وهو نظم رجزي، في نحو السبعة عشر ألف بيت.
وفي ترجمة مؤلفه من نشر المثاني للقادري: أنه اشتمل على مائة وخمسين علما أو أزيد.
وفي الصفوة للأفراني: اشتمل على أزيد من ثلاثمائة علم: ولكن ناظمه لم يكمله.
وهذا بيان ما في نظم الأقنوم من الفنون، مع بيان عدد أبيات كل فن: علم العقائد 29 بيتا، علم التفسير 107، علم اصطلاح الحديث 49، علم أصول الفقه 52، علم فقه الفرائض 30، علم النحو 56، علم التصريف 44، علم الخط 26، علم المعاني 73، علم البيان 31، علم البديع 52، علم التشريح 36، علم الطب 124، علم التصوف 50، علم الكلام 62، علم القرآات 303، علم السير 196، علم الجدل، 118 علم عمل الفرايض 98، علم الجمل 46، علم الرسم 112، علم الضبط 45، علم العروض 78، علم القوافي 24، علم الأدب 245، علم الجراحات 116، علم العلاج 146، علم آداب الدين 151، علم المنطق 61، علم التجويد 132، علم الشمائل 89، علم الخلافيات 80، علم الفرائض بالكسور 36، علم صنعة الإعراب 94، علم اللغة 171، علم الكتابة 55، علم ميزان الشعر 91، علم أصول القوافي 77، علم الموسيقى 72، علم البيطرة 115، علم طب الحيوان 74، علم الأذكار النبوية 59، علم المكونات 174، علم الوقف
والابتداء 120، علم الحديث 113، علم السفسطة 121، علم الحساب 118، علم أصول النحو 335، علم نظائر النحو 67، علم أسرار الرسم 155، علم كتابة الشعر 33، علم أصول اللغة 51، علم قانون اللغة 84، علم البيزرة 69، علم طب الطير 86، علم التربية بالإصطلاح 44، علم الفلسفة 121، علم آداب القراءة 11، علم التاريخ 178، علم الفقه 474، علم العدد 129، علم الجبر والمقابلة 170، علم التكسير 50، علم الإرتماطيقي 138، علم الهندسة 184، علم الجغرافيا 159، علم الاختلاج 80، علم الفراسة 79، علم السياسة 72، علم الرياسة 180، علم الإلهيات 151، علم العشر 87، علم الأحكام 445، علم القضاء 151، علم الفتيا 48، علم التعبير 88، علم الإسطرلاب 58، علم الربع المجيب 81، علم الصفيحة الزرقالية 69، علم الصفيحة الشكارية 63، علم الربع المقنطر 117، علم الاسطرلاب الجنوبي 32، علم السيميا 289، علم الحكمة 113، علم الهيميا «1» 170، علم الطبيعيات 190، علم العاديات 118، علم خط الرمل 240، علم الكتف 81، علم الأوفاق 84، علم الوثائق 47، علم فرض النفقات 480، علم البرهان 29، علم الحسبة 533، علم النظارة 70، علم نظر المواريث 64، علم الهيئة 344، علم الفلك 147، علم المجسطي 31، علم جومطريقا 24، علم الكلام العرفاني 142، علم أسرار الدين 104، علم الشهادة 172، علم النواميس 176، علم المناظر 56، علم الأنساب 361، علم المساحة 26، علم التوقيت 59، علم الأرصاد 43، علم التعديل 54، علم أحكام النجوم 62، علم أنساب الشرفاء 65، علم العشر 18، علم الجمع الكبير 17، علم جمع الجمع 19، علم السبع الصغير 16، علم أصول الدين 26، علم العقائد الحاتمية 32، علم الأصول الوسطى 37، علم الهيئة الحاتمية 5، علم المولدات 78، علم الدول 20، علم عروض المولدين 18، علم التوقيت المأثور 44، علم الرواية 27، علم الطب النبوي 39، علم الفقه الشافعي 527، علم الفقه 264، علم الفقه الحنبلي 426، علم الهيئة السنية 16، علم النجوم 17، علم الطلسمات 19، علم الغراسة 16، علم الأسماء 190، علم الأزياج 15، علم الفلاحة 14، علم فلاحة النحل 15، علم فلاحة الدجاج 16، علم فلاحة الحمام 15، علم فلاحة الأوز والبرك 140، علم الحروف 16، علم الديميا 15، علم الكهانة 29، علم ميزان الماء 16، علم الأمثال 17، علم القيافة 15، علم الإشارة 16، علم أسرار الخليقة 18، علم تشريح الطير 7، علم تشريح الدواب 20، علم فراسة الحيوان 15، علم أحكام الأهلّة 21، علم آل دشمان «2» 20، علم المسامتات 7، علم طب النبات 17، علم أسرار الحروف 33، علم الاستخدامات 38، علم الطب بالألحان 8، علم مساحة الأرض 15، علم إعراب المعجم
(1) كذا في الأصل ولعل المقصود بها: الكيمياء. مصححه.
(2)
دشمان لها بالفارسية معنى هو: العدو. ويحتمل: آل عثمان. مصححه.
8، علم حساب التحت والميل 21، علم عقود الأبنية 1، علم المطابقة 10، علم الموازنات 9، علم المعاملات السكية 22، علم المعاملات الطبية 17، علم المخارجات 17، علم أسرار العدد 16، علم الاقتباسات 6، علم السياسة العقلية 4، علم تدبير الطبيعة 38، علم أرض الحقيقة 1، علم الرياضة 1، علم صور المعاني 1، علم اختلاف الصور 1، علم أسرار الطبيعة 1، علم التاريخ النجومي 6، علم الاستعدادات 37، علم الزجر 18، علم التفاؤل 17، علم الوفيات 8، علم المناسبات 15، علم البنكمات 1، علم السيرة النجومية 1، علم الماديات 1، علم هيئة الأرض 1، علم التدريس 8، علم الفراسة الروحانية 4، علم التأليف 6، علم هندسة الأشجار 18، علم التواريخ القرآنية 19، علم هندسة المخروطات 1، علم التشكيك 1، علم الطواعية 5، علم التفاوت 1، علم السياسة الشرعية 5، علم إعمار العقاقير 74، علم إبدال العقاقير 79، علم قوى العقاقير 11، علم الأقرباذين 14، علم الشعوذة 14، علم نوريك 17، علم الشطارة 178، علم الشمعنة 15، علم النجامة 39، علم أصول الطب 17، علم المساحة بالإسطرلاب 16، علم التعبير من الفلك 13، علم المساحة بالربع 15، علم الطب من الحروف 18، علم المساحة الفلكية 17، علم الهيئة التوقيتية 23، علم استنباط المياه 27 علم الضروريات 17، علم الاستحضار 20، علم المساحة بالخطابين 7، علم المساحة بالجبر 7، علم الطب بالخيل 17، علم الهيئة الريحية 4، علم حساب الجملة 20، علم حساب التعديل 19، علم الاستنزالات 38، علم الجليان 18، علم حساب العام 53، علم الروحانيات 32، علم الامتزاجات 20، علم الاختبارات 18، علم حساب الخطأين 8، علم الجدول 18، علم حساب الربع 16، علم العرافة 18، علم الاختبارات السنية 7، علم المناظرة 36، علم تضاد النبات 1، علم الخط المنصف 1، علم طب الخط 10، علم الخط المجرور 1، علم التقويمات 17، علم الاختيارات الطبية 43، علم الطب النجومي 17، علم وضع الإسطرلاب 14، علم تخطيط الرخام 14، علم الإطريمونا 16، علم فلاحة الدواب 18، علم الخنقرطات 18، علم يداقبا 18، علم الزيرجة 19، علم السرجعة 17، علم السحر 19، مراكز الأثقال 1، علم المرايا المحرقة 1، علم جر الأثقال 1، علم المجسطي الحاتمية 1، علم الزجر 38، علم ميزان الملحون 8، علم الوجهتين 1، علم الإرتباطات 1، علم تدبير المنزل 1، علم الأخبار 56، علم أخبار المكاشفة 10، علم رسم الرخام 20، علم المرائي 71، علم الفروسية 19، علم تزبير الأشجار 18، علم الزراعة 19، علم وضع الجدول 17، علم التداخل 1، علم أنولوطيقا 1، علم طوريقا 1، علم الفراسة النبوية 1، علم حيل الشريعة 1، علم فراسة المسكي 1، علم المتقابلات 1، علم الاختيارات التجربية 18، علم التوسم 8، علم الأخلاق 11، علم الرقي 1، علم المخمس الخالي 27، فجميع ما فيه 278 فنا عدد أبياتها بعد ضم 62 بيتا في الخطبة 17383 بيتا.