الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
79 -
[1] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ"، قَالَ: . . . .
ــ
ذلك من الآيات والأحاديث التي هي ناطقة بأن الكل بمشيئة اللَّه وإرادته، وبسبق قضاء اللَّه وقدره، شاملًا لكل المخلوقات، ولذا قال إمام العارفين جعفر الصادق عليه وعلى آبائه الكرام السلام والتحية: لا جبر ولا قدر، ولكن أمر بين أمرين، فاللَّه تعالى خلق الأسباب والمسببات، ورتب المسببات على الأسباب، وجعل لها مدخلًا في وجودها، وخلق لها شرائط، وجعلها متوقفة عليها، بحيث لو لم تتحقق الشرائط لم توجد المشروطات، على قياس خلق الأسباب والشرائط للأحكام الشرعية، بحيث لا تصح ولا توجد إلا بها كذلك للأشياء الخارجية، والقدر شامل للكل ولا منافاة بينه وبين مدخلية الأسباب في وجود المسببات وبين توقف المشروطات على الشرائط.
الفصل الأول
79 -
[1](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (كتب اللَّه مقادير الخلائق) أي: أثبت في اللوح بإجراء القلم، أو أمر الملائكة بكتابة أقدار وأحكام تتعلق بالخلائق، وقيل: قدرها وعينها تعينًا لا يتأتى خلافه، وهذه تأويل لكتابته، والظاهر إثبات النقوش والحروف في لوح أو غيره.
وقوله: (قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) قالوا: المراد به طول الأمد، وتمادي ما بين التقدير وخلق السموات والأرض، لا تحديد هذا العدد، وإلا فالتقدير في الأزل، ولعله مبني على تأويل الكتابة بالتقدير والتعيين كما قيل، وإلا
"وَكَانَ عَرْشُهُ على المَاء". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2653].
ــ
فالكتابة يمكن أن يكون فيما لا يزال سابقًا على الخلق بهذه المدة من الزمان، واستشكل بأنه كيف يحمل على الزمان، ولم يخلق الزمان بعد (1)؟ وهذا أيضًا مبني على التأويل المذكور، وإلا فالزمان يمكن أن يكون مخلوقًا وقت الكتابة فيما لا يزال، وأما أن الزمان عبارة عن مقدار حركة الفلك فكيف يكون مخلوقًا قبل خلق السموات؟ فمبني على أقوال الفلاسفة فلا يسلّم، فيمكن أن يخلق الزمان إذ ذاك ويكون عبارة عن حالة وأمر ممتد يعرف به مقدار الأمور وينضبط به، فافهم، وباللَّه التوفيق.
فإن قلت: قد جاء في حديث آخر (2): (إن اللَّه كتب كُتُبًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزلت منه آيتان)، وفي رواية:(أنزل منه آيتين)، وهذا ينافي رواية خمسين، فالجواب أن من الجائز أن لا يكون إثبات الكوائن في اللوح دفعة واحدة بل يثبتها اللَّه شيئا فشيئًا، أو يكون المراد من الكتاب في هذا الحديث غير ما في اللوح، وعلى ما قيل: إن المراد بالزمانين نفس السبق والمبالغة لا التحديد فلا إشكال، وفيه ما فيه.
وقوله: (عرشه على الماء) وفي بعض النسخ: (وكان عرشه) قال البيضاوي (3) في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ
(1) قال القاري: قُلْتُ: يُحْمَلُ الزَّمَانُ حِينَئِذٍ عَلَى مِقْدَارِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ الأَعْظَمِ الَّذِي هُوَ الْعَرْشُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ حِينَئذٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ"، انتهى. مرقاة المفاتيح (1/ 148). أو أنه كان موجودًا في علمه تعالى. كما في "التقرير".
(2)
أخرجه الترمذي (2882)، وأحمد في "مسنده"(4/ 274)، والحاكم في "المستدرك"(2065).
(3)
"تفسير البيضاوي"(3/ 67).
80 -
[2] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2655].
ــ
عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7]: أي: قبل خلق السماوات والأرض لم يكن حائل بينهما لا أنه (1) كان موضوعًا على متن الماء، واستدل به على أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم، وقيل: كان الماء على متن الريح، واللَّه أعلم بذلك.
وقال صاحب (الكشاف)(2): فيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض، وقال الشيخ (3): ليس المراد بالماء ماء البحر بل هو ماء تحت العرش كما شاء اللَّه تعالى، ويحتمل أن يحمل على ماء البحر بمعنى أن حملته في البحر، انتهى. وقيل: قوله: (وعرشه على الماء) كناية عن القدرة.
80 -
[2](ابن عمر) قوله: (حتى العجز والكيس) بالرفع فيهما عطف على (كل)، وبالجر عطف على (شيء)، وقال التُّورِبِشْتِي: الخفض في الرواية أكثر، واعلم أن العجز ضد القدرة، والكيس بفتح الكاف وسكون الياء: ضد الحمق، كذا في (القاموس) (4)؛ فليس بين العجز والكيس تقابل. فقال الطيبي (5) في توجيهه: فائدة هذا الأسلوب تقييد كل من المعنيين بما يقابل الآخر كأنه قيل: حتى الكيس والقدرة والبلادة والعجز، يعني قديذكر شيء هو ضد لشيء يذكر معه شيء آخر غير ضده، ويتضمن
(1) كذا في (ر) و (ب)، وفي "تفسير البيضاوي":"لأنه" وهو تحريف. انظر: "روح المعاني"(8/ 159).
(2)
"الكشاف"(3/ 68).
(3)
"فتح الباري"(13/ 410).
(4)
"القاموس المحيط"(ص: 529).
(5)
"شرح الطيبي"(1/ 216).
81 -
[3] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عليهما السلام عِنْدَ رَبِّهِمَا فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى،
ــ
هذا ذكر شيئين آخرين: أحدهما ضد الأول، والآخر ضد الثاني، إذ ذكر أحد الضدين يستتبع ذكر الضد الآخر، كما قيل مثل هذا في قول الشاعر:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه
…
وكم جاهل جاهل تلقاه مرزوقا
بأن الجاهل ليس ضد للعاقل، وإنما ضده الأحمق، فكأنه قال: كم عاقل وكم عالم وكم أحمق وكم جاهل، واكثر ما يوجد من هذا التركيب فيما يقرب من الضد؛ لأنه لو لم يكن في معنى الضد أصلًا لا يحسن أو لا يجوز ذكره معه، فتدبر.
وقال التُّورِبِشْتِي (1): الكيس: جودة القريحة، وإنما أتى به في مقابلة العجز؛ لأنه هو الخصلة التي تفضي لصاحبها إلى الجلادة وإتيان الأمور من أبوابها، وذلك نقيض العجز، ولهذا المعنى كنوا به عن الغلبة، فقالوا: كايسته فكيسته، أي: غلبته، والعجز ههنا عدم القدرة، وقيل: ترك ما يجب فعله بالتسويف فيه والتأخير، يريد أن الكيس يتضمن معنى القدرة لأنه القدرة والجلادة على إمضاء الأمور وإنفاذ العزمة، والمراد بالعجز ههنا عدم القدرة على ذلك بالتسويف والتأخير، فيصح ذكر أحدهما في مقابلة الآخر، وهذا الوجه أولى وأظهر كما لا يخفى، والمعنى: أن الكل بتقدير اللَّه ومشيئته سواء كان من صفاتنا وأفعالنا أو غيرها، ففيه رد على القدرية القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم وواقعة بمشيئتهم وإرادتهم، فـ (حتى) للعطف يفيد التراخي والترتيب في الذهن، كما في قولهم: قدم الحاج حتى المشاة، أي: حتى ما يقع منكم بمشيتكم.
81 -
[3](أبو هريرة) قوله: (احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى)
(1)"كتاب الميسر"(1/ 49).
قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهَبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئتَكَ إِلَى الأَرْضِ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلَّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًا،
ــ
الحجة: الدليل والبرهان، يقال: حاجّه فحجه أي: غلبه بالحجة، وتحاجّا أي: تخاصما.
وقوله: (عند ربهما)، أي: في عالم آخر غير هذا العالم، وهو العالم العلوي الروحاني، وهو عالم الحقيقة حين التقت أرواحهما في السماء، أو أحياهما اللَّه تعالى، أو أحيا آدم في حياة موسى، كذا في (مجمع البحار)(1).
قد سبق أن وجود الأسباب لا ينافي التقدير، وكلاهما ثابت بل الكل تقدير، فموسى عليه السلام تكلم بمقتضى الظاهر وعالم الأسباب، وآدم عليه السلام نطق بالحقيقة وبالنظر إلى التقدير، وكلاهما حق؛ لأن هذه المحاجة كانت في عالم الحقيقة بعد اندفاع مواجب الكسب ورفع التكليف، لا في عالم الأسباب الذي لم يجز فيه قطع النظر عن الوسائط، وهذا الوجه يقتضي أن الأظهر أن يحمل هذه المكالمة بينهما في زمان حياة موسى بإحياء آدم في حياته أو إراءته بوجه آخر، ولهذا قال آدم عليه السلام في حياته:{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23]، وقيل: إنما احتج في خروجه من الجنة بأن اللَّه خلقه ليجعله خليفة في الأرض بهبوطه بسبب الذنب لا أنه نفى عن نفسه الذنب، فتدبر.
وقوله: (فيها تبيان كل شيء) أي: من الأحكام مما يحتاج إليه في الدعوة والرسالة.
(1)"مجمع بحار الأنوار"(1/ 441).
فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121]؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2652].
82 -
[4] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يَجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. . . .
ــ
وقوله في آخر الحديث: (فحج آدم موسى) فذلكة للقصة ومجمل للتفصيل المذكور، وروي:(فحج آدم موسى ثلاثًا) أي قاله ثلاثًا، وشرح ما وقع في الحديث من الكلمات يطلب من كتب التفسير.
82 -
[4](ابن مسعود) قوله: (وهو الصادق المصدوق) أي: الذي صدقه ربه، والمصدوق: من صدقه غيره -بتخفيف الدال- صدق زيد عمروًا، أي قال له صدقًا وأخبر بالصدق، وفي (مجمع البحار) (1): الصادق من صدق في قوله وتحرى في فعله، والمصدوق من صدقه غيره، أي: صدقه جبرئيل عليه السلام فيما أخبر به، أو مصدق من عند الناس، والجمع بينهما للمدح أو للتأكيد، أو يلزم من أحدهما الآخر.
وقوله: (أن خلق أحدكم)(إن) بكسر الهمزة على حكاية لفظه صلى الله عليه وسلم، والمراد بخلقه مادة خلقه.
وقوله: (في بطن أمه) أي: رحمها، قال في (النهاية) (2): إن النطفة إذا وقعت
(1)"مجمع بحار الأنوار"(3/ 309).
(2)
"النهاية"(1/ 297).
نُطْفَةً،
ــ
في الرحم فأراد اللَّه أن يخلق منها بشرًا طارت في بشرة جسم المرأة تحت كل ظفر وشعر، وقال: تمكث أربعين ليلة (1)، ثم تنزل دمًا في الرحم، فذلك جمعها، كذا فسره ابن مسعود فيما قيل، ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم للخلق والتصوير، ثم تُخْلَقُ بعد الأربعين، وقيل: المعنى تقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة متفرقًا، فجمعه اللَّه تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة، ثم لا يخفى أن تسميتها نطفة بعد الاستقرار يكون باعتبار ما كان.
وفي (مجمع البحار)(2): وقال الأطباء: إنما يتصور الجنين فيما بين ثلاثين إلى أربعين، والمفهوم من الحديث النبوي صلى الله عليه وسلم أنه بعد أربعة أشهر، ولهذا وصفه بالصادق إشارة إلى بطلان ما قالوه، أو ذكره تلذذًا وتبهجًا ومدحًا.
وقوله: (نطفة) في (القاموس)(3): النطفة بالضم: الماء الصافي قلّ أو كثر، أو قليل ماء يبقى في دلو أو قِربة، والجمع نطاف ونطُفٌ، والبحر، وماء الرجل، والجمع نُطَفٌ.
وفي (النهاية)(4): يقال للماء الكثير والقليل: نطفة، وهو بالقليل أخص، يقال: نطف الماء: قطر قليلًا قليلًا، ومنه:(فجاء رجل بنطفة في إداوة)، أي ماء قليل، والمني
(1) قَالَ الصُّوفِيَّةُ: خُصُوصِيَّةُ الأَرْبَعِينَ لِمُوَافَقَتِهِ تَخْمِيرَ طِينَةِ آدَمَ، وَمِيقَاتِ مُوسَى، ثُمَّ إِنَّهُ تُعْجَنُ النُّطْفَةُ بِتُرَابِ قَبْرِهِ كَمَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55]. "مرقاة المفاتيح"(1/ 151).
(2)
"مجمع بحار الأنوار"(1/ 381).
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 791).
(4)
"النهاية"(5/ 74).
ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا. . . .
ــ
نطفة لقلته، ومما جاء النطفة بمعنى البحر حديث:(وينقص الشرك (1) وأهله حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورًا) أراد بهما بحر المشرق وبحر المغرب، وقيل: ماء الفرات وماء بحر يلي جدة، أو بحر الروم وبحر الصين، أي: لا يخشى في طريقه أحدًا يجور عليه ويظلمه، وروي:(لا يخشى إلا جورًا)، أي: لا يخاف في طريقه إلا الضلال والجور عن الطريق.
وقوله: (ثم يكون علقة) في (القاموس)(2): العلق محركة: الدم عامةً، أو الشديد الحمرة، أو الغليظ، أو الجامد، القطعة منه بِهاء، والمراد في الحديث الدم الجامد.
وقوله: (ثم يكون مضغة) المضغة بالضم: مضغة لحم وغيره، والجمع كصرد، مضغه كمنعه ونصره: لاكه بسِنِّهِ.
وقوله: (ثم يبعث اللَّه إليه ملكًا)(3) عطف على (يجمع في بطن أمه) فظاهره أن
(1) في (ر) و (ب): "الشر"، والتصويب من "النهاية".
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 939).
(3)
يَعْنِي فِي الطَّوْرِ الرَّابِعِ حِينَمَا يَتَكَامَل بَيَانُهُ، وَالْمُرَادُ بِالإِرْسَالِ: أَمْرُهُ بِهَا، وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا؛ لأَنَّهُ ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالرَّحِمِ حِيتَ كَانَ نُطْفَةً، أَوْ ذَاكَ مَلَكٌ آخَرُ غَيْرُ مَلَكِ الْحِفْظِ. فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ وَرَدَ فِي "صَحِيحِ مسْلِمٍ" بِرِوَايَةِ حُذَيفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ خِلَافُ ابْنِ مَسْعودٍ كَمَا فِي "الْمَشَارِقِ"، "أَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا، وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَعِظَامَهَا، ثُمَّ يقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَر أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، ثُمَّ يَكْتُبُ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ"، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّصْوِيرَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى، وَهُوَ مُنَافٍ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَجَوَابُهُ: أَنَّ لِتَصَرُّفِ الْمَلَكِ أَوْقَاتًا. أَحَدُهَا: حِينَ يَكُونُ نُطْفَةً، ثُمَّ يَنْقَلِبُ عَلَقَةً، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمِ الْمَلَكِ بِأَنَّهُ وَلَدٌ، وَذَلِكَ عَقِيبَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى، وَحِينِئِذٍ يَبْعَثُ إِلَيْهِ رَبُّهُ يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعثه يكون بعد مئة وعشرين يومًا، وجاء في بعض الروايات أنه يبعث بعد بضع وأربعين، وفي بعضها:(بأربعين)، وفي بعضها:(ثنتين وأربعين، فيصورها ويخلق سمعها ويصرها وجلدها)، وأشبه ما جمع به أن الأول هو الغالب، والثاني فيمن يولد لستة أشهر.
ولا يذهب عليك أنه لا حاجة إلى تخصيص الثاني فيمن يولد لستة أشهر، بل يمكن أن يقال: إن من الناس من يكتب له ذلك عقيب الأربعين الأولى، ومنهم من يكتب له عقيب الأربعين الثالثة، واللَّه أعلم بالحكمة في ذلك، وقيل: إنها تكون مرتين: مرة في السماء، ومرة في الأرض، وهذا إن ثبت بالرواية فمسلّم وإلا فمجرد الاحتمال لا يُعبأ به.
ثم إنه يشكل أن هذا التصوير لحمًا وعظمًا وسمعًا وبصرًا إنما يكون قريبًا من نفخ الروح لا بعد الأربعين الثانية، فإنه يكون فيها علقة، فيحمل قوله:(فيصورها) على معنى صوّرها قولًا وكتابًا لا فعلًا، ويكون إرسال الملك مرة عقيب الأربعين الأولى، ومرة عقيب الأربعين الثالثة، كذا في حاشية (مجمع البحار)(1)، بخط مصنفه نقلًا عن شرح ابن ماجه، واللَّه أعلم.
= وَخِلْقَتَهُ، وَصُورَتَهُ، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِتَصْوِيرِهِ، وَخَلْقِ أَعْضَائِهِ، وَذَلِكَ فِي الأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَالْمُرَادُ بِتَصْوِيرِهَا بَعْدَهُ أَنَّهُ يَكْتُبُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَفْعَلُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لأَنَّ التَّصْوِيرَ الأَوَّلَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى غَيْرُ مَوْجُودٍ عَادَةً، كَذَا فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ"، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ بَيْنَ النِّسَاءِ أَنَّ النُّطْفَةَ إِذَا قُدِّرَتْ ذَكَرًا تتُصَوَّرُ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى بِحَيْثُ يُشَاهَدُ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى السَّوْأَةَ، فتحْمَلُ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْبَنَاتِ، أَوِ الْغَالِبِ. "مرقاة المفاتيح"(1/ 152).
(1)
"مجمع بحار الأنوار"(1/ 381).
بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ،
ــ
وقوله: (بأربع كلمات) قال الشيخ ابن حجر في (شرح الأربعين)(1): وفي خبر صحيح عن ابن حبان (خمس)، الثلاثة الآتية، والأثر [و] المضجع، أي القبر، قال: وفي حديث صحيح أيضًا: (أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ )، والجمع بأنه يمكن أن الزوائد مما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم بعده، واللَّه أعلم.
ثم الكلمة تطلق على القول والفعل كقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة: 124]، قيل: هي عشر خصال من الفطرة، وقوله:{لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس: 64]، أي: لا خلف لما وعد، وقد يراد به العلم والقرآن كما في قوله تعالى:{قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109]، في (مجمع البحار) (2): كل ما دعا اللَّه للناس إليها فهو كلمة، والظاهر أن المراد في هذا الحديث الخصال ونحوها، ويجوز أن يأمر اللَّه الملك بأربع أوامر فيكون الكلمات على حقيقتها.
وقوله: (فيكتب عمله) وهذه الكتابة غير كتابة المقادير السابقة على خلق السموات والأرض، جرت السنة الآلهية بإفرادها وتحديدها تأكيدًا وتقريرًا، ويكون فيها الأمر للملك إظهارًا للقضاء الأزلي (3)، وقد جاء في خبر عند البزار: أن كتابته ذلك يكون بين عينيه، وفي حديث آخر: أنه يكتمب ذلك في صحيفته وبين عيني الولد، ثم الظاهر من هذا الحديث أنه يؤمر بكتابة تلك الأربع ابتداء، ودلت الأحاديث الصحيحة أنه يؤمر
(1)"فتح المبين لشرح الأربعين"(ص: 99).
(2)
"مجمع بحار الأنوار"(4/ 440).
(3)
قال القاري: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكَتْبِهِ هَذ الأَشْيَاءَ إِظْهَارُهُ لِلْمَلَكِ، وَإِلَّا فَقَضاؤُهُ سَابِقٌ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُجَاهِدُ: يَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي وَرَقَةٍ، وَتُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا النَّاسُ. قَالَ تَعَالَى:{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13]. "مرقاة المفاتيح"(1/ 153).
وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ، ثُمَ يُنْفَخُ فِيهِ الْرُّوْحَ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. . . .
ــ
بذلك بعد أن يسأل عنها، وهو المراد ههنا، كذا ذكر الشيخ.
وقوله: (وأجله) في (القاموس)(1): الأجل محركة: غاية الوقت في الموت، ومدة الشيء، يعني الأجل يطلق على مجموع المدة المضروبة للشيء وعلى آخره، والحديث يحتمل المعنيين.
وقوله: (وشقي أو سعيد) وهذه الخاتمة أو السابقة، وهي المشار إليها بقوله:(السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه)، وهي غير العمل المذكورة أولًا، لأنه قد تعرض الشقاوة مع حسن العمل في مدة العمر، والشقاوة مع سوئه كما بيّنه بقوله:(حتى إن أحدكم ليعمل) الحديث، ولما كانت الشقاوة والسعادة مستمرة دائمة وأثره باقيًا دائمًا عبّر عنهما بالجملة الاسمية وغَيّر الأسلوب.
وقوله: (ثم ينفخ فيه الروح) على صيغة المجهول أو المعلوم، والأول أشهر، وظاهر هذه الرواية أن النفخ بعد الكتابة، وفي رواية البيهقي عكسه، قيل: فإما أن يكون من تصرف الرواة، أو المراد ترتيب الإخبار فقط، ولكن رواية البخاري ومسلم أصح وأثبت (2).
وقوله: (حتى ما يكون) بالرفع لأن (ما) ألغت (حتى)، كذا قال الشيخ ابن حجر في (شرح الأربعين)(3)، وهكذا صح في النسخ، وفي بعضها بالنصب أيضًا، ولعله على
(1)"القاموس المحيط"(ص: 884).
(2)
في "التقرير": ويمكن الجمع بأنه يحتمل اختلاف الأحوال باختلاف الرجال.
(3)
"فتح المبين لشرح الأربعين"(ص: 101).
إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا". مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: 6614، م: 2652].
83 -
[5] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجنَّة وَإنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالْ بِالْخَوَاتِيمِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 6607، م: 112].
84 -
[6] وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى جِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ،
ــ
القول بعدم الإمضاء.
وقوله: (إلا ذراع) الذراع بالكسر: من طرف المرفق إلى الأصبع الوسطى، ومنه ذراع الثوب، فإنه في الأصل على مقدار الذراع، ثم زاد الناس فيها واصطلحوا على ما شاؤوا، وهو تمثيل للقرب، وفي الحديث: أن العبرة بالخواتيم، وقد يأتي ذكره صريحًا في الحديث الآتي.
83 -
[5](سهل بن سعد) قوله: (وإنما الأعمال بالخواتيم) بالياء على وزن المصابيح، وفي بعض النسخ (بالخواتم) على وزن مساجد، في (القاموس) (1): ختمه ختمًا: بلغ آخره، والخاتم من كل شيء: عاقبته، والجمع خواتم وخواتيم.
84 -
[6](عائشة) قوله: (إلى جنازة صبي) في (القاموس)(2): جنزه ويجنزه:
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1014).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 469).
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طُوبَى لِهَذَا عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَقَالَ:"أَوَغَيْرُ ذَلكِ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2662].
ــ
ستره وجَمَعَه، والجنازة: الميت، ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت، وكل ما ثقل على قوم واغتموا به، فعلى تقدير كونها بمعنى الميت يكون الإضافة بيانية كقولهم: جيفة فلان.
وقوله: (طوبى لهذا) في (القاموس)(1): طوبى: الطِّيب، وتأنيث الأطيب، والحسنى، والخير، والخِيَرَة، وشجرة في الجنة، أو الجنة بالهندية، كطيبي، وطوبى لك وطوباك لغتان، أو طوباك لحن.
وقوله: (عصفور من عصافير الجنة) جعلته عصفورًا لصغره، ومن عصافير الجنة لكونه من أهلها في اعتقادها، فهو إما تشبيه بليغ كما هو المختار، أو استعارة على ما ذهب إليه بعض المتأخرين من الأصوليين، وقول الطيبي (2): إنه من باب الادعاء، لا يخرجه عن أحد القسمين، إذ لو حمل على الحقيقة فهو تشبيه وإلا فاستعارة، نعم لما كان ذكر المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه مانعًا من الحمل على الاستعارة تعيّن الأول وليس الادعاء قسما آخر، وهو ظاهر.
وقوله: (لم يعمل السوء) إشارة إلى سبب كونه من أهل الجنة.
وقوله: (أوغير ذلك) ذكروا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الهمزة للاستفهام
(1)"القاموس المحيط"(ص: 115).
(2)
"شرح الطيبي"(1/ 222).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والواو عاطفة على محذوف، و (غير) مرفوع بعامل مقدر تقديره: أَوَقَعَ هذا أو غير ذلك؟
ثانيها: أن يكون (أو) التي لأحد الأمرين، أي الواقع هذا أو غير ذلك، كذا قالوا، والظاهر أن الاستفهام إنكاري، والمقصود إنكار أن يكون وقوع هذا مجتمعًا مع وقوع غيره جزمًا أو ترددًا بل الواقع هو الغير وحده.
وبهذا ظهر أن الأوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الطيبي، وهو أن يكون (أو) بمعنى بل كما هو في قوله تعالى:{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]، ومع ذلك المقصود المنع عن القطع بذلك، ثم ظاهر الحديث أن دخول الجنة والنار غير منوط بالأعمال، بل اللَّه سبحانه جعل من خلقه أهلًا للجنة عملوا الحسنات أو لم يعملوا، وكذلك جعل منهم أهلًا للنار عملوا السيئات أولم يعملوا، فهذا الصبي إن جعله اللَّه من أهل النار أدخله النار وإن لم يعمل سوءًا، فكيف تجزمين بأنه من أهل الجنة؟
لكن الذي عُلم من الدين وانعقد عليه الإجماع أن أطفال المسلمين في الجنة، وفي أطفال المشركين ثلاثة أقوال: الأول: الدخول في النار، والثاني: التوقف، والثالث: أنهم من أهل الجنة، وهو الصحيح لأنه قد علم بالضرورة من الدين أن اللَّه لا يعذب أحدًا بغير ذنب.
وقيل: يحتمل أنه لم يرتض بهذا القول من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما فيه من الحكم بالغيب والقطع بإيمان أبوي الصبي إذ هو تبع لهما، وفيه إرشاد للأمة إلى التوقف عند الأمور المبهمة، والسكوت عما لا علم لهم به، وحسن الأدب بين يدي علام الغيوب،
85 -
[7] وعَن عَليٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسِّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، . . . .
ــ
والأصوب أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن أوحي إليه: أن أطفال المسلمين في الجنة، فلما أوحي إليه ذلك فأخبر بذلك وبأنهم يدخلون في آبائهم وأمهاتهم الجنة كما جاء في الحديث، واللَّه أعلم.
85 -
[7](علي) قوله: (ومقعده من الجنة) في أكثر الروايات بالواو، وهو مطابق لما ورد في حديث آخر: أن لكل واحد من المؤمنين والكافرين مقعدًا في الجنة ومقعدًا في النار، وعليه يحمل قوله تعالى:{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 63]، وقوله صلى الله عليه وسلم:(إذا كان يوم القيامة دفع اللَّه إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار)، ولا حاجة إلى جعل الواو بمعنى أو، ولا يأبي التفصيل المذكور حمل الواو على حقيقتها، فإن كلا المقعدين مكتوب، لكن على تقدير كونه من أهل السعادة يبدل مقعده من النار بمقعده الجنة، وعلى تقدير كونه من أهل الشقاوة على العكس، فافهم، نعم قد جاءت الرواية بلفظ (أو) فبهذه القرينة لو حملت على معنى أو مع كونه أوفق بالمقصود لكان له وجه.
وقوله: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ ) فهموا أنه إذا سبق القضاء لنا بالجنة أو النار فأيّ فائدة في السعي والعمل؟ وأيّ حاجة إلى ذلك؟ وليس كذلك، فإن القضاء قد سبق ولكن اللَّه قد أمر ونهى، وتفهمون الخطاب ويأتي منكم الامتثال وتركه، وهو ربكم وأنتم عبيده، وقد ناط الجنة والنار بالعمل وجعله علامة عليه، غايته أنه لا يأتي منكم إلا ما سبق به القضاء كما أجاب صلى الله عليه وسلم:(اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وعلى أيِّ
أمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ"، ثُمَّ قَرَأَ:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الآيَة [الليل: 5 - 6]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1362، 4945، 4949، م: 2647].
86 -
[8] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي،
ــ
تقدير لا يكون سبق القضاء باعثًا على ترك العمل، والقول بأنه لما سبق فلأي شيء نعمل لأنه من جملة القضاء أيضًا، وقد أوضحنا هذا المعنى بما لا مزيد عليه في ترجمة الباب، وباللَّه التوفيق.
وقوله: (فسييسر) على صيغة المضارع المجهول الغائب من التيسير.
86 -
[8](أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه كتب على ابن آدم حظه) أي: نصيبه حال كون ذلك النصيب (من الزنا، أدرك) أي: وصله ولحقه (لا محالة) بفتح الميم وتخفيف اللام، أي: لا حولان ولا تغير لهذا، وكل ما تحول وتغير من الاستواء إلى العوج فقد حال واستحال، كذا في (القاموس)(1)، وفيه لا محالة منه بالفتح أي لابد، والمعنى كتب اللَّه، أي أثبت على ابن آدم بأن خلق له الحواس التي يجد بها اللذة، وركز في جبلته الشهوة والميل إلى النساء، ثم إنه سبحانه يعصم من يشاء، أو المعنى قدّر في الأزل أن يجري على ابن آدم الزنا فلابد أن يدركه، وهذا المعنى أنسب بترجمة الباب، فمنهم من يكون زناه حقيقيًا بإدخال الفرج في الفرج، ومنهم من يكون زناه
(1)"القاموس المحيط"(ص: 910).
وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، العَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِناهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ". [خ: 6343، م: 2657].
87 -
[9] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصُيْنٍ: إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، . . . .
ــ
مجازيًا بالنظر الحرام والتكلم بالكلام الحرام واستماعه والإصغاء إليه، وما يتعلق بتحصيله أشار إليه بقوله:(فزنا العين النظر. . . إلخ).
وقوله: (الفرج يصدق ذلك ويكذبه) كناية عن الإتيان بالزنا والإباء عنه، وإسناد التصديق والتكذيب إلى الفرج مجازي، هذا كلامهم، ويدل ظاهرًا على أن المراد كتب على كل أحد من بني آدم حظه من الزنا، لكن اللَّه يعصم من يشاء ويجعله لممًا في حق بعض، ويجعله كبيرة في حق بعض آخر.
ولا يذهب عليك أنه يمكن أن يكون المراد كتب على من كتب عليه من جنس آدم، أي على بعضهم حظًّا من الزنا، ثم جعله إما بالنظر أو بالكلام أو بالفرج لا أنه كتب الزنا على بني آدم كلهم، وهذا المعنى أحسن وأولى، واللَّه أعلم بمراد رسوله.
وقوله: (والقلب يهوى) بفتح الواو أي: يحب ويريد من عَلِمَ يعلم، وأما هوى يهوي من ضرب يضرب فهو بمعنى السقوط من فوق.
87 -
[9](عمران بن حصين) قوله: (أرأيت) أي: أخبرنا، وقد يجيء بالكاف في آخره نحو أرأيتك، وأرأيتكما، وأرأيتكم، وهي حرف خطاب يدل على أحوال
وَيَكْدَحُونَ فِيهِ؟ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ . . . .
ــ
المخاطب كما في ذلك وذلكما وذلكم، وفي (القاموس) (1): هي كلمة يقول العرب بمعنى أخبرني وأخبراني وأخبروني، والتاء مفتوحة، انتهى. وحقيقته أنه استفهام عن رؤية المخاطب أو علمه أي: هل رأيت فأخبرني؟ وقال الطيبي (2): الاستفهام فيه للتقرير، أي: قد رأيت ذلك فأخبرني به.
وقوله: (ويكدحون فيه) في (القاموس)(3): كدح في العمل كمنع: سعى وعمل لنفسه خيرًا وشرًا، وكدح وجهه: خدش، وتَكَدَّح الجلدُ: تَخَدَّش.
وقوله: (أشيء قضي عليهم؟ ومضى فيهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم) وفي رواية: (أم فيما يستقبلون به) بلفظ المعلوم في النسخ كلِّها فيما رأينا، وقال السيد جمال الدين المحدث:(يستقبلون) بصيغة المجهول في سماعنا، ولكن في أكثر نسخ (المشكاة) بلفظ المعلوم، أي أخبرنا أن عمل الناس فيما لا يزال هل سبقه قضاء في الأزل على وفقه أو لم يسبقه قضاء؟ أو إنما هو مستأنف على وفق ما يأتيهم نبيهم فيأمرهم وينهاهم، فيمتثلون أو يعصون من عند أنفسهم باختيارهم وقدرتهم.
وقوله: (من قدر سبق) إما بيان لشيء قضي فيكون القضاء والقدر شيئًا واحدًا، وهو ما حكم اللَّه من الأمور كما تدل عليه عباراتهم مما أسلفنا ذكره في شرح ترجمة
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1182).
(2)
"شرح الطيبي"(1/ 227).
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 230).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الباب، و (من) ابتدائية متعلقة بـ (قضي) أي: أقضي عليهم لأجل قدر سبق؟ فيكون القضاء ناشئًا، ومبتدئًا من قدر، والقدر سابقًا عليه، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الخلق، كقوله تعالى:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت: 12]، أي: خلقهن، فقوله:(جف القلم بما هو كائن) قدرٌ، و {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] قضاءٌ، ولهذا قال بعضهم: إنها شؤون يُبديها لا شؤون يَبْتَدِيهَا، فالقدر كالأساس، والقضاء كالبناء، هكذا قال بعضهم في (النهاية)(1).
وفي (مجمع البحار)(2)، عن الكرماني: وقال بعضهم: القضاء الأمر الكلي الإجمالي، وهو حكم اللَّه تعالى في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الكلي مفصلات، وهذا عكس ما في (النهاية)، ويوافق ما قال القاضي: القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها.
وقال الإمام الغزالي: إذا كان معنى الحكمة ترتيب الأسباب فتوجهها إلى المسببات كان حكمًا مطلقًا؛ لأنه مسبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها، ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر، فتدبيره أصل وضع الباب ليتوجه إلى المسببات حكمُه، ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسماوات السبع والكواكب وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه، كما قال:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12]،
(1) انظر: "النهاية"(4/ 78).
(2)
"مجمع بحار الأنوار"(4/ 294).
فَقَالَ: "لَا، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} "[الشمس: 7 - 8]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2650].
ــ
وتوجه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة فلحظة قدره، فالحكم هو التدبير الأول الكلي والأمر الأول الذي كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بعدد معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء من قضائه وقدره، انتهى.
فالقضاء والقدر كلاهما جاء بمعنى واحد، وبالمعنيين المتغايرين بالتعاكس، وموارد الاستعمال تصلح دليلًا على الكل، ولا محذور في ذلك.
وقوله: (فقال: لا بل شيء قضي عليهم) استشكل على هذا الجواب؛ أما على رواية (أم فيما يستقبلون به) فلأن جواب (أم) المتصلة إنما يكون بتعيين أحد الأمرين دون لا أو نعم، وقد يجاب بنفي كليهما لاحتمال الخطأ في اعتقاد المتكلم وجود أحدهما، وههنا ليس كذلك؛ لأن أحد الأمرين ثابت قط صلى الله عليه وسلم والسؤال عن تعيينه، وأما على رواية (أو فيما يستقبلون) فلأن المقصود السؤال عن أحدهما واقع لا على التعيين، وهو حق لا يصلح للرد، وتوجيهه ما قال الطيبي (1): إن (أم) منقطعة و (أو) بمعنى بل، فنفى صلى الله عليه وسلم ما أثبته وقرره وأكده ببل، فافهم.
وقوله: (وتصديق ذلك في كتاب اللَّه عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}) [الشمس: 7 - 8] تسوية النفس: إنشاء خلقها على سواء من التدبير بحسب
(1)"شرح الطيبي"(1/ 229).
88 -
[10] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الاخْتِصَاءِ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ،
ــ
ما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة، وذلك بما يركب فيها من القوى التي جعلت مقدمة للنفس، وصارت النفس بها مستعدة لقبول الفهم والإفهام، {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا} بالأمور الجبلية والقضاء الطبعية بأن ركزت في جبلته حب الشهوات، وخلقها على هذا الوجه، {وَتَقْوَاهَا} بالنصوص الشرعية والأدلة العقلية، والتصديق في قوله:{فَسَوَّاهَا} ، أي: قدرها وخلقها كذلك.
88 -
[10](أبو هريرة) قوله: (أخاف على نفسي العنت) في (القاموس)(1): العنت محركةً: الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة والزنا.
وقوله: (في الاختصاء) في (القاموس)(2): الخصى والخصية بضمهما وكسرهما من أعضاء التناسل، وخصاه خِصاءً: سَلَّ خصيتيه فهو خَصِيٌّ ومَخْصِيٌّ.
وقوله: (ثم قلت مثل ذلك) لعله قال في الثانية بعبارة أخرى مثل الأولى أو اعتبر المغايرة الاعتبارية.
وقوله: (جف القلم بما أنت لاق) جفاف القلم كناية عن إمضاء المقادير والفراغ منها ومن كتابتها، قيل: ما وجد هذا اللفظ مستعملًا على هذا الوجه إلا في كلام
(1)"القاموس المحيط"(ص: 157).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 1177).
فَاخْتَصِ عَلى ذَلِك أَوْ ذَرْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 5076].
89 -
[11] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ. . . .
ــ
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (فاختص على ذلك أو ذر) الرواية الصحيحة كما في أصول المشهورة المعتمدة (فاختص) بالصاد المكسورة المخففة، أمر من الاختصاء بمعنى سلّ الخصية كما هو المناسب للمقام، و (على ذلك) متعلق بمقدر أي كائنًا على العلم بأن ما قضي كائن لا محالة، وفي هذا تهديد على التسبب في مقابلة القدر والفرار منه، أو ذر الاختصاء أي: اتركه راضيًا بقضاء اللَّه، وقد وقع في بعض نسخ (المصابيح)(فاختصر) بالراء أمر من الاختصار بمعنى ترك التطويل في الكلام، وعلى هذا فالتهديد في الثاني أعني في قوله:(أو ذر)، وعلى التقديرين المراد أن كل ما قدر من خير وشر فهو كائن سواء اختصيت أو لا، فلا فائدة في الاختصاء وقطع العضو بلا حق (1).
89 -
[11](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن قلوب بني آدم كلها) لما كان الظاهر أن المراد بالتصريف ههنا من الطاعة إلى المعصية وبالعكس، ومن الإيمان إلى الكفر وبالعكس بقرينة الدعاء المذكور بعده، والعكس غير موجود في المعصومين، أورد كلمة الشمول بأن هذا الحكم شامل للكل بالذات، لكن اللَّه عصم بعض عباده منه.
وقوله: (بين أصبعين من أصابع الرحمن) هذا من المتشابهات، وقد تقرر فيها المذهبان، أحدهما: مذهب السلف المتقدمين، وهو اعتقاد ظواهرها، والتوقف عن تأويلها، وتفويض الأمر إلى اللَّه، واعتقاد أن هذه صفات له سبحانه ولا نعلم كيفيتها،
(1) ثم المذهب أنه حرام كما صرح به الفقهاء في الحظر والإباحة. كذا في "التقرير".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا أسلم.
وثانيهما: مذهب الخلف المتأخرين، وهو تأويلها بما يناسب المقام ويشعر بتعظيم جناب الحق تعالى وتقدس، وهذا أحكم.
وبعضهم فرق بين هذا القسم المذكور في هذا الحديث وبين السمع والبصر واليد وأمثالها، فهذه تحمل على ظاهرها وتجري بلفظه الذي ورد من غير تشبيه بمسميات الجنس على ما هو مذهب السلف، وأما ما نحن فيه وأمثالها فيجب تخريجه على ما يناسب المقام من المعنى؛ لأنها ليست من أقسام الصفات بل ألفاظ متشاكلة أريد بها المعاني المجازية، كذا ذكر التُّورِبِشْتِي (1)، ولا يخلو عن شيء، فتدبر.
وبالجملة الحديث محمول على ضرب من التمثيل، والمراد منه الاستظهار في القدرة وسرعة نفوذ الأمر والتصرف على مقتضى العلم والمشيئة كما يقال: فلان في قبضتي، أي تحت قدرتي، فلان بين إصبعي أقلبه كيف أشاء، أي: أقدر على قهره والتصرف فيه على أيِّ وجه شئت، ولما كان منشأ الإيمان والكفر والطاعة والمعصية وسائر أفعال العبادِ القلوبَ نسبه إليها.
وأما تثنية الإصبع فيقال: المراد صفتا الجلال والإكرام، أعني القهر واللطف، فبالأول يقلبها إلى المعصية، وبالثاني إلى الطاعة.
وقوله: (من أصابع الرحمن)، إنما أضاف إلى هذا الاسم لشمول رحمته تعالى وغلبتها مع أن غضب الحليم أشد فيشمل قسمي التصرف، فافهم.
(1)"كتاب الميسر"(1/ 54).
كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2654].
ــ
وقوله: (كقلب واحد) المراد أنه تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة، وليس المراد أن التصرف في القلب الواحد أسهل، أو هذا باعتبار ما عند الناس من أن التصرف في شيء واحد أهون عليهم من التصرف في قلوب كثيرة، وإلا فبالنسبة إليه تعالى الكل سواء.
وقوله: (ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) قاله تعليمًا للأمة، وتأدّبًا للحضرة الإلهية، وطلبًا للثبات والدوام، وهو كقوله تعالى:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، والظاهر أن صيغة المتكلم مع الغير شامل للأمة؛ لأنه ليس محل تعظيم النفس، اللهم إلا أن يجعل صيغة الجمع لغاية التضرع والابتهال كأنه جعل نفسه بمنزلة جماعة الفقراء والمحتاجين، فافهم، فإنه من متخيلات هذا المسكين.
وقوله: (اللهم) أصله: يا اللَّه، عوضت الميم عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان، وهو من خصائص هذا الاسم كدخول (يا) عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وقيل: أصله يا اللَّه أَمِّنَّا بخير، فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته، كذا قال البيضاوي (1)، والاسم المذكور بعده منادى ثان عند سيبويه، فإن الميم عنده يمنع وصفه، وعند الزجاج أنه صفة فإنه قال: كما لا تمتنع الصفة مع يا فلا تمتنع مع الميم، وأقول: ههنا مانع آخر من الوصفية فإن قوله: (مصرف القلوب) نكرة لكون الإضافة غير مختصة، اللهم إلا أن يراد بالوصف ههنا ما يعمّ البدل وعطف البيان في مقابلة كونه منادى ثانيًا.
(1)"تفسير البيضاوي"(1/ 333).
90 -
[12] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، . . . .
ــ
90 -
[12](أبو هريرة) قوله: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) الفطرة: الشق، يقال: فطرته فانفطر أي: شققته فانشق، وفطر ناب البعير أي: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر أي تشقق، سيف فطار بالضم فيه تشقق، والخلق يقال: فطر اللَّه الخلق أي: خلقهم، والابتداء والإنشاء يقال: فطر الأمر: ابتدأه وأنشأه، والفطرة فعلة منه بمعنى الخلقة التي خلق عليها المولود، هذا معناها اللغوي.
وأما معنى الحديث وتأويله فقد ذكروا فيه وجوهًا متعددة، والمشهور منها أن المراد بالفطرة الدين الذي شرع وابتدئ، وخلق الأول مفطور من البشر، وهو التوحيد ودين الإسلام، وقد وقع في رواية:(ما من مولود إلا وهو على الملة)، وفي رواية الترمذي:(كل مولود يولد على الملة)، والملة هو دين الإسلام.
وتعقب هذا الوجه بأن قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] ينافي هذا التأويل؛ لأنه لو كان المراد بالفطرة نفس الإسلام للزم من الحديث تبديل خلق اللَّه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأبواه يهودانه)، اللهم إلا أن يراد بالتهويد الحكم عليه بالكفر في الدنيا بحسب الظاهر من جهة التبعية وعلة الجزئية مع وجود إسلامه حقيقة، أو يراد بقوله:(لا تبديل) لا ينبغي أن يبدل، وليس من شأنه أن يبدل، والخبر في معنى النهي.
وبأن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث موسى والخضر: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا)، وهو حديث صحيح، فكيف يكون كل مولود مفطورًا ومطبوعًا على الإسلام؟ وبأن الدين المعتد به من باب الإكساب، ولو كان من حكم الجبلة لم يكن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كذلك، وبأن المولود لو ولد مسلمًا لم يجعله الشرع تبعًا لأبويه الكافرين في كفرهما، وقد حكم الشرع على ولدان المشركين بحكم المشركين.
فالصواب أن المراد بالفطرة التي خلق اللَّه الخلق عليها الحالة والهيئة المهيأة لمعرفة الخالق وقبول الحق واختيار دين الإسلام والتمييز بين الحق والباطل ما ركب فيهم من العقول التي يتمكنون بها من الهدى وقبول الحق لو نظروا بها نظرًا صحيحًا لاستمروا على لزومها، ولم يفارقوها، كما أنه يولد على محبة ارتضاعه اللبن حتى يصرف عنه، وهي التي لا تبديل لها ولا يتهيأ لأحد التبديل؛ لأن هذا الاستعداد والتهيؤ لا يتبدل، وإن ذهب ذاهب إلى خلاف مقتضاها كانت بحالها حجة عليه، وليس هذا تبديلًا له بل عدم ظهور أثره بالفعل، وبهذا الاعتبار ناسب إيراد هذا الحديث في باب القدر، فافهم.
فمعنى الحديث: أن المولود يولد على العقل المفطور لو ترك على ما فطر عليه من العقل القويم والوضع المستقيم، ولم تعرضه آفة من قبل الأبوين إما جبرًا منهما أو تقليدًا لم يختر غير هذا الدين الذي حسنه ظاهر عند ذوي العقول السليمة، والألف بالمحسوسات والموهومات والانهماك في الشهوات المانعة عن النظر الصحيح والوصول إلى المطلوب وإدراك الحق في حكم تهويد الأبوين، وهذا هو المراد مما قال بعض الفضلاء: إن صاحب الفطرة السليمة مجبول على اختيار دين الإسلام، وهو المراد بالآية الكريمة، ولا ينافيه حديث غلام الخضر لأنه مع كونه مطبوعًا على الكفر متمكن على اختيار دين الإسلام لو نظر نظرًا صحيحًا، وأيضا ما قلنا إنما هو بالنظر إلى الظاهر وعالم الشهادة بمعنى أن الناظر إذا نظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب وجد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنه ولد على الفطرة من الاستعداد للمعرفة والتمكن من قبول الحق والتمييز بين الخطأ والصواب، وقصة غلام الخضر، والحديث الواقع فيه بالنظر إلى عالم الغيب والحقيقة، هذا حاصل ما ذكروه مع توضيح وتنقيح لكلامهم.
وخلاصته أن المراد بالفطرة هو التهيؤ للإسلام والتمكن من الهدى لا الاتصاف بالإسلام وحصوله حقيقة، ولعل مراد من حمل الفطرة على دين الإسلام أيضًا إنما هو التهيؤ له والتمكن؛ إذ القول بحصول حقيقة الإسلام للمولود ظاهر الفساد، فلا خلاف بين التأويلين، ويستأنس ما ذكرنا بقول البيضاوي (1) في تفسير قوله تعالى:{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] هي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإسلام فإنهم لو خُلُّوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها، وقيل: العهد المأخوذ من آدم وذريته، انتهى. فجعل على تقدير إرادة الإسلام بمعنى التمكن من إدراك الحق بقوله: فإنهم لو خُلُّوا. . . إلخ، لا حصولها بالفعل حقيقة.
وهذا الذي ذكره في الآية آخرًا أحد الأقوال التي ذكر في تأويل الحديث، وهو أن المراد بالفطرة العهد الذي أخذ اللَّه عليهم وهم في أصلاب آبائهم، فقال:{لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172]، وهذا القائل إن أراد بالولادة على إقرار الربوبية السابقة المأخوذ يوم الميثاق بقاؤه الآن حقيقة كما هو ظاهر القول الأول في التأويل فقوله، فقد ورد عليه ما ورد على ذلك القائل، وإن أراد التمكن والتهيؤ المذكور في القول الثاني فذاك، فتدبر.
وقد يقال: المراد أن كل مولود يولد على معرفة اللَّه والإقرار بوجوده ووحدانيته
(1)"تفسير البيضاوي"(4/ 483).
كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ،
ــ
فلا تجد أحدًا إلا وهو يقرّ بأن له صانعًا وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره، وفيه: أنه إن كانت هذه المعرفة والإقرار حاصلًا لكل أحد باقيًا له بحيث لا يوجد إلا به كما هو ظاهر عبارة القائل فلا يكون لتهويد الأبوين تأثير في ذلك، وإن قيل بحصوله في حال الولادة، ثم زواله بتهويد الأبوين آل المعنى إلى أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته والتمكن من ذلك لو لم يعقه عائق من جهة الأبوين، وذلك هو المعنى الذي ذكر قبل هذا، على أن قوله تعالى:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] يرد هذا القول.
وقيل: المراد يولد في ابتداء الخلقة في علم اللَّه مؤمنًا أو كافرًا، سعيدًا أو شقيًا، فأبواه يهودانه أي: في حكم الدنيا، وهذا المعنى ركيك، فإنه لا جودة لتعقيب قوله:(فأبواه يهودانه) على خلقه كافرًا شقيًّا، وإنما يحسن على خلقه مؤمنًا سعيدًا، على أن الحق أن الفطرة غير السابقة الأزلية الحاكمة بالشقاوة والسعادة، وعلى حكم السابقة ورود قوله صلى الله عليه وسلم:(الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا).
فلما استبان لك ما ذكرنا ظهر أن الوجه هو أن المراد من الفطرة التمكن من معرفة الحق بخلق العقل فيه بحيث لو نظر نظرًا صحيحًا أدرك الحق واختار دين الإسلام، واختيار الكفر إنما هو بالعوارض والعوائق التي يصدّ عن النظر الصحيح والجريان على حكم الفطرة، ولعلنا كنا نختار من الأول هذا القول، ولم نذكر ما سواه تركًا للتطويل والانتشار، ولكن القلم جرى ما جرى بتقدير القادر المختار، وهو أعلم وعلمه أحكم.
وقوله: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء) قال الطيبي (1): قوله: (كما) إما حال
(1)"شرح الطيبي"(1/ 234).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الضمير المنصوب في (يهودانه) مثلًا، فالمعنى: يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة مشبهًا بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة، وإما صفة مصدر محذوف، أي يغيرانه تغيرًا مثل تغيرهم البهيمة السليمة، فالأفعال الثلاثة تنازعت في (كما)، انتهى.
ولا يخفى أن الظاهر أن يكون حالًا من ضمير يولد؛ لأن المشبه به تنتج البهيمة جمعاء، أي تامة كاملة سليمة الأعضاء جامعة لأعضائها، ويشابه ولادة المولود على الفطرة، نعم يصح ما قال نظرًا إلى حاصل المعنى ومآله وكأنه لاحظ قربه منه.
و(تنتج) بلفظ المجهول هكذا لفظ العرب، يقال: نتجت الناقة بلفظ المجهول: إذا ولدت، ونتجها أهلها: إذا ولّدها من التوليد وتولها نتاجها وهي منتوجة، كما يقال: نفست المرأة فهي منفوسة، والمتولى نتاجها ناتج، والناتج للبهائم كالقابلة للنساء، فقوله:(بهيمة) مفعول ثان، و (جمعاء) صفتها، ويروى أنتج على بناء الفاعل من الإنتاج، وهو ضعيف؛ لأن أنتجت الفوس بمعنى حان نتاجها، وقيل: استبان حملها، وقيل: أنتج لغة في نتج بمعنى تولى ولادتها، فيجوز أن يكون تنتج مجهولّا من الإنتاج أيضًا بهذا المعنى، كذا في (القاموس) و (الصحاح)(1).
وقال التُّورِبِشْتِي: لم يستعملوه إلا على هذا الوجه، ولكن قال القاضي عياض في (المشارق) (2): أنتجت الفرس بمعنى حملت وولدت، ويوافقه ما يقع في عبارة
(1)"القاموس المحيط"(ص: 202)، و"الصحاح"(2/ 191).
(2)
"مشارق الأنوار"(2/ 5).
هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُول: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} " [الروم: 30]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1358، 1359، 4775، 6599، م: 2658].
91 -
[13] وَعَنْ أبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. . . .
ــ
المصنفين: ينتج ومنتج بلفظ المعلوم، ويؤيد رواية المجهول ما في سنن أبي داود (1):(كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء) أي: يوالدها، واللَّه أعلم.
وقوله: (هل تحسون) بصيغة المعلوم من الإحساس (فيها من جدعاء) في (القاموس)(2): الجدع قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة، والمراد ناقصة الخلقة، والمعنى: أن البهيمة تولد سوية الأطراف سليمة من الجدع، فلولا تعرض الناس لبقيت كما ولدت.
وقوله: (ثم يقول) عدل عن لفظ الماضي إلى المضارع إحضارًا لتلك الصورة البديعة كما قالوا.
91 -
[13](أبو موسى) قوله: (قام فينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) كناية عن التذكير، أي: خطبنا وذكرنا، هذا اللفظ كثير الوقوع في الأحاديث، وكانت عادته صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد أن يعظ أصحابه ومن حضره من الوفود ويذكرهم بأحكام اللَّه قام فيهم قيامًا وخطب، وفي حديث أوس الثقفي:(كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف إلينا بعد العشاء فيحدثنا قائمًا على رجليه حتى يراوح بين قدميه من طول القيام)(3)، فعلى هذا يمكن حمله على حقيقة
(1)"سنن أبي داود"(4716).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 652).
(3)
أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار"(1171)، وابن ماجه في "سننه"(1345).
بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْل،
ــ
القيام، وقال التُّورِبِشْتِي (1): وإنما سلكنا ذلك المسلك لما عرفنا من سنته في ذلك وإن اقتضينا ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى أنه قام بحفظ تلك الكلمات لأن القيام بالشيء هو المراعاة والحفظ له.
وقوله: (بخمس كلمات) أي: بخمس فصول، والكلمة تطلق على الجملة المركبة المفيدة، في (القاموس): الكلمة: اللفظ والقصيدة. وأولى الكلمات: (إن اللَّه لا ينام)، والثانية:(ولا ينبغي له أن ينام)، وهي مغايرة للأولى لأنه لا يلزم من عدم صدور المنام عدم جوازه، ولكنها يؤكدها ويقررها، والثالثة:(يخفض القسط ويرفعه)، والرابعة:(يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)، والخامسة:(حجابه النور) هكذا قالوا، والمراد بالقسط إما الرزق، في (القاموس) (2): القسط بالكسر: العدل والحصة والنصيب والرزق والميزان، فيكون في معنى قوله تعالى:{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} [العنكبوت: 62]، أو الميزان، وهذا أظهر وأنسب لما في حديث أبي هريرة:(بيده الميزان يخفض ويرفع)(3).
ومعنى خفض الميزان ورفعه: وزن أرزاق العباد النازلة من جناب تقديره تعالى وأعمالهم الصاعدة إلى حضرته وتعريف مقاديرهما للموكلين عليها، أو هو إشارة
(1)"كتاب الميسر"(1/ 57).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 628).
(3)
أخرجه البخاري (4684).
حِجَابُهُ النُّورُ. . . .
ــ
إلى أن اللَّه كل يوم هو في شأن وأنه يحكم في خلقه بميزان العدل، ويقع هذا المعنى كالتقرير لقوله:(ولا ينبغي أن ينام)، لأن النوم ينافي دوام التصرف في الملك في كل آن وفي كل حين.
والمقصود من رفع عمل الليل قبل عمل النهار مسارعة الملائكة الموكلين بأعمال العباد فيما أمروا به، وسرعة عروجهم إلى محال العرض في مصاعد السماوات، وقدرتهم على رفع الأعمال في أدنى ساعة بل في لمحة لأنه لا فاصلة بين اليل والنهار إلا آن وجزء لا يتجزئ هو حد مشترك بينهما، وهذا إذا كان المراد بقوله قبل عمل النهار قبل شروع العبد في عمله، وإن كان المراد قبل رفع النهار فالمعنى لا يؤخر في رفع عمل الليل، ولا يتوقف على انضمام عمل النهار إليه، بل يعرض كل منهما على حدة، إذ قد وكل لكل منهما ملائكة معقبات، وكلا المعنيين صحيح، والثاني هو المتبادر من العبارة وإن كان الأول أبلغ في المعنى، فافهم.
وقوله: (حجابه النور) أي: أنوار جلاله وأشعة عظمته وكبريائه التي تدهش دونها العقول، وتكل الأبصار، وتحير البصائر، والحجاب ههنا يرجع إلى الخلق؛ لأنهم هم المحجوبون لا هو سبحانه وتعالى على مثال العُميان بالنسبة إلى الشمس، ولا يقال: محجوب بل المحتجب؛ لأن المحجوب مغلوب ومقهور للحاجب الذي يستره، والمحتجب من احتجب بذاته واستتر لمنعه الغير عن إدراكه، ويحتمل أن يكون معناه أنه محتجب لشدة ظهوره كجرم الشمس تكل به العين.
والتحقيق أن صفاته التي هي أنوار ذاته هي الحجاب له؛ إذ الصفات هي حجب الذات ولا تدرك الذات من حيث هي هي، وإنما تدرك بصفة من الصفات، وكل
لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". رَوَاهُ مُسْلِم [م: 179].
92 -
[14] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَدُ اللَّهِ مَلأَى. . . .
ــ
ما يدخل في الإدراك فهو صفة ونور من أنواره، واللَّه تعالى وراءه، وتعالى اللَّه عن أن تدركه العقول والبصائر، ولو كشفت وأزيلت أنوار الصفات وتجلى الذات البحت، لأحرقت تجليات ذاته الخلائق، واضمحلت الأكوان بسطوة أحدية الذات ولم يبق إلا اللَّه الواحد القهار.
و(سبحات) بضمتين: جمع سبحة بالضم والسكون كغرفة وغرفات، قال أبو عبيد: وهو نور وجهه، وقال في (القاموس) (1): سبحات وجه اللَّه: أنواره، ولا يخفى أنها تكون غير النور الذي هو حجابه؛ لأنه فرض مكشوفًا، فهذا نور الذات وتلك أنوار الصفات على ما بينا، أفردت لإرادة الجنس وكأنه سمي سبحة لأن الرائين من الملائكة وغيرهم يسبحون عند رؤيته لما يروعهم ويدهشهم من جلال اللَّه وعظمته، والمراد بما انتهى إليه بصر المخلوقات؛ لأن بصر اللَّه يحيط بجميع الكائنات ويصل إلى نهايتها.
92 -
[14](أبو هريرة) قوله: (يد اللَّه ملآى) قد علم الاختلاف في تأويل أمثال هذه الألفاظ وتركه والتوقف في كيفيتها، والمناسب للمقام تأويل اليد بالنعمة والنوال، وقيل: المراد باليد الخزائن، والتحقيق أن هذه العبارات كنايات عن معاني
(1)"القاموس المحيط"(ص: 216).
لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ،
ــ
إجمالًا، ولا ينظر إلى تفاصيل مفرداتها، كالاستواء على العرش كناية عن الملك ونفوذ الأمر، وبسط اليد كناية عن الجود، والطي باليمين كناية عن التصرف من غير أن يكون هنا استواء عرش ويد وبسط ويمين وطي على ما بيّن في موضعه، فالألفاظ المذكورة في الحديث كناية عن فضل الغنى وكمال السعة ونهاية الجود وغاية العطايا، فـ (ملآى) مؤنث ملآن خبر (يد اللَّه)، في (القاموس) (1): ملأه كمنعه يملأه بالفتح والكسر وهو ملَان وهي ملآى وملآنة، انتهى.
وقوله: (لا تغيضها) خبر ثان أي: لا تنقصها، من غاض الماء غيضًا: قلَّ وانتقص، كانغاض، وغاض الماء وثمن السلعة: نقصهما كأغاض، لازم ومتعد، واستعمل في الحديث متعديًا، (سحاء) خبر ثالث من السح، وهو الصب والسيلان من فوق، يقال: سحّ الماء يسحّ سحًا أي: سال من فوق، وكذلك المطر والدمع، ففيه وصف يد اللَّه في الإعطاء بالتفوق والاستعلاء، ووصف عطائه بالجزالة والغزارة باعتبار معنى السيلان، يقال: مطر سحّاح أي: شديد السحّ، وليس للفظ سحاء ذكر على أفعل، ومثله ديمة هطلاء، ولم يرد أهطل، والليل والنهار منصوبان على الظرفية لسحاء، أي: دائم عطائه غير منقطع، و (أرأيتم) خطاب عام، ويجيء في الجمع كما يجيء في الواحد، وفي الواحد أكثر، والهمزة للتقرير، و (ما) في (ما أنفق) موصولة أو موصوفة أو استفهامية، وهو أنسب بقوله:(أرأيتم).
وفي قوله: (فإنه لم يغض) استعمل الغيض لازمًا و (ما في يده) فاعله أو فيه
(1)"القاموس المحيط"(ص: 62).
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَع". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "يَمِينُ اللَّهِ مَلأَى -قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلآنُ- سَحَّاءُ لَا يُغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ". [خ: 4684، م: 993].
93 -
[15] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكينَ، قَالَ: . . . .
ــ
ضمير للإنفاق و (ما في يده) مفعوله.
وقوله: (وكان عرشه على الماء) حال من فاعل خلق، وقد عرفت معناه في الحديث الأول من الفصل، وسيجيء في (باب بدء الخلق)، وكذا قوله:(وبيده الميزان)، ويجوز أن يكون مستأنفًا؛ لأن الأمر بيده دائمًا، ولكن في جعله حالًا من فاعل (خلق) إشارة إلى سبق التقدير.
وقوله: (وفي رواية مسلم: يمين اللَّه ملأى) وهو يناسب المقام لأن العطاء يكون باليمين عادة، وقد ورد (كلتا يدي الرحمن يمين).
وقوله: (وقال ابن نمير) على صيغة التصغير، وهو عبد اللَّه بن نمير شيخ مسلم وقع في روايته:(يد اللَّه ملآن)، وهو صحيح؛ لأن المراد بيد اللَّه فضله وإحسانه، ورواية (ملآى) أكثر وأشهر وأظهر.
93 -
[15](أبو هريرة)، قوله:(عن ذراري المشركين) ذراري جمع ذرية بالضم ويكسر، والذر تفريق الحب والملح ونحوه، كذا في (القاموس)(1)، وقال التُّورِبِشْتِي (2): هو من ذرأ الخلق يذرأهم أي: خلقهم، وقد تركت العرب همزة الذرية
(1)"القاموس المحيط"(ص: 369).
(2)
"كتاب الميسر"(1/ 58).
"اللَّهُ أعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1384، م: 2659].
ــ
كتركهم في رَوِيَّة وبَرِيَّة، والذرية نسل الثقلين الرجال والنساء، وأصلها الصغار، وتقع في المتعارف على الصغار والكبار، ويستعمل للواحد والجمع، وأصلها الجمع، وقال البيضاوي (1): الذرية فعلية من الذر، أو فعولة من الذرأ، أبدلت همزتها ياء، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت.
وقوله: (اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) قال التُّورِبِشْتِي (2). يحتمل أنه لم ينبأ عن حدوث هذا السؤال عن حقيقة أمرهم، فتوقف فيه، أو علم ولم يؤذن له في الكشف عنه رعاية لمصلحة العباد فأجاب عنه بما أجاب، أي: اللَّه أعلم بما هم صائرون إليه، وبما هو كائن من أمرهم، يدخلون الجنة آمنين مُنعَّمين أم يردون النار لابسين معذبين، أم يتركون ما بين المنزلتين، ويحتمل أنه علق أمرهم بما علم اللَّه من عاقبة أمرهم لو تركوا فعاشوا حتى بلغوا الحنث.
والمعنى أن من علم اللَّه منه أنه لو أمهل حتى بلغ الحنث عنده، ثم مات على الإيمان أدخله الجنة، ومن علم منه أنه يفجر ويكفر أدخله النار، وفي هذا التأويل نظر؛ لأنا ننفي في أصل الدين ومنهاج الشرع أن يعذب العصاة على معصية كانت تقع منهم لو طالت بهم الحياة، ولأنا ننفي ذلك عن الأطفال -وهم أضعف بنية وأقل قوة- أحق وأجدر.
وبعد فاعلم أن مبنى اختلاف التأويل في هذا الحديث على اختلاف المسلمين في ولدان المشركين، فمنهم من يسكت عنه ولا يقطع في أمرهم بشيء، ومنهم من
(1)"تفسير البيضاوي"(1/ 338).
(2)
"كتاب الميسر"(1/ 59).